قائمة المواضيع :
في تسمية الولد بعبد المسيح

4

في تسمية الولد بعبد المسيح([1])

قرأنا في قسم الفتاوى في العدد (479) من مجلة «الشريعة» الأردنية أسئلة مختلفة أجاب عنها عددٌ من الشيوخ والأساتذة ـ حفظهم اللّه تبارك وتعالى ـ. ومن تلك الأسئلة سؤال يتعلق بجواز تسمية الولد بـ (عبد المسيح) وقد أجاب عنه الشيخ يوسف القرضاوي قائلاً: هذه التسمية حرام، حرام، حرام، أعني: أنّ حرمتها مضاعفة ثلاث:

الأُولى: أنّ كل اسم معبد لغير الله تحرم التسمية به بإجماع المسلمين .

أقول: ولنا على الشق الأوّل من هذه الإجابة تعليق ينبغي التنبيه عليه ينفع في إبعاد شبهة تثار حول جواز التسمية بأسماء شاعت بين المسلمين كعبد النبي أو عبد الرسول أو غير ذلك.

ولو أنّ الشيخ وضّح معنى العبد في مثل هذه الأسماء لما ادّعى الإجماع على حرمته، لأنّ العبودية تطلق ويراد بها معان مختلفة ويختلف حكمها حسب اختلاف الموارد وهذا بيانه:

1. العـبودية التكوينية، وهي بهذا المعنى ناشئة  من المملوكية التكوينية التي تعمّ جميع العباد، ومنشأ المملوكية كونه سبحانه خالقاً، والإنسان مخلوقاً. فالعبودية إذا كانت رمزاً للمملوكية الناشئة من الخالقية، فهي لا تضاف إلاّ إلى اللّه سبحانه كما يقول سبحانه: (إِنْ كُـلُّ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالأَرْضِ إِلاّ آتِى الرَّحمن عَبْداً).([2])

وقال سبحانه حاكياً عن المسيح:(إِنّي عَبْدُ اللّهِ آتانِيَ الْكِتابَ وَجَعَلَني نَبِيّاً).([3])

2. العبودية الوضعية الناشئة من غلبة إنسان على إنسان في الحروب، وقد أمضاها الشارع تحت شرائط معينة مذكورة في الفقه.

فأمر الأُسارى ـ الذين يقعون في الأسر بيد المسلمين ـ موكول إلى الحاكم الشرعي فهو مخيّر بين إطلاق سراحهم بلا عوض، أو بأخذ مال منهم، أو استرقاقهم.

فإذا اختار الثالث فيكون الأسير عبداً للمسلم، ولذلك ترى أنّ الفقهاء عقدوا باباً باسم «العبيد والإماء».

قال سبحانه:(وَأَنْكِحُوا الأَيامى مِنْكُمْ وَالصّالِحينَ مِنْ عِبادِكُمْ وَإِمائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَراءَ يُغْنِهِمُ اللّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ).([4])

تجد أنّه سبحانه ينسب العبودية والإمائية إلى الذين يتملكونهم ويقول(عِبادِكُمْ وَإِمائِكُمْ)فيضيف العبد إلى غير اسمه جلّ ذكره.

3. العبودية بمعنى الطاعة وبها فسرها أصحاب المعاجم.([5])

والمعنى الثالث هو المقصود من تلك الأسماء فيسمُّون أولادهم باسم عبد الرسول أي مطيع الرسول ، وعبد الحسين أي مطيعه، وكلّ مسلم مطيع للرسول والأئمّة من بعده ولا شكّ انّه يجب إطاعة النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) وأُولي الأمر.

قال سبحانه: (أَطِيعُوا اللّهَ وَأَطيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ).([6])

فعرّف القرآنُ النبيَ بأنّه مطاع والمسلمين بأنّهم مطيعون، ولا عتب على الإنسان أن يبرز هذه المعاني من خلال تسمية أولاده وفلذات كبده بهذه الأسماء المقدّسة.

نعم المسمّى بعبد الرسول هو عبد للرسول وفي الوقت نفسه عبد للّه أيضاً، ولا منافاة بين النسبتين لما عرفت من أنّ العبودية في الصورة الأُولى هي العبودية التكوينية النابعة من الخالقية، ولكنّها في الصورة الثانية والثالثة ناجمة عن تشريعه سبحانه حيث جعل الغالب مولى والأسير عبداً، كما جعل النبي مطاعاً وغيره عبداً أي مطيعاً، وشتّان ما بينهما وبين المعنى الأوّل، ولا أجد مسلماً على أديم الأرض يسمّي اسمَ ولده بعبد الرسول ويقصد به العبودية التكوينية للرسول، وانّما يقصد المعنى الثالث وهو كونه مطيعاً للرسول. وغاية ما يمكن أن يقال يقصد العبودية التشريفية والتنزيلية بضرب من المجاز وتشبيهاً بالعبودية الرائجة بين الموالي العرفية وعبيدهم.

------------------------------------------------

[1] . تم إرسال هذه المقالة في 16 ذي الحجة 1426 هـ .

[2] . مريم:93.

[3] . مريم:30.

[4] . النور:32.

[5] . لسان العرب: مادة عبد، وكذلك القاموس المحيط في نفس المادة.

[6] . النساء:59.