قائمة المواضيع :
معاوية في الميزان

2

معاوية في الميزان([1])

الأُستاذ الفاضل الشيخ يوسف القرضاوي المحترم

السلام عليكم ورحمة اللّه وبركاته

نثمّن جهودكم العلمية وما قدّمتموه للأُمّة الإسلامية من تآليف وآثار قيمة في مختلف المجالات.

نسأل اللّه سبحانه وتعالى أن يأخذ بيدكم لما يحب ويرضى ويوفّقكم لصالح الأعمال، كما نثمِّن مواقفكم الإيجابية في مسألة التقريب والوحدة بين المذاهب الإسلامية.

ولكن ذلك لا يمنعنا من الإشارة إلى بعض الكلمات الّتي صدرت عنكم في بعض المناسبات.

1.قد طرحتم إيمان سيد الأباطح أبي طالب وقلتم إنّه مات كافراً، مع أنّ أفعاله وأعماله طيلة عشر سنين في مكّة المكرمة ، وقصائده الفاخرة، تشهد على أنّه مات مؤمناً، وعاش كعيشة مؤمن آل فرعون، وقد أرسلنا إليكم رسالة حول هذا الموضوع سابقاً، وركزنا على أنّ المسألة ليست من الضروريات حتّى تطرح من على المنابر.

2. قرأنا في إحدى الصحف دفاعكم عن معاوية بن أبي سفيان في خطبة صلاة الجمعة.

ولنا أن نتساءل:

ما هي جدوى الانتصار لمعاوية في هذه الأيام الّتي تتعرض فيها الأُمّة الإسلامية إلى تحديات كبيرة وهجمات شرسة؟! ونتطلّع فيها إلى تقديم فهم صحيح للإسلام، وتصوّر واضح لمفاهيمه وأفكاره، وموقف سليم وجريء إزاء قضاياه ورجاله وشخصياته، يُتحرّى في كلّ ذلك الحق، ويُلتزم فيه بالموقف الشرعي والأخلاقي، بعيداً عن التأثيرات العاطفية، والقناعات الّتي ربما نشأت على أساس من المفاهيم المغلوطة والمعلومات المزيّفة.

هل خلا تاريخنا الإسلامي من رجال تبنّوا الإسلام شعاراً وهدفاً ومنهجاً وسلوكاً، واسترخصوا الأرواح والدماء في سبيله...؟! هل خلا من هؤلاء حتّى يُعمد إلى مثل معاوية ليُبعث من بين هذا الركام الهائل من الخطايا والأخطاء من أجل أن يُبرّأ ويلمّع وجهه البشع؟!

فهذا عليّ والأهازيج باسمه *** تشقّ الفضا النائي فهاتوا معاويا

أعيدوا ابن هند إن وجدتم رُفاته *** رُفاتاً وإلاّ فانشروها مخازيا([2])

لا أدري ماذا يقتبس (جيل النصر المنشود) الّذي يسعى الأُستاذ القرضاوي إلى صُنعه، من معاوية الّذي ناوَأ الحقّ، وناجز الهدى، وأراق دماء الصالحين، وأشاع السبّ واللعن، وأدنى الانتهازيّين والنفعيّين وأصحاب القلوب المريضة الذين آثروا الحياة الدنيا على الّتي هي خير وأبقى؟!

هل يُرجى من جيل النصر المنشود إذا زُيّنت له صورة معاوية واقتدى به واقتفى آثاره، أن (تتحقّق على يديه الآمال وتستحيل الهزائم والنكسات إلى انتصارات، وينتقل من الغوغائية إلى العلمية، ومن التشاحن إلى التعاون) على حدّ تعبير الدكتور القرضاوي؟!

إنّ معاوية لم يرحل عن دنياه المظلمة بالفتن والأحقاد والمكر والاستبداد حتّى ختمها بجريمة كبرى لا تُغتفر استجابة لنزعة شريرة وأهواء مُضلّة، عبّر عنها بقوله: «لولا هواي في يزيد لأبصرت طريقي».

ونحن نسأل الداعية الكبير وصاحب الروح الشفافة الأُستاذ القرضاوي: هل من الحقّ إسدال الستار على مقترف هذه الجريمة النكراء المتمثّلة بتسليط يزيد الفجور والخمور على رقاب المسلمين؟! وارتكابه تلك المجازر الوحشية بقتل ابن بنت رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) وأهل بيته وأصحابه، وسفك دماء المسلمين في وقعة الحرّة وانتهاك حرماتهم وأعراضهم؟!

ونودّ أن نذكر هنا بعض ما ورد في حقّ قائد الفئة الباغية معاوية:

قال الذهبي: وقُتل عمار مع علي، وتبيّن للناس قول رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم): تقتله الفئة الباغية.([3])

قال  محقّق الكتاب المذكور: وهو حديث صحيح مشهور بل متواتر، ولمّا لم يقدر معاوية على إنكاره، قال: إنّما قتلَه الذين جاءُوا به، فأجابه علي(عليه السلام)بأنّ رسول اللّه إذن قتل حمزة حين أخرجه، وهذا منه إلزام مفحم لا جواب عنه، وحجة لا اعتراض عليها.

وروى مسلم في صحيحه عن عامر بن سعد بن أبي وقاص، عن أبيه، قال:أمر معاوية بن أبي سفيان سعداً فقال: ما منعك أن تسبَّ أبا التُّراب؟ فقال: أمّا ما ذكرتُ ثلاثاً قالهن له رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم)، فلن أسبَّه. لأن تكون لي واحدةٌ منهنّ أحبُّ إليَّ من حُمْرِ النَّعم. سمعتُ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول له، وقد خلَّفهُ في بعض مغازيه، فقال له عليّ: يا رسول اللّه، خلّفتني مع النساء والصبيان؟ فقال له رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم): «أما  ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى، إلاّ أنّه لا نبوّة بعدي».

وسمعته يقول يوم خيبر: «لأعطينَّ الراية رجلاً يحبُّ اللّه ورسوله، ويحبه اللّه ورسوله»، قال: فتطاولنا لها فقال: «ادعوا لي عليّاً»، فأُتي به أرمد. فبصق في عينه ودفع الراية إليه، ففتح اللّه عليه.

ولمّا نزلت هذه الآية (فَقُلْ تَعَالَوا نَدْعُ أَبْناءَنا وَأَبْناءَكُمْ)([4])دعا رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم)عليّاً وفاطمة وحسناً وحسيناً (عليهم السلام) فقال: «اللَّهُمَّ هؤلاءِ أَهْلي».([5])

وقال  ابن أبي نجيح، قال: لمّا حجّ معاوية طاف بالبيت ومعه سعد، فلمّا فرغ انصرف معاوية إلى دار الندوة فأجلسه معه على سريره، ووقع معاوية في عليّ، وشرع في سبّه، فزحف سعد ثمّ قال: أجلستني معك على سريرك ثمّ شرعت في سبّ عليّ، واللّه لأن يكون لي خصلة واحدة من خصال كانت لعلي أحبّ إليّ من أن يكون لي ما طلعت عليه الشمس.

إلى آخر الحديث، وفيه من قول سعد: وأيم اللّه لا دخلت لك داراً ما بقيت. ونهض.([6])

لقد بدّل معاوية الخلافة الراشدة إلى ملك عضوض، وأخذ البيعة لابنه يزيد على كره من أهل الحلّ والعقد وتحت بوارق الإرهاب وأطماع أهل الشره والشهوات، وقد حجّ في سنة خمسين واعتمر في رجب سنة 56 هـ ، وكانت الغاية من السفرين أخذ البيعة من المهاجرين والأنصار لولده يزيد، وقد دار بينه و بين أهل الشرف والكرامة من الجيلين كلمات يقف عليها مَن قرأ التاريخ.

ولا نذكر من ذلك شيئاً، لأنّه في متناول الجميع، وقد وقف على ذلك الأصم والأبكم حتى الغربيون!!

قال السيد محمد رشيد رضا في المنار: قال أحد كبار علماء الألمان في الاستانة لبعض المسلمين وفيهم أحد شرفاء مكة:

إنّه ينبغي لنا أن نقيم تمثالاً من الذهب لمعاوية بن أبي سفيان في ميدان كذا من عاصمتنا(برلين)، قيل له: لماذا؟ قال:لأنّه هو الذي حوّل نظام الحكم الإسلامي عن قاعدته الديمقراطية إلى عصبية الغلب، ولولا ذلك لعمّ الإسلام العالم كلّه، ولكنّا نحن الألمان وسائر شعوب أوروبا، عرباً مسلمين.([7])

أليس هو الذي قتل الأبرياء من صحابة النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)وغيرهم مثل حجر بن عدي وأصحابه وعمرو بن الحمق الخزاعي  وشريك بن شداد الحضرمي وغيرهم، وقد كان أصحابه (أَشِداءُ عَلى الْكُفّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ).([8])

ولم يكن لهم أي ذنب سوى أنّهم كانوا من أصحاب علي (عليه السلام)ومحبيه.

وفي هذا الصدد كتب الإمام الطاهر الأبيّ الضيم الحسين بن علي سيد الشهداء (عليه السلام)رسالة  إلى معاوية، قال فيها:

«ألست قاتل حُجر وأصحابه العابدين المخبتين الذين كانوا يستفظعون البدع، ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر؟! فقتلتهم ظلماً وعدواناً من بعد ما أعطيتهم المواثيق الغليظة والعهود المؤكّدة جرأةً على اللّه واستخفافاً بعهده.

أوَ لستَ بقاتل عمرو بن الحمق الذي أخلقت وأبلت وجهه العبادة، فقتلتَه من بعد ما أعطيته من العهود ما لو فهمته العُصم نزلت من شعف الجبال؟

أو لستَ قاتل الحضرمي الذي كتب إليك فيه زياد: إنّه على دين عليّ كرّم اللّه وجهه. ودين عليّ هو دين ابن عمّه(صلى الله عليه وآله وسلم)الذي أجلسك مجلسك الذي أنت فيه، ولولا ذلك كان أفضل شرفك وشرف آبائك تجشّم الرحلتين: رحلة الشتاء والصيف، فوضعها اللّه عنكم بنا، منّةً عليكم».([9])

نعم قام غير واحد من المغفّلين بتبرير أعماله بالاجتهاد حتّى أثبتوا له أجراً، معتمدين على القول المعروف: للمصيب أجران وللمخطئ أجرٌ واحد. وقد عزب عنه أنّ هذا لو صحّ فإنّما هو للاجتهاد المعتمد على الكتاب والسنّة الذي هو رمز بقاء الدين وسرّ خلوده لا الاجتهاد في مقابل الأدلّة الشرعية.

فوا عجباً أيُكتب الأجر لمن سنّ سب المرتضى(عليه السلام) صنو النبي  وأخيه الذي لم يفارقه منذ نعومة أظفاره إلى أن التحق النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)بالرفيق الأعلى؟!

وللّه درّ الشاعر المبدع الأُستاذ محمد مجذوب، القائل في قصيدته العصماء:

أين القصور  أبا يزيد ولهوُها *** والصافناتُ وزهوُها والسؤددُ

أين الدهاء نحرتَ عزّته على *** أعتاب دنيا سحرها لا ينفد

نازعته  الدنيا ففزتَ بوِرْدها *** ثمّ انطوى كالحلم ذاك المورد

هذا ضريحك لو بصرتَ ببؤسه *** لأسالَ مدمعَكَ المصيرُ الأسود

كُتلٌ من الترب المهين بِخَرْبة *** سكر الذباب بها فراح يُعربد

حتّى المصلّى مظلم فكأنّه *** مذ كان لم يجتز به متعبّد

ما كان ضرّكَ لو كففتَ شواظها *** وسلكتَ نهج الحق وهو معبّد

ولزمتَ ظلّ أبي تراب وهو من *** في ظلّه يُرجى السداد ويُنشَد

ولعلّ في هذه الكلمات القصيرة  التي هي غيض من فيض وقليل من كثير تذكرة للأُستاذ المعظم. ودمتم موفقين.

------------------------------------------------

[1] . أُرسلت هذه الرسالة بتاريخ 10 جمادى الأُولى 1424 هـ .

[2] .  للعلاّمة الشاعر الشيخ عبد الحميد السماوي(رحمه الله).

[3] . سير أعلام النبلاء: 3/142، ترجمة معاوية برقم 25.

[4] . آل عمران:61.

[5] . صحيح مسلم:1198، كتاب فضائل الصحابة، باب من فضائل علي بن أبي طالب(عليه السلام)، الحديث 6114، دار الفكر، بيروت ـ 1424هـ .

[6] . مروج الذهب:3/24; البداية والنهاية:8/83 حوادث سنة 55 هـ .

[7] . تفسير المنار:11/260.

[8] . الفتح:29.

[9] .  الإمامة والسياسة:1/160; جمهرة خطب العرب:2/255، رقم 246.