قائمة المواضيع :
من الواضح أنّ رسالة النبي الأكرم محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) كانت رسالة عالمية، فهل كانت رسالة النبي نوح عالمية أيضاً، أو كانت تقتصر على أقوامه وتنحصر في المناطق الجغرافية التي بُعث فيها؟
الجواب: إنّ شريعة نوح (عليه السلام)  كانت خاصة بقومه الذين كان يعيش بين ظهرانيهم والشاهد على ذلك قوله سبحانه:
( إنَّا أرْسَلْنا نُوحاً إلى قَوْمِهِ... ) .( [1])
وفي آية أُخرى يقول سبحانه:
( ...أنّهُ لَنْ يُؤ3منَ مِنْ قَوْمِكَ إلاّ مَنْ قَدْ آمَنَ... ) .( [2])
حيث يستظهر من  هاتين الآيتين اختصاص رسالته ومحدوديتها في قومه فقط.
أضف إلى ذلك أنّ عمومية  الرسالة تتطلّب وجود مدنية وتطور في وسائل الاتّصال  ليتمكّن الرسول من إيصال نداء رسالته وصوت دعوته إلى جميع أنحاء العالم، وذلك لم يكن الحدّ الأدنى منه متوفراً  في زمن نوح (عليه السلام) .
فإن قلت: إنّ ذلك التطوّر المدني وتطور وسائل الاتّصال لم تكن متوفرة في مكة المكرمة التي بعث فيها الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) ومع ذلك نحن نؤمن بعالمية رسالته؟
قلنا: إنّ ذلك صحيح، ولكن هناك نكتة لابدّ من الالتفات إليها وهي انّ مكة والمدينة تقعان في مفترق طرق التجارة بين الشام واليمن، وكانت ولسنين طويلة قبل بعثة النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) توجد بين الشرق والغرب حركة اتّصال وتبادل تجاري وكان لذلك كلّه وسائطه المناسبة لتلك البرهة من الزمن،وقد استفاد النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) من تلك الإمكانات لإيصال صوت رسالته إلى العالم، ولكن في عصر نوح يختلف الأمر حيث لم تكن مدنية ولم تكن تلك الإمكانات متوفرة كي يبعث برسالة عالمية، إلاّ إذا قلنا: إنّه لم يوجد على وجه الأرض في تلك الفترة من البشر إلاّ تلك الأقوام التي كان يعيش نوح (عليه السلام)  بين ظهرانيهم، وحينئذ ستكون رسالة نوح (عليه السلام) عالمية أيضاً لانحصار العالم في قومه.
ولكنّ ذلك مجرد فرضية ذهنية ولا يمكن القطع بأنّ العالم المعاصر لنوح (عليه السلام)  كان منحصراً بالقوم الذين بُعِثَ فيهم.
هل أنّ عالمية الطوفان دليل على عالمية رسالته؟
إنّ الطوفان  الذي حصل في زمن نوح (عليه السلام)  كان عالمياً حيث شمل جميع الناس، والشاهد على عمومية الطوفان دعاء نوح حيث طلب من ربّه أن لا يبقي على الأرض أحداً من الكافرين ( ربِّ لا تَذَرْ عَلى الأَرْضِ مِنَ الْكافِرينَ ديّاراً ) ( [3]) . هذا من جهة، ومن جهة ثانية نحن نعلم أنّ إبادة الكافرين من دون إلقاء الحجة عليهم على خلاف السنّة الإلهية.( [4])
ومن المعلوم أنّ كلمة الأرض في قوله تعالى: ( ربِّ لا تَذَرْ عَلى الأَرْضِ ... ) لها معنى واسع يشمل جميع العالم، والشاهد الآخر أنّ اللّه تعالى قد أوصى نوحاً أن يحمل في السفينة من كلّ نوع اثنين قال تعالى: ( قُلنا احمل فيها من كُلّ زوجين اثنين ) ( [5]) ، وما ذلك إلاّ للحفاظ على النسل الحيواني من الانقراض، فلو لم يكن الطوفان عالمياً فما هي الحاجة إلى حمل تلك الحيوانات في السفينة؟
ولكن يمكن القول: إنّ المقصود من الأرض في الآية المباركة هو المحيط الذي كان يعيش فيه نوح مع قومه، وهذا الاستعمال متعارف وغير بعيد، قال سبحانه:  ( فَسِيرُوا فِي الأرْضِ )   وأمّا بالنسبة إلى حمل الحيوانات في السفينة يمكن أن يكون الغرض منه حفظ نسلها في ذلك المحيط لا في جميع أرجاء المعمورة، وذلك لأنّ انتقال الحيوانات من نقطة إلى نقطة أُخرى يحتاج إلى مدّة طويلة.
ويمكن أن نستظهر من مجموع الآيات أنّ شريعة نوح (عليه السلام)  كانت تتعلّق بمنطقة واسعة كان يعيش فيها نوح والقوم الذين بعث فيهم، وأنّ الطوفان قد عمّ تلك المنطقة الواسعة.
والجدير بالذكر أنّه قد ذهب بعض المفسّرين إلى عالمية الطوفان بغضّ النظر عن عالمية رسالة نوح (عليه السلام)  ويستدلّون  على ذلك ببقايا الحيوانات التي عثر عليها في قمم الجبال حيث يذهبون إلى أنّه لولا طوفان نوح ما كان هناك سبب لوجود تلك الحيوانات على هذه القمم الشاهقة.( [6])
[1] . نوح: 1.
[2] . هود: 36.
[3] . نوح: 26.
[4] . ( وما كانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرى حتّى يَبْعَثَ في أُمّها رَسولاً ) (القصص:59).
[5] . هود: 40.
[6] . منشور جاويد:11/150ـ 152.