قائمة المواضيع :
في صفات الله سبحانه
الأصلُ الرابع والثلاثون: الصفات الجمالية والجلالية لله سبحانه
حيث إنّ الذاتَ الإلهيّة لا مثيلَ لها ولا نظير، ولا يُتصوّر لله عديل ولا شبيه، فهو سبحانه أعلى من أن يعرفه الإنسان بالكُنْه، أي ليس للإنسان سبيلٌ إلى معرفةِ حقيقة الذات الإلهية، على حين يمكن معرفته تعالى عن طريق صفاته الجمالية والجلالية.
والمقصود من الصفات الجمالية هي الصفات التي تدلّ على كمالِ الله في وجوده وذلك كالعلم والقدرة، والحياة، والإرادة والإختيار وما شابه ذلك. وتُسمّى بالصفات الثبوتية أيضاً.
والمقصود من الصفات الجلالية هي الصفات التي يجلّ الله تعالى عن وصفه بها، لأنّ هذه الصفات تدلّ على نقص الموصوف بها وعجزه، والله تعالى غنيٌ غِنىً مطلقاً، ومنزّه عن كلِّ نقص وعيب.
والجسمانية، والإحتياج إلى المكان والزمان، والتركيب وأمثاله من جملة هذه الصفات، وتسمّى هذه الصفات أيضاً بالصفات السلبية في مقابل الصفات الثبوتية (التي مرَّ ذكرها أوّلاً) والمقصود في كلتا التسميتين واحد.
الأصلُ الخامسُ والثلاثون: طرق معرفة صفاته سبحانه
لقد أسلفنا في بحث المعرفة أنّ أبرز طرق المعرفة بالحقائق تتمثّل في: الحسّ، والعقل، والوحي.
ويمكن لمعرفة الصفات الإلهيّة الجمالية والجلاليّة الإستفادة من الطريقين التاليين:
1 ـ طريق العقل: فإنّ التأمّل في عالم الخَلق، ودراسة الأسرار الكامنة فيه والتي تدل برمّتها على أنّها مخلوقة لله، تقودنا إلى كمالات الله الوجودية، فهل يمكن أن يتصوّر أحدٌ أنّ بناء الكَون الشاهق قد تمّ من دون عِلم وقدرة واختيار.
إنّ القرآن الكريم يدعو ـ تأْييداً لحكم العقل في هذا المجال ـ بالتدبّر في الآيات التكوينية في صعيد الآفاق والأنفس إذ يقول: ( قُلِ انْظُرُوا ماذا في السَّماواتِ وَالأرْضِ) ([1] ) .
أي أُنظُروا نظرة تدبّر وتأمل لتكتشفوا الحقائق العظيمة .
على أَنّ من البديهيّ أنّ العقلَ يسلك هذا الطريق بمعونة الحسّ، أي أنّ الحس يبدأ أوّلاً باكتشاف وإدراك الموضوع بصورة عجيبة، ثم يعتبر العقل عظمة الموضوع، وتكوينه العجيب، دليلاً على عظمة الخالق وجماله.
2 ـ طريق الوحي: فبعد أن أثبتت الأدلةُ القاطعةُ النبوّةَ والوحيَ، واتّضح أنّ الكتاب الذي أتى به النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ وكذا قوله كان برمّته من جانب الله، كان من الطبيعيّ أن يكون في مقدور الكتاب والسُّنّة أن يساعدا البشريةَ في معرفة صفات الله، فقد ذُكِرت صفات الله الجماليّة والجلاليّة في هذين المصدرين بأفضل نحو.
ويكفي أن نعرف أنّه جاء بيان قرابة 140 صفة لله تعالى في القرآن الكريم، ونكتفي هنا بذكر آية واحدة تذكر بعض تلك الصفات:  ( هُوَ اللهُ الّذِي لا إلهَ إلاّ هُوَ المَلِكُ القُدُّوسُ السَّلامُ اْلمُؤْمِنُ الْمُهَيمنُ الْعَزيزُ الْجَبّارُ المُتَكَبّرُ سُبْحانَ اللهِ عمّا يُشْركُونَ * هُوَ اللهُ الخالِقُ البارئُ المُصَوِّرُ لَهُ الأسْماءُ الحُسنى يُسَبِّحُ لَهُ ما في السَّمواتِ وَالأرْضِ وَهُوَ العَزِيزُ الحَكيمُ) ([2] ) .
هذا والجدير بالذكر أنّ هناك من احتج بعجز البشر عن معرفة الموجودِ الأعلى فترك البحثَ عن صفات الله، ونهى عن ذلك، وهؤلاء في الحقيقة هم «المعطِّلة» لأنَّهم حَرَموا الإنسان من المعارف السامية التي أرشد إليها العقلُ والوحيُ معاً.
ولو كانَ البحثُ والنّقاش حولَ هذه المعارف مَمنُوعاً حقاً لكان ذِكرُ كّلِ هذه الصفات في القرآن الكريم، والأمرُ بالتدَبر فيها غيرَ ضروريّ بل لغواً.
ويجب أن نقول ـ مع بالغ الأسف ـ إنّ هذا الفريق حيث إنّه أوصد على نفسه بابَ المعرفة، وقع نتيجةً لتعطيل البحث العلمي في ورطة «تجسيم الله وتشبيهه وإثبات الجهة له سبحانه».
الأصلُ السادسُ والثلاثون: صفات الذات وصفات الفعل
تنقسمُ الصِفات الإلهيّة من جهة أُخرى إلى قسمين :
ألف: صِفات الذات .
ب: صِفات الفِعل .
والمقصودُ من (صفات الذات) هي الصفات الّتي يلازم تصوُّرها تصوّرَ الذات الإلهية، كالعلم والقدرة والحياة، وإن لم يصدر منه سبحانه فعلٌ من الأفعال.
والمقصود من (صفات الفِعل) هي الصفات التي تُوصف الذات الإلهيّة بها بملاحظة صدور فعل مّا منه تعالى، كالخالقية، والرازقية وما شابَهَ ذلك من الصفات التي تنتزَعُ من مقام الفعل، ويوصَف بها اللهُ تعالى بعد ملاحظة ما صدر منه من الأفعال.
وبعبارة أُخرى مالم يصدر من الله فعل كالخالقية والرازقيّة والغفارية والراحمية لا يمكن وصفه فعلاً بالخالق والرازق وبالغفّار والرحيم، وإن كان قادراً ذاتاً على الخلق والإرزاق والمغفرة والرحمة.
ونذكّر في الخاتمة بأنّ كلَّ صفات الفعل التي يوصف بها اللهُ تعالى نابعةٌ من كماله الذاتي، وأن الكمال الذاتي المطلق له تعالى هو مبدأ جميع هذه الكمالات الفعلية ومنشؤها.

[1] . يونس / 101 .
[2] . الحشر / 23 ـ 24 .