قائمة المواضيع :
تزويج البكر وولاية الأب

3

تزويج البكر وولاية الأب([1])

قرأنا في مجلة «الشريعة»([2]) الغرّاء (العدد 474، ربيع الثاني 1426هـ) جواباً للفقيه المعاصر الشيخ يوسف القرضاوي عن السؤال التالي:

هل صحيح أنّ الإمام الشافعي جعل من حق الأب أن يزوّج ابنته البالغة بغير رضاها؟ وإذا كان هذا صحيحاً فهل يتفق هذا مع المنهج الإسلامي العام في اشتراط موافقة الفتاة المسبقة؟

وحاصل ما أجاب به سماحته هو:

أوّلاً: أنّ هنا قاعدة أساسية لا يختلف فيها اثنان وهي أنّ كلّ مجتهد يُصيب ويُخطئ، وأنّ كلّ واحد يؤخذ من كلامه ويترك إلاّ المعصوم. والإمام الشافعي بشر غير معصوم.

ثانياً: من الإنصاف للمجتهدين أن نضع آراءهم في إطارها التاريخي، فإنّ المجتهد أعرف ببيئته وزمنه، ولا يمكن إغفال العنصر الذاتي للمجتهد.

وقد عاش الشافعي في عصر قلّما كانت تعرف فيه الفتاة عمّن يتقدّم لخطبتها شيئاً إلاّ ما يعرفه أهلها عنه، لهذا أُعطي والدُها خاصة حق تزويجها ولو بغير استئذانها.

ثمّ قال: ومن يدري لعل الشافعي لو عاش إلى زماننا ورأى ما وصلت إليه الفتاة من ثقافة وعلم وانّها أصبحت قادرة على التمييز بين الرجال الذين يتقدمون إليها ربّما غيّر رأيه.

على هامش جواب الشيخ القرضاوي

انطلاقاً  من القول المشهور: «الحقيقة بنت البحث» لنا حول هذا الجواب مناقشات نطرحها على طاولة البحث، وربّما يكون لدى الأُستاذ جواب عنها.

المناقشة الأُولى

إنّ رسالة  الإسلام رسالة أبدية وكتابها القرآن الكريم خاتم الكتب، فلابدّ أن تكون هذه الشريعة بشكل يوافق فطرة الإنسان ويواكب عامة الحضارات في مختلف العصور.

وقد اختلفت كلمات الفقهاء في لزوم الاستئذان وعدمه، فقال مالك والشافعي وابن أبي ليلى: للأب فقط أن يجبرها على النكاح.

وقال أبو حنيفة والثوري والأوزاعي وأبو ثور وجماعة: لابدّ من اعتبار رضاها، ووافقهم مالك في البكر على أحد القولين عنه.([3])

فلابدّ في تمييز ما هو الصواب من الآراء، من عرض المسألة على الكتاب والسنة، فالسنة المروية تدعم الرأي الثاني. وقد ألمح إلى هذه الروايات الأُستاذ في ثنايا جوابه.

روى أبو هريرة أنّ النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)قال: لا تنكح الأيّم حتّى تُستأمر، ولا تُنكح البكر حتّى تُستأذن.

فقالوا: يا رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم): كيف إذنها ؟ قال : إذا سكتت.

وروى أبو داود وابن ماجة عن ابن عباس: أنّ جارية بكر أتت النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)فذكرت أنّ أباها زوّجها وهي كارهة فخيّرها النبي (صلى الله عليه وآله وسلم).([4])

والروايات المروية عن أئمّة أهل البيت(عليهم السلام) تدعم القول الثاني.

روى منصور بن حازم عن الإمام الصادق(عليه السلام):«تستأمر البكر وغيرها ولا تنكح إلاّ بأمرها».([5])

إلى غير ذلك من الروايات المروية عن أئمّة أهل البيت (عليهم السلام)الّتي تؤكد شرطية إذن المرأة في نكاحها.

أضف إلى ذلك: انّ التزويج هو النواة الأُولى لتأسيس المجتمع الكبير، فهل يجوز في منطق العقل الحصيف أن يكون للأب حق التزويج من دون استئذان البنت؟ هذا مع الأخذ بعين الاعتبار أنّ هذا العقد ليس قصيراً، بل قد يدوم إلى خمسين سنة أو أكثر، فكيف نتصور إلزامها على هذه الحياة من دون أن تعلم أو تفكر أو تأذن فيها؟!

إنّ البيع هو إنشاء علاقة بين مالين، والنكاح إنشاء علاقة بين نفسين، واللّه سبحانه يشترط التراضي في صحة التجارة ويقول:(لاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَراض مِنْكُمْ).([6])

فهل يسوغ في منطق العقل أن تكون صحة التجارة منوطة بالتراضي دون النكاح؟!

وهل البيع والتجارة أسمى وأهم من النكاح والزواج الّذي عليه يقوم المجتمع؟! كل ذلك يدل على عدم صحة ما قال به الشافعي وقبله مالك.

هذا من الجانب الفقهي ولا نطيل فيه، وقد فصّلنا الكلام فيه في كتابنا «نظام النكاح في الشريعة الإسلامية الغرّاء»([7]) .

المناقشة الثانية

لو افترضنا انّ الحكم الإسلامي في حقّ الفتاة هو جواز تزويجها بغير إذنها وجواز إجبار الأب إياها للنكاح وإن كانت غير راضية به، كما عليه فتوى الإمام الشافعي والإمام مالك على أحد قوليه.

فلو كان التشريع على هذا الحال فكيف يمكن أن يتغير حكمه بتغير الظروف، مع أنّ حلال محمد حلال إلى يوم القيامة وحرامه حرام إلى يوم القيامة؟

وما اعتذر به الأُستاذ من وجود الثقافة والعلم عند الفتاة المعاصرة دون مثلها الّتي عاشت في عصر الشافعي، غير وجيه، لأنّ معنى ذلك أنّ التشريع الإسلامي موضوع للأُميّات والجاهلات ولا يعم المثقّفات والعارفات.

هب أنّ الأُستاذ نجح في توجيه هذه الفتوى فكيف يفسّر رأياً آخر للإمام الشافعي حول لمس المرأة الأجنبية الّذي عدّه من نواقض الوضوء؟ وإليك نص الفتوى.

وقال الشافعية: إذا لمس المتوضّئ امرأة أجنبية بدون حائل انتقض الوضوء.

وبعبارة أُخرى: مباشرة النساء من غير حائل إذا كنّ غير ذوات محارم تنقض الوضوء بشهوة كانت أو بغير شهوة، باليد كانت أو بالرجل أو بغيرهما من الجسد، عامداً أو ناسياً.([8]) ومن المعلوم أنّ هذا الرأي غريب من وجهين:

1. انّه لا رصيد له من الكتاب والسنّة، فقوله سبحانه في آية الوضوء: (أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ)([9]) كناية  عن الدخول والجماع كما هو الحال في آيات الطلاق، قال سبحانه: (إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّساءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ)([10]) ، وقال:(وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ). ([11])

2. إنّ هذه الفتيا لا تنسجم مع كرامة المرأة ومنزلتها في الشريعة الإسلامية، حيث إنّ الذكْر العزيز قد وصف المرأة بأنّها عِدْل للزوج وأنّه يسكن إليها ، قال سبحانه: (خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْها).([12])

إنّ التشريع الإسلامي يعتمد في أُصوله الكلية على الفطرة البشرية ولا يتغير حكمه بتغير الزمان والمكان، فما دام هذا الإنسان موجوداً على ظهر هذا الكوكب فالحكم الشرعي يواكب فطرته ولا يشذ عنه قيد شعرة فلابدّ أن يكون مستمراً ودائماً وأبدياً.

نعم قد ثبت في محله أنّ لعنصري الزمان والمكان دوراً في الاستنباط والاجتهاد، ولكن ذلك لا يعني نسخ الأحكام وإخراجها من الساحة وإحلال حكم آخر مكانها لأجل ذينك العنصرين، بل بمعنى انّ الحضارة والتقدم قد تؤثر في الموضوع بإخراجه عن موضوع حكم وإدخاله تحت موضوع حكم آخر مع التحفظ على كلا الحكمين في موردهما ولنأت بمثال.

إنّ بيع الدم حرام في الفقه الإسلامي لعدم الانتفاع به في أمر محلّل، إذ كان الانتفاع ربما منحصراً في الأكل، ولكن التقدم الحضاري مكّن الطبيب من الانتفاع به انتفاعاً حلالاً وذلك في عمليات نقل الدم من إنسان لآخر محتاج إليه في المستشفيات.

المناقشة الثالثة

إنّ قول الأُستاذ بأنّ الإمام الشافعي لو كان قد عاش إلى زماننا ورأى ما وصلت إليه الفتاة من ثقافة وعلم لعلّه لو رأى ذلك لغيّر رأيه، فإنّ ذلك يدفعنا إلى التسليم بضرورة الرجوع إلى المجتهد الحي في عامة المسائل، وذلك لنفس النكتة الّتي ذكرها الأُستاذ، ذلك لأنّ فقهاء الإسلام مع الاعتراف بأنّهم أعلام الهدى ومصابيح الدجى، لا فرق بين من لحق بالرفيق الأعلى منهم، ومن هو حيٌّ يُرزق. لكن المجتهد الحي أعرف بالظروف السائدة في المجتمع، وانطلاقاً من قول القائل:«الشاهد يرى ما لا يراه الغائب»، فهو يعرف مقتضيات الزمان والمكان ، على نحو لو كان الفقيه الفقيد حاضراً في هذا الزمان لربما عدل عن رأيه وأفتى بغير ما أفتى به سابقاً، وهذا ما يدفع الفقهاء إلى ترويج تقليد المجتهد الحي أو اللجنة الفقهية المتشكّلة من الأحياء وترك تقليد غيرهم بتاتاً.

نعم هذا الاقتراح ربّما يكون ثقيلاً على من اعتاد تقليد غير الأحياء، ولكنّه ينسجم مع الفطرة الإنسانية التي بُنيت عليها أُسس الدين الإسلامي، وليس ذلك أمراً بعيداً عن حياة البشر، فإنّ المجتمع في حاجاته يرجع إلى الأطباء والمهندسين الأحياء، لأنّهم أعرف بحاجات العصر وبالداء والدواء.

هذا بالإضافة إلى أنّه لم يدل دليل على انحصار المذاهب الفقهية في الأربعة، وقد كان المسلمون يعملون بالشريعة ولم يُولد أحد من الأئمة ولم يثبت أنّهم أعلم وأفضل من كل من جاء ولحق بهم من الفقهاء العظام ـ رضوان اللّه عليهم ـ لو لم يثبت خلافه.

إنّ مواهبه سبحانه ورحمته الواسعة لا تختص بجيل دون جيل ولا بعصر دون عصر وقد تكامل الفقه بيد عشاق الفقه في كلّ عصر، حتّى ربما صار المتأخّر، أبصر وأدق من المتقدم.

لا شكّ انّ الاستنباط الجماعي أوثق من الاستنباط الفردي، وأنا أقترح على فقهاء المذاهب في كلّ صقع، أن يشكّلوا مجمعاً فقهياً حراً يضم إلى جنبه، فقهاء كباراً من عامة البلاد، فيكون هو المرجع في المسائل الخلافية، قديمة كانت أو حادثة.

وبتعبير آخر: أن يدرسوا عامة المسائل الخلافية من جديد، وإذا  خرج الجميع، أي الأكثر منهم برأي، يكون هو المفزع لعامة الناس، سواء أوافق أحد المذاهب الأربعة أم لا.

إنّ الجمود على فتوى إمام خاص ربما يُوقع الحجاج في حرج شديد، فإنّ بعض المذاهب: يفرض رمي الجمار باليوم العاشر من مطلع الشمس إلى دلوكها ولا يجوّز بعد الظهر بخلاف اليومين التاليين فلا يرخص فيهما صباحاً، بل يفرض أن يكون الرمي بعد الظهر.

إنّ هذا التضييق في وقت الرمي يورث حرجاً شديداً على الحجاج وينتهي إلى قتل العشرات منهم بفعل الازدحام. مع أنّ في بعض المذاهب رخصة أوسع من ذلك حيث يجوز الرمي من مطلع الشمس إلى مغربها.

هذا هو المقترح ولكنّ  الموانع ربّما تحول بين الإنسان وأُمنيته.

ما كلّ ما يتمنى المرء يدركه *** .....................

والسلام عليكم ورحمة اللّه وبركاته


------------------------------------------------
[1] . تمّت كتابة هذه المقالة بتاريخ 2 جمادى الآخرة 1426 هـ .
[2] . مجلة «الشريعة» تصدر في الأردن، مؤسسها المرحوم تيسير ظبيان ويرأس تحريرها بسام ظبيان.
[3] . بداية المجتهد:2/5، كتاب النكاح.
[4] . لاحظ الخلاف للطوسي، كتاب النكاح ، المسألة10; بداية المجتهد:2/5، كتاب النكاح; المغني لابن قدامة:6/516.
[5] . الوسائل:14، الباب9 من أبواب عقد النكاح، الحديث1.
[6] . النساء:29.
[7] . انظر: نظام النكاح في الشريعة الإسلاميّة الغرّاء: 1 / 172 ـ 193 .
[8] . الأُمّ:1/15; المبسوط:1/67; أحكام القرآن للجصاص:2/369 إلى غير ذلك من المصادر.
[9] . المائدة:6.
[10] . البقرة:236.
[11] . 237.
[12] . الروم:21.