قائمة المواضيع :
القضاء والقَدَر
الأصلُ الثامنُ والأربعون: القضاء والقدر في الكتاب والسنّة
القضاءُ والقدرُ من العقائد الإسلامية المسلَّمة الّتي وَرَدَت في الكتاب والسُّنة، وأيَّدَتْها الأدلةُ والبراهينُ العقليّةُ القاطعةُ.
إنّ الآيات التي تَتَحدَّثُ عن «القضاء والقدر» كثيرة جداً ونحن نأتي بنماذج منها هنا:
يقول القرآن حول القدر: ( إنّا كلَّ شيء خَلَقْناهُ بِقَدَر) ([1] ) .
ويقول أيضاً: ( وإنْ مِنْ شَيء إلاّ عِنْدَنا خَزائِنُهُ وَما نُنَزِّلُهُ إلاّ بقدر مَعْلُوم) ([2] ) .
كما يقول حول القضاء: ( وَإذا قضى أمْراً فَإنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكونُ) ([3] ) .
ويقول أيضاً: ( هُوَ الَّذِيْ خَلَقَكُمْ مِنْ طِيْن ثمَّ قضى أَجَلاً) ([4] ) . وَبالنَظَر إلى هذه الآيات والروايات العديدة في هذا الصعيد لا يُمكنُ لمسلم أن يُنكر «القضاءَ والقدرَ» وإنْ لَم يجب الإلمامُ بتفاصِيل هذه المسألة ومعرفةُ جزئياتِها.
وأساساً لا يَصْلُح الخَوضُ في هذه المسائل الدقيقة لمن لم يمتلك القابلية الذهنيّة والفكرية اللازمة لمثل هذه الحقائق الدقيقة، إذ طالما يمكن أن يتورّط مثل هذا في شكٍّ أو تردّد في عقيدته، ويقعَ في الضلال في نهاية المطاف.
ولهذا قال الإمام علي  ـ عليه السَّلام ـ مخاطباً هذا الفريق من الناس:
«طَريقٌ مُظْلمٌ فَلا تَسْلكوهُ، وبَحرٌ عَميق فَلا تَلِجُوهُ، وسِرُّ الله فلا تَتكَلَّفوه»([5] ).
نعم تحذير الإمام  ـ عليه السَّلام ـ هذا مُوَجّه إلى مَن لا يمكنه فهمُ هذه المعارف الدقيقة، وهضمها واستيعابها، بل وربّما يُؤدّي به الدُخول فيها إلى الضلال والانحراف .
ويشهد بهذا الموضوع أنّه  ـ عليه السَّلام ـ طالَما عَمَد ـ في موارد ومواضع أُخرى ـ إلى شرح وبَيان مسألة القضاء والقدر([6] ).
ولهذا فإنّنا نشرح هذه المسألة في حدود معرفتنا مستعينين بالآيات والروايات والعقل.
الأصلُ التاسعُ والأربعون: معنى القدر والقضاء
«القَدَر» في اللُّغة يعني المقدار، والقضاء يعني الحَتم والجَزم.
يقول الإمامُ الرّضا  ـ عليه السَّلام ـ في تفسيره للقدر والقضاء: «القَدَرُ هي الهَنْدَسَة، وَوَضْعُ الحُدود من البقاء، والفَناء.
والقضاء هو الإبرامُ، وإقامة العَيْن»([7] ).
والآن وَبعد أن اتَّضَحَ معنى الْقَدر والقضاء من حيث اللُّغة، نَعْمَدُ إلى بيان معناهما حسب المصطلَح الديني.
ألف : القَدَر
إنَّ لِوُجود كلّ مخلوق من المخلوقات بحكم كونه من الموجودات الممكنة (أي موصوفاً بصفة الإمكان) حَدّاً معيناً، ومقداراً خاصّاً.
فلوجود «الجماد» مثلاً حدّ خاص، ومقدار معيّن، ولوجود «النبات» و«الحيوان» مقدار وحَد آخر.
وحيث إنّ الوجود المقدَّر لكلّ شيء هو بدوره مخلوق لله تعالى، لذا فإنّ من الطبيعي أن يكونَ التقديرُ والتحديدُ نفسه تقديراً إلهياً.
كما أنّ هذا التقديرَ من جهة كونه فِعلَ الله يسمّى «التقدير الفِعلي» ومن جهة كون الله يعلم به قبل خَلْقه يُسمّى «التقدير العِلميّ». وفي الحقيقة إن الإعتقاد بالقَدَر، اعتقادٌ بخالقية الله بلحاظ خصوصيات الأشياء.
وحيث إنّ هذا التقدير الفعليّ مُستندٌ إلى علم الله الأزليّ، لهذا فإنَّ الاعتقاد بالقَدَر العِلميّ يكون في حقيقته إعتقاداً بعلمِ الله الأزلي.
ب : تفسير القضاء
إنّ «القضاء» كما أسلفنا يعني الحَتمَ والجَزمَ بوجود الشيء، ومن المُسلَّم أنّ حتمية وجود أيّ شيء وتحقّقه على أساس العليّة والمعلولية رهن تحقّق علّته التامّة، وحيث إنّ سلسلة العلل والمعلولات (وبالأحرى النظام العِلّي) تنتهي إلى الله تعالى، لهذا فإنّ حتمية تحقّق أيّ شيء يستند ـ في الحقيقة ـ إلى قدرةِ الله ومشيئته سبحانه.
وهذا هو قضاءُ الله في مقامِ الفعل والخَلق.
وعلمُ اللهِ الأزَليّ في مجال هذه الحتميّة يكون قضاءَ الله الذاتيّ .
كلُّ ما سَلَف يرتبط بقضاءِ الله وقَدَره التكوينيين، فعليّاً كان أم ذاتياً، وقد يكونُ «القضاء والقدر» مرتبطين بعالم التشريع ومجاله، بمعنى أنّ أصلَ التشريع، والتكليف الإلهيّ يكون قضاءَ الله، وكذا تكون كيفيته وخصوصيّته كالوجوب، والحرمة، وغير ذلك تقديراً تشريعياً لله تعالى.
وقد ذكّر الإمامُ أمير المؤمنين عليُ بن أبي طالب ـ عليه السَّلام ـ في جواب من سَأَل عن حقيقة القضاء بهذه المرحلة من «القضاء والقدر» إذ قال: «الأَمرُ بالطاعَة، والنَّهْيُ عَنِ المعصِيَةِ، والتَمْكِينُ مِن فِعْلِ الْحَسَنَةِ، وتركُ المَعْصِيَة، والمعُونَةُ على القُرْبةِ إلَيْه، والخِذْلانُ لِمَنْ عصاهُ، والوَعْدُ والوَعِيْدُ، والتَرْغِيْب والتَرْهِيْبُ كُلُّ ذلكَ قضاءُ الله في أفعالنا وقَدَرُهُ لأعمالنا»([8] ).
هذا ولعل اقتصار الإمامِ أمير المؤمنين ـ عليه السَّلام ـ  ـ في الإجابةِ على سؤال السائل ـ على شرحِ «القضاء والقَدَر» التشريعيين، كان رعايةً لحال السائل، أوالحاضرين في ذلك المجلس، لأنّه كان يُستنبطُ مِنَ القضاء والقدر التكوينيين وشمولهما لأفعال الإنسان في ذلك اليوم الجَبْرُ وسلبُ الاختيار.
ولهذا ختم الإمام ـ عليه السَّلام ـ كلامه المذكور بقوله: «أمّا غير ذلك فلا تَظُنَّهُ فَإِنَّ الظّنَّ لَهُ مُحْبِطٌ لِلأَعمال».
والمقصود هو أنَّ قيمةَ الأعمال تنبُعُ من كونِ الإنسانِ مختاراً يأتي بأفعاله بإِختياروإرادة منه، ومع فَرضِ الجَبْرِ لا تبقى للأَفعالِ أيَّةُ قيمة.
والحاصلُ أنّ «القَضاء والقدر» قَد يكونان في مجال التكوين، وقد يكونان في مجال التشريع.
ولكلّ من القِسْمَيْن مرحلتان:
1 ـ الذاتي (= العِلمي).
2 ـ الفِعلي .
الأصل الخَمْسُون: لاتنافي بين القضاء والقدر والاختيار
إنّ «القَضاء والقَدَر» في مجال أفعال الإنسان لا ينافيان اختياره، وما يوصف به من حرّية الإرادة قط، لأنَّ التقديرَ الإلهيَّ في مجال الإنسان هو فاعليّتُهُ الخاصّة وهو كونه فاعلاً مختاراً مريداً، وأن يكون فعلُهُ وتركُهُ لأيّ عَمَل تحت إختياره وبإرادته.
إنّ القضاء الإلهي في مجال فعلِ الإنسان هو حتميَّتُهُ وتحقُّقهُ القطعيُّ بعد إختيار الإنسان له بإرادته.
وبعبارة أُخرى ; إنّ خلْقَةَ الإنْسان مجبولةٌ على الإختيار، ومزيجةٌ بحرّية الإرادة ومقدّرة بذلك، وإنّ القضاءَ الإلهيَّ ليس إلاّ هذا، وهو أنَّ الإنسان متى ما أوْجَدَ أسباب وقوعِ فِعْل مّا تمَّ التنفيذ الإلهيّ من هذا الطريق.
إنّ بعض الأَشخاص يَعتَبر كونَه عاصياً، ظاهرة ناشئةً من التقدير الإلهيّ، ويتصوَّر أنّه لا يقدر على اختيار طريق آخر غير ما يسلكهُ، في حين يَرفُضُ العقلُ والوحيُ هذا التصوّرَ لأنّ العقلَ يقضي بأنَّ الإنسانَ هو الّذي يختار بنفسِهِ مصيرَه وهو كذلك في نظر الشرع أيضاً، أي إنّه حَسْب نظرِ الوَحْيِ يقْدِر انْ يكون إنساناً شاكِراً صالحاً، أو كافراً طالِحاً.
( إنّا هَدَيْناهُ السَّبْيلَ إمّا شاكِراً وإمّا كَفُوراً) ([9] ) . وفي عصر الرّسالة كان ثمّت فريق من الوثنيّين يتصوّرون أنّ ضلالَهم ناشئٌ من المَشيئة الإلهية. وكانوا يقولون: لَوْ لَمْ يُرِدِ اللهُ أن نكَون مشركين لما كنا مشركين.
إنّ القرآن الكريم يروي منطِقَهم وتصوُّرَهم هذا بقوله: ( سَيَقولُ الّذين أشرَكُوا لو شاءَ الله ما أَشْرَكْنا وَلا آباؤُنا وَلا حَرَّمنا مِن شيء) ([10] ) .
ثم يقول في معرض الردّ عليهم:  ( كَذلِكَ كَذَّبَ الّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتّى ذاقوا بأسَنا) .
وفي الختام نُذَكّر بأنّ سُنَنَ الله الكليّة في عالم الخلق والتي تؤدّي إلى سعادةِ الإنسانِ تارةً، وإلى شقائه وخُسرانهِ تارة أُخرى، هي من مظاهر «القضاء والقَدَر» الإلهيّين، وأنّ البشر هو الّذي يختار أحد هذين بنفسه.
وقد مرّت الإشارَةُ إلى أُمور في هذا المجال في الأبحاث السابقة المتعلّقة بالإنسان وموقِعِهِ في نظرةِ الإسلام إلى الحياة.

[1] . القمر / 49 .
[2] . الحجر / 21 .
[3] . البقرة / 117 .
[4] . الأنعام / 2 .
[5] . نهج البلاغة، الكلمات القصار / 287 .
[6] . أُصول الكافي ج 1، ص 158 .
[7] . أُصول الكافي ج 1، ص 158 .
[8] . بحار الأنوار: 5 / 96، الحديث 20 .
[9] . الإنسان / 3 .
[10] . الأنعام / 148 .