قائمة المواضيع :
ما هي الخصائص العلمية التي يتحلّى بها الأنبياء (عليهم السلام) ، أو بعبارة أُخرى: ما هي الخصائص التي ينبغي أن يتحلّـى بها الأنبياء؟
الجواب: لا ريب انّ الأنبياء يتحلّون بالكثير من الخصائص الحميدة والصفات الحسنة، ونحن هنا واستلهاماً من آيات الذكر الحكيم نشير إلى هذه الخصائص:
إحدى هذه الخصائص هي العلم الواسع والمعرفة الشاملة والعميقة للقضايا في جميع المجالات وعلى مختلف الأصعدة ، ونذكر هنا وبصورة مختصرة الأبعاد المختلفة لخاصيتهم العلمية والمعرفية مستعينين بالقرآن الكريم.
ألف: المعرفة التامّة بالتشريع الإلهي
من الخصائص الملازمة للأنبياء والتي لا تنفك عن مقام النبوة بحال من الأحوال هي العلم الجامع والمعرفة التامة بالتشريع والتقنين الإلهي.
وبعبارة أُخرى: المعرفة بما يحقّق الهدف من بعثة الأنبياء، فانّ الهدف من بعثة الأنبياء هو: التعليم والتربية وإقامة العدل والقسط في المجتمع وهداية الناس إلى جادة التوحيد، وبالطبع انّ مثل هذه المهمة الشاقة والعسيرة تحتاج إلى معرفة تامة واطّلاع واسع لكي يتسنّى للنبي أن يقوم بالمهمة الخطيرة الموكلة إليه على أحسن وجه.
ولا يمكن أن نتصوّر أنّ اللّه سبحانه وتعالى يكلّف طائفة من الناس ويرسلهم للقيام بمهمة خاصة وتحقيق هدف معين وفي نفس الوقت لا يزودهم بالوسائل والإمكانات الضرورية التي يحتاجون إليها لتحقيق وإنجاز ما يراد منهم.
ومن الممكن معرفة ولمس حقيقة علم الأنبياء من خلال مراجعة الآيات الكثيرة التي تحدّثت عن علومهم (عليهم السلام)   نذكر نماذج منها:
1. ما ورد في حقّ داود  (عليه السلام) :
( ...وَآتاهُ اللّهُ الْمُلْكَ وَالحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمّا يَشاءُ... ) .( [1])
2. وقال سبحانه في حقّ يوسف (عليه السلام) :
( وَلَمّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْناهُ حُكْماً وَ عِلْماً... ) .( [2])
3. وأمّا لوط فقد وصفه سبحانه بقوله:
( وَلُوطاً آتَيْناهُ حُكْماً وَعِلْماً... ) .( [3])
4. وقال سبحانه واصفاً موسى (عليه السلام) :
( وَلَمّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوى آتَيْناهُ حُكْماً وَعِلْماً... ) .( [4]) والنكتة الجديرة بالانتباه في هذه الآيات المذكورة أنّها  بعد أن تشير إلى إعطاء مقام «الحكم» أو «الملك» تردفهما بصفة العلم والمعرفة مشعرة بأنّ لازم النبوّة العلم بالتشريع والتقنين وإجراء الأحكام الإلهية.( [5])
ب: المعرفة بملاكات التشريع
المعرفة  بالتشريع كالسكّة ذات وجهين تشكّل الأحكام الوجه الأوّل منها والملاكات تشكل الوجه الآخر، وبما أنّ الفعل الإلهي منزّه عن العبث فلا شكّ أنّ التشريعات الإلهية التي هي بذاتها أحد أفعال اللّه سبحانه لا تخلو عن الملاك (المصالح والمفاسد) والأنبياء يعلمون بتلك  الملاكات.
وإنّنا  وإن لم نعثر على دليل قرآني يصرح بذلك، ولكن بالتمعّن في بعض الآيات والروايات يمكننا إدراك حقيقة معرفة الأنبياء بملاكات الأحكام واطّلاعهم عليها.
لقد أشار القرآن إلى ملاكات بعض الأحكام، ويمكن الاستفادة من هذه الآيات أنّ اللّه سبحانه قد أطلع النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) على تلك الملاكات، وبما أنّ هذه الخاصيّة «الاطّلاع على الملاكات» لم تكن من مختصّات الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) لذلك يمكن القول: إنّ بقية الأنبياء مطّلعون على ملاكات الأحكام أيضاً.
إنّ القرآن الكريم يشير إلى ملاك تحريم الخمر والميسر في قوله تعالى:
( إِنَّما يُريدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ فِي الخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللّهِ وَ عَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ ) .( [6])
ويقول سبحانه مشيراً إلى ملاك تشريع الصلاة:
( ...وَأَقِمِ الصَّلاةَ  إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ... ) .( [7])
ج: العلم بمنطق الطير
لا ريب أنّ العلم بلغة الطير من الكمالات التي وهبها اللّه لداود وسليمانعليمها السَّلام، وقد جاء  ذلك في الآيات 15و 16 من سورة النمل وأنّ تحليل هاتين الآيتين يقودنا إلى الاطّلاع على العلم الواسع الذي اتّصف به هذان النبيّان وكذلك النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) وبعض الأنبياء الآخرين، يقول سبحانه:
( وَلَقَدْآتَيْنا داوُدَ وَسُلَيْمانَ عِلْماً وَقالاَ الحَمْدُ للّهِ الَّذِي فَضَّلَنا عَلى كَثِير مِنْ عِبادِهِ الْمُؤْمِنينَ ) .( [8])
ويقول سبحانه أيضاً:
( وَ وَرِثَ سُلَيمانُ داوُدَ وَقالَ يا أَيُّهَا النّاسُ عُلِّمْنا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينا مِنْ كُلِّ شَيْء إِنَّ هذا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ ) .( [9])
فإنّ جملة:  ( وَأُوتِينا مِنْ كُلِّ شَيْء ) تحكي عن  شمولية وسعة خاصة، وهي أنّ هذين النبيّين يتوفران على كلّ كمال ولا يفقدان أي كمال، إلاّ إذا اقتضت المصلحة، عدم وجود ذلك الكمال عندهما كما كان الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) عاجزاً عن نظم الشعر، كما في قوله تعالى: ( وَما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ ... ) . ( [10]) 
وعاجزاً عن القراءة والكتابة قبل البعثة كما في قوله:
( وَ ما كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتابوَ لا تَخُطُّهُ بِيَمِينكَ... )( [11])
وما ذلك إلاّ لمصلحة عليا وأهمّ اقتضت أن لا يمنح اللّه سبحانه  نبيّه ذلك الكمال، لأنّه لو كان قادراً على نظم الشعر لكان ذلك ذريعة للكافرين لاتّهام القرآن بأنّه نتاج القدرة الفنية والأدبية للرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وكذلك لو كان الرسول الأكرم يعرف القراءة والكتابة لاتّهمه مخالفوه بأنّ ما جاء به من القرآن الكريم إنّما هو اقتباس ونقل من كتب القدماء من علماء اليهود والنصارى.
وليتجلّى الحق ناصعاً نسف القرآن الكريم تلك الاتّهامات الواهية التي لا أساس لها من الصحة  وبيّن زيفها من خلال ما ذكرناه من الآيتين.
ولقد أشار القرآن الكريم إلى شمولية وسعة علم النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) بتعبير خاص وطريقة متميزة حيث قال سبحانه:
( ...وَأَنْزَلَ اللّهُ عَلَيْكَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكانَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً ) .( [12])
ولا ريب أنّ ورود جملة : ( وَكانَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً )   عقيب الإشارة إلى علم النبي وحكمته المفاضة عليه من اللّه، يدلّ على عظمة علمه (صلى الله عليه وآله وسلم) ويكفي في ذلك فخراً وسمواً أنّ اللّه سبحانه يصفه بأنّه عظيم، وحسبك هذا التعبير الإلهي، في الوقت الذي نرى أنّ القرآن الكريم نفسه يصف علم المجموعة البشرية وعلم بني الإنسان قاطبة بأنّه قليل، حيث يقول سبحانه:
( ...وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلاّ قَلِيلاً ) .( [13])
د. الاطّلاع على الغيب
إنّ  قسماً من علم الأنبياء هو اطّلاعهم على الأسرار الخفية والتي تقع وراء الستار أو ما يعبّر عنه بـ «علم الغيب» ، ولقد وردت في هذا المجال آيات كثيرة نذكر نماذج منها:
1. تنبّؤ النبي نوح بكيفية مستقبل النسل القادم
لقد بذل شيخ الأنبياء (عليه السلام)  جهوداً حثيثة ولبث في قومه فترةً طويلة جداً لهدايتهم وإرشادهم ولكنّه (عليه السلام)  بعد تلك الجهود يأس من إيمانهم فدعا ربّه بإهلاكهم وإبادتهم فقال:
( ...رَبّ لا تَذَرْ عَلَى الأَرْضِ مِنَ الكافِرينَ دَيّاراً * إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبادَكَ وَ لا يَلِدُوا إِلاّ فاجِراً كَفّاراً ) .( [14])
فلقد تنبّأ (عليه السلام)  بقضيّتين وأشار إليهما، وهما:
ألف. انّ الكافرين لا يؤمنون في المستقبل وأنّهم سيضلّون العباد ويميلون بهم عن الصراط المستقيم. ب. أنّ ذرية هؤلاء الكافرين جميعهم من الفجرة الكفّارين.
2. معرفة يعقوب (عليه السلام)  الكاملة بمستقبل ابنه يوسف (عليه السلام)  
لمّا قصّ يوسف رؤياه على أبيه يعقوب وأنّه قد رأى في المنام أنّ أحد عشر كوكباً والشمس والقمر قد سجدوا له، فسّر يعقوب رؤيا ولده يوسف مخبراً عن حقيقة مستورة من خلال تلكم الرؤيا حيث قال:
( ...يا بُنَيَّ لا تَقْصُصْ رُؤْياكَ عَلى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيداً إِنَّ الشَّيْطانَ لِلإِنْسانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ  * وَكَذلِكَ يَجْتَبيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْويلِ الأَحاديثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلى آلِ يَعْقُوبَ كَما أَتَمَّها عَلى أَبَويْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْراهيمَ وَإِسْحاقَ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ) .( [15])
ومن الملاحظ هنا أنّ يعقوب (عليه السلام)  قد أشار إلى مجموعة من الأُمور الغيبية وأخبر عنها بصورة جازمة وقطعية.
ألف. كيد ومكر إخوة يوسف.
ب. إنّ اللّه سيهب ليوسف علم تأويل الأحاديث وتفسير الرؤيا.
ج. إنّ اللّه سبحانه سيهب ليوسف النبوة.
3. المسيح (عليه السلام)   والتنبّؤ بالغيب
لقد أشار القرآن الكريم إلى نوعين من الإخبارات الغيبية التي كان يتحلّـى بها السيد المسيح:
ألف. الإخبار عمّا يدّخر الناس في بيوتهم.
قال تعالى مشيراً إلى هذه الخاصية:
( ...وَأُنَبِّئُكُمْ بِما تَأْكُلُونَ وَما تَدَّخِرُونَ في بُيُوتِكُمْ... ) .( [16])
ب: التبشير بنبوّة النبي محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم)
لقد بشّر السيد المسيح أُمّته بقدوم نبي يأتي من بعده اسمه أحمد، ولقد أشار القرآن الكريم إلى تلك النبوءة بقوله سبحانه:
( ...وَمُبَشِّراً بِرَسُول يَأْتِي مِنْ بعدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ... ) .( [17])
4. إنباء النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) بالغيب
لقد أشار القرآن الكريم إلى الإخبارات الغيبية للنبي الأكرم في موارد متعدّدة نكتفي بذكر نموذج منها. إنّ النبي الأكرم أسرّ إلى إحدى زوجاته حديثاً وأمرها بإخفائه لكنّها أخبرت غيرها به فأفشت السرّ، وأطلع اللّه نبيّه على ما جرى من إفشاء سرّه، فعرّف رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) زوجته التي أفشت السرّ ببعض ما ذكرت وأفشت، وأعرض عن البعض الآخر فلم يخبرها بجميع ما أخبرت به، فسألته عن مصدر علمه و أنّه كيف اطّلع على إخبارها وإفشائها سرّه؟!
فقال (صلى الله عليه وآله وسلم) : نبّأني العليم الخبير بسرائر الصدور، ولقد أشار القرآن الكريم إلى هذه الواقعة بقوله سبحانه:
( وَإِذْأَسَرَّ النَّبِيُّ إِلى بَعْضِ أَزْواجِهِ حَدِيثاً فَلَمّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْض فَلَمّا نَبَّأَها بِهِ قالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هذا قال َنَبَّأَنيَ الْعَلِيمُالخَبيرُ ) .( [18])
إنّ  الموارد المذكورة تمثّل بعض النماذج لاطّلاع الأنبياء على الأُمور الغيبية التي أشار القرآن الكريم إليها، وهناك نماذج أُخرى ذكرها القرآن الكريم أعرضنا عن ذكرها روماً للاختصار.( [19])
[1] . البقرة: 251.
[2] . يوسف: 22.
[3] . الأنبياء: 74.
[4] . القصص: 14.
[5] . بالإضافة إلى الوصف المذكور يمكن القول بخصوص الآيات التي تتعلّق بيوسف ولوط وموسى أنّ المقصود من « الحكم » هو نفس التعاليم الحكيمة التي منحت لهم من قبل اللّه سبحانه، يقول سبحانه في حقّ النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) : ( ذلك ممّا أوحى إليك ربّك من الحكمة ) (الإسراء:39).
[6] . المائدة: 91.
[7] . العنكبوت: 45.
[8] . النمل: 15.
[9] . النمل: 16.
[10] . يس: 69.
[11] . العنكبوت: 48.
[12] . النساء: 113.
[13] . الإسراء: 85.
[14] . نوح:26ـ 27.
[15] . يوسف:5ـ 6.
[16] . آل عمران: 49.
[17] . الصف: 6.
[18] . التحريم: 3.
[19] . على سبيل المثال يقول سبحانه في حقّ نبي اللّه صالح (عليه السلام) وإخبار قومه بوقوع الهلاك عليهم بعد ثلاثة أيام ( تمتعوا في داركم ثلاثة أيام ذلك وعدٌ غير مكذوب ) (هود:65).