قائمة المواضيع :
هناك بعض الروايات التي تشير إلى قضية سهو النبي نرجو تسليط الأضواء على هذه القضية وبيان المراد من السهو في هذه الروايات؟
الجواب: إنّ  مجموع الروايات التي رواها الفريقان الشيعة والسنّة حول هذا الموضوع لا يتجاوز  اثني عشر حديثاً.( [1])
وقد انقسم المتكلّمون والفقهاء الإمامية في هذا المجال إلى طائفتين:
الطائفة الأُولى: وهي الأكثرية الغالبة ذهبت إلى استحالة السهو، ومن أبرز أعلام هذه الطائفة: الشيخ المفيد، الشيخ الطوسي، الخواجه نصير الدين الطوسي، المحقّق الحلّي صاحب شرائع الإسلام، الشهيد الأوّل، العلاّمة الحلّي، وغيرهم من الأعلام.
ومن بين هذه الطائفة امتاز الشيخ المفيد بإصراره على النفي وقد بذل جهداً كبيراً في إثبات عدم سهو النبي في عدد من مؤلّفاته، بل لم يكتف بذلك حيث ألّف رسالة مفردة ردّ فيها على القائلين بجواز سهو النبي الأكرم، وقد أدرجها العلاّمة المجلسي في بحاره.( [2])
ونذكر هنا نماذج من كلمات العلماء الأعلام منها:
1. قال المحقّق الطوسي في «تجريد الاعتقاد»: وتجب في النبي العصمة ليحصل  الوثوق والاطمئنان بكلامه وأيضاً يجب عدم السهو.( [3])
2. وقال العلاّمة الحلّي في شرحه لكلام الخواجه الطوسي: وان لا يصحّ عليه السهو لئلاّ يسهو عن بعض ما أُمر بتبليغه.( [4])
3. وقال المحقّق الحلّي في «المختصر النافع»: والحقّ رفع منصب الإمامة عن السهو في العبادة.( [5])
4. وقال العلاّمة الحلّي في بعض كتبه الفقهية في بحث مسألة التكبير في سجدتي السهو: احتج المخالف بما رواه أبو هريرة عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: ثمّ كبّر وسجد.
والجواب: انّ هذا الحديث عندنا باطل لاستحالة السهو على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) .
وقال في مسألة أُخرى: قال الشيخ(الطوسي): وقول مالك باطل، لاستحالة السهو على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) .( [6])
5. قال الشهيد في «الذكرى»: وخبر ذي اليدين متروك بين الإمامية، لقيام الدليل العقلي على عصمة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عن السهو.( [7]) هذا هو الرأي السائد بين الإمامية.
الطائفة الثانية: وهم:
ألف: انّ الشيخ الصدوق (المتوفّى 381هـ) وأُستاذه محمد بن الحسن بن الوليد (المتوفّى 343هـ) هما أوّل من ذهب إلى جواز  سهو النبي، واعتبر القول بعدم سهو النبي بأنّه من شعار الغلاة والمفوّضة.
ولكن لابدّ من الالتفات إلى نكتة مهمة، وهي أنّ الشيخ الصدوق لا يقول بجواز سهو النبي مطلقاً، بل انّه يرى أنّ للنبيّ الأكرم حالات بعضها خاصة به و الأُخرى مشتركة بينه و بين سائر المكلّفين، فالحالة التي اختصّ بها هي النبوة والتبليغ لا يجوز فيها السهو، وأمّا الحالات المشتركة كالعبادات فالسهو فيها جائز. ثمّ إنّهرحمه اللّه يفصل بين سهو النبي والسهو الصادر من الناس العاديين حيث يعتبره عند الناس العاديين نتيجة نفوذ وسيطرة الشيطان، ولكنّ  سهو النبي والمعصومين ناتج من الإرادة  الإلهية «إنساء اللّه»، وهذا ما يظهر من كلامه (قدس سره)   حيث قال: وذلك لأنّ جميع الأحوال المشتركة يقع على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فيها ما يقع على غيره... فالحالة التي اختصّ بها هي النبوة، والتبليغ من شرائطها، ولا يجوز أن يقع عليه في التبليغ ما يقع عليه في الصلاة، لأنّها عبادة مخصوصة، والصلاة عبادة مشتركة، وبها تثبت له العبودية، وبإثبات النوم له عن خدمة ربّه عزّ وجلّ من غير إرادة له وقصد منه إليه، نفي الربوبية عنه، لأنّ الذي لاتأخذه سنة ولا نوم هو اللّه الحيّ القيوم، وليس سهو النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كسهونا، لأنّ سهوه من اللّه عزّ وجلّ، وإنّما أسهاه ليعلم أنّه بشر مخلوق فلا يتّخذ ربّاً معبوداً دونه، وليعلم الناس بسهوه حكم السهو متى سهوا، وسهونا عن الشيطان، وليس للشيطان على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) والأئمّة ـ صلوات اللّه عليهم ـ سلطان : ( إِنّما سُلْطانُهُ عَلى الَّذينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُون ) .( [8])
ثمّ نقل عن أُستاذه ابن الوليد أنّه كان يقول: أوّل درجة في الغلو نفي السهو عن النبي.( [9])
ب: ثمّ الظاهر من السيد المرتضى(المتوفّى 436هـ) أنّه يقول في تفصيل آخر وهو: انّ النبيّ  (صلى الله عليه وآله وسلم) إنّما لا يجوز عليه النسيان فيما يؤدّيه عن اللّه تعالى، أو في شرعه، أو في أمر يقتضي التنفير عنه. فأمّا فيما هو خارج عمّا ذكرناه فلا مانع من النسيان.( [10])
ج:  كذلك ذهب إلى القول  بالتفصيل أمين الإسلام الطبرسي صاحب «مجمع البيان» .( [11])
د. وأمّا العلاّمة المجلسي فقد قال: إنّ هذه المسألة  في غاية الإشكال، لدلالة كثير من الآيات والأخبار على صدور السهو عنهم (عليهم السلام) ... وإطباق الأصحاب إلاّ ما شذّ منهم على عدم جواز السهو عليهم، مع دلالة بعض الآيات والأخبار عليه في الجملة، وشهادة بعض الدلائل الكلامية والأُصول المبرهن عليه، مع ما عرفت في أخبار السهو من الخلل والاضطراب، وقبول الآيات ـ الدالّة على جواز السهو ـ للتأويل، واللّه يهدي إلى سواء السبيل.( [12]) وبما أنّه (قدس سره)    لم يذكر  رأيه هنا بصورة قاطعة يمكن القول: إنّه من المتوقّفين في المسألة، إلاّ أنّه يمكن الاستفادة من ذيل كلامه بأنّه من المخالفين لنظرية سهو النبي.
التحقيق في المسألة
يظهر ومن خلال ملاحظة آراء المحقّقين أنّ نظرية المرحوم الشيخ الصدوق ـ على فرض صحّة الأخبار التي استند إليها وحجّيتها في البحوث العقائدية ـ هي أقرب إلى الواقعية، إذ من الممكن أن تقتضي المصالح الإلهية أن يتطرق السهو إلى النبي الأكرم من خلال إنساء اللّه له، وخاصة إذا كان ذلك العمل يكون سبباً للحد من غلو المغالين وتنزيه النبي ممّا يصفونه  به، فتكون حينئذ المصلحة في الإنساء والسهو كبيرة، وعلى كلّ حال فالقضية قضية «إنساء اللّه» لا غلبة الشيطان على أفكاره ومشاعره (صلى الله عليه وآله وسلم) .
هذا ولكنّ الكلام في حجّية تلك الروايات بنحو تصلح للاستناد إليها والاحتجاج بها في باب العقائد، وقد تتّبع الباحث المعاصر الشيخ الشوشتري في رسالة خاصة جميع تلك الروايات في آخر المجلد الحادي عشر من «قاموس الرجال»، ومن أراد التحقيق في تلك الروايات والأحاديث فعليه مراجعة الرسالة المذكورة.

[1] . صحيح البخاري:2/68; بحار الأنوار:17/97ـ 129.
[2] . بحارالأنوار:17/122ـ 129.
[3] . كشف المراد: 195.
[4] . كشف المراد: 195.
[5] . المختصر النافع: 45.
[6] . منتهى المطلب:1/418ـ 419.
[7] . الذكرى: 215.
[8] . النحل: 100.
[9] . من لا يحضره الفقيه:1/ 232.
[10] . تنزيه الأنبياء: 87.
[11] . انظر مجمع البيان:2/ 317.
[12] . بحار الأنوار:17/118ـ 119.