قائمة المواضيع :
ما هي حقيقة نظرية التثليث، وما هو الدليل على بطلان هذه النظرية؟
الجواب: لقد بيّن  صاحب قاموس الكتاب المقدس المستر هاكس حقيقة التثليث وما هو المقصود بالثالوث المقدس، وفسّر النظرية بقوله: إنّ الطبيعة الإلهية تتألّف من ثلاثة أقانيم متساوية الجوهر، أي: الأب، والابن، وروح القدس.
والأب هو خالق جميع الكائنات بواسطة الابن، والابن هو الفادي، وروح القدس هو المطهر، وهذه الأقانيم الثلاثة مع ذلك ذات رتبة واحدة وعمل واحد.( [1])
والأقنوم ـ لغة ـ يعني: الأصل والشخص، فإذاً يصرح المسيحيون بأنّ هذه الآلهة الثلاثة ذات رتبة واحدة وعمل واحد وإرادة واحدة.
ومن هنا يمكن أن نتصوّر للتثليث صورتين لا تتناسب أي واحدة منهما مع
المقام الربوبي:
1. أن يكون لكلّ واحد من هذه الآلهة الثلاثة وجود مستقل عن الآخر، بحيث يظهر كلّ واحد منها في تشخّص ووجود خاص، فكما أنّ لكلّ فرد من أفراد البشر وجوداً خاصّاً به خارجاً وكلّ واحد منهم له شخصية مستقلة، كذلك يكون لكلّ واحد من هذه الأقانيم أصل مستقل وشخصية خاصة متميزة عمّا سواها.
وبعبارة أُخرى: إنّ هناك طبيعة واحدة ولكنّها تتألّف من ثلاثة أفراد، كلّ فرد منها يمثّل إلهاً تاماً ومستقلاً. غير أنّ هذه النظرية هي عين نظرية الشرك الجاهلي وقد تجلّى في النصرانية في صورة التثليث. ولكن دلائل التوحيد قد أبطلت أيّ نوع من أنواع الشرك من الثنوية والتثليث، وقد ذكرنا الأدلّة على استحالة وجود الشريك والندّ للّه سبحانه.
والعجب أنّ مخترعي هذه البدعة من رجال الكنيسة يصرّون ـ بشدة ـ على التوفيق بين هذا التثليث والتوحيد ويقولون: إنّ الإله في نفس كونه ثلاثة هو واحد، وفي كونه واحداً هو ثلاثة!! وهل هذا إلاّ تناقض واضح؟!وإنّه كما يقال: أكوس طويل اللحية!!
وهل يوجد عاقل في العالم كلّه يدّعي أنّ الثلاثة تساوي واحداً؟! وهل لهذا التأويل من سبب غير أنّهم وجدوا أنفسهم في زاوية حرجة لا يمكن الفرار منها إلاّ بمثل هذه التأويلات الباردة؟! وذلك لأنّهم واجهوا الأدلّة والبراهين المحكمة للموحّدين، والتي تدلّ بوضوح وجلاء على نفي كلّ أنواع الشرك  والتثليث، وهذه البراهين بدرجة من القوة والمتانة بحيث لا يمكن التخلّص منها; ولكنّهم من جانب آخر خضعوا للعقيدة الموروثة، أيّ عقيدة التثليث
التي ترسخت في قلوبهم أيّما رسوخ،  إلى درجة  إنّهم أصبحوا غير قادرين على التخلّص منها والتملّص من حبائلها، فلم يجدوا مفراً إلاّ الالتجاء إلى الجمع بين المتناقضين ـ التوحيد والتثليث ـ و قالوا: إنّ الإله  واحد في ثلاثة وثلاثة في واحد!!
2. التفسير الآخر للتثليث هو: أن يقال: إنّ الأقانيم الثلاثة ليس لكلّ منها وجود مستقل، بل هي بمجموعها تؤلّف ذات إله الكون، وفي الحقيقة لا يكون أيّ واحد من هذه الأجزاء والأقانيم إلهاً بمفرده، بل الإله هو المركب من هذه الأجزاء الثلاثة.
ويرد على هذا النوع من التفسير أنّ معنى هذه النظرية هو كون اللّه مركّباً محتاجاً في تحقّقه وتشخّصه إلى هذه الأجزاء «الأقانيم الثلاثة» بحيث مالم تجتمع لم يتحقّق وجود اللّه.
وفي هذه الصورة تواجه أرباب الكنيسة إشكالات أساسية وتحشرهم في زاوية حرجة، ومن هذه الإشكالات:
ألف:  أن يكون إله الكون محتاجاً في تحقّق وجوده إلى الغير (وهو كلّ واحد من هذه الأقانيم باعتبار أنّ الجزء غير الكلّ) في حين أنّ المحتاج إلى الغير لا يمكن أن يكون إلهاً واجب الوجود، بل يكون حينئذ ممكناً مخلوقاً محتاجاً إلى غيره ليرفع حاجته كغيره من الممكنات.
ب: انّ القول بأنّ الأقانيم الثلاثة تمثّل وجودات مستقلة، وكلّ واحد منها من ناحية الوجود واجب الوجود وضروري الوجود، فإنّ هذا القول ـ و بلا شك ـ يعني الاعتقاد بوجود ثلاثة وجودات تتصف بأنّها واجبة الوجود.
أمّا إذا كان كلّ واحد منها ممكن الوجود محتاجاً في تحقّقه إلى علّة
تخرجه من العدم، فلا شكّ أنّه في مثل هذه الحالة يكون وجود هذه الأجزاء الثلاثة محتاجاً إلى إله يفيض عليها الوجود والتحقّق، وبلا شكّ ليس لهذا القول من نتيجة إلاّ الاعتراف بأنّ هذا الإله المركّب من أقانيم ثلاثة يحتاج في تحقّقه إلى  علّة أُخرى ويكون معلولاً ومخلوقاً لإله آخر يتّصف بالبساطة وعدم التركّب، لأنّه مع الاتّصاف بذلك لا مفرّ من التفكير بإله آخر ليخرج هذا المركب من العدم إلى حيّز الوجود.
ج: انّهم يدّعون: أنّ في الطبيعة الإلهية أشخاصاً ثلاثة، وأنّ كلّ واحد منها يملك تمام الإلوهية، والحال أنّهم يقولون: إنّ الثالوث لا تقبل التجزئة.
وبعبارة أُخرى: انّ بين الكلامين تناقضاً واضحاً، لأنّه  إذا كان هناك في الواقع ثلاثة أقانيم وثلاثة شخصيات، فهذا ملازم للقول بتجزئة الثالثوث، وأمّا إذا قلنا إنّه غير قابل للتجزئة فحينئذ كيف يمكن أن نتصوّر وجود ثلاثة وجودات مستقلة؟! بل لابدّ من القول بوجود مركّب من ثلاثة أقانيم.
وإذا كانت شخصية الابن إلهاً، فلماذا يا ترى كان الابن يعبد أباه؟! وهل يعقل أن يعبد إله إلهاً آخر مساوياً له وأن يمد إليه يد الحاجة؟!
د: يدّعي المسيحيون أنّ كلّ واحد من الآلهة الثلاثة مالك لتمام الإلوهية ويقولون: إنّ الإلوهية قد تجسّدت في عيسى ابن مريم، وإنّه صلب ـ بعد أن عاش فترة محددة ـ من أجل تطهير وفداء أُمّته التي تلوّثت بالذنوب الموروثة.
وهذه النظرية تواجه عدّة إشكالات وتتوجّه إليها أسئلة جدّية من قبيل: كيف يمكن أن يتجسّد الإله غير المحدود في وجود محدود زماناً ومكاناً باعتباره جسماً، إذ من المسلّم انّ السيد المسيح وجود ـ جسم ـ عاش في مكان محدود ـ فلسطين ـ و في زمان محدود، وقد أحاط به اليهود وقتلوه كما يذهب إلى ذلك
النصارى.
ثمّ كيف لم يختل نظام الوجود بعد موته، إذ المفروض أنّه كان مرتبطاً به ومتعلّقاً به عندما كان حيّاً  وهو الذي يدير شؤونه و يدبّر أُموره؟!
ثمّ إنّ نظرية التثليث تواجه العشرات من التساؤلات الجدّية والمهمة التي يعجز أصحاب النظرية  من الإجابة عنها، إذ أنّ هذه النظرية صبغت الديانة المسيحية بخرافة الوثنية الباطلة.
وفي الختام : إنّ الإنسان إذا اطّلع على مثل تلك النظريات وتلك الديانات الباطلة والخرافية يذعن ويعترف بقيمة الآيات القرآنية الكريمة التي تحدّثت عن التوحيد والوحدانية.( [2])
[1] . قاموس الكتاب المقدس: 344.
[2] . منشور جاويد:2/213ـ 216.