قائمة المواضيع :
العَدلُ الإلهيُّ
الأصلُ الرابعُ والأربعُون: العدل من الصفات الجمالية
يعتقدُ المسلمون جميعاً بعدل الله تعالى والعَدلُ من الصفات الإلهيّة الجماليّة.
وَيَنطلقُ هذا الإعتقادُ مِن نفيِ القرآن لأيّ نوع من أنواعِ الظُلْم عَنِ اللهِ تعالى، ووَصفِه بكونهِ «قائماً بالقِسط» كما يقول: ( إنّ اللهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرّة) ([1] ) .
ويقول أيضاً: ( إنّ اللهَ لا يَظْلِمُ النّاسَ شَيْئاً) ([2] ) .
ويقولُ كذلك: ( شَهِدَ اللهُ أنَّهُ لا إله إلاّ هُوَ وَالملائكةُ وَأُوْلوا العِلْمِ قائِماً بالقسْط) ([3] ) .
إنّ العقل ـ مضافاً إلى الآيات المذكورة ـ يحكم بوضوح بالعَدلِ الإلهيّ لأنَّ العَدْلَ صفةُ كمال، والظلمُ صفةُ نقص، والعقلُ يحكمُ بأنّ الله تعالى مُستجمعٌ لجميع صفاتِ الكمالِ، منزَّهٌ عن كلّ عيب ونقص في مقام الذات والفعل.
والظلمُ أساساً نابعٌ من أَحَدِ عواملَ ثلاثة:
1 ـ جَهل الفاعلِ بقبح الظُلم.
2 ـ إحتياج الفاعلِ للظُلم إلى الظلم مع عِلمه بقبحه، أو عجزه عن القيام بالعدل.
3 ـ كون فاعلِ الظُلم سفيهاً غيرَ حكيم، فهو لا يبالي بإتيان الأفعالِ الظالِمة رغم علمه بقبحها، ورغمَ قدرتهِ على القيامِ بالعدل.
ومِن البديهي أنّه لا سبيل لأيّ واحد من هذه العَوامل إلى الذات الإلهيّة المقدّسة، فهو تعالى منزّهٌ عن الجَهل، والعَجز، وعن الإحتياج والسَفه، ولهذا فإنّ جميع أفعالهِ تتسم بالعَدل والحكمة.
ولقد أشار الشيخ الصدوق إلى هذا إذ قال: «والدليل على أنّه لا يقع منه عزّ وجلّ الظلم ولا يفعلهُ أنّه قد ثبت أنّه تبارك وتعالى قديم غنيٌ عالم لا يجهل، والظلم لا يقع إلاّ من جاهل بقبحه أو محتاج إلى فعله منتفع به».([4] )
كما أشار إليه المحقّق نصير الدين الطوسي بقوله:
«واستغناؤه وعلمه يدلاّن على انتفاء القبح عن أفْعالِهِ تعالى»([5] ).
ونظراً إلى هذه الآيات اتّفقَ المسلمون على ثبوت العدل لله تعالى والإعتقاد بكونه عادلاً.
إلاّ أنّهم اختلفوا في تفسير العدل الإلهي واختارَ كلُ فريق إحدى النظريّتين التاليتين:
ألف: إنّ العقلَ البشريّ السليمَ يدرك بنفسه حسنَ الأفعال وقبحها، ويعتبر الفعلَ الحَسَن علامةً لكمال فاعله، والفعلَ القبيحَ علامةً لنقصان فاعله.
وحيث إنّ الله مستجمعٌ بذاته لجميع صفات الكمال، لهذا فاَنّ فعلَه كاملٌ ومحمودٌ، وذاته المقدّسة منزّهةٌ عن كل فعل قبيح.
هذا ويجدُر التذكيرُ بنقطة هامّة هنا، وهي أنّ العقلَ لا يحكم على الله بشيء، ولا يقول: يجب على الله أن يكون عادلاً، بل كلُ ما يفعلهُ العقلُ هنا هو أن يكتشفَ واقعيّةَ الفعلِ الإلهيّ، يعني أنّه بالنَظَرِ إلى كمالِ اللهِ المطلَقِ، وتنزُّهِهِ سبحانه عن كلّ نقص وعيب، يكتشف أنّ فِعلَه كذلك في غاية الكمال، وأنّه منزَّه أيضاً عن النقص، فهو بالتالي سيعامل عباده بالعدل، ولا يظلم أحداً منهم أبداً.
وما ذكَرَتهُ الآياتُ القرآنيّة في هذا المجال إنّما هو في الحقيقة تأكيدٌ وتأييدٌ لما أدركه الإنسان من طريق العقل.
وهذا هو ما اصَطُلِحَ عليه في علم الكلام الإِسلاميّ بمسألة الحُسن والقُبح العقليّين، ويُسمّى القائلون بهذه النظرية بالعَدليّة، ويقف في طليعتهم الشيعةُ الإماميّةُ الاثنا عشرية. ب ـ وتقابل تلك النظرية، نظريةٌ اُخرى وهي أنّ العقلَ البشريّ عاجز عن إدراك الحُسن والقُبح في الأفعال حتى في صورتها الكليّة، وتحصر الطريق لمعرفة الحسن والقبح في الوحي الإِلهيّ، فما أمرَ به اللهُ فهو حَسَنٌ وما نهى عنه فهو قبيحٌ.
وعلى هذا الأَساس فلو أمَرَ اللهُ بإلقاءِ إنسان بَريء في النار، أو إدخال عاص في الجنة كان ذلك عينَ الحسن والعدل.
وقول هذا الفريق هو: إنّ وصف الله بالعدل ليس إلاّ لكون هذا الوصف جاء في القرآن الكريم ليس إلاّ.
الأصلُ الخامسُ والأربعون: إدراك العقل للحسن والقبح
حيث إنّ مسألة الحُسن والقُبح العقليّين تُمَثّلُ الأساسَ والقاعدة للكثير من عقائد الشيعة الإمامية، لذلك نشير فيما يأتي إلى دليلَين من أدلّتها العديدة:
ألف: إنّ كلَّ إنسان ـ مهما كان دينه ومسلكه، وأينما حلّ من بقاع الأرض ـ يدرك بنفسه حُسنَ العدل، وقبح الظلم، وكذلك يدرك حُسنَ الوفاءِ بالعهد، وقبحَ نقضه، وحسنَ مقابلة «الإحسان بالإحسان» وقبح مقابلةِ «الإحسان بالإساءة».
ودراسةُ التاريخ البشريّ تشهدُ بهذه الحقيقة وتؤكّدُها، ولم يُرَ حتى اليوم إنسانٌ عاقلٌ ينكرها قط. ب : لو فَرَضْنا أنّ العقل عجز تماماً عن إدراك حسنِ الأفعال وقبحها، واحتاج الناس في معرفة حسن جميع الأفعال وقبحها إلى الشرع، لزم من ذلك عدم إمكانِ إثبات الحسن والقبح الشرعيّين أيضاً ذلك لأنّنا لو فَرضنا أن الشارع أخبَرَ عن حُسن فعل أو قبح آخر لا يمكننا أنْ نتوصَّل إلى معرفة حُسن ذلك الفعلِ أو قبحِه، بواسطة هذا الإخبار، ما دمنا نحتمل الكذب في إخبار الشارع، وكلامِهِ إلاّ إذا ثبت قَبْل ذلك قبحُ المين والكذب وتنزّهِ الشارع عن هذه الصفةِ القبيحةِ، ولا يمكن إثبات ذلك إلاّ من طريق العقل.([6] )
هذا مضافاً إلى أنّه يُستفاد من الآيات القرآنية أنّ العقل البشريّ قادرٌ على إدراك حسنِ بعض الأفعال أو قبحها، ولهذا احتكم القرآنُ إلى العقل واللبّ، ودعا إلى تحكيمه أكثر من مرة إذ قال:  ( أفَنَجْعَلُ المُسْلِمين كَالْمُجرِمِين * مالَكُمْ كيْفَ تَحْكُمُونَ) ([7] ) .
وقال أيضاً:  ( هَلْ جَزاءُ الإحْسانِ إلاّ الإحْسانُ) ([8] ) .
وهنا يُطرح سؤال لابدّ من الإجابة عليه وهو أن الله تعالى قال: ( لا يُسْئَلُ عَمّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُون) ([9] ) .
والسُؤال الآن هو: إذَنْ لا يمكن أن يُسأَل اللهُ عن أيّ فعل قامَ به والحال أنّه بناءً على كونِ الحُسن والقبح عَقْليَّيْن إذا فَعَلَ اللهُ قبيحاً ـ إفتراضَاً ـ يُسأَل ويُقال: لماذا فَعَلَ هذا الفِعْل؟
والجواب هو: إنّما لا يُسأَل الله عن فعله لأنّه حكيمٌ، والحكيم لا يصدر منه القبيحُ قط، ففعلهُ ملازمٌ للحكمة أبداً، ولهذا لايَبقى هناك ما يَستدعي المساءلة والإستفسار.
الأصلُ السادسُ والأربعون: تجلّيات العدل الإلهي في مجالي التكوين والتقنين
إنّ للعَدل الإلهي في مجالات التكوين والتشريع والجزاء، مظاهر مختلفة نبيّنها واحداً بعد آخر:
ألف : العَدلُ التكوينيّ: لقد أعطى الله تعالى لكلّ مخلوق خَلَقَه، ما هو لائقٌ به، ولازمٌ له، ولم تَغَبْ عنه القابليّاتُ عند الإفاضة والإيجاد أبداً.
يقول القرآنُ الكريمُ في هذا الصدد:  ( رَبُّنا الّذِي أعطى كلَّ شَيء خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى) ([10] ) .
ب : العدلُ التشريعيّ: لقد هدى اللهُ الإنسانَ الّذي يمتلكُ قابليّة الرُشد والتكامل، واكتساب الكمالات المعنويّة، بإرسال الأنبياء، وتشريع القوانين الدينيّة له. كما أنّه لم يُكلّف الإنسان بما هوَ فوق طاقته، ووُسعه، كما يقول: ( إنَّ اللهَ يأمُرُ بالعَدْلِ وَالإِحْسانِ وإيْتاءِ ذِي القُرْبى ويَنْهى عَنِ الفَحْشاءِ وَاْلمُنْكرِ والبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) ([11] ) .
وحيث إنّ العَدل والإِحسان وإيتاء ذي القربى توجب كمال الإِنسان وتوجب الأفعالُ الثلاثة الأُخرى (الفحشاء والمُنكر والبغي) سقوطَه، أمرَ سبحانه بالأعمال الثلاثة الأُولى، ونهى عن الأَفعال الأخيرة.
ويقول عن ملائمة التكاليف الإلهيّة لاستطاعة الإنسان وقدرته وعدم كونها خارجة عن حدود هذه الإستطاعة أيضاً: ( لا يُكَلّفُ اللهُ نَفْساً إلاّ وُسْعَها) ([12] ) .
ج : العدل في الجزاء: إنّ الله لا ينظر إلى المؤمن والكافر، والمحسن والمسيء من حيث الجزاء نظرةً سواء قط، بل يجازي كُلاًّ طبقاً لاستحقاقه ووفقاً لِعَمله فيثيبُ المحسنَ، ويعاقبُ المسيء.
وعلى هذا الأساس لا يعاقبُ مَن لَمْ تبلُغْهُ تكاليفهُ عن طريق الأَنبياء والرسل، ولم تتم عليه الحجةُ كما يقول: ( وما كنُّا مُعَذّبينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولاً) ([13] ) .
ويقول أيضاً:( وَنَضَعُ المَوازِيْنَ القِسْطَ لِيَوْمِ القِيامَةِ فَلا تُظلَمُ نَفْسٌ شَيئاً) ([14] ) .
الأصلُ السابعُ والأربعون: الهدفيّة في خلق الإنسان
إنّ الله خلق الإنسان، وكان لخلقه وإيجاده هدفٌ خاصٌ، وهو وُصول الإنسان إلى الكمالِ الإنسانِي المطلوبِ الذي يتحقّق في ظلّ عِبادةِ اللهِ، وطاعتهِ.
ولو كان وصولُ الإنسان إلى الهدف متوقِّفاً على مقدّمات، هَيَّأ سبحانه تلكَ المقدّمات، وسهّل لَه طريق الوُصول إلى الهدف، وإلاّ كان خلقُ الإنسان عبثاً خالياً عَنِ الهَدَف.
مِن هنا بعث اللهُ أنبياءَه ورسُله وزوّدهم بالبيّنات والمعاجز، كما أنّه ترغيباً لعبادِهِ في الطاعة، وتحذيراً لَهُمْ عن المعصيَةِ ضمَّنَ تلكَ الرِسالات وَعْدَه ووعيده، فبشّروا وأنذروا.
وهذا الّذي قُلناه هو خلاصة ما يسمّى في كلام «العدلية» بـ « قاعدةِ اللُّطف» وهي من فُروع قاعدة الحُسنِ والقبحِ العقليّين، كما أَنّها هي الأساس والمنطلَق للكثيرِ من قضايا العقيدة ومسائلها.

[1] . النساء / 40 .
[2] . يونس / 44 .
[3] . آل عمران / 18 .
[4] . التوحيد للصدوق ص 396 ـ 397 .
[5] . كشف المراد ص 305 .
[6] . وعبارة المحقّق الطوسي في تجريد الاعتقاد تشير إلى هذا البرهان حيث قال: «ولانتفائهما مطلقاً (أي عقلاً وشرعاً) لو ثبتا شرعاً» أي لو انحصر إثبات الحسن والقبح في إخبار الشرع لانتفى حسنُ الأفعال وقبحُها بالكلية، ولم يثبُتا لا شرعاً ولا عقلاً.
[7] . القلم / 35 ـ 36 .
[8] . الرحمن / 60 .
[9] . الأنبياء / 23 .
[10] . طه / 50 .
[11] . النحل / 90 .
[12] . البقرة / 286 .
[13] . الإسراء / 15 .
[14] . الأنبياء / 47 .