قائمة المواضيع :
بعد أن بيّنتم المراد من الرجس في الآية وبيّنتم أيضاً أنّ الآية تدلّ على عصمة أهل البيت (عليهم السلام) ولكن يبقى هنا سؤال وهو: من المعلوم «أنّ القضية لا تثبت موضوعها» ولذلك ينجر البحث إلى السؤال عن مصداق أهل البيت في الآية ومن هم هؤلاء الذين عنتهم الآية
الجواب: لقد وردت لفظة أهل البيت في القرآن الكريم مرتين إحداهما في هذه الآية، والأُخرى في قوله تعالى: ( قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللّهِ رَحْمَةُ اللّهِ وَبَرَكاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْت ) .( [1])
وقد جاء هذا اللفظ مركباً من كلمتين يمكن من خلالهما تحديد المفهوم المراد من «الأهل» ومن الموارد التي استعملت فيها كلمة «الأهل» في اللغة العربية وهي:
1. أهل الأمر.
2. أهل الإنجيل.( [2]) 3. أهل الكتاب.( [3])
4. أهل الإسلام.
5.  أهل الرجل.
6. أهل البيت.
7. أهل الماء.
وقد اتّفقت كلمة أهل اللغة على أنّ «الأهل» و «الآل» كلمتان بمعنى واحد، وأنّ أصل «الآل» هو الأهل.
يقول ابن منظور: أصلها أهل ثمّ أُبدلت الهاء همزة فصارت في التقدير «أأل»، فلمّا توالت الهمزتان أبدلوا الثانية ألفاً.( [4])
وحينما هجم إبرهة الحبشي على مكة المكرمة أخذ عبد المطلب بحلقة باب الكعبة وأنشد قائلاً: «انصر على آل الصليب... وعابديه اليوم آلك».( [5])
وبالالتفات إلى موارد استعمال هذه الكلمة يمكن تحديد مفهوم هذه اللفظة كالتالي:
إنّه يقصد منه المضاف الذي له علاقة خاصة بالمضاف إليه،  أي في من كان له علاقة قوية بمن أُضيف إليه، ولذلك قال  ابن منظور في «لسان العرب»: «أهل الرجل أخصّ الناس به».
وبعبارة أُخرى: كلّما أُطلقت لفظة : (أهل الرجل) فإنّه يراد  منها هم أخصّ الناس به و المرتبطون والمتعلّقون به. وعلى هذا الأساس لا شكّ أنّ مفهوم «الأهل» له معنى واسع بحيث يشمل كلّ من له صلة بالرجل والبيت صلة وطيدة من نسب أو سبب، فهو يشمل الأولاد والزوجة أو الزوجات ولا يمكن تخصيصه بالزوجة أو الزوجات فقط.
نعم روى مسلم في صحيحه عن زيد بن أرقم أنّه قال:«قام رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) يوماً فينا خطيباًً بماء يدعى «خمّاً» بين مكة والمدينة فحمد اللّه وأثنى عليه، ثمّ قال: «...وأنا تارك فيكم ثقلين: كتاب اللّه...، وأهل بيتي».
فقال له حصين: ومن أهل بيته يا زيد؟ أليس نساؤه من أهل بيته قال: لا وأيم اللّه انّ المرأة تكون مع الرجل العصر من الدهر ثمّ يطلقها فترجع إلى أبيها وقومها، أهل بيته أصله وعصبته الذين حرموا الصدقة بعده.( [6])
وبالطبع انّ هذا التفسير ناظر لبيان الدرجة العليا من الأهل، فإذا صرفنا النظر عن ذلك التفسير، فحينئذ تدخل الزوجة تحت هذا المفهوم مادامت تربطها بالرجل علاقة الزوجية ولم تنفصل عنه.
والعجب من بعض المحسوبين على العلم والفكر أنّه قد فسّر المسألة بصورة معكوسة حيث قال: إنّ لفظة «أهل البيت» تطلق على زوجات الرجل حقيقة وعلى أولاده وأقاربه بنحو المجاز( [7]). ثمّ يدّعي أنّه استنتج هذه العبارة  من كلمات اللغويين. والحال أنّه  قد نقل كلمات اللغويّين والتي تخالف ما ذهب إليه.
فقد نقل عن صاحب قاموس  اللغة قوله: «وللنبي أزواجه وبناته».
كذلك نقل شارح القاموس قوله: «والأهل للرجل زوجه ويدخل فيه أولاده»، وكذلك ينقل عن «لسان العرب»: «لأهل الرجل أخصّ الناس به». وقال في «مجمع البحرين»: «أهل الرجل آله وهم أشياعه وأتباعه».
و قال في «أقرب الموارد»: «أهل الرجل عشيرته وأقرباه».
والخلاصة: انّنا إذا لم نقل انّ «أهل بيت الرجل» مفهوم يختصّ بمن يرتبط بالرجل ارتباطاً ثابتاً وقويماً، فعلى أقل التقدير لا يمكن الذهاب إلى أنّ  المفهوم يطلق حقيقة على زوجات الرجل ومجازاً على أولاده وأقاربه، وإذا كانت بعض كتب اللغة قد فسرت «أهل الرجل» بزوجاته، فإنّ ذلك من قبيل التفسير بذكر المثال، وإلاّ فإنّ كلّ من يرتبط برب البيت بأيّ نحو من الأنحاء يصدق عليه أنّه من «أهل البيت».
اتّضح من ذلك أنّ مفهوم «الأهل» ينطبق على أولاد الرجل وزوجاته لغة، ويبقى الكلام في الزوجات فإنّ المفهوم ينطبق عليهن لغة، وكذلك في الذكر الحكيم حيث هناك العديد من الآيات التي تؤكد ذلك والتي منها:
( إِنّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ إِلاّ امْرَأَتَكَ كانَتْ مِنَ الْغابِرين ) .( [8])
إنّ استثناء ( امْرَأَتَكَ ) من لفظ  ( أَهْلَكَ ) يدلّ بوضوح على شمول مفهوم «الأهل» للزوجات أيضاً، ولا دليل على اعتبار هذا الاستثناء من قبيل الاستثناء المنقطع.
كذلك نقرأ في قصة موسى حينما رجع من مدين إلى مصر أنّه قد شاهد ناراً، وقد وصف القرآن تلك الحادثة بقوله تعالى:
( فَلَمّا قَضى مُوسى الأَجَلَ وَسارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِنْ جانِبِ الطُّورِ ناراً قالَ لأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنّي آنَسْتُ ناراً لَعَلّي آتيكُمْ مِنْها بِخَبَر  أَو جَذْوَة مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُون ) .( [9]) وبهذا المضمون وردت الآية السابعة من سورة النمل.
كذلك نقرأ في قصة إبراهيم (عليه السلام)  قوله تعالى: ( فَراغَ إِلى أَهْلِهِ فَجاءَ بِعِجْل سَمين )   .( [10])
إنّ هذه الآيات ونظائرها تدلّ على أنّ زوجات الرجل يدخلن تحت مفهوم «الأهل»، كما أنّ الأولاد يدخلون تحت هذا المفهوم أيضاً حقيقة.
تحديد مصداق أهل البيت
إلى هنا استطعنا أن نوضّح لفظ أهل البيت من ناحية المفهوم، وقد حان الوقت لبيان المصداق المراد من الآية حين نزولها.
لا شكّ أنّه إذا لم يوجد دليل في الآية أو خارجها يدلّ على تخصيص هذا المفهوم الوسيع فلا مناص حينئذ من تطبيق المفهوم على جميع الأفراد الذين يشملهم وحمله عليهم بحيث نقول:
إنّ المقصود من الأهل هو كلّ من يرتبط بالنبي برابطة نسبية أو سببية فانّه يدخل ضمن مفهوم أهل البيت، ولكن إذا كانت هناك قرائن قطعية تدلّ على تخصيص هذا المفهوم بأفراد معيّنين وتوجد شواهد في الآية أو في كلمات الرسول الأكرم تدلّ  هي الأُخرى على الاختصاص، فلا يمكن حينئذ تجاوز تلك القرائن وتلك الأدلّة القطعية.
القرائن الدالّة على تحديد مصاديق الآية
هناك قرائن داخلية وخارجية تشهد  وبوضوح أنّ المراد من «أهل البيت» مجموعة محددة من الناس ولا تشمل زوجات النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وبقية أقاربه، وهانحن نذكر تلك القرائن بصورة مرتّبة لتوضيح الأمر وكشف الحقيقة بصورة جلية:
ألف. المقصود من «البيت» بيت معهود لا مطلق البيوت
لابدّ أوّلاً من تحديد الألف واللام في البيت فهل يراد منها الجنس أو الاستغراق أو العهد؟
لا يمكن حمل اللام في البيت على الاحتمال الأوّل (الجنس)، لأنّه يناسب ما إذا أراد المتكلّم بيان الحكم المتعلّق بالطبيعة، كما في قوله تعالى: ( إِنّ الإِنْسانَ خُلِقَ هَلُوعاً ) .( [11])
ومن المعلوم أنّ  الآية الكريمة ليست بصدد بيان حكم طبيعة أهل البيت.
كذلك لا يصحّ الاحتمال الثاني (الاستغراق)، إذ لو كان هو المراد لكان الأنسب أن يأتي بصيغة الجمع فيقول(أهل البيوت) كما أتى بها في أوّل الآية حيث قال: ( وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنّ ) ، وحينئذ يتعيّن الاحتمال الثالث، أي «العهد»،فالآية تشير إلى إذهاب الرجس عن أهل بيت خاص معهود بين المتكلّم والمخاطب، وهذا البيت ليس إلاّ بيت علي وفاطمة عليمها السَّلام الذي  يتّفق جميع المفسرين على شمول الآية له، لأنّه لا يوجد أحد من المفسّـرين والمحدّثين قد تردّد في شمول الآية لبيت علي وفاطمة إلاّ اثنين من الخوارج، هما: عكرمة ومقاتل، وإذا ما كان هناك بحث فإنّه  في شموله للبيوت الأُخرى، وبما أنّ المعهود هو بيت خاص، فلا تكون الآية ناظرة إلى البيوت الأُخرى، وإلاّ استلزم ذلك بطلان كون الألف واللام للعهد. الخلاصة: إنّ الآية ناظرة إلى أهل بيت معهود ومشخّص وهذا البيت هو بيت الإمام علي (عليه السلام) لا غير، وإنّ  كلّ محاولة للتوسيع تستلزم المخالفة لاتّفاق المسلمين أو تنفي كون الألف واللام للعهد، وانّ المعهود بيت خاص; فإذا قلنا: إنّ مقصود الآية هو بيت عائشة أو بيت حفصة، فلا ريب أنّه في هذه الحالة يخرج بيت فاطمة من تحت الآية، وهذا ما يخالف اتّفاق المسلمين، وأمّا إذا قلنا: إنّ البيت يشمل جميع البيوت، فلازم ذلك إبطال عهدية الألف واللام.
ولكن يمكن القول: إنّ المراد من البيت هو بيت «أُمّ سلمة»، لأنّ الآية قد نزلت في بيتها ـ رضي اللّه عنها ـ و لكن حادثة إلقاء الكساء على مجموعة خاصة في نفس البيت وتطبيق الآية عليهم ينفي هذا الاحتمال ويخرج السيدة «أُمّ سلمة» من تحت الآية، ولولا حديث الكساء هذا ـ الذي روته أُمّ سلمة نفسها ـ  لقلنا: إنّ الآية تشملها.
ب. المراد  بيت النبوة لا البيت المبني من الأحجار
كان الدليل السابق قائماً على التسليم بأنّ المراد من «البيت» هو البيت المبني من الأحجار والآجر والأخشاب، ولكن لا يمكن حمل البيت على هذا المعنى إذ ليس هو المقصود، بل المقصود منه هو «بيت النبوة» و«مركز الوحي» و «مهبط النور الإلهي».
ومن هنا نعلم أنّ البيت تارة يطلق ويراد منه البيت المبني من الأحجار والآجر، وحينئذ يُراد بالأهل في قولنا: أهل البيت من يقطن في هذا البيت على أساس علل وأسباب مشتركة، كما ورد في أوّل الآية حيث خاطب نساء النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وأمرهنَّ بالبقاء في بيوتهنّ وألاّ يتصرفن تصرّف النساء الجاهليات في المجتمعات العامّة حيث قال سبحانه وتعالى: ( وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرّجْنَ تَبَرُّجَ الْجاهِليَّةِ الأُولى ) .( [12])
وبما أنّ  نساء النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كان لكلّ واحدة منهنّ حجرة خاصة بها أطلق على تلك الحجرات عنوان البيوت، وأُمرن بالاستقرار فيها ولا يخرجن بصورة غير لائقة بشأنهنّ.
ولكن الإمعان بالآية يظهر أنّ المراد من البيت ليس هو البيت بالمعنى المتقدّم المبني من الحجر والآجر،بل المراد هو بيت النبوة والوحي، وانّ المراد من الأهل فيه هم المنتمون إلى النبوة والوحي بوشائج معنوية خاصة، وإنّما عبّر عن ذلك بلفظ البيوت من باب قياس المعقول بالمحسوس، وعلى هذا الفرض لا يشمل اللفظ حينئذ إلاّ أفراداً  معدودة تتميز عن غيرها بالطهارة والنقاء والعلم والمعرفة بدرجة عالية جداً بحيث يصدق أن يطلق عليهم أهل البيت، ومن المعلوم في هذا الفرض أنّه لا ينحصر الأمر بالانتساب المادي، بل لابدّ من الانتساب المعنوي، وهذا ما ينحصر بعدد قليل جداً.
وعلى هذا تكون إضافة «أهل» إلى «البيت» في الآية من قبيل إضافة كلمة «أهل» إلى «الكتاب» و«الإنجيل» التي وردت في القرآن الكريم بمعنى من له علاقة ورابطة بالكتاب أو بخصوص الإنجيل ويدور حولهما وينطلق منهما، كقوله تعالى:
( قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ تَعالَوا إِلى كَلِمَة سَواء بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ... ) .( [13])
وكقوله تعالى: ( وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الاِْنْجِيلِ بِما أَنْزَلَ اللّهُ فيهِ... ) .( [14]) الخلاصة: إنّ المقصود من البيت هو «بيت النبوّة» و «مهبط الوحي» و «مركز التنزيل»، وإنّ المقصود من الأهل مَن تربطهم ببيت النبي رابطة فكرية وروحية خاصة، لا كلّ من تربطه بالنبي رابطة مادية نسبية أو حسبية وإن كان مخالفاً من الناحية الروحية والفكرية والعقائدية للرسول الأكرم أو انّه في مرتبة واطئة جداً من الناحية الروحية والفكرية.
ولقد تفطّن الزمخشري لهذه النكتة عند تفسيره للآية 73من سورة هود، وانّ من يلاحظ تفسيره لسورة الأحزاب يتّضح له الأمر بصورة أجلى.
فلقد وصف القرآن الكريم حال السيدة سارة زوجة إبراهيم (عليه السلام)  حينما عرضت عليهم الملائكة البشارة بإسحاق،وكيف أنّها تعجّبت من ذلك وأبدت استغرابها من تحقّق تلك البشارة؟ إذ كيف يتسنّى لها أن تلد وهي امرأة عجوز وبعلها شيخ كبير؟!
فأجابتها الملائكة: ( ...أَتَعْجَبينَ مِنْ أَمْرِ اللّهِ رَحْمَتُ اللّهِ وَبَرَكاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَميدٌ مَجيدٌ ) .( [15])
فوجّه الزمخشري في كشافه إطلاق لفظ (أهل البيت) على السيدة سارة بقوله: لأنّها كانت في بيت الآيات ومهبط المعجزات والأُمور  الخارقة للعادات، فكان عليها أن تتوقر ولا يزدهيها ما يزدهي سائر النساء الناشئات في غير بيوت النبوة، وأن تسبّح اللّه وتمجّده مكان التعجّب، وإلى ذلك أشارت الملائكة في قولها:
( رَحْمَتُ اللّهِ وَبَرَكاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ ) .
أرادوا إنّ هذه  وأمثالها ممّا يكرمكم به ربّ العزّة ويخصّكم بالإنعام به يا أهل بيت النبوة.( [16]) وعلى هذا الأساس يكون البيت هنا كناية عن محل النبوة ومركز الوحي ومهبط الرسالة، وأنّ أهل هذا البيت هم الذين ينسجمون مع صاحب الرسالة من جميع الجهات المعنوية، وأمّا الانتساب النسبي والحسبي بدون الانسجام الروحي والمعنوي فلا يكفي للدخول تحت هذا العنوان.
ولقد جرت بين قتادة ـ المفسّر المعروف ـ وبين الإمام أبي جعفر محمد الباقر (عليه السلام) محادثة لطيفة أرشده الإمام فيها إلى هذا المعنى الذي أشرنا إليه.
قال قتادة عندما جلس أمام الباقر (عليه السلام) : لقد جلست  بين الفقهاء فما اضطرب قلبي قدّام واحد منهم ما اضطرب قدّامك.
قال له أبو جعفر الباقر (عليه السلام) :«ويحك أتدري أين أنت؟ أنت بين يدي ( في بُيُوت أَذِنَ اللّهَ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَفِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيها بِالغُدُوِّ والآصالِ... ) ( [17]) فأنت ثَم ونحن أُولئك».
وقال له قتادة: صدقت واللّه، جعلني اللّه فداك، واللّه ما هي بيوت حجارة ولا طين.( [18])
ثمّ إنّه لو فرضنا أنّ هذا الاحتمال لم يكن قطعياً في وقت نزول الآية، ولكن بمرور الزمن تعيّن لفظ أهل البيت في معنى بيت النبوة ولا يوجد معنى آخر غيره يخطر في الذهن، وكذلك الأمر الآن فإنّ الذي يخطر بالذهن هو هذا المعنى.
ج. تذكير الضمائر
حينما تحدّث القرآن الكريم مخاطباً زوجات النبي في سورة الأحزاب من الآية 29 إلى الآية 34نجده يخاطبهنّ وحسب قواعد اللغة العربية بضمائر التأنيث حيث تكرر ذلك أكثر من 20مرة، وهي:
( كُنْتُنَّ * فَتَعالِينَ * أُمَتِعْكُنَّ * أُسَرِّحْكُنَّ * تُرِدْنَ * لَسْتُنَّ * اتَّقَيْتُنَّ * فَلا تَخْضَعْنَ * قلنَ * قَرْنَ في بُيُوتِكُنَّ * تَبَرّجْنَ * اتِينَ * أَطِعْنَ * وَاذْكُرْنَ * و... ) .
ولكنّه عندما يصل إلى الحديث عن قوله: ( إِنّما يُريدُ اللّه... ) يغيّر صيغة الخطاب من التأنيث وينتقل إلى الإتيان بصيغة التذكير كما في قوله: ( عَنْكُمُ الرِّجْسَ )   و ( يُطَهِّرَكُمْ ) ، وحينئذ فلابدّ من إمعان النظر في ذلك الانتقال والتدقيق لبيان السرّ في هذا التحول وما هو الهدف من هذا الانتقال من التأنيث إلى التذكير؟
إنّ هذا التحوّل لا يمكن أن يصحّ إذا قلنا: إنّه انتقال للحديث عن مجموعة أُخرى مغايرة للمجموعة السابقة وإن كان السياق واحداً، وحينئذ يطرح  التساؤل التالي نفسه: ما هو السرّ في هذا التداخل؟ ولماذا جاء الحديث عن أهل البيت في ضمن الحديث عن نساء النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بحيث نجد انقلاب الخطاب من الحديث مع نساء النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ثمّ إلى الحديث عن غيرهن ثمّ العودة مرّة أُخرى للحديث عن النساء؟
ونحن لا نريد  الحديث عن هذا النقطة فعلاً، ولكن الذين حاولوا وبإصرار أن يفسّروا الآية بأنّها  تتعلّق بنساء النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قد وقعوا في حالة من التكلّف والحيرة في توجيه وتفسير مسألة تغاير الضمائر، فلا حاجة لبذل الوقت في نقل تلك الكلمات التي لا طائل من نقلها.
د. الإرادة تكوينية لا تشريعية
إنّ  الإرادة في قوله: ( إِنّما يُريد... ) هي إرادة تكوينية لا تشريعية. وبعبارة أُخرى: هي الإرادة التي لاينفك المراد فيها عن الإرادة ولابدّ أن تتحقّق، لا من قبيل الإرادة التي يمكن أن يتحقّق متعلّقها وقد لا يتحقّق. أي أنّ الإرادة هنا شبيهة لإرادة خلق السماوات والأرض التي لا ينفك فيها المراد عن الإرادة،وليست من قبيل إرادة الإيمان والتقوى والصلاة والصوم التي قد تقع من قبل بعض المكلّفين ولا تقع من البعض الآخر، وهذا ما يعبّر عنه بالإرادة التشريعية.
وعلى هذا الأساس  يكون معنى الإرادة هنا: هو أنّ سلب وإزالة جميع أنواع الرجس والقذارة الروحية والمعنوية وتطهير أهل البيت من كلّ أصناف الذنب والمخالفة قد تحقّق فعلاً، وانّ «أهل البيت» الوارد ذكرهم في الآية معصومون من الذنب ومنزّهون من الخطأ والمخالفة، ولا ريب انّ ذلك لا يصدق إلاّ على جماعة محدودة جداً، ولا يمكن القول انّ ذلك المفهوم ينطبق على كلّ من ينتسب إلى الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) بأيّ نوع من الانتساب، نسبياً كان أو سببياً.
كما أنّه لا يوجد من يدّعي العصمة لهؤلاء جميعاً.
أهل البيت على لسان النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)
إنّ القرائن الموجودة في متن الآية والتي ذكرناها قد أزاحت الستار عن المراد من أهل البيت وأثبتت أنّ المقصود منهم مجموعة خاصّة محدّدة، وإن كانت الآية لم تذكر أسماءهم ومشخّصاتهم بصورة صريحة وجلية.
وقد حان الوقت للرجوع إلى أحاديث وكلمات النبي الأكرم لتعيين مصاديق الآية وحلّ العقدة من خلال هذا الطريق.
ومن حسن الحظ انّ النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) أولى  هذا الأمر عناية وافرة لتعريف أهل البيت فقام بتعريفهم من خلال الكم الهائل من الروايات بحيث اتّضحت الحقيقة بجلاء، وكذلك اهتم المفسّرون وأهل السير و التاريخ والمحدّثون بتعريف أهل بيت النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ، ولقد كان للمفسّر والمحدّث الكبير الطبري عناية خاصة بهذا الأمر، وكذلك جلال الدين السيوطي; فقد أورد الطبري في تفسيره( [19]) سبعة عشر حديثاً، ونقل السيوطي في الدرّ المنثور ( [20]) أربعة عشر حديثاً تنتهي أسانيدها إلى الصحابة والتابعين، وأنّ قسماً من هذه الأحاديث يعدُّ من الأحاديث الصحيحة، ولكثرة هذه الأحاديث و تعدّد طرقها تنتفي الحاجة لبحث ودراسة أسانيدها، خاصة إذا أخذنا بنظر الاعتبار أنّ تلك الروايات قد تناقلهاـ و طوال قرون ـ كبار المفسّـرين والمحدّثين وتلقّوها بالقبول واحتجّوا بها. ومن خلال مراجعة تلك الأحاديث في الكتب المذكورة يثبت لنا أنّ هناك عدداً محدوداً قد خصّوا بالطهارة والتنزيه من خلال الإرادة التكوينية للّه سبحانه; وهم عبارة عن الخمسة الطيبة: النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) ، علي بن أبي طالب أمير المؤمنين (عليه السلام) ، فاطمة سيدة نساء العالمين، سبطا النبي الأكرم: الحسن المجتبى والحسين الشهيد سلام اللّه عليهم أجمعين.
نعم هناك في مقابل هذه الأحاديث الكثيرة يوجد حديثان يعارضان ذلك سنتطرق لهما بالبحث والدراسة إن شاء اللّه.
ونحن قبل أن نبدأ بدراسة  متون  تلك الروايات نذكر أسماء الصحابة والتابعين الذين رووا تلك الأحاديث عن النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) : روى محمد بن جرير الطبري في تفسيره( [21]) سبعة عشر حديثاً عن كلّ من الشخصيات التالية أسماؤهم، وهم: 1. أبو سعيد الخدري، 2. أنس بن مالك، 3. أبو إسحاق، 4. واثلة بن الأسقع، 5. أبو هريرة، 6. أبو الحمراء، 7. سعد بن أبي وقاص، 8. علي بن الحسين، 9. عائشة و أُمّ سلمة و... حيث تنتهي أسانيد ستة أحاديث منها بـ«أُمّ سلمة».
وأمّا جلال الدين السيوطي في تفسيره «الدرّ المنثور»( [22]) فقد نقل أربعة  عشر حديثاً  عن الشخصيات السابقة إضافة إلى «ابن عباس»، وانّ مفاد مجموع تلك الروايات يحصر مفهوم الآية في الخمسة الطيبة فقط، فهل ياترى يمكن تجاوز تلك الروايات التي قد وردت في تفسير الآية بغضّ النظر عنها وإزاحتها جانباً؟! والحال لو أنّ معشار تلك الروايات  قد ورد في مجال آخر لأخذنا به ولم نتجاوزه.
هذا، لو أضفنا إلى تلك الروايات الكثير من الروايات الورادة عن طريق أهل بيت العصمة والطهارة والتي نقلها علماء الشيعة والتي ينتهي أسنادها إلى الرسول الأكرم وأهل بيته، فلا يبقى حينئذ شكّ في المسألة بل تصل القضية إلى حدّ البداهة، وأمّا محاولات إثارة الشكوك والجدل فيها فإنّما هي محاولات ناتجة عن العناد والتنكّر لفضائل أهل بيت النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) .
لقد نقل محدّثو الشيعة روايات كثيرة في نزول الآية في الخمسة الطيبة نشير إلى خلاصتها: نقل السيد هاشم البحراني في كتابه «غاية المرام»( [23]) واحداً وأربعين حديثاً من كتب أهل السنّة و34 حديثاً من كتب الشيعة،  ونقل أيضاً في كتابه تفسير «البرهان» 65 حديثاً.( [24]) كذلك نقل الشيخ عبد علي العروسي في تفسيره «نور الثقلين» 25حديثاً.( [25])
ومضمون تلك الأحاديث يكشف لنا أنّ النبي الأكرم قد قام بعملين واستعمل طريقتين لتعيين مصاديق الآية المذكورة، أي مصاديق «أهل البيت»، وهذان العملان هما:
1. إدخال جميع من نزلت الآية  في حقّهم تحت الكساء أو العباءة أو القطيفة، ومنع من دخول غيرهم تحتها وأشار بيده إلى السماء وقال: «هؤُلاءِ أَهْلُ بَيْتي وَخاصَّتي فَاذْهِبْ عَنْهُمَ الرِّجْسَ وَطَهِّرْهُمْ تَطْهِيراً».
2. كان  (صلى الله عليه وآله وسلم) يمرُّ ببيت فاطمة ثمانية أشهر أو أكثر كلّما خرج إلى صلاة الصبح ويقول: الصلاة، أهل البيت، ثمّ يقرأ قوله تعالى: ( إِنَّما يُريدُ اللّهُ لِيُذْهبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُم تَطْهيراً ) ».
وبهذا كشف الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) النقاب عن وجه الحقيقة وبيّن مصاديق الآية بما لا ريب فيه; وهانحن نشير ـ و بصورة مختصرة ـ إلى بعض تلك الأحاديث:
1. عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : «نزلت هذه الآية فيَّ و في علي وفاطمة وحسن وحسين».
2. عن أُمّ سلمة أنّها قالت نزلت هذه الآية في بيتي ( إِنَّما يُريدُ اللّهُ لِيُذْهبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُم تَطْهيراً ) ».( [26]) قالت: وأنا جالسة عند الباب فقلت: يا رسول اللّه: ألست من أهل البيت؟ فقال: إنّك إلى خير، أنت من أزواج رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) . قالت: وفي البيت رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) وعلي وفاطمة وحسن وحسين. فجلّلهم بكسائه وقال:«اللّهُمَّ هؤُلاءِ أَهْلُ بَيْتي فَاذْهِبْ عَنْهُم الرِّجْسَ وَطَهِّرْهُمْ تَطْهِيراً».
وفي رواية : أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) جلّل على الحسن والحسين وعلي وفاطمة ثمّ قال:
«الّلهُم هؤُلاءِ أَهْلُ بَيْتي وحامّتي اذْهِبْ عَنْهُم الرِّجْسَ وَطَهِّرْهُمْ تَطْهِيراً».
قالت أُمّ سلمة: وأنا معهم يا رسول اللّه؟ قال: «إنّك على خير».
ولا ريب أنّ تلك الروايات التي نقلت في المصادر الحديثية والتفسيرية تجمع بمضامينها على أنّ المراد من أهل البيت هم هؤلاء الخمسة فقط، بل لم يسمح النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أن تشاركهم في هذه الفضيلة حتّى أُمّ سلمة التي تعدّ من أفضل نسائه (صلى الله عليه وآله وسلم) بعد خديجة(رض).
3. روي أنّ النبي كان يمرُّ ببيت فاطمة (عليها السلام)   كلّما خرج إلى صلاة الصبح، أربعين يوماً ـ و في رواية أُخرى: ثمانية أشهر وفي رواية ثالثة: تسعة أشهر ـ  فيقول: الصلاة أهل البيت ( إِنَّما يُريدُ اللّهُ لِيُذْهبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُم تَطْهيراً ) .
وهذا الحديث روي عن أبي سعيد الخدري وأبي الحمراء، وجاءت متون تلك الروايات في تفسير «الدرّ المنثور».
يقول السيد العلوي: إنّ حديث أُمّ سلمة رواه: مسلم في صحيحه، والترمذي في جامعه، وأحمد في مسنده، والحاكم في المستدرك،والبيهقي في السنن، وابن حبان في الصحيح، والنسائي والطبراني في المعجم الكبير، وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم كلّ في تفسيره، وقد أذعن جماعة بصحّة سند الحديث. ونقله من الصحابة خمسة عشر صحابياً وهم: علي، والحسنان، وعبد اللّه بن جعفر، وابن عباس، وأُمّ سلمة، وعائشة، وسعد بن أبي وقاص، وأنس بن مالك، وأبو سعيد الخدري، وابن مسعود، ومعقل بن يسار، وواثلة بن الأسقع، وعمر بن أبي سلمة، وأبو الحمراء.( [27])
فهل ياترى يمكن البحث عن مفهوم وتفسير آخر للآية المباركة مع وجود كلّ تلك الروايات الشريفة؟!
والعجب من رئيس تحرير مجلة «ترجمان الحديث» الصادرة في لاهور الباكستانية «إحسان إلهي ظهير» ـ الذي  يدّعي أنّه المترجم والناطق باسم الحديث النبوي ـ أنّه قد أنكر وبوقاحة وبلا حياء دلالة واختصاص الآية بأهل البيت واعتمد في كتابه«الشيعة وأهل البيت» على رواية «عكرمة»، وأنّ الآية نازلة في حقّ نساء النبي حقيقة وإنّما تطلق على أبنائه مجازاً.
وسوف نتعرض  لدراسة تلك النظرية من بين النظريات التي ذكرت حول الآية.
علماء الإسلام وآية التطهير
من العسير جداً نقل  بعض كلمات وآراء المفكّرين والعلماء من أهل السنّة، سواء في كتبهم الحديثية أو التفسيرية حول الآية فضلاً عن نقلها جميعاً، ولذا ينبغي لمن أراد الاطّلاع على كلماتهم بخصوص الآية فعليه مراجعة تفسير الآيات التالية:
1. آية المباهلة:
( ...فَمَنْ حاجَّكَ فيهِ مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ... ) .( [28]) قال الترمذي في صحيحه لما نزلت الآية: «دَعا رَسُولُ اللّهِ عَلِيّاً وَفاطِمَةَ وَحَسَناً وَحُسَيْناً فَقالَ: اللّهمَّ هؤلاءِ أَهْلِي».( [29])
2. آية المودة:
قوله تعالى: ( ...قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُربى... ) .( [30])
3.آية التطهير:
قوله تعالى:  ( إِنَّما يُرِيدُ اللّهُ لِيُذْهِبَ... ) .
فإنّ الكثير من التفاسير قد أشارت حين التعرض لتفسير تلك الآيات إلى نزول  آية التطهير في الخمسة المطهّرة.
4. نقل العلاّمة المجلسي نزول الآية في الخمسة المطهرة عن أربعة وثلاثين محدّثاً ومفسّراً.( [31])
5. نقل صاحب التعاليق القيّمة على كتاب «إحقاق الحقّ»( [32]) نزول الآية في الخمسة المطهّرة عن اثنين وسبعين كتاباً حديثياً وتفسيرياً، ونقل الكثير من تلك المتون والعبارات مع الإشارة إلى مضانها حيث ذكر رقم المجلد ورقم الصفحة ومكان الطبع ممّا يجعل نزول الآية فيهم (عليهم السلام)   قد وصل إلى حدّ البداهة واعتبر  أنّ كلّ محاولة شكّ أو ترديد فإنّما هي في الواقع انحراف عن ولاية أهل النبي، وذلك لأنّ جميع تلك المصادر التي ذكرها تقع تحت متناول العموم. ونحن نحيل القرّاء الكرام إلى مراجعة تلك الكتب، وقبل أن نتعرض لشرح باقي النظريات حول الآية نجيب عن تساؤل آخر يُثار حول الآية، وهو:
مشكلة السياق
من أهمّ التساؤلات التي تُثار حول الآية بعد تحديد مفهوم ومصداق «أهل البيت» هو: إنّ آية التطهير تقع ضمن مجموعة من الآيات التي تتحدث عن نساء النبي حيث  إنّ  ما يسبقها وما يتلوها خطاب لنساء النبي وحديث معهن، وحينئذ يطرح التساؤل التالي: كيف يصحّ القول بأنّها راجعة إلى غيرهن مع أنّ وحدة السياق تقتضي أنّ الكلّ راجع إلى موضوع واحد؟
والجواب:لا شكّ أنّ وحدة السياق من الأمارات التي يستدلّ بها على كشف المراد ويجعل صدر الكلام ووسطه وذيله قرينة على المراد ووسيلة لتعيين المقصود منه، ولكن وحدة السياق إنّما تكون قرينة أو أمارة إذا لم يقم دليل أقوى على خلافها، فلو قام ترفع اليد حينئذ عن وحدة السياق وقرينيته، ومن حسن الحظ انّ وحدة السياق في الآية لم تكن من الأمارات والقرائن المحكمة التي لا يوجد دليل على خلافها، بل يوجد دليل قوي على خلافها، لأنّ الأحاديث المتواترة والقطعية تشهد على أنّ آية التطهير قد نزلت بصورة مستقلة ثمّ بعد ذلك  وضعت في ذيل الآية الثالثة والثلاثين ولم تكن أبداً متمّمة لها، والذي يشهد على استقلالية الآية ثلاثة أدلّة:
الدليل الأوّل على استقلالية الآية
أطبقت الروايات المنتهية إلى الأصحاب وأُمّهات المؤمنين والتابعين على نزولها مستقلة، سواء أقلنا بنزولها بحق العترة الطاهرة أو غيرهم. روى السيوطي: وأخرج ابن مردويه والخطيب عن أبي سعيد الخدري (رضي الله عنه) قال: كان يوم أُمّ سلمة أُمّ المؤمنين ـ رضي اللّه عنها ـ فنزل جبرئيل (عليه السلام)  على رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) بهذه الآية ( إِنَّما يُريدُ اللّه ليُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْس أَهل البَيْت وَيُطهِّركُمْ تَطْهِيراً ) قال: فدعا رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) بحسن وحسين وفاطمة وعلي فضمّهم إليه ونشر عليه الثوب، والحجاب على أُمّ سلمة مضروب ثمّ قال: اللّهمّ هؤلاء أهل بيتي اللّهم اذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً، قالت أُمّ سلمة ـ رضي اللّه عنها ـ: فأنا معهم يا نبي اللّه؟ قال: أنت على مكانك وإنّك على خير.
وهكذا الروايات الأُخرى فإنّها تشهد جميعاً باستقلال الآية عن الآيات الأُخرى المتعلّقة بزوجات النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ، ولا توجد أيّة رواية من تلك الروايات تقول إنّها نزلت في ضمن الآيات النازلة في حقّ زوجات النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ، بل حتّى الأفراد الذين شذّوا عن طريق المحدّثين والمفسّرين من أمثال «عكرمة» و «عروة» اللّذين يقولان بنزولها في حقّ زوجات النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يقولان أيضاً بنزول الآية بصورة مستقلّة عن باقي الآيات الأُخرى.
وبعبارة أُخرى سواء قلنا: إنّ الآية تتعلّق بالعترة الطاهرة، أو قلنا: إنّها تتعلّق بنساء النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فإنّ جميع المفسّرين والمحدّثين متّفقون على أنّ قوله تعالى:  ( إِنَّما يُريدُ اللّهُ... ) قد نزل بصورة مستقلّة ومنفصلة عن باقي الآيات.
ومع الأخذ بعين الاعتبار هذا الاتفاق من المحدّثين والمفسّرين على استقلالية الآية لا يمكن الاعتماد على وحدة السياق واعتبارها دليلاً أو قرينة على المقصود، لأنّ الروايات تؤكّد على استقلاليتها وانّ الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) قد أمر في وضعها في مكانها الحالي.
وليست هذه هي الحالة الأُولى أو الفريدة من نوعها، بل انّ تاريخ القرآن يشهد على وجود الكثير من الحالات التي هي نظيرة لهذه الآية، أي أنّ الآية تنزل بصورة مستقلة ثمّ توضع وبأمر من النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ضمن آيات معينة.( [33])
ولا ريب أنّ هذا الأمر لا يؤثر على بلاغة القرآن وفصاحته، لأنّ ذلك من فنون البلاغة وأساليبها، يقول الطبرسي: من عادة فصحاء العرب في كلامهم انّهم يذهبون من خطاب إلى غيره ويعودون إليه. والقرآن من ذلك مملوء، وكذلك كلام العرب وأشعارهم.( [34])
ونشير إلى إحدى الشواهد القرآنية التي تؤيد هذه النظرية وتثبت صحّة ما قاله المفسّرون، وذلك الشاهد هو ما ورد في قصة يوسف (عليه السلام)  فإنّه حينما انكشفت خيانة زوجة العزيز وعلم العزيز بمكرها التفت إليها مخاطباً لها:
( قالَ إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظيمٌ ) .( [35])
نرى أنّ العزيز يخاطب أوّلاً امرأته بقوله: ( إِنّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ ) وقبل أن يفرغ من كلامه معها يلتفت إلى يوسف ويخاطبه بقوله: ( يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هذا ) ثمّ يرجع إلى الموضوع الأوّل ويخاطب زوجته بقوله: ( وَاسْتَغْفِري لِذَنْبِكِ ) ( [36]) ، فقوله: ( يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هذا ) جملة معترضة وقعت بين المخاطبين والمسوغ لوقوعها بينهما كون المخاطب الثاني أحد المتخاصمين وكانت له صلة تامة في الواقعة التي حدثت. والمهم هو أن تكون الجملة أو الآية المعترضة لها تناسب مع ما قبلها وما بعدها، وهذا التناسب موجود بين قوله تعالى: ( إِنّما يُريد... ) وما قبله ومابعده من الكلام، وذلك بالبيان التالي:
إنّ مطالعة مجموع الآيات 28إلى 33 من سورة الأحزاب يرشد إلى أنّ اللّه سبحانه قد خاطب نساء النبي بلحن حاد واسلوب شديد، وطلب منهن العمل بالمسؤولية الكبرى والوظيفة الثقيلة الملقاة على عاتقهن حيث قال تعالى:
1. ( يا أَيّها النَّبِيُّ قُلْ لأَزْواجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَياةَ الدُّنْيا... ) .
2. ( يا نِساءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفاحِشَة مُبَيِّنَة يُضاعَفُ لَهَا الْعَذابُ ضِعْفَيْنِ... ) .
3. ( يا نِساءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَد مِنَ النِّساءِ  إِنِ اتَّقَيْتُنَّ... ) .
4. ( وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرّجْنَ تَبَرُّجَ الجاهِلِيَّةِ الأُولى... ) .
في أثناء هذه الخطابات الإرشادية والمنبّهة ينتقل سبحانه وتعالى للحديث عن عصمة أهل البيت وطهارة العترة الطاهرة ليتسنّى من خلال هذا الطريق عرض نماذج التقوى ورموز الفضيلة الذي ينبغي لنساء النبي أن يقتدين بهم باعتبارهم أُسوة وقدوة، وهذا يعني أنّ اللّه سبحانه وتعالى ينبه زوجات النبي على أنّ حياتهنّ مقرونة بحياة ثلّة طاهرة من أهل البيت طاهرة من الرجس ومطهرة من الدنس وانّها في قمة التقوى والعصمة والمصونية من الذنب، ولذلك فمن اللائق والجدير بهن الحفاظ على  شؤون هذه القرابة  ومراعاة ذلك الجوار الطاهر من خلال الابتعاد عن المعاصي والتحلّي بكلّ الفضائل والتقوى والطهارة، وانّ الانتساب إلى هذه المجموعة هو في الواقع سبب لمضاعفة المسؤوليات والوظائف الواجبة عليهن، ولذلك نجده تعالى يخاطبهن بقوله: ( يا نِساءَ النَّبي لستنّ كأَحد منَ النِّساء ) ، وما هذا إلاّ لقرابتهن منه (صلى الله عليه وآله وسلم) وصلتهنّ بأهل بيته.
وهكذا يتّضح جليّاً من خلال هذا البيان أنّ طرح عصمة أهل البيت في أثناء الآيات المتعلّقة بنساء النبي يعتبر من أبلغ الكلام وأحسنه.
الدليل الثاني على استقلالها
لا يمكن أن تكون هذه الآية ـ و بأي نحو من الأنحاء ـ تتعلّق بنساء النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وذلك لأنّ لغة الآيات الواردة حول نساء النبي لغة الإنذار والتهديد ولكن لغة الآية المرتبطة بأهل البيت (عليهم السلام) لغة مدح وثناء وتعريف، فجعل الآيتين آية واحدة وإرجاع الجميع إليهنّ ممّا لا يقبله الذوق السليم، فلا مناصة، بل من المستحسن أن نقول: إنّ الآية نزلت بصورة مستقلّة عن باقي الآيات وانّها أُدرجت بين تلك الآيات لمصلحة ما.
الدليل الثالث على استقلالها
الدليل الثالث على استقلالية الآية هو أنّنا إذا رفعنا آية التطهير من ذيل الآية الثالثة والثلاثين لا يحدث أدنى خلل في نظم الآية ومضمونها.
انّه تعالى يقول في الآية 33: ( وَقَرْنَ في بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرّجْنَ تَبَرُّجَ الْجاهِلِيَّةِ الأُولى وَأَقِمْنَ الصَّلاةَ وَأَتينَ الزَّكاةَ وَأَطِعْنَ اللّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّما يُريدُ اللّهُ لِيُذْهِبَ... ) .
وفي الآية 34: ( وَاذْكُرْنَ ما يُتْلى في بُيُوتِكُنَّ مِنْ آياتِ اللّهِ وَالحِكْمَةِ إِنَّ اللّهَ كانَ لَطيفاً خبيراً ) .
فلو رفعنا قوله تعالى: ( إِنَّما يُريدُ اللّهُ لِيُذْهِبَ... ) وضممنا الآية 34 إليها جاءت الآية تامّة من دون حدوث أيّ خلل بالمعنى والنظم، سواء قلنا: إنّ مجموع الآيتين آية واحدة أو أنّهما آيتان، فالنتيجة واحدة، وإن كان الاحتمال الأوّل هو المتعيّن، لحفظ فواصل الآيات، لأنّه لا يمكن اعتبار جملة ( وَأَطعن اللّهَ وَرَسُولَهُ ) نهاية آية أو بحسب الاصطلاح فاصلة الآية.
وحينئذ يطرح التساؤل التالي نفسه، ما هو السر في جعل الآية جزءاً من الآيات الأُخرى؟
والجواب: انّ تاريخ صدر الإسلام يحدّثنا عن أنّ  الكثير من المسلمين كانت في نفوسهم حسّاسية خاصة بالنسبة إلى علي وأهل بيته فما من قبيلة أو عشيرة إلاّ وقد قتل عليٌّ أحد رجالها في أثناء الحروب والغزوات الإسلامية، ولذلك كانت نفوسهم تغلي كالمرجل حقداً وبغضاً وحسداً لعليّ حتّى أنّهم تمكّنوا من الانتقام من علي وأهل بيته بعد رحيل الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وبسبب هذه الحساسية وهذه المواقف من قريش وأمثالها أمر سبحانه وتعالى نبيّه أن يضع تلك الآية التي تدلّ على طهارة وعصمة أهل بيت النبي في طيات الآيات التي تتحدّث عن نساء النبي لكي لا ينكشف الأمر بصورة جلية جداً، ثمّ لكي لا يقع الناس في الاشتباه والخطأ قام الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) عن طريق الحديث والسنّة بتوضيح مفاد الآية وأزاح الستار عن مراد الآية الحقيقي.
وهذا العمل شبيه بما يقوم به العقلاء والحكماء من وضع الحاجات القيّمة والثمينة بين الأشياء التي لا تثير انتباه الناس الأجانب وإن كان الأمر واضحاً وجلياً لأفراد العائلة. وهذا عين ما نجده في الآية الثالثة من سورة المائدة:
( ...الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دينِكُمْ فَلا تَخْشَوهُمْ وَاخْشَونِ الْيَومَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتي وَرَضيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ ديناً... ) . فإنّ الآية تتحدّث عن  أحكام اللحوم، وهي تتكون من ثلاثة مقاطع:
1. ( حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ... ) .
2. ( الْيَومَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا... ) .
3. ( فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَة... ) .
ولا ريب أنّ القسم الثاني لا علاقة له بالقسم الأوّل وكذلك لا علاقة له بالقسم الثالث حتّى أنّنا إذا رفعنا هذا القسم من الآية لا يتأثر مضمون الآية بأيّ وجه من الوجوه، نعم المصالح السياسية ورفع الحساسية اقتضت أن يوضع هذا المقطع في وسط تلك الآية التي تتحدث عن أحكام اللحوم.
وقد حان الوقت لتسليط الضوء على ما ادّعي من نزول الآية في خصوص نساء النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) .
نزولها في نسائه عليه الصلاة والسلام
قد تعرفت على دلائل القول وقرائنه ومؤيداته وأحاديثه المتواترة التي أطبق على نقلها تسع وأربعون  صحابياً وصحابية من أُمهات المؤمنين، وقد تلقته الأُمّة بالقبول في القرون الماضية، وأمّا القول الثاني أعني نزولها في نسائه وزوجاته  (صلى الله عليه وآله وسلم) فقد نسب إلى أشخاص نقل عنهم، منهم:
1. ابن عباس.
2. عكرمة.
3. عروة بن الزبير .
4. مقاتل بن سليمان.
  أمّا الأوّل: فقد نقل عنه تارة، عن طريق سعيد بن جبير، وأُخرى عن طريق عكرمة، قال السيوطي في الدر المنثور: وأخرج ابن أبي حاتم، وابن عساكر من طريق عكرمة عن ابن عباس عن قوله: ( إنّما يريد اللّه ... ) قال: نزلت في نساء النبي  (صلى الله عليه وآله وسلم) .
وقال أيضاً: أخرج ابن مردويه عن طريق سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: نزلت في نساء النبي  (صلى الله عليه وآله وسلم) .
وأمّا الثاني: أعني عكرمة، فقد نقله عنه الطبري، عن طريق «علقمة» وانّ عكرمة كان ينادي في السوق: ( إنّما يريد اللّه ليذهب عنكم الرجس ... ) نزلت في نساء النبي  (صلى الله عليه وآله وسلم) .
ونقل في الدر المنثور : أخرج ابن جرير وابن مردويه، عن عكرمة في قوله: ( إنّما يريد اللّه ليذهب عنكم... )   إنّه قال ليس بالذي تذهبون إليه إنّما هو نساء النبي  (صلى الله عليه وآله وسلم) .
وأمّا الثالث: أعني: عروة بن الزبير، فقال السيوطي: وأخرج ابن سعد عن عروة بن الزبير انّه قال: ( إنّما يريد اللّه ليذهب عنكم الرجس أهل البيت )   قال: أزواج النبي نزلت في بيت عائشة.
وأمّا الرابع: فقد نقل عنه في أسباب النزول. ( [37])
تحليل هذه النقول
أمّا نقله عن ابن عباس فليس بثابت، بل نقل عنه خلاف ذلك، فقد نقل السيوطي في «الدر المنثور» قال: وأخرج ابن مردويه، عن ابن عباس قال: شهدنا رسول اللّه تسعة أشهر يأتي كل يوم باب علي بن أبي طالب عند وقت كل صلاة فيقول: «السلام عليكم ورحمة اللّه وبركاته أهل البيت ( إنّما يريد اللّه ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهّركم تطهيراً ) ».
وليس ابن مردويه فريداً في هذا النقل، فقد نقله عنه الحاكم الحسكاني في شواهد التنزيل( [38])بسند ينتهي إلى أبي صالح، عن ابن عباس: ( إنّما يريد اللّه ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهّركم تطهيراً ) نزلت في رسول اللّه وعلي وفاطمة والحسن والحسين. والرجس: الشك .
كما نقله الحافظ الحسين بن الحكم الحبري في «تنزيل الآيات» عن أبي صالح بمثل ما سبق.( [39])
وممن رواه عن ابن عباس صاحب أرجح المطالب ص 54 طبع لاهور، والعلاّمة إسماعيل النقشبندي «في مناقب العترة».
أضف إلى ذلك أنّ من البعيد أن يخفى على ابن عباس حبر الأُمّة ما اطّلع عليه عيون الصحابة وأُمّهات المؤمنين، وقد أنهى بعض الفضلاء السادة ( [40])  عدد رواة الحديث من الصحابة إلى تسعة وأربعين صحابياً. وجمعها من مصادر الفريقين في الفضائل والمناقب.
وأمّا عكرمة
فقد ثبت تقوّله بذلك كما عرفت، لكنّ في نفس كلامه دليلاً واضحاً على أنّ الرأي العام يوم ذاك في شأن نزول الأُمّة هو نزولها في حق فاطمة، وانّما تفرّد هو بذلك، ولأجله رفع عقيرته في السوق بقوله: ليس بالذي تذهبون إليه وإنّما هو نساء النبي. أضف إلى ذلك: انّ تخصيص هذه الآية بالنداء في السوق وانّها نزلت في نساء النبي يعرب عن موقفه الخاص بالنسبة إلى من اشتهر نزول الآية في حقهم، وإلاّ فالمتعارف بين الناس هو الجهر بالحقيقة بشكل معقول لا بهذه الصورة المعربة عن الانحراف عنهم.
هذا كله حول ما نقل عنه، وأمّا تحليل شخصيته وموقفه من الأمانة والوثاقة، وانحرافه عن علي وانحيازه إلى الخوارج وطمعه الشديد بما في أيدي الأُمراء فحدث عنه ولا حرج، ولأجل إيقاف القارئ على قليل مما ذكره أئمّة الجرح والتعديل في حقه نأتي ببعض ما ذكره الإمام شمس الدين الذهبي نقّاد الفن في كتابيه: «تذكرة الحفاظ»، و «سير أعلام النبلاء»، ومن أراد التفصيل فليرجع إلى كتب الجرح والتعديل.
نقل الإمام شمس الدين محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي  المتوفّـى 748هـ  في «سير أعلام النبلاء»  هذه الكلمات في حق عكرمة:
1. قال أيوب: «قال عكرمة: إنّـي لأخرج إلى السوق فأسمع الرجل يتكلّم بالكلمة فينفتح لي خمسون باباً من العلم...» ما معنى هذه الكلمة؟ وهل يقولها إنسان يملك شيئاً من العقل والوقار ؟!
2. قال ابن لهيعة: وكان يحدّث برأي نجدة الحروري( [40])  وأتاه، فأقام عنده ستة أشهر، ثم أتى ابن عباس فسلّم، فقال ابن عباس: قد جاء الخبيث . 3. قال سعيد بن أبي مريم، عن أبي لهيعة، عن أبي الأسود قال: كنت أوّل من سبّب لعكرمة الخروج إلى المغرب وذلك أنّـي قدمت من مصر إلى المدينة فلقيني عكرمة وسألني عن أهل المغرب، فأخبرته بغفلتهم، قال: فخرج إليهم وكان أوّل ما أحدث فيهم رأي الصفريّة. ( [42])
4. قال يحيى بن بكير: قدم عكرمة مصر ونزل هذه الدار وخرج إلى المغرب، فالخوارج الذين بالمغرب عنه أخذوا .
5. قال علي بن المديني: كان عكرمة يرى رأي نجدة الحروري.
6. وقال أحمد بن زهير: سمعت يحيى بن معين يقول: إنّما لم يذكر مالك عكرمة ـ يعني في الموطأ ـ قال: لأنّ عكرمة كان ينتحل رأي الصفريّة.
7. وروى عمر بن قيس المكي، عن عطاء قال: كان عكرمة أباضياً. ( [43])
8. وعن أبي مريم قال: كان عكرمة بيهسياً. ( [44])
9. وقال إبراهيم الجوزجاني: سألت أحمد بن حنبل عن عكرمة، أكان يرى رأي الأباضية؟ فقال: يقال: انّه كان صفرياً، قلت: أتى البربر ؟ قال: نعم، وأتى خراسان يطوف على الأُمراء يأخذ منهم.
10. وقال علي بن المديني: حكى عن يعقوب الحضرمي عن جده قال: وقف عكرمة على باب المسجد فقال: ما فيه إلاّ كافر. قال: وكان يرى رأي الاباضية. ( [45]) وقال في «ميزان الاعتدال»( [46]): وقد وثقه جماعة، واعتمده البخاري، وأمّا مسلم فتجنّبه، وروى له قليلاً مقروناً بغيره، وأعرض عنه مالك، وتحايده إلاّ في حديث أو حديثين.
عفان، حدثنا وهيب قال: شهدت يحيى بن سعيد الأنصاري ، وأيوب، فذكرا عكرمة فقال يحيى: كذاب، وقال أيوب: لم يكن بكذاب.
عن عبد اللّه بن الحارث: دخلت على علي بن عبد اللّه بن عباس فإذا عكرمة في وثاق عند باب الحش فقلت: ألا تتقي اللّه؟ قال: إنّ هذا الخبيث يكذب على أبي .
سئل محمد بن سيرين عن عكرمة؟ فقال: ما يسؤني أن يكون من أهل الجنة ولكنّه كذّاب.
هشام بن عبد اللّه المخزومي: سمعت ابن أبي ذئب يقول: رأيت عكرمة وكان غير ثقة.
وعن بريد بن هارون قال: قدم عكرمة البصرة، فأتاه أيوب ويونس وسليمانالتيمي، فسمع صوت غناء فقال: اسكتوا، ثم قال: قاتله اللّه لقد أجاد.
وعن خالد بن أبي عمران قال: كنّا بالمغرب وعندنا عكرمة في وقت الموسم فقال: وددت أن بيدي حربة فاعترض بها من شهد الموسم يميناً وشمالاً.
وعن يعقوب الحضرمي عن جده قال: وقف عكرمة على باب المسجد فقال: ما فيه إلاّ كافر . قال: ويرى رأي الأباضية، انّ عكرمة لم يدع موضعاً إلاّ خرج إليه: خراسان والشام واليمن ومصر وافريقية، كان يأتي الأُمراء فيطلب جوائزهم.
وقال عبد العزيز الدراوردي: مات عكرمة وكثير عزة في يوم واحد فما شهدهما إلاّ سودان المدينة.
وعن ابن المسيب أنّه قال لمولاه «برد»: لا تكذب عليّ كما كذب عكرمة على ابن عباس.
أفبعد هذه الكلمات المتضافرة الحاكية عن انحراف الرجل عن جادة الحق، وتكفيره عامّة المسلمين، وتمنّيه أن يقتل كل من شهد الموسم، يصح الاعتماد عليه في تفسير الذكر الحكيم؟ والأسف أنّ المفسرين نقلوا أقواله وأرسلوها ولم يلتفتوا إلى أنّ الرجل كذّاب على مولاه وعلى المسلمين، فواجب على عشاق الكتاب العزيز وطلاب التفسير، تهذيب الكتب عن أقوال وآراء ذلك الدجال ومن يحذو حذوه .
عروة بن الزبير
وأمّا عروة بن الزبير فيكفي في عدم حجية قوله، عداؤه لعلي وانحرافه عنه، ففي هذا الصدد يقول ابن أبي الحديد: روى جرير بن عبد الحميد، عن محمد بن شيبة قال: شهدت مسجد المدينة، فإذا الزهري وعروة بن الزبير جالسان يذكران عليّاً  (عليه السلام)  فنالا منه، فبلغ ذلك علي بن الحسين  (عليه السلام)  ، فجاء حتى وقف عليهما، فقال: أما أنت يا عروة فإنّ أبي حاكم أباك إلى اللّه فحكم لأبي على أبيك، وأمّا أنت يا زهري فلو كنت بمكة لأريتك كير أبيك.
وقد روي من طرق كثيرة: أنّ عروة بن الزبير كان يقول: لم يكن أحد من أصحاب رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) يزهو إلاّ علي بن أبي طالب، وأُسامة بن زيد.
وروى عاصم بن أبي عامر البجلي، عن يحيى بن عروة قال: كان أبي إذا ذكر عليّاً نال منه، وقال لي مرّة: يا بني واللّه ما أحجم الناس عنه إلاّ طلباً للدنيا، لقد بعث إليه أُسامة بن زيد أن أبعث إلي بعطائي فواللّه انّك لتعلم انّك لو كنت في فم أسد لدخلت معك. فكتب إليه: إنّ هذا المال لمن جاهد عليه، ولكن لي مالاً بالمدينة، فأصب منه ما شئت.
قال يحيى: فكنت أعجب من وصفه إياه بما وصفه به ومن عيبه له وانحرافه عنه.( [47])
مقاتل بن سليمان
وهو رابع النقلة لنزول الآية في نسائه  (صلى الله عليه وآله وسلم) ويكفي في عدم حجية قوله ما نقله الذهبي في حقه في «سير أعلام النبلاء» قال: قال ابن عيينة: قلت لمقاتل: زعموا أنّك لم تسمع من الضحاك؟ قال: يغلق علي وعليه باب فقلت في نفسي: أجل باب المدينة.
وقيل: إنّه قال: سلوني عمّـا دون العرش، فقالوا: أين أمعاء النملة؟ فسكت، وسألوه لما حج آدم من حلق رأسه؟ فقال: لا أدري. قال وكيع: كان كذّاباً.
وعن أبي حنيفة قال: أتانا من المشرق رأيان خبيثان: جهم معطل( [48]) ومقاتل مشبّه، مات مقاتل سنة نيف وخمسين ومائة، وقال البخاري: مقاتل لا شيء البتة. قلت: اجمعوا على تركه. ( [49])
تجد اتفاق المتكلمين من الأشاعرة والمعتزلة ومن قبلهم على أنّ القول بالتشبيه انّما تسرب إلى الأوساط الإسلامية من مقاتل، فهو الزعيم الركن بالقول بأنّ له سبحانه أعضاء مثل ما للإنسان من اليد والرجل والوجه وغير ذلك، قاتل اللّه مقاتل، كيف يفتري على اللّه سبحانه كذباً ويُفسر آياته بغير وجهها ؟!
وقال الذهبي أيضاً في «ميزان الاعتدال»( [50]) ، ما هذا تلخيصه: قال النسائي: كان مقاتل يكذب.
وعن يحيى: حديثه ليس بشيء. وقال الجوزجاني: كان دجّالاً جسوراً.
وقال ابن حبان: كان يأخذ من اليهود والنصارى من علم القرآن الذي يوافق كتبهم، وكان يشبّه الرب بالمخلوقات، وكان يكذب في الحديث.
وعن خارجة بن مصعب: لم استحل دم يهودي، ولو وجدت مقاتل بن سليمان خلوة لشققت بطنه.
وقال ابن أبي حاتم: حديثه يدل على أنّه ليس بصدوق.

[1] . هود: 73.
[2] . المائدة: 47.
[3] . آل عمران: 46.
[4] . لسان العرب:11/28ـ 30.
[5] . تاج العروس: مادة « أهل » .
[6] . صحيح مسلم:7/122، باب فضائل علي (عليه السلام) ; جامع الأُصول:10/ 103.
[7] . الشيعة وأهل البيت: 16.
[8] . العنكبوت: 33.
[9] . القصص: 29.
[10] . الذاريات: 26.
[11] . المعارج: 19.
[12] . الأحزاب: 33.
[13] . آل عمران: 64.
[14] . المائدة: 47.
[15] . هود: 73.
[16] . الكشاف:2/ 17.
[17] . النور: 36.
[18] . فروع الكافي:6/ 256.
[19] . تفسير الطبري:22/5ـ 7.
[20] . الدرّ المنثور:5/198ـ 199.
[21] . تفسير الطبري:22/5ـ 7.
[22] . الدرّ المنثور:5/198ـ 199.
[23] . غاية المرام:287ـ 292.
[24] . تفسير البرهان:3/309ـ 325.
[25] . تفسير نور الثقلين:4/270ـ 277.
[26] . الأحزاب: 33.
[27] . القول الفصل فيما لبني هاشم وقريش من الفضل:9/ 48.
[28] . آل عمران: 61.
[29] . صحيح الترمذي:5/302برقم 3808.
[30] . الشورى: 23.
[31] . بحار الأنوار:35/206ـ 226.
[32] . راجع إحقاق الحق:2/502 وما بعدها.
[33] . يقول السيوطي في كتاب الإتقان:1/176، الفصل الثامن عشر في جمع وترتيب القرآن، نقلاً عن ابن الحصار: ترتيب السور ووضع الآيات مواضعها إنّما كان بالوحي كان رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول: « ضعوا آية كذا في موضع كذا » .
[34] . مجمع البيان:8/ 357.
[35] . يوسف: 28.
[36] . يوسف: 29.
[37] . تفسير الطبري: 22/7 و 8; والدر المنثور في التفسير بالمأثور للسيوطي: 5/198; وأسباب النزول للواحدي: 204.
[38] . شواهد التنزيل: 2/ 30.
[39] . تنزيل الآيات: 24 « مخطوط » منه نسخة في جامعة طهران. لاحظ إحقاق الحق: 14/ 53.
[40] . آية التطهير في حديث الفريقين.
[41] . هو نجدة بن عامر الحروري الحنفي من بني حنيفة رأس الفرقة النجدية، انفرد عن سائر الخوارج بآرائه.
[42] . هم فرقة من الخوارج أتباع زياد بن الأصفر.
[43] . هم أتباع عبد اللّه بن أباض، رأس الأباضية.
[44] . فرقة من الصفرية أصحاب أبي بيهس هيصم بن جابر الضبغي رأس الفرقة البيهسية من الخوارج.
[45] . لاحظ سير أعلام النبلاء للذهبي: 5/18 ـ 22.
[46] . ميزان الاعتدال: 3/93 ـ 97.
[47] . شرح النهج لابن أبي الحديد: 4/102; وراجع سير أعلام النبلاء: 4/421 ـ 437 ما يدل على كونه من بغاة الدنيا وطالبيها، وقد بنى قصراً في العقيق وأنشد شعراً في مدحه، وكان مقرباً لدى الأمويين خصوصاً عبد الملك بن مروان.
[48] . التعطيل: هو انّ لا تثبت للّه الصفات التي وصف بها نفسه أو وصفه بها رسوله (صلى الله عليه وآله وسلم) والتشبيه:أن يُشبَه اللّه سبحانه وتعالى بأحد من خلقه.
[49] . سير أعلام النبلاء: 7/ 202.
[50] . ميزان الاعتدال: 4/172 ـ 175.