قائمة المواضيع :
النُبوّةُ الخاصَّة
الأصلُ السبعون: طرق إثبات النبوّة الخاصّة
تحدَّثْنا في الفصل السابق حول النبوّة بصورة عامة، وفي هذا الفصل نتحدَّث حول نبوّةِ رسولِ الإسلام «محمد بن عبد الله» ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ  خاصّة، وقبل ذلك نُذكّرُ بأنَّ النبوّة يمكن أنّ تثبت لشخص بثلاثة طرق:
ألف : الإتيان بالمعجزة مقروناً بادّعاء النبوّة.
ب  :  جمع القرائن والشواهد التي تشهد بصدق دعواه.
ج : تصديق النبي السابق.
إنّ نبوّة رسولِ الإسلام  ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ يمكن أن تثبت بجميع الطُرُق الثلاثة المذكورة، وها نحن نذكرها بصورة مختصرة:
القرآنُ أو المعجزةُ الخالدةُ
إنّ التاريخَ القاطعَ الثابتَ يشهد بأنّ رسول الإسلام  ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ قَرَنَ دعوَته بالإتيان بمعاجز عديدة مختلفة، إلاّ أنّه  ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ كان يؤكّد ـ من بين هذه المعاجز ـ على واحدة منها، وهي في الحقيقة معجزته الخالدة، ألا وهي «القرآن الكريم».
فإنّ نبيّ الإسلام أعلن عن نبوّته ورسالته بالإتيان بهذا الكتاب السَّماويّ، وتحدّى الناسَ به، ودعاهم إلى الإتيان بمثله إن استطاعوا، ولكن لم يستطع أحدٌ ـ رغم هذا التحدِّي القرآنيّ القاطع ـ أنْ يأتي بمثله في عَصر النبوّة.
واليوم وبعد مرور القرون العديدة لا يزال القرآنُ يتحدّى الجميع ويقول: ( قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإنسُ والجِنُّ على أنْ يَأْتوا بِمثْلِ هذَا القرآنِ لا يَأتونَ بَمثلهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لبعض ظهيراً) ([1] ) .
وفي موضع آخر يقول ـ وهو يقنع بأقلّ من ذلك ـ : ( قُلْ فَأْتُوا بِعَشْر سُوَر مِثلِهِ مُفْتَرَيات) ([2] ) ، ( فَأْتُوا بِسُورة مِنْ مِثْلِهِ) ([3] ) .
إنّنا نعلمُ أنّ أعداء الإسلام لم يألوا جُهداً طيلة (15) قرناً من بدء ظهور الإسلام من توجيه الضربات إليه، ولم يفتروا عن محاولة إلحاق الضرر بهذا الدين، والكيد له بمختلف ألوانِ الكيد، وحتى أنّهم استخدموا سلاح اتّهام رسولِ الإسلام بالسّحرِ، والجنون، وما شابه ذلك، ولكنّهم لم يَستطيعوا قطّ مقابلةَ القرآن الكريم، ومعارضته فقد عجزوا عن الإتيانِ حتى بآية قصيرة مثل آياته.
والعالمُ اليوم مجهَّزٌ كذلك بكل أنواع الأفكار والآلات، ولكنّه عاجز عن مجابهة هذا التحدّي القرآنيّ القاطع، وهذا هو دليلٌ على أنّ القرآنَ الكريمَ فوق كلامِ البشر.
الأصلُ الواحدُ والسبعون: الإعجاز الأدبي للقرآن
كانت لرسول الله  ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ معاجزُ مختلفة ومتعدّدة دُوّنَتْ في كُتُب التاريخ والحديث، ولكنّ المعجزة الخالدة التي تَتَلألأُ من بين تلك المعاجز في جميع العُصُور والدهور هو القرآن الكريم، والسرُّ في اختصاص رسول الإسلام ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ ، بمثل هذه المعجزة من بين جميع الأنبياء، هو أنَّ دينه دينٌ خاتِمٌ، وشريعَتهُ شريعةٌ خاتمةٌ وخالدةٌ، والدينُ الخالدُ والشريعة الخاتمة بحاجة إلى معجزة خالدة لتكون برهانَ الرسالة القاطع لكلِ عصر وجيل، ولتستطيع البشرية في جميع القرون والدُّهور أنْ ترجع إليه مباشرةً من دون حاجة إلى شهاداتِ الآخرين وأقوالهم.
إنّ القرآنَ الكريم يتّسمُ بصفة الإعجاز مِن عدة جهات، يحتاج البحث فيها بتفصيل، إلى مجال واسع لا يناسب نطاق هذه الرسالة، ولكنّنا نشير إليها على نحو الإيجاز: في عصر نزول القرآن الكريم كان أوّلُ ما سَحَر عيونَ العرب، وحيّر أرباب البلاغة والفصاحة منهم جمالُ كلمات القرآن، وعجيبُ تركيبه، وتفوّقُ بيانه، الذي يُعبَّر عن ذلك كله بالفصاحةِ والبلاغة.
إنّ هذه الخصُوصية كانت بارزةً ومشهودةً للعرب يومذاك بصورة كاملة، ومن هنا كان رسولُ الله ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ  بتلاوة آيات الكتاب، مرةً بعد أُخرى، وبدعوته المكرّرة إلى مقابلته والإتيان بمثله إن استطاعوا ـ يدفع عمالقة اللغة والأدب، وأبطال الشعر وروّاده، إلى الخضوع أمام القرآن، والرضوخ لعظمة الإسلام، والاعتراف بكون الكلام القرآنيّ فوق كلامِ البشر.
فها هو «الوليد بن المغيرة» أحد كبار الشعراء والبلغاء في قريش يقول ـ بعد انْ سمع آيات من القرآنِ الكريمِ تلاها عليه رسولُ الإسلام، وطُلب منه أنْ يبدي رأيه فيهاـ : «وَوالله إنّ لِقَوله الّذي يقولُ لَحلاوةً، وإنّ عليه لطَلاوةً، وإنّه لَمُثْمرٌ أَعلاهُ، مُغدِقٌ أَسْفَلُهُ، وإنّه لَيَعْلُو وما يُعلى»([4] ).
وليس «الوليدُ بن المغيرة» هو الشخص الوحيدُ الذي يحني رأسه إجلالاً لجمال القرآن الظاهري، ولجلاله المعنوي، بل ثمة بلغاء غيره من العرب مثل: «عتبة بنِ ربيعة» و «الطفيلِ بن عمرو» أَبدَوا كذلك عجزَهم تجاه القرآن، واعترَفُوا بإعجاز القرآن الأدَبي.
على أنّ العَرَب الجاهليين نَظَراً لِتَدَنّي مستوى ثقافتهم لم يُدرِكوا من القرآن الكريم إلاّ هذا الجانبَ، ولكن عندما أشرقت شمسُ الإسلام على رُبع الكرة الأرضية، وعَرَفَتْ به جماعاتٌ بشريةٌ أُخرى اندفعَ المفكّرون إلى التدبّر في آيات هذا الكتاب العظيم، ووقفوا مضافاً إلى فصاحَته وبلاغته، وجمال اُسلوبه، وتعبيره، على جوانب أُخرى من القرآنِ الكريم والتي يكون كلُ واحدة منها بصورة مستقلّة خيرَ شاهد على انتمائه إلى العالم القدسيّ، ونشأتهِ من المبدأ الأعلى للكون.
وهكذا تنكشف في كلّ عَصر جوانب غير متناهية لهذا الكتاب العظيم.
الأصلُ الثاني والسَّبعون: المجالات الأُخرى للإعجاز القرآني
لقد بَيّنّا في الأصلِ السابقِ إعجاز القرآن من الناحية الأدبية، باختصار، والآن نريد أن نستعرض المجالات الأُخرى للإعجاز القرآنيّ بصورة مختصرة.
إذا كان الإعجاز القرآنيُ من الناحية الأَدبية قابلاً للدَرك والفهم عند طائفة خاصّة لها إلمامٌ كاف بالأدب العربي، فإنّ الجوانبَ الأُخرى من الإعجاز القرآني ولحسن الحظ مفهومة لآخرين.
ألف : إنّ الآتي بالقرآن الكريم كان شخصاً أُميّاً لم يدرُس، ولم يَتلقَّ تعليماً قبل النبوة، فلا هو دخل مدرسة أو كَتّاباً، ولا هو تلمَّذ على أحد، أو قَرَأَ كتاباً كما قال:( ما كُنْتَ تَتْلُوا مِن قَبْلِهِ مِن كِتاب وَلا تَخُطُّهُ بِيَمينِكَ إذاً لاْرتابَ المُبْطِلُونَ) ([5] ) . إنّ نبيَّ الإِسلام  ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ تلا هذه الآية على قوم كانوا يعرفون حياتَه وتفاصيلها، تمام المعرفة، فإذا كان له سابقة تحصيل وتعلّم لكذّبوا ادّعاءَهُ هذا.
وأمّا اتّهام البعض إيّاه بأنه ( يُعَلِّمهُ بَشَرٌ) ([6] ) فهي تهمة لا أساس لها مثل سائر التهم الأُخرى، كما يقول: ( لسانُ الّذي يُلْحِدُونَ إليْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهذا لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبيْنٌ) ([7] ) .
ب : لقد تُلي القرآنُ الكريم على الناسِ طيلةَ ثلاث وعشرينَ سنة وفي ظروف مختلفة (في الصلح والحرب، في السفر والحضر ، و...) بواسطة رسول الله ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ ، وتقتضي طبيعة هذا النمط من التحدُّث والتكلّم أن يقع في كلام المتكلّم نوعٌ من الاختلاف والتعدُّديّة في الاُسلوب والخصُوصِيّات البيّانية فلطالما يقع المؤلّفون الذين يُؤَلِّفُونَ كُتُبَهُمْ في ظُروف عاديّة متماثِلة ـ رغم مراعاة قواعد التأليف والكتابة، وأُصولِها ـ في الإختلاف والإضطراب في الكلام، فكيف بالذي يُلقي كلاماً بالتدريج، وفي أوضاع متباينة وأحوال مختلفة تتراوح بين الشدّة والرخاء، والحزن والفرح، والقتال والسلام، والأَمن والخطر؟!
إنّ المُلفت للنظر هو أنّ رسول الإسلام  ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ   تَحدَّث حول موضوعات مختلفة ومتنوعة، بدءاً بالإلهيّات ومروراً بالتاريخ ، والتشريع، والأخلاق، والطبيعة، والإنسان، وانتهاء بالحياة الأُخرى، وفي نفس الوقت تمتّع كلامه هذا من بدئه إلى ختمه بأعلى نوع من الانسجام، والتناغم، من حيث الاسلوب، والمحتوى.
يقول القرآن نفسُهُ عن هذا الجانب من الإعجاز: ( أفَلا يَتَدبَّرُون القرآنَ ولو كانَ مِنْ عِند غيرِ اللهِ لَوَجَدُوا فيهِ اختلافاً كثيراً) ([8] ) .
ج : إنّ القرآنَ الكريمَ جعل الفطرةَ الإنسانيةَ الثابتة نُصب عَينيه وشرّع على أساسها قانونَه، فكانت نتيجةُ هذه الرؤية الأساسِيّة أنْ أخَذَ في نظر الإعتبار جميع أبعاد الروح والحياة الإنسانية، وذكّر بالأُصول والأُسس الكلية التي لا تقبَلُ الزوال والاندثار.
فمن خصائص القوانين الإسلامية الكليَّة هو أنَّ هذه القوانين قابلةٌ للتطبيق في جميع الظروف المختلفة والبيئات المتنوعة ويوم كان المسلمون يسيطرون على مساحة جدُّ كبيرة من العالم، كانوا يديرون المجتمعات البشرية قروناً عديدة في ظلّ هذه القوانين والتشريعات بقوّة، ونجاح.
يقول الإمام محمّد الباقر ـ عليه السَّلام ـ : «إنَّ اللهَ لَمْ يَدَع شَيْئاً تَحْتاجُ إلَيْهِ الأُمَّةُ إلاّ أَنْزَلَهُ في كتابهِ، وَبَيَّنَهُ لِرَسُولِهِ وجَعَلَ لِكُلّ شيء حَدَّاً، وَجَعَلَ عَلَيْهِ دَلِيْلاً»([9] ).
الأصلُ الثالثُ والسبعون: الإعجاز القرآني في مجال أسرار الكون وأخبار المستقبل
د : إنّ القرآن الكريم بيّن في آيات مختلفة ومتعدّدة وفي مناسبات متنوّعة أسرارَ عالَم الخلق التي لم يَكُنْ لدى البَشَر أيُّ عِلم، ولا إلمام بها.
ولا شكَّ أنَّ الكشف عن هذه الأسرار لشخص لم يتلقَّ تعليماً، ولم يدرس، وذلك في مجتمع جاهليّ لا يعرف شيئاً أصلاً، لا يمكن إلاّ عن طريق الوحي.
إنّ الكشف عن قانون الجاذبية الذي يفسَّر على أساسِه قيامُ صرح الكون يُعَدّ من مفاخر العِلم الحديث.
ولقد كَشَفَ القرآنُ الكريمُ القناعَ عن هذا القانونِ في عبارة قصيرة إذ قال: ( اللهُ الَّذي رَفَعَ السَّمواتِ بِغَيْرِ عَمَد تروْنَها) ([10] ) .
إنّ الكَشْفَ عن قانون الزوجية العامّة هو الآخر يُعدّ من مكتسَبات العِلم الحديث، وقد تحدّث عنه القرآنُ الكريمُ في عَصر لم يكنِ البشرُ يعرف عنه أيَّ شيء مطلقاً إذ قال: ( وَمن كُلّ شَيء خَلَقْنا زَوْجَيْن لَعَلّكُمْ تَذَكَّرُون) ([11] ) .
هذا وثمّت نماذج أُخرى في هذا المجال جاء ذكرُها في كتب التفسير والعقيدة، أو دوائر المعارف. هـ : إنّ القرآنَ الكريم أخبر عن طائفة من الحوادث والوقائع المستقبلية إخباراً قطعيّاً، وقد وقعت تلك الوقائع والحوادث فيما بعد بصورة دقيقة، ولهذا النمط من الإخبارات نماذج عديدة، وكثيرة إلاّ أنّنا نشير إلى واحدة منها هنا على سبيل المثال:
يَوم غَلَبَ الساسانيون عُبّادُ النار على الرُّوم الموحّدين تفاءَلَ المشركونَ العرب بهذا الحَدَث وقالوا سننتصر نحن على موحِّدي الجزيرة العربية (المسلمين) أيضاً، وعند ذاك أَخبر القرآنُ الكريمُ بانتصار الرُّوم على الفُرس:
( غُلِبَتِ الرُّوْمُ * في أدْنى الأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبهِمْ سَيَغْلِبُونَ * فِي بِضْعِ سِنِيْنَ لله الأَمرُ مِن قبلُ ومِن بَعْدُ ويَوْمَئِذ يَفرَحُ المؤمنونَ) ([12] ) .
ولم تمض بضع سنوات إلاّ وتحقّقت النبوءةُ المذكورة، وانتصر كلا الفريقين المؤمنين (الرّوم المسيحيّون ومسلمو الجزيرة العربية) على أعدائهم (الساسانيين ومشركي قريش).
ولهذه الناحية تحدّثَ القرآن في ذيل الآية عن سرور المؤمنين إذ قال: ( يَوْمَئِذ يَفْرَحُ المُؤْمِنُونَ) .
لأنّ كلا الانتصارين حدثا في وقت واحد.
و : إنّ القرآنَ الكريمَ تَحدَّثَ عن حياة الأنبياء وأُممهم السابقة في سور مختلفة بتعابيرَ مختلفة. إنّ هذه الوقائع وَرَدَت كذلك في كتاب العَهدين (التوراة والإنجيل) أيضاً، ولكن إذا ما قيست تلك مع ما وَرَدَ في القرآنِ الكريمِ اتّضح أن القرآن الكريم من الوحي الإلهيّ برمَّته، وأنّ ما جاء في العهدين لم يسلم من تحريف المحرّفين.
ففي رواية القرآن لقصص الأنبياء لا يوجَد أيُّ موضوع يخالف العقلَ، والفطرة، ولا يناسب مقام الأنبياء، في حين تزخر الرِوايات والقصص الموجودة في كتاب العهدين بهذه العيوب والنواقص.
وفي هذا الصعيد يكفي إجراء مقارنة بين القرآن والعهدين في قصة آدم.
الأصلُ الرابع  والسبعون :القرائن والشواهد على نبُوّة النبي  ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ
إنّ جمع القرائن والشَّواهد ـ كما أسلفنا ـ يمكن أنْ تكون من الطُرُق الكفيلة بإثبات صدق دعوى الأنبياء، وها نحن نشير باختصار إلى القرائن الدّالة على صحَّة دعوى النبيّ الأكرم ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ :
ألف : النبيٌّ الأكرم وسوابقُهُ المشرِقةُ:
كانت قريش تسمّي رسول الله ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ قبل ابتعاثه بالرسالة «محمد الأمين» وتودع عنده أماناتِها الثمينة، وتستأمنه على أشيائها القيّمة.
وعندما حصل خلافٌ بين أربعة قبائل في وضع «الحَجَرِ الأسودِ» في موضعه بعد تجديد بناء الكعبة، رضي الجميعُ بأن يقومَ عزيزُ قريش أي رسول الله ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ بهذه المهمّة لكونه رجلاً صادقاً أميناً.([13] )
ب : النَقاء من تلوّث البيئة الاجتماعية:
لقد نشأ رسول الله ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ وترعرع في بيئة لم يكن فيها إلاّ الخمر والميسر ووأد البنات، وإقبارهن أحياءً، و إلاّ أكل الميتة والظلم والغارة، ومع ذلك ورغم نشوئه وترعرعه في مثل هذه البيئة، كان إنساناً نقيّ الجيب، طاهِرَ السُّلوك، لم يُوصف بأي شيء من الصفات الرَّذيلة، ومن دونِ أن يتلوَّث بأيّةِ لوثة عقيديّة، وفكريّة.
ج : محتوى الدعوة الإسلامية:
عندما نُلقي نظرةً فاحصة على محتوى دعوةِ النبي الأكرمِ محمّد ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ نراها تدعو الناس بالضبط إلى مخالفةِ كلّ ما كان رائجاً في تلك البيئة، ورفضه رفضاً مطلقاً.
إنّهم كانوا يعبدون الأوثان وقد دعاهم إلى التوحيد، ورَفض الأوثان.
إنّهم كانوا يُنكرون المعادَ، وقد دعاهُم إلى الإيمان به، واعتبره شرطاً من شروط الإسلام.
وكانوا يئدون البنات ويقبرونهنّ وهنّ أحياء، ولم يكن للمرأة أيّة قيمة، ولكنّه أعاد إليها كرامتها الإنسانيّة، ومنزلتها اللائقة بها، كأفضل ما يكون.
د : أدوات الدعوة ووسائلها :
إنّ الأدوات والوسائل التي استخدمها النبيُّ، لِنشر دعوته، واستعان بها لِنشر دينه، كانت إنسانيةً وأخلاقية تماماً.
فهو  ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ لم يستخدم أبداً الأساليبَ اللا إنسانية كقطع الماء على خصومه، أو تسميمه وتلويثه، أو قطع الأشجار وما شابه ذلك من الأساليب اللا إنسانية([14] ).
بل وأوصى بأن لا يُلحَق الأذى بالنساء والأطفال والعجائز وكبار السن، وان لا تُقطَع الأشجار، وان لا يُشرع في قتال العدوّ قبل الدعوة إلى الإسلام وإتمام الحجة عليه.
إنّ الإسلام يرفض رفضاً قاطعاً المنطق المكيافيلي القائل: «بأنّ الغاية تبرّر الوسيلة» وكمثال رَفَضَ اقتراح أحد اليهود لإخضاع العدوّ في وقعة خيبر عن طريق إلقاء السم في الماء.
إنّ حياة رسول الإسلام  ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ زاخرة بقصص التعامل الإنساني النبيل مع الأعداء .
هـ : شخصيّةُ المؤمنين به وخصالُهم:
إنّ دراسة أفكار المؤمنين بالنبيّ، والمنضوين تحت لوائه، وأحوالهم وشخصياتهم يمكن أن توضح مدى صدقه وصحة دعواه. فإنّ من البديهيّ أن الدعوة إذا تأثّر بها الشخصياتُ المتميزة في المجتمع فانضووا تحت رايتها، واعتنقوها بصدق وإخلاص، كان ذلك آية صدقها وصحتها ودليلاً على حقّانيتها، وواقعيّتها.
ولكن إذا التفَّ حولَه طلاّب الدنيا، وعُبّادُ المال والشهوة، كان ذلك دليلاً على ضعف ادّعائه.
لقد كان بين المنضوين تحت لواء رسول الإسلام شخصيات عظيمة في غاية النُبل والفَضيلة كالإمام عليّ ـ عليه السَّلام ـ وكسلمان، وعمّار، وبلال، ومصعب، وابن مسعود، والمقداد، وأبي ذر وغيرهم ممّن شهد لهم التاريخُ بالطهر والصفاء، وسموّ الشخصية، ونزاهة الأخلاق.
و : التأثيرُ الإيجابي في البيئة الاجتماعية، وتأسيسُ حضارة عظيمة:
إِنّ رسول الإسلام استطاع في مدة لا تتجاوز ثلاثاً وعشرين سنة أنْ يغيّر وضعَ الجزيرة العربية تغييراً جوهرياً.
لقد استطاع أنْ يصنع من قُطّاع طُرُق، وسَلاّبين، أشخاصاً أُمناء، ومن عُبَّاد أوثان وأصنام، موحّدين بارزين، لم يَصنَعوا حضارةً عظيمة في محلّ سكونتهم فقط بل مدّوا حضارتهم الإسلامية الرائعة الفريدة، إلى مناطق أُخرى من العالم، كذلك.
فها هو جعفر بن أبي طالب ـ عليه السَّلام ـ من مسلمي صَدر الإسلام يؤكّد على هذه النقطة عندما قال في معرَض الإجابة على سؤال النجاشيّ الذي سأله عن أحوال النبيّ الكريم ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ : « أيّها المَلِك ; إنّ الله بَعَث إلينا رَسولاً مِنّا فَدعانا إلى الله لِنوَحّدَه ونعبدَه، ونخلعَ ماكنّا نعبُدُ نحن وآباؤنا من دونه، من الحجارة والأوثان، وأمَرَنا بصدقِ الحديث... وأمَرَنا بالصلاةِ، والزكاة وصلة الرَحم، وحُسن الجوار، ونهانا عن الفواحِشِ، وقولِ الزُّور»([15] ).
إنّ هذه القرائن، ونظائرها، يمكن أنْ تقودَنا إلى صدقِ قول رسول الإسلام وحقانيّة هدفه..
إنّ من المحتم أنّ رجلاً بهذه الخصوصيّات لا يرتكب الكذِبَ أبداً، وفي النتيجة يجب أن يُقال: إنّه كان صادقاً في ادّعائه النبوّة، وارتباطه بعالم الغيب كما تؤيّد القرائنُ الأُخرى بالذات هذا الموضوع أيضاً.
الأصلُ الخامسُ والسبعون: تصديقُ النبيّ السابق
إنّ تصديقَ النبيّ السابق للنبيّ اللاحقِ هو أحد الطرق لإثبات دعوى النبوة وذلك لأنّ الفرض هو أنّ نبوة النبيّ السابق قد ثبتت بالأدلّة القاطعة، ولهذا من الطبيعي أن يكون كلامُه سنداً قاطعاً للنبوّة اللاحقة، ويُستفادُ من بعض الآيات القرآنيّة أنَّ أهلَ الكتاب كانوا يعرفون رسول الإسلام كما يعرفون أبناءهم، يعني أنّهم قرأوا علائم نبوَّته في كتبهم السَّماوية، وقد ادّعى رسولُ الإسلام هذا الأمر، ولم يكذّبه أحدٌ منهم أيضاً، كما يقول:
( الّذيْنَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ يَعْرفُونَهُ كما يَعْرفُونَ أبناءَهم وإنَّ فريقاً منهم لَيَكتمونَ الحقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ) ([16] ) .
إنّ رسولَ الإسلام ادّعى أنّ السيد المسيحَ عيسى ابنَ مريم  ـ عليه السَّلام ـ بشّر به، وانّه يأتي من بعده نبيٌّ اسمُه «أحمد»: ( ومُبَشّراً بِرَسُول يأتي مِنْ بَعدِي اسْمُهُ أحْمَدْ) ([17] ) .
كما وأنَّ من الطريف أنْ نَعلمَ أنّ الإنجيل رغم تعرُّضه للتحريف منذ قرون قد جاءَ في إحدى نُسَخِهِ وهو إنجيل يوحنا (الإصحاح 14، 15، 16) تَنَبّؤٌ بمجيء شخص بعد السيد المسيح يُدعى «فارقلِيطا» (أي محمد ـ بالسريانيّة) يمكن للمحقّقين الرجوع إلى ذلك، للوقوف على الحقيقة.([18] )
الاُصلُ السادسُ والسَبعون: معاجز أُخرى للرسول  ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ  غير القرآن
إنّ معاجز رسولِ الإسلام  ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ  ـ كما أسلفنا ـ لا تنحصر في القرآن الكريم، بل إنّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ كان ربما قام بإتيان بعض المعجزات في مناسبات مختلفة بهدف إقناع الناس.
وفي هذا الصعيد يجب التذكيرُ بأن ثمّت محاسبةً عقليّةً تثبت أساساً وجودَ معاجزَ لرسولِ الإسلام عدا القرآنِ الكريم. فالنبيُّ الأكرمُ  ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ تحدّث عن (9) معاجز للنبيّ موسى ـ عليه السَّلام ـ ([19] ) وعن (5) معاجز للنبي عيسى ـ عليه السَّلام ـ كذلك([20] ).
فهل يمكن أنْ نقبل بأنْ يكون رسولُ الإسلام أعلى وأفضل من الأنبياء السابقين، وخاتمهم، وأنّه أثبتَ معاجز عديدة للأنبياءالسابقين، ومع ذلك لا تكون له إلاّ معجزة واحدة؟ترى أما كانَ الناسُ ـ وهم يَسمعون بصُدُور كل تلك المعجزات عن الأنبياء السابقين ـ يتمنّون صدورَ معاجز مختلفة ومتنوّعة على يد رسول الله ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ ، ولا يكتفون برؤية معجزة واحدة فقط؟؟!
وكيف لا تكون لرسول الله ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ معاجز سوى «القرآن الكريم» وهذا هو القرآنُ نفسُه يثبت صدور معاجز متعددة على يد رسول الله ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ نشير إليها فيما يأتي:
ألف : شَقّ القَمَر : عندما اشترط المشركون إيمانهم برسول اللهِ ودعوته بشقّ القَمَر نصفين، قام النبيُّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ بذلك بإذن الله تعالى، كما يقول القرآن الكريم:
( إقْتَرَبَتِ السّاعَةُ وانْشَقَّ القَمَرُ * وإنْ يَرَوْا آيَةً يُعرضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسَتمِرٌّ) ([21] ) .
إنّ ذيلَ هذه الآية شاهدٌ واضحٌ على أنّ المقصود من الآية ليس هو انشقاق القمر في يوم القيامة بل يرتبط بعصر النبيّ الأكرمِ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ .
ب : المعراج: إنّ عروجَ رسول الله ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ في ليلة واحدة من المسجد الحرام في مكة المكرَّمة إلى المسجد الأقصى في فلسطين، ومنه إلى السَّماء، وقد تمّت هذه الرحلة الفضائيّة العظيمة في مُدّة قصيرة جداً، يُعتَبَرُ هو الآخر من معاجز رسول الإسلام التي ذُكِرتْ في القرآن الكريم.([22] )
على أنّ قُدرة الله أقوى وأسمى من أن تحول العواملُ الماديةُ والطبيعيةُ دون تحقّق معراج نبيه الكريم إلى العالَم الأعلى، ووقوعه.
ج : مباهلته مع أهل الكتاب: لقد قام رسول الإسلام ـ بهدف ـ إثبات حقّانيّته، وصدق دعوته بدعوة طائفة من أهل الكتاب إلى «المباهلة» وقال: ( فَمَنْ حاجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ ما جاءَك مِنَ العِلْمِ فقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أبناءَنا وأَبْناءَكُمْ ونِساءَنا وَنِسَاءَكُمْ وأنفُسَنَا وأنفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَعْنَتَ اللهِ عَلَى الكاذِبِين) ([23] ) .
ومن المُسَلَّم أنّ المباهَلة تنتهي بفناء أحد الفريقين المتباهِلَيْن، ولكنّ النبيَّ مع ذلك أعلن عن استعداده لذلك، فكانت النتيجةُ أنَّ أهلَ الكتاب لمّا شاهَدوا قاطعيّة النبي، وثباته العجيب، وكيف أنّه أتى بأعزّ أقربائِهِ إلى ساحة «المباهَلَة» من غير خوف أو تهيّب، انسحَبُوا، وقبلوا شرائط النبيّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ .
ولقد قلنا عند الحديث عن الإخبار بالغَيب أن السيدَ المسيحَ ـ عليه السَّلام ـ كان يخبر عن الغيب([24] ) وقد أخبر النبيُّ الأكرمُ محمدّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ عن الغيب عن طريقِ الوحي كذلك، ومن إخباراته: الإخبار بغَلَبة الروم على الفرس([25] ) وبفتح مكة([26] ) .
إنّ هذه المعاجز هي التي ذَكَرَها القرآن الكريم، وأمّا ما ذكرهُ المؤرّخون والمحدّثون المسلمون من معاجز أُخرى لرسول الله ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ ، فيفوق ما جاء ذكرُه في القرآنِ الكريمِ، وهي وإنْ لم تكن ـ في الأغلب ـ متواترة إلاّ أنّه يتمتع مجموعُها بتواتر إجمالي.

[1] . الإسراء / 88 .
[2] . هود / 13 .
[3] . البقرة / 23 .
[4] . مستدرك الحاكم 2 / 50 .
[5] . العنكبوت / 48 .
[6] . النحل / 103 .
[7] . النحل / 103 .
[8] . النساء / 82 .
[9] . الكافي: 1 / 59 .
[10] . الرعد / 2 .
[11] . الذاريات / 49 .
[12] . الروم / 2 ـ 4 .
[13] . السيرة النبويّة لابن هشام ، ج 1، ص 209 .
[14] . راجع الكتب التاريخية في هذا المجال.
[15] . السيرة النبويّة لابن هشام ج 1، ص 359 ـ 360 .
[16] . البقرة / 146 .
[17] . الصف / 6 .
[18] . وقد دُوّنت كتبٌ تجمع بشاراتِ العهدين بمجي رسول الإسلام، وتبحث حولها وللمثال راجع في الصدد كتاب «أنيس الأعلام».
[19] . انظر سورة الإسراء / 101 .
[20] . انظر آل عمران / 49 .
[21] . القمر / 1 ـ 2 .
[22] . انظر الإسراء / 1، والنجم / 7 ـ 18 .
[23] . آل عمران / 61 .
[24] . انظر آل عمران / 49 .
[25] . انظر الروم / 2 .
[26] . انظر الفتح / 27 .