قائمة المواضيع :
صفات الله الثبوتيّة
بعدما تبيّن انقسامُ الصفات الإلهيّة إلى صفات ثبوتيّة وسلبيّة، وذاتيّة فعليّة ينبغي أن نطرح على بساط البحث أهمّ المسائل والقضايا المتعلّقة بها.
الأصلُ السابعُ والثلاثون: صفاته الذاتية
ألف: العلمُ الأَزَليّ
عِلمُ الله ـ لكونه عينَ ذاته ـ أزليٌّ، كما انّه مثل ذاته مطلقٌ، ولا نهاية له.
إنّ الله تعالى ـ مضافا إلى علمه بذاته ـ يعلم بكل شيء ممّا سوى ذاته، كليّاً كان أم جزئياً، قبل وقوعه وتحقّقه، وبَعد وقوعه وتحقّقه.
ولقد أكّد القرآنُ الكريمُ على ذلك تأكيداً كبيراً إذ قال:  ( إنَّ اللهَ بِكُلّ شَيء عَلِيْمٌ) ([1] ) . وقال أيضاً:( ألا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وُهَوُ اللَّطِيْفُ الخَبِيْرُ) ([2] ) .
ولقد وَرَدَ مثل هذا التأكيد المكرّر والقويِّ على أزليّة العلمِ الإلهيّ، وسعته وإطلاقه في الأحاديث المرويّةَ عن أئمة أهل البيت ـ عليهم السَّلام ـ  مثل قول الإمامِ جَعْفَرِ الصادق ـ عليه السَّلام ـ :
«لَمَ يَزَل عالِماً بالمَكانِ قَبْلَ تَكوينه كَعِلْمِهِ به بَعْدَ ما كوَّنَهُ وَكَذلِكَ عِلمُهُ بِجَمِيِعِ الأَشياءِ»([3] ).
ب : القُدرةُ الواسِعَةُ
إنّ قدرةَ الله مثلُ عِلمه أَزَليّةٌ، وَلكونها عينَ ذاته فهي مثلُ عِلمِهِ تعالى، مطلقةٌ وغير محدودة.
إنّ القرآن الكريم يؤكّد على سِعةِ قدرة الله ويقول:  ( وَكانَ اللهُ على كُلِّ شيء قَدِيراً) ([4] ) .
ويقول:  ( وَكانَ اللهُ عَلى كُلِّ شَيء مُقْتَدِراً) ([5] ) .
وقالَ الإمامُ جعفرُ الصّادق  ـ عليه السَّلام ـ :
« الأشياءُ لَهُ سَواءٌ عِلماً وقُدْرةً وَسُلْطاناً، ومُلْكاً وإحاطةً»([6] ). وأمّا إذا كان إيجاد الأشياء المستحيلة والممتنِعة ذاتاً خارجة عن إطار القُدرة الإلهية، فليس ذلك لأجْل نقص في القدرة الإلهيّة، بَلْ لأجل عدم قابليّة الشيء الممتنع، للتحقّق والوجُود (فهو نَقْصٌ في جانب القابل لا في جانب الفاعل).
يقول الإمامُ عليٌّ ـ عليه السَّلام ـ في الردّ على من سَألَ حول إيجاد الممتنعات: «إنّ الله تباركَ وتعالى لايُنسَبُ إلى العَجز، والّذي سَألْتنِي لا يَكُونُ»([7] ).
ج : الحياة
إنّ اللهَ العالِمَ القادرَ حيٌّ كذلك قطعاً، لأنّ الصفتين السابقتين من خصوصيات الموجود الحي وتوابعه، ومن هذا تتضح دلائل الحياة الإِلهيّة أَيضاً.
على أنّ صِفة الحياة التي يُوصف بها الحقُ تعالى هي مثل سائر الصفات الإلهيّة منزَّهةٌ عن كلّ نقص، ومن كل خصوصيّات هذه الصّفة في الإنسان وما شابهه (كعروض الموت)، وحيث إنّ اللهَ حيٌ بالذات لهذا لاسبيلَ للموت إلى ذاته المقدّسة كما يقول:
( وَتَوَكَّلْ على الحيِّ الذي لايَموتُ) ([8] ) .
د : الإرادةُ والإختيار
إنَّ الفاعلَ الواعي لفعله أكملُ من الفاعِلِ غير الواعي لفعله، كما أنّ الفاعلَ المريدَ لفعلِهِ المختار فيه (وهو الّذي إذا أراد أن يفعلَ فَعَل، وإذا لم يُردْ أن يفعَلَ لم يفعل) أكمل من الفاعل المضطرّ المجبور، أي الذي ليس أمامَه إلاّ أحد أمرين: إمّا الفعل وإمّا الترك.
وبالنظر إلى ما قلناه، وكذلك نظراً إلى أنّ الله أكملُ الفاعلين في صفحة الوُجود، فإنَّ من البديهي أن نقول إنَّ اللهَ فاعلٌ مختارٌ، وليس تعالى بمجبور من جانب غيرهِ، ولا بمضطر من ناحية ذاته.
والمقصود من قولنا: إن اللهَ مريدٌ، هو أنّه تعالى مختارٌ وليس بمجبور ولا مضطَرّ.
إنّ الإرادة ـ بمعناها المعروف في الإنسان والذي هو أمر تدريجي وحادث ـ لا مكان لها في الذات الإِلهيّة المقدسة.
من أجل هذا وُصِفت الإرادة الإلهيّة في أحاديث أهل البيت ـ عليهم السَّلام ـ بأنّها نفسُ إيجاد الفعل وعينُ تحقّقه، مَنعاً من وقوع الأَشخاص في الانحراف والخطأ في تفسير هذه الصفة الإلهيّة وتوضيحها.
قال الإمام موسى بن جعفر ـ عليه السَّلام ـ : «الإرادة من الخَلق: الضميرُ وما يَبْدُو لهم بعدَ ذلك من الفِعْل. وأمّا مِنَ الله تعالى فإرادتُهُ: إحداثُه لاغير، ذلك لأنَّه لايُرَوّي ولايَهِمُّ ولا يَتَفَكَّرُ، وهذهِ الِصّفاتُ مَنْفيّةٌ عَنْهُ وَهيَ صِفاتُ الخَلْقِ. فإرادَةُ اللهِ، الفِعْلَ; لا غير ذلكَ يَقولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ بلا لَفْظ ولا نُطْق بلسان ولا همّة ولا تفكّر ولا كيف لِذلِكَ، كما أنَّه لا كيفَ له»([8] ).
فظهر ممّا ذكرناه: انّ وصفه سبحانه في مقام الذات بأنّه مريد، بمعنى انّه مختار ووصفه به في مقام الفعل بمعنى انّه موجد ومحدث.

[1] . العنكبوت / 62 .
[2] . الملك / 14 .
[3] . التوحيد للصدوق ص 137، الباب 10، الحديث 9 .
[4] . الأحزاب / 27 .
[5] . الكهف / 45 .
[6] . التوحيد للصدوق الباب 9 الحديث 15 .
[7] . التوحيد للصدوق: ص 130، باب القُدرة .
[8] . الفرقان / 58 .
[9] . أُصول الكافي ج1، ص109 باب الإرادة انّها من صفات الفعل وسائر صفات الفعل،الرواية 3.