قائمة المواضيع :
ما هي الأدلّة التي يمكن إقامتها لإثبات خاتمية النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) .
الجواب: تعتبر مسألة  الخاتمية من المسائل البديهية في أوساط المسلمين حيث اتّفقت الأُمّة الإسلامية على أنّ النبي محمّداً  (صلى الله عليه وآله وسلم) هو خاتم الأنبياء، وأنّ دينه خاتم الأديان، وكتابه خاتم الكتب والصحف السماوية، وقد أُوصد باب الرسالة والنبوة من بعده (صلى الله عليه وآله وسلم) .
وقد جاء التصريح بهذه الحقيقة والتأكيد عليها في القرآن الكريم والأحاديث الإسلامية المتواترة وخطب وكلمات علماء المسلمين، وأشار إليها الشعراء في قصائدهم حتّى اعتبر لقب خاتم النبيّين من ألقابه (صلى الله عليه وآله وسلم) المعروفة،ولم يشذ في ذلك إلاّ حزب سياسي تستّر بستار الدين من أجل بثّ التفرقة في الأُمّة، وهذا الحزب هو «البهائية» وبعد ظهور هذه الفرقة وبفاصلة قصيرة ظهر حزب سياسي آخر في بلاد الأديان ـ الهند  ـ مرتبط بالمستعمر البريطاني، وقد أطلق على هذا الحزب اسم «القاديانية» حيث ألقى بذور الشك والريبة في أذهان البسطاء والسذّج من أبناء تلك القارة معتمداً أُسلوباً تفسيرياً عجيباً وتأويلاً غريباً.
ولسنا هنا بصدد الإجابة عن جميع الشبهات والإشكاليات التي أُثيرت حول الخاتمية، بل المقصود هو بيان الرؤية القرآنية في هذا المجال، ولذلك سنقتصر في البحث على بعض  الآيات الواضحة في هذا المجال.
الخاتمية في القرآن
لقد ذُكرت الخاتمية في القرآن الكريم في آيات كثيرة نقتصر على ذكر بعضها كنماذج فقط:
1. ( مَا كانَ مُحَمَّدٌ أَبا أَحَد مِنْ رِجَالِكُمْ وَ لكِنْ رَسُولَ اللّهِ وَ خاتَمَ النَّبِيّينَ وَ كَانَ اللّهُ بِكُلِّ شَيْء عَلِيماً ) .( [1])
توضيح ذلك: من المعروف أنّ الرسول الأكرم قد تبنّى زيداً قبل عصر الرسالة، وكان من الأعراف الخاطئة بين العرب في ذلك الوقت أنّهم ينزلون الأدعياء منزلة الأبناء الحقيقيّين ويتعاملون معهم معاملة الابن الحقيقي، ويرتّبون على ذلك جميع الآثار والنتائج التي تتعلّق بالابن الحقيقي كأحكام الزواج والميراث وغير ذلك، فيمنعون على المتبنّي أن يتزوّج زوجة الولد الذي ادّعاه بعد طلاقها أو بعد موته، فأراد اللّه سبحانه أن يبطل تلك العادة الجاهلية وأن ينسخ تلك السنّة الخاطئة، فأمر رسوله  (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يتزوّج زينب زوجة زيد بعد مفارقته لها.
فتزوّجها رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) فأوجد ذلك الزواج ضجّة بين المنافقين والمتوغّلين في النزعات الجاهلية والمنساقين وراءها، واستغلوا ذلك للتشهير بالرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) حيث أشاعوا أنّ محمّداً قد تزوج زوجة ابنه، فردّ اللّه سبحانه على تلك المزاعم الباطلة والطعون الواهية: ( مَا كانَ مُحَمَّدٌ أَبا أَحَد مِنْ رِجَالِكُمْ ـ من الذين لم يلدهم ومنهم زيد ـ وَ لكِنْ رَسُولَ اللّهِ ـ  وهو لا يترك ما أمره اللّه به  ـ وَ خاتَمَ النَّبِيّينَ ـ أي وآخرهم خُتِمت به النبوة فلا نبي بعده ولا شريعة سوى شريعته، فنبوّته أبدية وشريعته باقية إلى يوم القيامة ـ وَ كَانَ اللّهُ بِكُلِّ شَيْء عَلِيماً )
2. ( تَبارَك الَّذي نَزَّلَ الْفُرقانَ عَلى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعالَمينَ نَذِيراً ) .( [2])
وصريح الآية المباركة أنّ الغاية من تنزيل الفرقان على الرسول الأكرم كون القرآن نذيراً للعالمين، أي الخلائق كلّها من بدء نزوله إلى يوم يبعثون.
قال الإمام الصادق (عليه السلام)  في تفسيره للعالمين: عنى به الناس، وجعل كلّ واحد عالماً، وقال: العالم عالمان: الكبير وهو الفلك بما فيه والصغير لأنّه مخلوق على هيئة العالم.( [3])
3. ( إِنَّ الّذينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمّا جاءَهُمْ وَ إِنَّهُ لَكِتابٌ عَزيرٌ * لايَأْتيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ و َلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزيلٌ مِنْ حَكيم حَميد ) .( [4])
والمقصود من الذكر في الآية الشريفة هو القرآن الكريم، ويؤيد ذلك آيات أُخرى وردت في الذكر الحكيم، كقوله سبحانه: ( إِنّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَ إِنّا لَهُ لَحافِظُونَ ) .( [5])
وقوله سبحانه: ( وَ قالُوا يا أَيُّهَا الَّذي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ ) .( [6])
( وَ أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّروُنَ ) .( [7]) ولا ريب أنّ المقصود من الذكر في جميع الآيات هو القرآن الكريم، والضمير في قوله: ( لا يأتيه ) يرجع إلى الذكر ، وعلى هذا يكون معنى الآية انّ القرآن  الكريم هو الكتاب الذي لا يتطرق إليه الباطل بأيّ وجه من الوجوه وبأيّ صورة من الصور.
وصور الباطل هي:
1. لا يأتيه الباطل: أي لا ينقص منه شيء ولا يزيد فيه شيء.
2. لا يأتيه الباطل بمعنى لا يأتيه كتاب يبطله وينسخه، فهو حقّ ثابت لا يبدل ولا يغيّر.
3. لا يأتيه الباطل: أي لا يتطرق في إخباره عمّا مضى ولا في إخباره عمّا يجيء الباطل فكلّها تطابق الواقع.
ويتّضح من الآية وبصورة جلية أنّ القرآن الكريم مصون ومحفوظ من كلّ ذلك الباطل ولا طريق للباطل بكلّ أنواعه إلى القرآن الكريم إلى قيام الساعة، وهذا يدلّ على حقّانيّته وحجّيته إلى ذلك اليوم الموعود، لأنّه لا يمكن ووفقاً للآيات المذكورة أن يكون حجة محدودة بأمد معين، بل يكون متبعاً إلى قيام الساعة، ونفس هذا المعنى  يستفاد من آية: ( إِنّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَ إِنّا لَهُ لَحافِظُونَ ) .
فالآيتان تدلاّن على أنّ القرآن حق وثابت لا يتطرّق إليه الريب والباطل،  فإذا كان القرآن حقّاً مطلقاً ومصوناً من تسلّل الباطل إليه، وحجة للناس إلى يوم القيامة، فهذا يلازم دوام رسالته وثبات نبوّته وخاتمية شريعته (صلى الله عليه وآله وسلم) .
وبعبارة أُخرى: انّ الشريعة الجديدة ـ المفترضة النزول ـ إمّا أن تكون عين الشريعة الإسلامية الحقّة التي لا يأتيها ولا يدانيها الباطل كما أثبتنا ذلك، أو تكون هذه الشريعة غير الشريعة الإسلامية. فعلى الفرض الأوّل لا حاجة إلى نزول الشريعة الثانية، لأنّها مطابقة حسب الفرض للشريعة الأُولى فلا تأتي بشيء جديد.
وعلى الفرض الثاني فإمّا أن تكون الثانية حقّة كالأُولى ـ يعني كلاهما حق ـ فيلزم كون المتناقضين حقاً، أو تكون إحداهما حقّة دون الأُخرى وهنا لابدّ من بيان وتمييز الرسالة الحقّة عن الباطلة.
وبما أنّنا قد أثبتنا وبالدليل القرآني الصريح أحقّية الشريعة الإسلامية وأحقّية القرآن وأبديتهما، فتكون النتيجة الطبيعية والمسلّمة بطلان كلّ شريعة تدّعى بعد الشريعة الإسلامية، وكلّ من ادّعى ذلك أو سيدّعي فهو كذاب مفتر.
4. ( قُلْ أَيُّ شَيْء أَكْبَرُ شَهادَةً قُلِ اللّهُ شَهِيدٌ بَيْنَي وَبَيْنَكُمْ وَ أُوحِيَ إِلَيَّ هذَا الْقُرآنُ لأُنْذِرَكُمْ بِهِ و َمَنْ بَلَغَ ) .( [8])
وقد فسّر المرحوم أمين الإسلام الطبرسي الآية بقوله:
أي لأُخوّف به من بلغه القرآن إلى يوم القيامة، ولذا قال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) :
«من بلغه إنّي أدعو إلى أن لا إله إلاّ اللّه فقد بلغه» أي بلغته الحجة وقامت عليه ، حتى قيل: من بلغه القرآن فكأنّما رأى محمّداً  (صلى الله عليه وآله وسلم) وسمع منه، وحيثما يأتي القرآن فهو داع ونذير».( [9])
فهذه الآية هي الأُخرى تدلّ دلالة واضحة وجليّة على استمرار الرسالة المحمدية إلى يوم القيامة. ولكن ينبغي الإشارة إلى نكتة مهمة وهي: انّ هذا المعنى إنّما يستفاد من الآية إذا عطفنا قوله تعالى:  ( مَنْ بَلَغَ ) على الضمير في قوله: ( لأُنذركم ) .
وقد يتصوّر انّ جملة  ( وَ مَنْ بَلَغَ )   معطوفة على الضمير الفاعل في قوله: ( لأُنذِرَكُمْ ) فيكون مفاد الآية حينئذ أنّني أُنذركم، وكذلك من بلغه القرآن ووصل إليه يجب عليه هو أيضاً أن يقوم بعملية تبليغ الرسالة ونشر القرآن والمعارف الإسلامية بين الناس.
ولكنّ هذا الاحتمال لا ينسجم مع القواعد وأُصول اللغة العربية، وذلك لأنّ الضمير المتّصل المرفوع والضمير المستتر لا يعطف عليهما، إلاّ بعد توكيدهما بالضمير المنفصل نحو «جئت أنا وزيد» و «قم أنت وعمرو»، أو بعد أن يفصل بين المعطوف والمعطوف عليه فاصل نحو ( ما أشركنا ولا آباؤُنا ) ( [10]) .
5. ( وَ ما أَرْسَلْناكَ إِلاّ كافّةً لِلنّاسِ بَشيراً وَ نَذِيراًوَ لكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ ) .( [11])
إنّ الإمعان  والتأمّل في الآية  المذكورة يرشدنا إلى كون كلمة ( كافّة ) حالاً من الناس، وتقدير الآية «وما أرسلناك إلاّ للناس كافّة».
ويحتمل كونها حالاً من الضمير المنصوب في ( أَرْسَلْناكَ ) ، ويكون  مفاد الآية حينئذ: «وما أرسلناك إلاّ لتكفهم وتردعهم من خلال تذكيرهم بالعذاب الإلهي الذي سيُصيب المذنبين والعاصين وأصحاب الأفعال القبيحة والسيّئة».
ولكنّ هذا الاحتمال ضعيف جدّاً وذلك:
أوّلاً: ـ لا حاجة عندئذ إلى لفظة كافّة بعد ورود جملة : ( بَشيراً ونذيراً ) إذ  لا معنى للكف والردع إلاّ تخوفيهم من عذابه وعقابه حتّى يرتدعوا بالتأمل فيما أوعد اللّه في كتابه العزيز كما نقول لشارب الخمر: لا تشرب الخمر لأنّه سيصيبك عذاب من اللّه شديد، وهذا هو عين الإنذار الوارد في الآية فلا حاجة إلى كلمة كافة.
ثانياً: انّ القرآن الكريم  لم يستعمل كلمة ( كافّة ) إلاّ بمعنى عامّة، كقوله سبحانه:
( يا أَيُّهَا الّذينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كافَّةً ) .( [12])
وقوله:
( وَ قاتِلُوا الْمُشْرِكينَ كافَّةً كَما يُقاتِلُونَكُمْ كافَّةً ) .( [13])
وقوله:
( وَ ما كانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كافَّةً ) .( [14])
ومن الواضح أنّ لفظة كافّة في جميع الآيات بمعنى عامّة، وهي حال من الناس، وتكون الآية دليلاً على كون الرسالة المحمدية رسالة عالمية ودائمة، أي أنّه مبعوث إلى الناس إلى يوم القيامة.
ويؤيد ذلك ما ورد من الروايات التي نقلها ابن سعد في طبقاته الكبرى، وهي:
1. عن أبي هريرة أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال:«أُرْسِلتُ إِلَى النّاسِ كافَّةً وَبِيَ خُتِمَ النَّبِيُّونَ». ( [15]) 2. وعن خالد بن معدان قال، قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)«بُعِثْتُ إلَى النّاسِ كافَّةً».( [16])
ومن المعلوم أنّ لفظ «كافّة» في الروايتين بمعنى «عامّة» وحال من «الناس»، وهذا بنفسه دليل واضح على أنّ كلمة «كافّة» في الآية المذكورة بمعنى «عامة» وحال من «الناس» وفي الحقيقة يمكن القول : إنّ النبي الأكرم أشار في هاتين الروايتين إلى مضمون الآية المذكورة.
وفي الختام نشير إلى نكتة معينة، وهي:
إنّ  الآيات التي استدلّ بها على خاتمية النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) تنقسم من ناحية الدلالة إلى نوعين:
1. قوله تعالى: ( وَلكِنْ رَسُولَ اللّهِ و َ خاتَمَ النَّبِيينَ )   تدلّ بصراحة تامة على إيصاد باب النبوة بصورة مطلقة، سواء أكان المدّعي للنبوة صاحب رسالة وشريعة مستقلة، أو كان مروّجاً لشريعة النبي الأكرم.
2. وأمّا الآيات الأربع الأُخرى فإنّها تدلّ على استحالة مجيء كتاب سماوي آخر ينسخ القرآن الكريم والشريعة الإسلامية، ولا تدل على أكثر من ذلك، فالواقع أنّ غرضنا من ذكر الآيات الأربع المذكورة هو الاستدلال على هذا المعنى وإثبات بطلان دعوة من ادّعى أنّه نبي وأنّه جاء بكتاب سماوي جديد( [17]). ( [18])
[1] . الأحزاب: 40.
[2] . الفرقان: 1.
[3] . المفردات للراغب: 349.
[4] . فصلت:41و 42.
[5] . الحجر: 9.
[6] . الحجر: 6.
[7] . النحل: 44.
[8] . الأنعام: 19.
[9] . مجمع البيان:4/ 282.
[10] . الأنعام: 148.
[11] . سبأ: 28.
[12] . البقرة: 208.
[13] . التوبة: 36.
[14] . التوبة: 122.
[15] . الطبقات الكبرى:1/ 122.
[16] . الطبقات الكبرى:1/ 122.
[17] . الجدير بالذكر أنّ القرآن الكريم لم يكتف بإثبات الخاتمية بالآيات الخمس المذكورة بل هناك آيات أُخرى في هذا المجال لم نذكرها روماً للاختصار.
[18] . منشور جاويد:7/317ـ 336.