قائمة المواضيع :
ما هي الأدلّة العقلية والنقلية التي يمكن إقامتها لإثبات عصمة الأئمّة؟
الجواب: يجب على الإمام أن يكون معصوماً ومنزّهاً من الذنب، لأنّه ما لم يتّصف الإمام بصفة العصمة لا يكون حينئذ موضوعاً لوثوق الناس بقوله وفعله، ولا يمكن أن يكون قدوة وأُسوة لهم، كذلك لا يتسنّى له بدون العصمة ان ينفذ إلى قلوب الناس ومشاعرهم وأحاسيسهم، وعلى هذا الأساس فلابدّ للإمام ـ و لجلب وثوق الناس به واعتمادهم عليه ونفوذه في عقولهم وتفكيرهم ـ أن يكون معصوماً من كلّ أنواع الزلل والخطأ العمدي والسهوي.( [1])
ثمّ إنّه كما ازدادت شروط الإمامة وفقاً للمذهب الشيعي ـ بالإضافة إلى الكفاءات الذاتية والعدالة أُضيفت شروط أُخرى كـ«سعة العلم» و «العصمة»ـ كذلك ازدادت وظائفه ومهامه، إذ بالإضافة إلى تأمين العدالة الاجتماعية وتحكيم الأمن ونشر الإسلام وغير ذلك من الأُمور المشابهة لها يكون الإمام مسؤولاً عن تحقيق مسألتين هما:
1. بيان أُصول و فروع الإسلام وتلبية جميع متطلّبات المجتمع الإسلامي العلمية والفكرية والسياسية.
2. صيانة الدين من كلّ أنواع الانحراف لتصل المعارف والأحكام الإلهية إلى الناس نقية خالصة من كلّ شين وعيب، بحيث تنتقل ـ هكذا ـ من الخلف إلى السلف ولا يتمكّن النفعيون وتجار الحديث والتاريخ وأعداء الإسلام التلاعب بحقائق الدين الإسلامي.
الدليل الآخر على العصمة
لقد تبيّن في البحوث السابقة وبصورة جليّة نظرية المدرستين ـ المدرسة الإمامية ومدرسة الخلفاء ـ في مسألة الإمامة والخلافة وتبيّن سبب اشتراط المدرسة الشيعية«العصمة» في الإمام ولم يشترط ذلك في المدرسة الأُخرى، بل نظروا إلى هذا الشرط نظرة التعجب والحيرة.
ففي أصل النظرية الشيعية ـ التي ترى أنّ الإمامة استمرار لوظائف النبوة والرسالة وانّ جميع وظائف النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) قد حوّلت إلى الإمام باستثناء وظيفة تأسيس الدين وكونه الطرف المباشر لتلقّي الوحي ـ يكون الإمام بعد النبي معصوماً أيضاً، وإلاّ فإنّه لا يستطيع أن يقوم بأداء الوظائف المحولة إليه، وأمّا وفق النظرية السنية ـ التي ترى أنّ مقام الإمامة كمقام رئاسة الجمهورية ورئاسة الوزراء ـ فإنّهم يكتفون بما تتطلّبه تلك الوظائف من الكفاءة والدراية في إدارة البلاد وإن لم يكن قادراً على القيام بباقي وظائف ومهام النبوة والرسالة.
ونحن إذا راجعنا كتب الملل والنحل أو الكتب الكلامية لأهل السنّة نجد أنّهم يعتبرون إحدى نقاط الضعف في المذهب الشيعي هو القول بعصمة الإمام علي وأولاده (عليهم السلام) ، ويتعجّبون بل يستوحشون من هذه النظرية كما نتعجّب نحن من نظرية «المجبرة».
ولا ريب أنّ علّة تعجّبهم وحيرتهم أنّهم نظروا إلى القضيّة من الزاوية التي ينظرون منها إلى مسألة الإمامة، إذ أنّها عندهم لا تتجاوز كونها منصباً عادياً، وأنّ الإمام عندهم إنسان عادي لا يمتاز عن غيره من المسلمين بغير بعض المواهب والكفاءات التي يستلزمها منصب الإدارة فقط! ومن الطبيعي وفقاً لهذه النظرية أن يكون الاعتقاد بعصمة علي وأولاده (عليهم السلام)   باعثاً على الحيرة والتعجّب!!
والحال ووفقاً للنظرية الشيعية التي ترى أنّ الإمام كالنبي واسطة في نزول الفيض المعنوي من جانب اللّه سبحانه إلى الأُمّة، لا يوجد أدنى مجال للتعجّب والحيرة في القول بالعصمة.
ومن خلال هذا البحث يمكن  الحصول على نتيجتين:
1. انّ مقام الإمامة ـ بعد النبيّ الأكرم ـ مقام تنصيصي أي تابع للنص الإلهي، لأنّ الإنسان العادي وإن كان من جهة العلم والمعرفة يمكن أن يحصل على درجة عالية من العلم والمعرفة إلاّ أنّه ما لم يخضع للتربية الإلهية ويتلقّى العلوم النبوية عن طريق الوحي لا يتمكّن من سدّ الفراغ ورفع الإشكالات والإبهامات التي تقع في الطريق.
2. ما لم يكن خليفة النبي معصوماً من الذنب والمخالفة، بل من الخطأ والاشتباه ولو في مجال الأُمور التي تتعلّق بالشريعة يستحيل عليه القيام بوظائف النبي وملء الفراغ الحاصل برحيله (صلى الله عليه وآله وسلم) .
وعلى هذا الأساس تكون التربية الإلهية والعلم الواسع والعصمة من الذنب والخطأ من الشروط الأساسية لبيان أحكام الحوادث المستجدة، وتفسير مقاصد آيات الذكر الحكيم، والإجابة عن الشبهات والإشكالات، وصيانة الدين من كلّ أنواع التحريف.
أضف إلى ذلك: أنّ جميع الأدلّة العقلية التي أُقيمت لإثبات عصمة النبي من قبيل: تحقيق أهداف البعثة، كسب ثقة الناس، فإنّها جميعاً تجري ـ وبنحو ما ـ في حق الإمام وفقاً للنظرية الشيعية، وإذا أردنا أن نصيغ ذلك الدليل بعبارة مختصرة نقول: إنّ عصمة الإمام لازم للنظرية التي ترى أنّ مقام الإمامة استمرار لمقام النبوة ووظائفها، أو أنّه استمرار لمقام إمامة النبي، ولا ريب أنّ هذه الاستمرارية لا يمكن أن تحصل من دون الإيمان بعصمة الإمام.
وقد حان الوقت لبيان الدليل السابق بصورة أُخرى مفصّلة حيث نقول:
لقد حدث وبرحيل النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) سلسلة من الفراغات في المجتمع الإسلامي لا يمكن سدّها  إلاّ بوجود إمام معصوم.
وبعبارة أُخرى: إذا كان سدّ تلك الفراغات ـ التي سنذكرها ـ ضرورياً، فلابدّ انّها تسد بوجود الإمام المعصوم، وإلاّ فلا يمكن للإنسان العادي سدّها وملء الفراغ.
وهذه الفراغات هي:
1. بيان أحكام الحوادث المستجدة التي لا سابق لها.
2. تفسير مقاصد وأهداف آيات الذكر الحكيم.
3. الإجابة عن الشبهات وحلّ الإشكالات.
4. صيانة وحفظ الرسالة الإسلامية من كلّ أنواع التحريف.
هذه هي الوظائف التي كان يقوم بها النبي الأكرم في حياته (صلى الله عليه وآله وسلم) فكان بوجوده الشريف يسد الخلل الذي  يحصل في تلك المجالات. وهانحن نشير  و ـ حسب الترتيب ـ إلى تلك الوظائف بصورة إجمالية:
ألف. لقد  كان النبي مبيّناً لأحكام جميع المسائل المستحدثة التي تحتاجها الأُمّة.
ولا ريب أنّ هذه الحاجة استمرت بعد رحيله (صلى الله عليه وآله وسلم) حيث تواجه الأُمّة دائماً مسائل مستحدثة الأمر الذي يقتضي وجود شخصية تستطيع أن تبيّن للأُمّة أحكام تلك المسائل المستجدة التي لم تقع في زمن الرسول لكي يوضح (صلى الله عليه وآله وسلم) أحكامها، وقد واجهت الأُمّة بالفعل الكثير من تلك المسائل التي تحيّرت في حلّها، ولذلك أخذت الأُمّة تشرّق وتغرّب باحثة عمّن يضع لها العلاج الناجع والحل النافع فالتجأت إلى أدلّة ظنيّة وتخيّلات لم تزدها إلاّ حيرة وضياعاً.
ب. لقد كان النبيّ الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) في حال حياته المباركة يقوم بتوضيح وتفسير قسم من الآيات وبيان الأبعاد المختلفة للقسم الآخر منها، وكان يسد بذلك حاجة المسلمين، لكن بقيت هذه الحاجة  تلازم المسلمين بعد رحيله حتّى أنّهم انقسموا في تفسير قسم من الآيات، بل اختلفوا حتّى في الآيات التي تتعلّق بالوضوء وحدّ السارق والفرائض اختلفوا اختلافاً شديداً.
ج. كما  كان الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) يتصدّى للرد على الشبهات والإشكالات التي يثيرها اليهود والنصارى وبقية الأقوام والملل القاطنة في المدينة أو الذين يتردّدون عليها. ويشهد على ذلك وبصورة جلية الآية التي تدلّ على إبطال إلوهية المسيح (عليه السلام) ( [2]) ، ولقد بقيت هذه المهمة على قوتها بعد رحيل الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) حيث انحدر إلى المدينة سيل من الشبهات والإشكالات التي أثارها أحبار اليهود وقساوسة النصارى وغيرهم، وانّ تاريخ الخلفاء وعجز الكثير من أصحاب الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) عن الإجابة عن تلك الإشكالات وردّ الشبهات شاهد صدق على بقاء تلك الحاجة وبقاء تلك الثغرة التي تركها رحيل الرسول مفتوحة.
د. انّ مسألة حفظ وصيانة الرسالة الإسلامية من التحريف والوضع والجعل التي انبرى للقيام بها قلّة  من الوضّاعين والمغرضين، لا يمكن تجاهلها والمرور عليها مرور الكرام، فلقد كانت محاولة الوضع والتحريف في زمن الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) موجودة بصورة أو أُخرى. ولكنّها راجت بصورة أكبر بعد رحيله (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى الرفيق الأعلى.
ومن الطبيعي أنّ كلّ محاولة للتحريف والجعل كانت تمنى بالفشل الذريع من خلال مراجعة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) والتصدّي من قبله (صلى الله عليه وآله وسلم) لمعالجة المشكلة، ولكن بعد رحيله (صلى الله عليه وآله وسلم) وعدم وجود الشخص المعصوم ـ أو بعبارة أُخرى عدم رجوع الأُمّة إلى الإمام المعصوم الذي ينبغي الرجوع إليه ـ الذي يمكن من خلاله حلّ المشكلة والقضاء على كلّ محاولات التحريف والوضع وتمييز الحقّ عن الباطل والصحيح عن السقيم، أوجد في المجتمع الإسلامي مشكلة كبرى بحيث تمكن تيار الدس والوضع من زرق الكم الهائل من الأحاديث والروايات المجعولة في مصادر التراث الإسلامي بحيث تمكّنت أن تقلب وجهة تاريخ الحديث في صدر الإسلام.
ثمّ إنّ  مسألة التحريف لم تقتصر على مجال الحديث والرواية، بل أنّ نشوء الفرق المختلفة بعد رحيله (صلى الله عليه وآله وسلم) والتي يشهد عليها تاريخ الملل والنحل، يُعدّ دليلاً واضحاً على وجود عملية التحريف في مجالي الأُصول والفروع بحيث لم يمر على رحيله (صلى الله عليه وآله وسلم) فترة طويلة إلاّ والمسلمون انقسموا إلى فرق ومذاهب مختلفة وصلت إلى ما يربو على 72فرقة، أو أكثر من ذلك، واحدة منها ـ هي الناجية ـ على الحقّ والباقية باطلة جميعها بلا ريب.
إنّ تلك المشاكل والإشكالات كانت تعالج ببركة وجوده (صلى الله عليه وآله وسلم) ولا ريب بعد رحيله (صلى الله عليه وآله وسلم) ستبقى تلك المشكلات على حالها وقوتها ولا يوجد أحد يمتلك القدرة على التصدّي لمعالجة المرض، نعم يوجد طريق واحد لحلّ المعضلة وهو أن نؤمن بوجود شخص يكون خليفة للرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) يمتلك من الصفات والمؤهّلات التي تساعده ليكون واسطة الفيض الإلهي على الأُمّة كما كان الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) ، فحينئذ تستطيع الأُمّة التخلّص ممّا يحيق بها من الأخطار وتنعم بالفيض الإلهي، وإلاّ فلا.
إنّ هذه الفجوات ونقاط الخلل لا يمكن أن تسد من خلال الخليفة المنتخب من قبل الأُمّة، بل لابدّ لحلّها ومعالجتها من وجود إمام وخليفة يتحلّى بما كان يتحلّى به الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) من التربية الإلهية والعلم الواسع والعصمة من الذنب والخطأ، وإلاّ فستبقى تلك الفجوات والثغرات على قوتها. ولا ريب أنّ معرفة وتشخيص المصداق الذي يتحلّـى بتلك الصفات والمؤهلات لا يمكن لأيّ إنسان تحصيله إلاّ من خلال طريق واحد لا ثاني له وهو التنصيص الإلهي لأنّه لابدّ لهذا الفرد ـ و كما قلنا ـ أن يخضع للتربية والإعداد و التأهيل الإلهي والتعليم الخارق للعادة، وبعد أن تتم عملية إعداده وتأهيله تأتي مرحلة تعريفه إلى الأُمّة من قبل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وفي الوقت المناسب.
إنّ هذه الحسابات والمعادلات التي ذكرناها هنا بصورة مضغوطة( [3]) تثبت ـ بالإضافة إلى ضرورة النصّ على الإمام ـ العصمة أيضاً، وبما أنّنا قد تعرّضنا في بحث النبوة لبيان الأدلّة العقلية لإثبات عصمة النبي الأكرم، وأثبتنا أيضاً أنّ تلك البراهين والأدلّة تجري في حقّ الإمام أيضاً فلذلك لانرى ضرورة لإعادتها هنا. ثمّ إنّه إذا كانت هناك سلسلة من الآيات التي تثبت عصمة الأنبياء بصورة عامّة وعصمة الرسول الأكرم بصورة خاصة، فإنّ هناك آيات أُخرى تدلّ وبصورة كليّة على عصمة ومصونية الأئمّة (عليهم السلام) .
ونحن هنا نكتفي بالبحث في آيتين من الذكر الحكيم هما:
1. الآية التي تتعلّق بإمامة إبراهيم (عليه السلام) .
2. آية التطهير.( [4])
عصمة الإمام في آية الابتلاء
من المفاهيم الجديرة بالبحث والتحليل  «مفهوم الإمام في القرآن» فإنّ مفهوم «الإمام» كمفاهيم: «النبي» و«الرسول» و «الصدّيقين» و«الشهداء» و «الصالحين» جدير بالبحث والدراسة والتفسير.
ولقد ذكر القرآن الكريم تلك المفاهيم مجتمعة ـ إلاّ مفهوم الإمامة  ـ في آية من الذكر الحكيم وهي قوله تعالى:
( وَمَنْ يُطِعِ اللّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيْهِمْ مِنَالنَّبِيِّينَ وَالصِّدّيقينَ وَالشُّهَداءِوَالصّالِحينَ وَحَسُنَ أُولئِكَ رَفيقاً ) .( [5])
والحقّ أنّ كلّ واحد من تلك المفاهيم جدير بالاهتمام ويستحقّ البحث والدراسة والتحليل والتوضيح، وإذا كان القرآن الكريم قد ذكر في هذه الآية المباركة المفاهيم الخمسة، فإنّه في آيات أُخرى تعرض للإشارة ولبيان موضوع «الإمامة» و «الأئمّة» و تحدّث عن تلك المفاهيم ومن أبرز الآيات التي وردت في بحث «الإمامة» قوله تعالى:
( وَإِذِ ابْتَلى إِبْراهيمَ رَبُّهُ بِكَلِمات فَأَتَمَّهُنَّ قالَ إِنِّي جاعِلُكَ لِلنّاسِ إِماماً قالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتي قالَ لا يَنالُ عَهْدِي الظّالِمينَ ) .( [6])
كيفية دلالة الآية على عصمة الإمام
لقد بحثنا الآية المباركة وبصورة شاملة ومفصّلة، وسلّطنا الأضواء على جميع الجزئيات وجميع النظريات والآراء التي ذكرت للآية الشريفة في موسوعتنا «مفاهيم القرآن»، وبيّنا هناك أنّ الآية تدلّ بما لا ريب فيه على عصمة الإمام.( [7])
ونشير هنا إلى دلالة الآية بصورة إجمالية:
1. إنّ الإمام هو القائد وهو الأُسوة والقدوة، ولا ريب أنّ الإنسان غير المعصوم لا يمكن أن يكون أُسوة وقدوة للآخرين.
وبعبارة أُخرى: ينبغي للأُمّة أن تجري في أقوالها وأفعالها طبقاً لأقوال وأفعال الإمام. فكيف يكون الإنسان غير المعصوم من الذنب وغير المصون من الخطأ أُسوة وقدوة للأُمّة تطبق أعمالها وأقوالها على أفعاله وأقواله؟!!
2. إنّ الإمام هو الشخص المطاع بدون قيد أو شرط، أي أنّ إطاعته واجبة مطلقاً، ولا شكّ أنّ من تجب إطاعته مطلقاً وبلا قيد ولا شرط لا يمكن إلاّ أن يكون معصوماً.
3. إنّ الآية تصرح بصورة واضحة وتامّة انّ الظالمين لا يمكن أن ينالهم العهد الإلهي وهو «الإمامة» التي طلبها إبراهيم (عليه السلام)  لذريته وقد أوضحنا في موسوعتنا «مفاهيم القرآن» انّ طلب إبراهيم قد استجيب في بعض ذرّيته (عليه السلام) ، وهذا البعض هو تلك الطائفة من ولده (عليه السلام) الذي  لا توجد في صفحة حياتهم أي نقطة ضعف أو خلل، وأمّا غيرهم من ذريته وإن كانوا في حال التصدّي يتحلّون بالنقاء والطهارة ولكن مع ذلك لا ينالهم ذلك العهد الإلهي ويشملهم النفي الوارد في قوله تعالى: ( لا يَنالُ عَهدي الظّالمين ) ( [8]) . ( [9])
آية التطهير وعصمة أهل البيت (عليهم السلام)
إنّ آية التطهير لا تخفى على مَن لهم معرفة بالقرآن الكريم بل حتّى أُولئك الناس الذين ليست لهم معرفة كبيرة بالقرآن الكريم يحفظون تلك الآية، وهي قوله تعالى:
( وَقَرْنَ في بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجاهِلَيَّةِ الأُولى وَأَقِمْنَالصَّلاةَ وَآتينَ الزَّكاةَ وَأَطعْنَ اللّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّما يُرِيدُ اللّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً ) .( [10])
وقد استدلّ بها علماء الشيعة ومفكّروهم ـ منذ الأيام الأُولى لتدوين الحديث والتفسير ـ على عصمة «أهل البيت» الذين نزلت الآية بحقّهم واعتبروا الآية أحد الأدلّة على عصمة هذه المجموعة.
ومن المسائل المهمة في دراسة الآية هو توضيح وبيان معنى «الرجس»، فقد عرّف اللغوي المعروف والمشهور ابن فارس«الرجس» بـ«القذارة» حيث قال: هو القذارة الأعم من المادية والمعنوية.( [11])
ولقد ذكرت هذه اللفظة في الذكر الحكيم ثمانية مرات ووصفت بها أشياء متعدّدة هي: الخمر، والميسر، والأنصاب، والأزلام، والكافر، والميتة، والدم المسفوح، ولحم الخنزير، والأوثان، وقول الزور( [12]). وإلى غير ذلك من الموارد.
ويمكن القول ومن خلال ملاحظة مجموع الآيات: إنّ «الرجس» يساوي «القذارة» التي تستنفر منها النفوس،  سواء كانت هذه القذارة مادية كالدم والميتة، ولحم الخنزير; أو كانت معنوية، كما هو الحال في القمار والكافر وعابد الوثن و وثنه، فهذه وإن كانت في الظاهر نظيفة ولكن بالالتفات إلى المفاسد الكامنة في القمار وعبادة الوثن وعقائد الكافر اعتبرت جميع تلك الموضوعات من «الرجس».
ولا شكّ أنّ المقصود من «الرجس» الوارد في الآية الكريمة ليس هو القذارة المادية الظاهرية، بل المقصود هو الأعمال القبيحة عرفاً أو شرعاً، أي القذارة المعنوية الموجودة في الكافر والعاصي، سواء كانت المعصية صغيرة أو كبيرة، وهذا يساوي الذنب وعدم الطاعة لا غير وإنّ تنزّه الإنسان وطهارته من هذه القذارة يلازم العصمة والصيانة من الذنب.
والشاهد على ذلك جملة:  ( وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً ) التي وردت تأكيداً لقوله: ( لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ ) وهذه الجملة قد وردت في القرآن الكريم بمعنى التطهير والتنزيه من الذنب والصيانة من كلّ أنواع المخالفة حيث قال تعالى: ( إِنَّ اللّهَ اصْطَفيكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفيكِ عَلى نِساءِ الْعالَمينَ ) .( [13])
ولا ريب أنّ هذا التطهير يساوي الطهارة من القذارات الروحية والمعنوية الملازم للعصمة.
وبالطبع انّ «التطهير» له مراتب ودرجات كثيرة وليست جميع مراتبه ملازمة للعصمة، كما قال سبحانه وتعالى بخصوص مسجد قبا والمصلّين فيه:
( ...فيهِ رِجالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَ اللّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرينَ ) .( [14])
وبما أنّ الآية  قد نَفَتْ القذارة بنحو مطلق حيث جاءت لفظة ( الرجس ) مقترنة بالألف واللام، وهذا يعني: أنّ المنفي في الآية هو عموم الرجس، وذلك لأنّ المنفي جنس الرجس لا نوعه ولا صنفه، ومن المعلوم أنّ نفي الجنس يلازم نفي الطبيعة مطلقاً أي بعامة مراتبها، ولأجل ذلك لم يكتف سبحانه بقوله: ( ليذهب عنكم الرِّجس ) بل أكّده بقوله: ( ويطهّركم تطهيراً ) ، وهذا يلازم العصمة بلا ريب وبلا شكّ، إذ لو كان المراد نفي مرتبة من مراتب الرجس كالمعاصي الكبيرة لما كان لنفي «الرجس» بنحو نفي الجنس معنى، وكذلك لا معنى حينئذ لتأكيد ذلك بجملة  ( يُطَهِّرَكُمْ ) .
والحاصل: انّه يمكن الاستدلال بدليلين أنّ المنفي في الآية مطلق القذارة المعنوية الأعم من الصغيرة والكبيرة عن أهل البيت (عليهم السلام) ، وذلك:
1. انّه قد نفيت عنهم طبيعة «الرجس» و «القذارة»، ومن المعلوم أنّ نفي الجنس يلازم نفي جميع المراتب والأفراد.
2. انّ نفي الرجس والقذارة قد أُكد بجملة : ( لِيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً ) ومن المعلوم أيضاً أنّه إذا كان المقصود هو نفي بعض مراتب القذارة لا جميعها، فحينئذ لا يكون للتأكيد معنى مناسب جداً.
وقد اتّضح من هذا البيان أنّه لا أساس لنظرية بعض المفسّرين الذين ذهبوا إلى أنّ المراد من ( الرِّجس )   المنفي في الآية هو الشرك أو الذنوب الكبيرة،  لأنّ هذا التفسير ينافي ظاهر الآية،  وذلك لأنّ «الرجس» ليس معناه الشرك أو الذنوب الكبيرة، بل (للرجس) معنى أوسع وأشمل، وقد نُفي عن أهل البيت (عليهم السلام)   بنحو مطلق، ونفي الشيء بنحو مطلق وبلا قيد وبلا شرط يلازم نفي جميع مراتب ذلك الشيء لا نفي مرتبة منه، كما في قولنا: «لا رجل في الدار» أو «لا  خير في الحياة».( [15])

[1] . بما أنّ الإمام مبين لأحكام الحوادث المستجدة ومفسرٌ لآيات القرآن الكريم و... فهذا يعني أنّه يمتلك نفس الوظائف التي كانت للرسول، وبالطبع فانّ الدليل العقلي الذي يحكم بلزوم عصمة النبي نفسه يجري في حقّ الإمام ويحكم بلزوم عصمته.
[2] . آل عمران: 59.
[3] . هناك آيات أُخرى يمكن الاستدلال بها على عصمة الأئمة (عليهم السلام) صرفنا عنها النظر روماً للاختصار.
[4] . الأحزاب: 33.
[5] . النساء: 69.
[6] . البقرة: 124.
[7] . انظر مفاهيم القرآن:5/197ـ 259.
[8] . البقرة: 124.
[9] . منشور جاويد:5/214ـ 278.
[10] . الأحزاب: 33.
[11] . المقاييس:2/ 49.
[12] . انظر المعجم المفهرس لآيات القرآن، مادة « رجس » .
[13] . آل عمران: 42.
[14] . التوبة: 108.
[15] . منشور جاويد:5/281ـ 284.