قائمة المواضيع :
هل تعظيم أولياء اللّه وتخليد ذكرياتهم شرك؟
الجواب: يعتبر الوهابيون تعظيم أولياء اللّه وتخليد ذكرياتهم وإحياء مناسبات مواليدهم أو وفيّاتهم بدعةً وحراماً، كأنّهم أعداء ألدّاء وخصوم أشدّاء لهؤلاء العظماء والأولياء من الرجال الإلهيّين، ويعتبرون اجتماع الناس في المجالس المعقودة لهذا الشأن شركاً وضلالاً.
ففي هذا الصدد يكتب محمد حامد الفقي رئيس جماعة أنصار السنّة المحمدية في هوامشه على كتاب «فتح المجيد»: الذكريات التي ملأت البلاد باسم الأولياء هي نوع من العبادة لهم وتعظيمهم( [1]) . ( [2])
إنّ نقطة الخلل في تفكير هؤلاء وبكلمة واحدة إنّهم لم يضعوا حدّاً
للتوحيد والشرك وللعبادة على الأخص، ولذلك تصوّروا أنّ كلّ نوع من أنواع التعظيم يُعدُّ عبادة وشركاً، وهذا ما يظهر من كلام الفقي حيث قرن في عبارته السابقة بين لفظتي العبادة والتعظيم، وتصوّر أنّ للّفظتين معنى واحداً.
وممّا لا شكّ فيه أنّ القرآن وفي أكثر من مورد قد عظّم فريقاً من الأنبياء والأولياء وبعبارات صريحة كما يقول في شأن زكريا ويحييعليمها السَّلام:
(إِنَّهُمْ كانُوا يُسارِعُونََ فِي الْخَيْراتِ  وَيَدْعُونَنا رَغَباً وَرَهَباً وَكانُوا لَنا خَاشِعِينَ ) .( [3])
فلو أنّ أحداً من الناس أقام مجلساً عند قبر من عناهم اللّه وسمّاهم في هذه الآية وقرأ في ذلك المجلس تلك الآية المادحة معظماً بذلك شأنهم، فهل اتّبع غير القرآن؟!
كما أنّ القرآن الكريم يمتدح وبصراحة تامة شأن أهل بيت النبي (عليهم السلام)   ويعظمهم ويقول:
(وَيُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً ) .( [4])
فلو اجتمع جماعة من المؤمنين في يوم ميلاد علي بن أبي طالب (عليه السلام)  ـ وهو أحد الآل ـ وقالوا: إنّ علياً كان يطعم الطعام للمسكين واليتيم والأسير، ويثنون على الأمير بما أثنى عليه القرآن الكريم أكانوا بعملهم هذا مشركين وعن الصراط ناكبين؟!
وكيف يكون الإنسان مشركاً إذا احتفل بذكرى ميلاد النبي الأكرم وتلا الآيات المادحة لرسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) ، أو قرأ ترجمة تلك الآيات بلغة أُخرى، أو سكب
هذا الثناء الإلهي القرآني في قالب الشعر وأنشد ذلك في محفل يقصد به تكريم الرسول والثناء عليه تأسّياً بما ورد في القرآن الكريم؟!
إنّ أعداء تكريم الرسول الأكرم وأولياء اللّه يتسترون على عدائهم هذا بستار محاربة الشرك ليتسنّى لهم من خلال ذلك الوقوف أمام كلّ حالات التكريم والثناء على الرسول.
وإذا قيل: إنّ هذه المجالس التي تُعدّ للتكريم والثناء لم تكن في عصر الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) ، فإنّ جواب ذلك: إنّ عدم وجودها في زمن الرسول ليس دليلاً على كونها شركاً.
فلو أنّ أحداً من الناس أقام الاحتفالات التكريمية أو مجالس العزاء في ذكرياتهم ونسب عمله هذا إلى الشارع المقدّس وادّعى بأنّ اللّه ورسوله قد أمرا بذلك، يلزم أن نتفحص عن مدى صحّة هذه النسبة، لنرى هل أنّهما أمرا بذلك على نحو العموم، أو بصورة خاصة؟ أو أنّهم لم يأمرا بذلك؟
فلو ثبت أنّ هذه النسبة غير صحيحة، فحينئذ يدخل عمله هذا في باب البدعة ولا يُعدُّ شركاً في العبادة.
ولذلك نرى أنّ نقطة الخلل في الفكر الوهابي تكمن ـ هنا ـ في الخلط بين مفهومي البدعة والشرك في العبادة.
أمّا لو ثبت أنّه قد صدرت الإجازة بذلك من قبل اللّه أو من قبل الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) سواء على نحو العموم أو الخصوص، ففي هذه الصورة يخرج العمل من تحت مفهوم البدعة أيضاً، فضلاً عن الخروج عن مفهوم الشرك.
ومن حسن الحظ أنّ القرآن الكريم قد أجاز ذلك على نحو العموم.
إنّ القرآن الكريم أثنى على أُولئك الذين أكرموا النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وعظّموا شأنه
وبجّلوه، بقوله:
(...فَالّذِينَ ءَامَنُوا  بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الّذي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُون ) .( [5])
إنّ  الأوصاف التي وردت في هذه الآية والتي استوجبت الثناء الإلهي:
1. (آمنوا به ) ،
2. ( عَزَّرُوهُ ) ،
3. (نَصَرُوهُ ) ،
4. (واتَّبعُوا النّور الَّذي  أنزل مَعَه ) .
فهل يحتمل أحد أن تختص هذه الجمل : (آمنوا به ) ، ( نَصَرُوهُ ) ، ( واتَّبعُوا النّور ) بزمن النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) ؟ إنّ من المسلّم به أنّه إذا صح هذا الاحتمال في خصوص الجمل الثلاثة الماضية فأنّه لا يصحّ قطعاً في جملة (عَزَّرُوهُ ) ، والتي  تعني نصرة الرسول أو تعظيمه أو تكريمه.( [6])
أضف إلى ذلك أنّ القائد العظيم يجب أن يكون موضعاً للتكريم والاحترام والتعظيم في كلّ العهود والأزمنة.
فهل إقامة المجالس لإحياء ذكرى المبعث أو المولد النبوي وإنشاد الخطب والمحاضرات والقصائد والمدائح إلاّ مصداق جليّ لقوله تعالى: (وعَزَّرُوهُ ) ، والتي تعني أكرموه وعظّموه؟
عجباً كيف يعظّم الوهابيون أمراءهم الذين هم أُناس عاديون ويبجّلونهم بما يفوق ما يفعله غيرهم اتّجاه أولياء اللّه  أو اتّجاه منبر النبي ومحرابه، فلا يكون
عملهم شركاً ويُعدّ عمل غيرهم شركاً وضلالاً ومحاربة للإسلام؟!
إنّ المنع عن تعظيم الأنبياء والأولياء وتكريمهم ـ أحياء وأمواتاً ـ يصوّر الإسلام في نظر الأعداء ديناً جامداً لا مكانة فيه للعواطف الإنسانية، كما يصوّر تلك الشريعة السمحاء المطابقة للفطرة الإنسانية شريعة تعتقد الجاذبية المطلوبة القادرة على اجتذاب أهل الملل الأُخرى واكتسابهم.
وماذا يقول الذين يخالفون  إقامة مجالس العزاء للشهداء في سبيل اللّه في قصة يعقوب (عليه السلام) الذي بكى على ابنه حتى ابيضّت عيناه من الحزن؟! وماذا يكون ياترى  حكم النجديين وأتباع محمد بن عبد الوهاب لو كان النبي يعقوب (عليه السلام)  يعيش في أوساطهم فعلاً؟! وبماذا يصفون حزنه وبكاءه على ولده يوسف (عليه السلام) ؟! إنّه (عليه السلام)  بكى ولده ليلاً ونهاراً، وسأل عنه القريب والبعيد والقاصي والداني وحثّ الجميع للبحث عنه وتقصّي أخباره، ولقد وصف لنا القرآن الكريم شدّة حزنه وتحرّقه على ولده وذهاب بصره بقوله تعالى: (وابيضّت عَيناهُ مِنَ الحُزن... ) .( [7])
إنّ ذهاب بصر يعقوب (عليه السلام)  ومرضه لم يؤديا إلى نسيان يوسف فحسب، بل كلّما اقتربت ساعة اللقاء كلّما اشتدّت شعلة العشق والشوق في قلب الشيخ الكبير لولده العزيز، ولذا نرى القرآن الكريم يصف لنا تلك الحالة بأروع وصف، حيث أشار إلى أنّ يعقوب (عليه السلام)  قد أحسّ بريح يوسف وشمّ عطره المبارك، ومازالت القافلة التي تحمل قميصه (عليه السلام)  تبعد عن يعقوب (عليه السلام) عدّة فراسخ (إِنّي لأَجِدُ رِيحَ يُوسُف لَولا أَن تُفندون ) .( [8])
وبدل أن نرى كوكب يوسف (عليه السلام)  يبحث عن شمس يعقوب نرى أنّ شمس يعقوب تطرق الأبواب باباً باباً لتبحث عن كوكبها الضائع يوسف (عليه السلام) .
فلماذا يكون إظهار هذه العلاقة في حال حياة الولد (يوسف) جائزاً ومشروعاً ومطابقاً لأُصول التوحيد بينما إذا  مات عُدَّ شركاً؟!
فإذا اتّبع أحد طريق يعقوب فبكى يوسفه وعدّد خصاله الحميدة وأثنى على صفاته الجميلة وأذرف الدموع بسبب فقده، فلماذا لا يُعدُّ عمله اقتداء وتأسّياً بيعقوب (عليه السلام)  ويُعدُّ عبادة لمن فقده وشركاً باللّه؟!( [9])
لا ريب في أنّ مودة ذوي القربى  هي إحدى الفرائض الإسلامية التي دعا إليها القرآن بأوضح تصريح، فلو أراد أحد أن يقوم بهذه الفريضة الدينية بعد أربعة عشر قرناً فكيف يمكنه؟ وما هو الطريق إلى ذلك؟ هل هو إلاّ أن يفرح في أفراحهم ويحزن في أحزانهم؟
فإذا قام أحد  ـ لإظهار   سروره ـ مجلساً يذكر فيه حياتهم وتضحياتهم، أو يبيّن مصائبهم وما جرى عليهم من الظلم وغصب حقوقهم، فهل فعل إلاّ إظهار المودة المندوب إليها في القرآن الكريم؟!
وإذا زار أحدٌ ـ لإظهار مودّة أكثر ـ قبور وأضرحة أقرباء الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) وأبنائه الطاهرين وأقام مثل تلك المجالس عند القبور الطاهرة، فإنّه بلا شكّ ولا ريب في نظر عقلاء العالم والمفكّرين من ذوي البصيرة وبعد النظر لم يفعل إلاّ إظهار التقرب والمودّة لهم وليس عمله عبادة وشركاً إلاّ أن يدّعي الوهابيون أنّه من الواجب أن تحبس العواطف والأحاسيس والمودة والحبّ في صدور أصحابها ولا
يحق لأحد أن يظهر شيئاً منها إلى الخارج.
إنّ من يلاحظ عصر الرسول وما تلاه من عصور التحول العقائدي والفكري يجد إقبال الأُمم المختلفة ذات التقاليد والعادات المتنوعة على الإسلام وكثرة دخولهم واعتناقهم هذا الدين، ويجد أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) والمسلمين  كانوا يقبلون إسلامهم ويكتفون منهم بذكر الشهادتين دون أن يعمدوا إلى تذويب ما كانوا عليه من عادات اجتماعية وصهرها في بوتقة واحدة، ولم يشكل الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) والخلفاء من بعده محاكم للتفتيش العقائدي والبحث عن آداب ورسوم تلك الملل والأقوام.
وقد كان ولا يزال احترام العلماء وتبجيلهم ـ أحياء وأمواتاً ـ  وتخليد ذكرياتهم والحضور عند قبورهم وإظهار الود والتعلّق بتلك الآثار يُعدُّ من رسوم وعادات شعوب وأقوام العالم، واليوم نجد الشعوب المختلفة ـ الشرقية والغربية ـ تعظم وتخلد ذكريات عظمائها وتزور قبور أبنائها بحيث يمضون عدة ساعات في طوابير طويلة لكي يتسنّى لهم الوقوف لحظة واحدة إلى جنب تلك القبور، لإظهار الحبّ والتبجيل لها، ويرون أنّ عملهم هذا يُعدُّ نوعاً من التكريم والاحترام النابع من العاطفة والمشاعر الداخلية الغريزية.
وصفوة القول : إنّنا لم نجد مورداً عمد فيه النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى قبول إسلام الوافدين والداخلين فيه بعد أن يشترط عليهم أن ينبذوا تقاليدهم الاجتماعية هذه وبعد أن يفحص عقائدهم، بل نجده (صلى الله عليه وآله وسلم) يكتفي من الوافدين الجدد للإسلام بذكر  الشهادتين ورفض الأوثان، وإذا كانت هذه العادات و التقاليد شركاً لزم أن لا يقبل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إسلام تلك الجماعات والأفراد إلاّ بعد أن تتعهّد له بنبذ تلك التقاليد والمراسم.
كما أنّنا نلاحظ أنّ المسيح (عليه السلام)  قد دعا  اللّه سبحانه لينزل عليهم مائدة سماوية، ليكون يوم نزولها عيداً لهم قال سبحانه:
(رَبَّنا أَنْزِلْ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ تَكُونُ لَنا عِيداً لأَوَّلِنا وَآخِرنا وَآيَةً مِنكَ وَارْزُقْنا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقيِنَ ) .( [10])
فهل يا ترى أنّ وجود ومنزلة النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) أقل من مائدة السيد المسيح السماوية والتي عُدّ يوم نزولها عيداً؟! فإذا اعتبرت تلك المائدة آية إلهية واحتفل بنزولها انطلاقاً من ذلك المعتقد، أليس النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) أكبر آية إلهية؟
قال تعالى في حقّ الرسول: (وَرَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ ) .( [11])
وهل لعقد مجالس الفرح والسرور والاحتفاء بذكرى ميلاده الميمون معنى إلاّ رفع اسمه ومقامه وإحياء ذكراه. ولماذا لا نتأسّى بالقرآن الكريم؟! أليس القرآن لنا أُسوة وقدوة؟!

[1] . فتح المجيد:154 ثمّ نقل عن كتاب قرة العيون ما يشابه هذا المضمون.
[2] . أجمع المسلمون منذ عصر الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) وحتى عصرنا الحاضر على التبرّك بآثار الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) باستثناء الفرقة الوهابية التي منعت ذلك، ولقد جمع الشيخ محمدطاهر بن عبد القادر المكي الشواهد التاريخية القطعية على تبرك المسلمين بآثاره (صلى الله عليه وآله وسلم) في رسالة طبعها عام 1385 وأسماها بـ «تبرك الصحابة بآثار الرسول».
[3] . الأنبياء: 90.
[4] . الإنسان: 8.
[5] . الأعراف: 157.
[6] . مفردات الراغب: مادة «عزر».
[7] . يوسف: 84.
[8] . يوسف: 94.
[9] . إضافة إلى ذلك، وردت روايات متواترة في موضوع إقامة مراسم العزاء وأحياء ذكرى آل رسول اللّه المظلومين،وقد ذكر العلاّمة الأميني قسما من تلك الروايات في كتابه «سيرتنا وسنتنا».
[10] . المائدة: 114.
[11] . الإنشراح: 4.