قائمة المواضيع :
طُرُق معرفةِ الأَنبياءِ
الأصلُ السادِسُ والخَمْسُون
إنّ فطرةَ البَشر تقضي بأن لا يَقْبَلَ الإنسانُ أيّ ادّعاء من غير دليل، ومن قَبِل شيئاً أو زعماً من دون دليل، فإنّه يكون قد خالف فطرته الإنسانية.
إنّ ادّعاءَ النبوّة أعظمُ ادّعاء يمكن أن يطرحه فردٌ من أفراد البشر، ومن البديهي أن زعماً وادعاءً في مثل هذه العظمة يجب أن يستند إلى برهان قاطع، ويُقرَنَ بالدلِيل الساطع.
ويمكن أن تكون الأدِلّة في هذا المجال أحد أُمور ثلاثة:
ألف: أن يصرّح النبيُ السابقُ الذي ثبتت نبوّتُه بالأدلّة القاطعة، على نبوة النبي اللاحِق كما صَرّح السيدُ المسيح ـ عليه السَّلام ـ بنبوة النبي محمد خاتم الأنبياء ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ وبشّر بمجيئه.
ب: أنْ تشهَد القرائنُ والشواهد المختلفة على صِدقِ دعواه.
وهذه الشواهد والقرائن يمكن تحصيلُها من سيرته في حياته، وفي محتوى دعوته، ومن الشخصيات التي آمنت به، وانضوت تحت لوائه، وكذا في طريقة دعوته، وأُسلوبه في العمل لنشر مبادئه، وتبليغها. وهذه الطريقة هي التي يُستفاد منها في المحاكم في العالمِ اليوم لتمييز الحق عن الباطل، والبريء عن المجرم.
وقد استفاد كثيرون مِن هذه الطريقة ذاتها للتأكّد من صِدق رسول الله ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ ، وصحّة دعواه النبوة في صدر الإسلام.
ج : الإتيان بالمعجزة، يعني أن يُقرِنَ مدّعي النبوة دعواه، بعمل خارق للعادة ويتحدّى به الآخرين، ويكونَ ذلك العمل للخارق مطابقاً لدعواه.
إنّ الطريقين الأَوّليّن ليسا عامّين في حين يكون الطريق الثالث عامّاً، وقد استفادت البشريةُ على طول التاريخ من  هذا الطريق لمعرفة الأنبياء والإيمان بدعوتهم وكان الأنبياء بدورهم يُقرنون دعواهم للنبوة بذلك، ويستفيدون من هذا الطريق (الثالث).
الأصلُ السابعُ والخمسون: العلاقة المنطقية بين دعوى النبوّة والمعجزة
إنّ بَينَ المعجزة وبين صدق دعوى النُبوّة علاقةً منطقيّةً، لأنّه إذا كان الآتي بالمعجزة صادقاً في دعواه فإنّ من الطبيعيّ أنْ يُثْبِتَ مطلبَهُ.
وإذا كان كاذباً في دعواه النبوة ـ افتراضاً ـ لم يكن لائقاً بالله الحكيم الذي يَهتَمّ بهداية عبادهِ أن يُمكّنَ الكاذبَ في ادّعاء النبوّة من الإتيان بالمعجزة، لأنّ الناس سَيُؤمنون به إذا رأوا قدرته على الإتيان بالعَمَل الخارق للعادة، وسيَعملون بأقوالِهِ فيكونُ ذلِك إضلالاً للناس إذا كان المُدّعي للنبوّة كاذباً، ولا شكّ أنّ هذا يتنافى مع عَدلِ الله وحكمته.
وهذه من إحدى فروع قاعدة الحسن والقبح العَقليين التي تمّ بحثها سابقاً.
الأصلُ الثامنُ والخمسون: الفرق بين المعجزة والكرامة
إنّ الإتيان بالعَمَل الخارق للعادة الذي يقترن مع دعوى النبوة، ويتّفق مع الادّعاء، يسمى «معجزة».
وأمّا إذا صدر العملُ الخارقُ للعادة من عبد للهِ صالح لم يَدَّعِ النبوّةَ سُمِيّ «كرامة».
وممّا يشهد بأنّ عباد الله الصالحين من غير الأنبياء قادرون أيضاً على الإتيان بالأعمال الخارقة للعادة، نزول مائدة سماويّة على السيدة مريم أُم النبي السيد المسيح ـ عليه السَّلام ـ وانتقال عرش بلقيس ملكة سبأ في سرعة خاطفة من اليمن إلى فلسطين على يد فرد بارز من أنصار النبي سليمان (آصف بن برخيا) وقد أخبرَ القرآنُ الكريم بكلا الحَدَثين إذ قال في شأن مريم: ( كُلَّما دَخَلَ عَلَيْها زَكَريّا الِمحْرابَ وَجَد عِنْدَها رِزْقاً) ([1] ) .
وقال حول حادثة عرش بلقيس أيضاً: ( وقالَ الّذي عِنْدَهُ علْمٌ مِنَ الِكتابِ أَنا آتِيكَ بِهِ قبْلَ أنْ يرتَدَّ إليْكَ طرفُك) ([2] ) .
الأصلُ التاسعُ والخمسون: الفرق بين المعجزة والسِحر
إن الفَرق بين المعجزة وبين غيرها من الأعمال الخارقة يتلخّص في الأُمور التالية: ألف: عَدَمُ التعلّم في المعجزة: فإنّ الآتي بالمعجزة يقوم بالإتيان بالمعجزة من دون سَبْق تعلّم، في حين يتم الإتيان بالأعمال الخارقة الأُخرى نتيجة سلسلة من التعليمات والتمرينات.
فالنبيّ موسى  ـ عليه السَّلام ـ بعد أن انقضت فترةُ شبابه ذَهَب إلى مصر، وفي أثناء الطريق خوطب أن ياموسى ألقِ عصاك فإذا العَصا تتحول إلى ثعبان عظيم، بحيث استوحَشَ موسى لذلك.([3] )
وخُوطب أن أدخِل يَدَك في جَيبك، ولمّا أخرجها فإذا هي تضيئ إضاءةً قويةً، تخلب الأبصار([4] ).
ب : عدم إمكان معارضةِ المعجزة: فإنّ المعجزة لكونها تنبُع من قدرة الله المطلقة لا يمكن معارضتها والإِتيان بمثلها قط، على حين يمكن معارضة السِحر والشعوذة، وما شابههما ممّا يفعلُه المرتاضون بمثلها لكونها تنشأ من قدرة البشر المحدودة المتناهية.
ج : التحدّي: إنّ الآتي بالمعجزة يتحدّى الآخرين بمعجزته أي يدعوهم إلى معارضته ومقابلته بمثله، في حين لا يفعل السَحَرة والمرتاضون ذلك، لإِمكانِ معارضتهم، ومقابلتهم بمثل ما يأتون به.
د : عدم المحدودية: فإنّ معاجزَ الأَنبياء ليْست محدودة بنوع أو نوعين بل هي متنوّعة بحيث لا يمكن الإشارة إلى جامع مشتَرك بينها. فمثلاً أينَ إلقاء العصا وانقلابُهُ إلى حَيّة، وإدخال اليد في الجَيب وإِخراجها بيضاءَ تنير؟
وكذا أين هاتَين المعجزتين وأين إنباعُ الماء، واستخراجه من صخرة بضربة من عصا لا غير؟
كما وأين هذه المعاجز الثلاث وأين تجفيف البحر، وفتح ممرات يابسة عظيمة في قاعِهِ بضربة من عصا على الحجر أيضاً ؟
إننّا نقرأ: انّ عيسى  ـ عليه السَّلام ـ صنع من الطين كهيئة الطير، ثم نَفَخَ فيها الروح فصارت طيوراً حيَّة بإِذنِ الله.
كما نقرأ انّه  ـ عليه السَّلام ـ  كان بالمسح بيده على وجوه العميان وأجساد المصابين بالبرص يمنحهم الشفاء، بل ويُحيي الموتى، وينبئ عَمّا ادَّخره الناسُ في بيوتهم إلى غير ذلك من المعاجز العديدة.
هـ : وأساساً إنّ الذين يأتون بالمعجزة والكرامة يمتازون عن السَحَرة الذين يأتون بالخوارق من الأعمال من حيث الهَدَف وكذا من حيث النَفْسِيّات.
فالفريقُ الأوَّل يهدفون إلى غايات سامية، وأغراض قيّمة، بينما يهدف الفريق الثاني إلى أهداف دنيويّة.
ومن الطبيعي أن يختلف الفريقان على أساس ذلك في النفسيات.

[1] . آل عمران / 37 .
[2] . النمل / 40 .
[3] . لاحظ القصص / 31 .
[4] . لاحظ القصص / 32 .