قائمة المواضيع :
في مساواة دية المرأة لدية الرجل

5

في مساواة دية المرأة لدية الرجل([1])

اطلعنا على العدد 495 (آذار / 2007 م، صفر 1428 هـ) من مجلة «الشريعة» الغرّاء، ووجدنا فيه فتوى للشيخ الدكتور يوسف القرضاوي تتضمن القول بأنّ دية المرأة تساوي دية الرجل، وأنّ الحكم بأنّ دية المرأة على النصف من دية الرجل لا يسنده نص صريح من القرآن الكريم ولا من السنة المطهرة، كما لا يؤيده إجماع ولا قياس ولا مصلحة معتبرة، وأنّ رأيه في مساواة الديتين تعضده آراء علماء سابقين منهم صاحب المنار والشيخ محمود شلتوت والشيخ أبو زهرة والشيخ محمد الغزالي.

ثم إنّه اعتذر عن فتوى العلماء في القرون السابقة بالنصف بأنَّ قتل المرأة خطأ أو شبه عمد في الأزمنة الماضية، كان من الندرة فلم تعد مشكلة حول الموضوع حتّى تستدعي اجتهاداً جديداً من العلماء.

أقول: نحن نقدر الاجتهاد الحرّ الخارج عن إطار المذاهب المعيّنة، فإنّ الاجتهاد رمز خلود الإسلام واستمرار شريعته. ولكن نؤكّد على لزوم اعتماد الاجتهاد الحر على الكتاب والسنة المطهرة والإجماع وسائر الأُصول المعتبرة وعدم الخروج عن مقتضاها قيد شعرة.

هذا وقد عادت دراسة دية الحرة المسلمة إلى الساحة لأجل أنّ طابع العصر الحاضر هو طابع العطف والحنان على النساء، بزعم أنّهنّ كنّ مهضومات الحقوق في الأدوار السابقة. فقامت مؤسسات وتشكّلت جمعيات لإحياء حقوقهن، وإخراجهن من زي الرقّية للرجال، إلى الاستقلال والحرية، وربّما يتصوّر أنّ في القول بأنّ ديتها نصف دية الرجل، هضماً لحقوقها وإضعافاً وإهانة لها.

ومع ذلك كلّه ففي المسألة دليل قاطع من السنة المطهرة وإجماع المسلمين على النصف. 

اتّفاق الفقهاء على النصف

أمّا الإجماع فقد اتفقت كلمات الفقهاء على النصف عبر أربعة عشر قرناً ولم يخالفهم إلاّ رجلين لا اعتبار لخلافهما.

قال ابن قدامة في شرحه: قال ابن المنذر وابن عبد البرّ: أجمع أهل العلم على أن دية المرأة نصف دية الرجل. وحكى غيرهما عن ابن عُليَّة والأصم أنّهما قالا: ديتها كدية الرجل لقوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «في النفس المؤمنة مائة من الإبل»، وهذا قول شاذ يخالف إجماع الصحابة وسنة النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) فإنّ في كتاب عمرو بن حزم: «دية المرأة على النصف من دية الرجل» وهي أخص ممّا ذكروه، وهما في كتاب واحد فيكون ما ذكرنا مفسِّراً ما ذكروه، ومخصصاً له.

وديّة نساء كلّ أهل دين، على النصف من دية رجالهم على ما قدّمنا في موضعه .([2])

وقال القرطبي (المتوفّى: 595 هـ): اتفقوا على أنّ دية المرأة نصف دية الرجل والنفس .([3])

وقال شمس الدين السرخسي (المتوفّى 495 هـ): بلغنا عن علي (عليه السلام) أنّه قال في دية المرأة على النصف من دية الرجل في النفس وما دونها (الأعضاء والجراح) وبه نأخذ .([4])

ومن رجع إلى الكتب الفقهية يجد نظير هذه الكلمات فلا حاجة إلى نقل كلماتهم. والذين نلتف إليه نظر الأُستاذ أنّه لم يخالف ذلك القول في العصور الماضية إلاّ رجلان:

أحدهما: أبن عُليّة: وهو إسماعيل بن إبراهيم المصري (110 ـ 193 هـ) الّذي كان مقيماً في بغداد وولي المظالم فيها في آخر خلافة الرشيد، وكفى في سقوط رأيه أنّه سيء الأخلاق والسلوك.

وكتب له عبدالله بن مبارك أبياتاً مستهلها:

يا جاعل الدين له بازيا *** يصطاد أموال المساكين([5])

ثانيهما: أبو بكر الأصمّ عبدالرحمن بن كيسان المعتزلي صاحب المقالات في الأُصول، والمعتزلة يعتمدون على العقل أكثر ممّا يعتمدون على النقل ولذلك لا يطلق عليهم أهل السنة في مصطلح أهل الحديث والاشاعرة .

وأي إجماع أعظم وأتقن من اتفاق الفقهاء على حكم مضى عليه قرون متمادية لم ينبس فيها أحد ببنت شفة إلاّ رجلان قد علمت حالهما والعجب أنّ الدكتور في صدر كلامه يقول: (لا يؤيده إجماع ولا قياس ولا مصلحة معتبرة). ونقرأ في آخر الخبر أنّ المعلّق قد كتب أنّ رأي الدكتور القرضاوي هذا يأتي مخالفاً لآراء الفقهاء أصحاب المذاهب الأربعة الشهيرة، والمذهب الظاهري والزيدي والمذهب الجعفري والمذهب الأباضي.

ولعله حاول بذلك إعطاء أهمية لهذا البحث.

هذا ما يمكن ذكره عن الإجماع، وأما السنة :

تضافر السنة على النصف

1. أخرج البيهقي بسندين في أحدهما ضعف دون الآخر، عن معاذ بن جبل قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «دية المرأة على النصف من دية الرجل» .([6])

2. أخرج البيهقي بسنده عن مكحول وعطاء قالوا: أدركنا الناس على أن دية المسلم الحرّ على عهد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) مائة من الإبل، فقوّم عمر بن الخطاب تلك الدية على أهل القرى ألف دينار أو اثني عشر ألف درهم، ودية الحرة المسلمة إذا كانت من أهل القرى خمسمائة دينار أو ستة آلاف درهم، فإذا كان الّذي أصابها من الأعراب فديتها خمسون من الإبل، ودية الأعرابية إذا أصابها الأعرابي خمسون من الإبل لا يُكلّف الأعرابي الذهب ولا الورق .([7])

3. أخرج البيهقي عن حمّاد عن إبراهيم، عن علي بن أبي طالب (عليه السلام) أنّه قال: عقل المرأة على النصف من دية عقل الرجل من النفس وفيما دونها ([8])، والمراد بإبراهيم، هو إبراهيم النخعي (المتوفّى 93 هـ) وهو لم يدرك عليّ بن أبي طالب، والسند منقطع.

4. أخرج النسائي والدارقطني، وصحّحه ابن خزيمة، عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): «عقل المرأة مثل عقل الرجل حتّى يبلغ الثلث من ديته» ([9]).

التنصيف في ديّة الأعضاء

هذا في دية النفس وهكذا الكلام في دية الأعضاء والجراحات، إذ اتفق الفقهاء على أنّ دية المرأة تساوي دية الرجل في الأُروش المقدرة إلى حدّ خاص، فإذا انتهت إليه فعلى النصف، وهذه الضابطة أمر متفق عليه، غير أنّ الاختلافِ في الحدّ الّذي إذا بلغته الدية، تكون على النصف والضابطة نفسها تؤيد الكبرى الكلّية في أنّ دية المرأة، نصف دية الرجل والاختلاف في الحدّ الّذي إذا بلغته ترجع إلى النصف لا يضرّ بها.

والمشهور أنّ المرأة تعاقل الرجل في دية الأعضاء والجراحات إلى ثلث الدّية فاذا تجاوزت الثلث رجعت إلى النصف، روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدّه ان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: «المرأة تعاقل الرجل إلى ثلث ديتها» .

وقال ربيعة: قلت لسعيد بن المسيب: كم في إصبع المرأة؟ فقال: عشر، قلت: ففي إصبعين؟ قال: عشرون. قلت: ففي ثلاث؟ قال: ثلاثون، قلت: ففي أربع؟ قال: عشرون. قلت له: لمّا عظمت مصيبتها قلّ عقلها؟! قال: هكذا السنة.

قوله: «هكذا السنة» دالّ على أنّه أراد سنة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)وإجماع الصحابة والتابعين .([10])

وقد أخرج البيهقي بسند متصل إلى زيد بن ثابت أنّه قال: جراحات الرجال والنساء سواء إلى الثلث وما زاد فعلى النصف .([11])

ما هي المصلحة في تنصيف الدية؟

يقول  الشيخ القرضاوي من أنّ التنصيف لا تؤيده مصلحة.

ولعلّه عَنْى أنّ التفريق بين الديتين تفريق بلا سبب ولا مصلحة.

ولكن هناك مصلحة نشير إليها، وهي:

إنّه لا شك في أنّ المرأة المسلمة كالرجل المسلم من حيث دورها وأهميتها في المجتمع، وليس الاختلاف في الدية دليلاً على نقصان في كرامتها، وإنّما شرعت الدية لسدّ الضرر المالي الوارد على الأُسرة بسبب قتل النفس، ومن المعلوم أنّ الضرر المالي والخلل الاقتصادي الّذي يصيب العائلة بفقد الرجل أكثر منه في حالة فقدان المرأة .

ولذلك أصبحت دية المرأة نصف دية الرجل. كل ذلك حسب طبيعة المجتمع الإسلامي الّذي حمّل الرجل مسؤولية إدارة الأُسرة والقيمومة.

وهناك شبهات وشكوك حول التنصيف تركنا التعرض لها روماً للاختصار .

وأخيراً نلفت نظر الأُستاذ إلى هذه الكلمة، وهي إن كان قد اطلع على ما لم نطلع عليه من الأدلة الشرعية الدالة على التساوي فليُدل بدليله.

 ------------------------------------------------

[1] . تمّ تحرير هذه الرسالة بتاريخ 17 ربيع الثاني 1428 هـ .

[2] . المغني: 9 / 531 ـ 532 .

[3] . بداية المجتهد: 2 / 426 .

[4] . المبسوط للسرخسي: 26 / 79، كتاب الديات .

[5] . طبقات الفقهاء: 2 / 61 .

[6] . سنن البيهقي: 8 / 95.

[7] . سنن البيهقي: 8 / 95.

[8] . نفس المصدر.

[9] . التاج الجامع للأُصول: 3 / 11; بلوغ المرام برقم 1212 .

[10] . الخلاف: 5 / 254 ـ 256، المسألة 63 .

[11] . سنن البيهقي: 8 / 97، ولاحظ بقية الروايات في نفس المصدر.