قائمة المواضيع :
في معالم الإيمان والكفر
الأصلُ العشرون بعد المائة: حدّ الإيمان والكُفر
إنّ حدَّ «الإيمان» و «الكُفر» من المباحث الكلاميّة والإعتقادية الهامّة جدّاً.
فالإيمان في اللُّغة يعني التّصديق و «الكُفر» يعني السَتر، ولهذا يُقال للزارع «كافر» لأنّه يستر الحبَّةَ بالتراب، ولكن المقصود من «الإيمان» في المصطلَح الدينيّ (وفي علم الكلام والعقيدة) هو الإعتقاد بوحدانيَّة الله تعالى، والآخرة ورسالة النبي الخاتم محمّد المصطفى ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ .
على أنَّ الإيمان برسالة النبيّ الخاتِم يشمُلُ الإيمانَ بِنبوّة الأنبياء السابقين عليه، والكتب السّماوية السابقة، وما أتى به نبيُّ الإسلام من تعاليم وأحكام إسلاميّة للبشر من جانب الله أيضاً.
إنّ المكان الواقعي والحقيقي للإيمان هو قلب الإنسان وفؤادُه كما يقول القرآن:
( أُولئِكَ كَتَبَ في قُلُوبِهِمُ الإِيمَانَ) ([1] ) . كما أنّه يقول لسُكّان البَوادي الذِين استسْلَمُوا لِلحاكميّة الإسلامية وسلطتها من دون أن يَدخلَ الإيمانُ في أفئدتِهِم:
( وَلَمَّا يَدْخُلِ الإيمانُ في قُلُوبِكُمْ) ([2] ) .
ولكنّ الحكمَ بإيمان الشخص مشروطٌ بأن يعبّر عن ذلك بِلسانه وإقرارِهِ اللفظي أو يُظهِرَه بطريق آخر، أو لا يُنكر اعتقادَه به على الأقل، وذلك لأنّ في غير هذه الصورة لا يُحكم بإيمانِهِ كما قال :
( وَجَحَدُوا بِها وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ) ([3] ) .
في ضوءِ هذا يكونُ قد تبيَّنَ معنى «الكفر» وحدّه أيضاً، فاذا أنكر شخصٌ وحدانيّةَ الحقِّ تعالى، أو أنكرَ يومَ القيامة، أو رسالة النبيّ الأكرم ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ حُكِمَ بكفره حتماً، كما أنّ إنكار أحد مسلّمات الدين المحمديّ وضروريّاته التي يكون إنكارها مستلزِماً لإنكار رسالةِ النبيّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ بشكل واضح يجعلُ الإنسانَ محكوماً بالكفر أيضاً.
فعندما أعطى رسولُ الله ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ الراية لعلي ـ عليه السَّلام ـ لفتحِ قِلاعِ خيبر، وأخبرَ الناسَ بأن حاملَ هذه الراية سيفتح خيبراً، في هذه اللحظة قال الإمامُ عليٌ  ـ عليه السَّلام ـ لرسول اللهِ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ : يا رسولَ الله على مَ أُقاتلهُمْ؟؟
فقال النبيُّ  ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ : «قاتِلْهُمْ حَتّى يَشهَدُوا أنْ لا إِله إلاّ اللهُ وأنّ محمداً رسولُ الله، فإذا فَعَلُوا ذلك فقد مَنَعوا مِنْكَ دِماءَهُمْ وأموالَهم إلاّ بحقها، وحسابُهم على الله».([4] )
وسَأَلَ شخصٌ الإمامَ الصادق ـ عليه السَّلام ـ فقال: ما أدنى ما يكونُ به العَبدُ مُؤمِناً؟
قالَ ـ عليه السَّلام ـ : «يَشْهَد أن لا إله إلاّ الله، وأنّ مُحمداً عبدُهُ ورسولهُ، ويُقرّ بالطّاعَةِ، ويعرف إمامَ زمانِهِ، فاذا فَعل ذلكَ فَهُو مؤمِنٌ».([5] )
الأصلُ الواحدُ والعشرون بعد المائة: الإيمان مشروط بالالتزام بالعمل الصالح
إنّ حقيقةَ الإيمان وان كانت هي الإعتقاد القلبي (المشروط بالإظهار أو عدم الإنكار على الأقلّ) ولكن يجب ان لا يُظَنَّ أنّ هذا القَدَر من الإيمان كاف في فلاحِ الإنسانِ، بل يجب على الشَخْصِ أن يَلتَزِمَ بلوازم الإيمان وآثاره العَمَليّة أيضاً.
ولهذا فقد وُصِف المؤمنُ الواقعي وعُرّف في كثير من الآيات والرّوايات بأنه الملتزم بآثار الإيمان، والمؤدّي للفرائض الإلهيّة.
فقد اعتبر القرآنُ الكريمُ في سورة «العصر» كلّ الناس في خسر إلاّ من اتّصف بالصّفات التالية حيث قال:
( إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ وَتَواصَوْا بِالحَقّ وَتَواصَوْا بِالصَّبرِ) ([6] ) .
وقد روى الإمامُ الباقر  ـ عليه السَّلام ـ  عن الإمام علي ـ عليه السَّلام ـ أن رجلاً قال له: من شهد أن لا إله إلاّ اللهُ وأنّ محمّداً رسولُ الله ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ كانَ مؤمناً؟
قال: «فأينَ فرائضُ الله»؟([7] )
وَقال ـ عليه السَّلام ـ  أيضاً: «لو كانَ الإيمان كلاماً، لم ينزلْ فيه صومٌ، ولا صلاةٌ، ولا حلالٌ، ولا حرام».([8] )
فيُستنتَج من البَيان السابق أنّ الإيمان ذو مراتب ودَرَجات، وأنّ لكلِ مرتبة أثراً خاصّاً بها، وأن الاعتقاد إذا اقترن بالإظهار أو عدم الإنكار على الأقل، كان أضعف مراتب الإيمان وأدونها، وتترتّب عليه سلسلةٌ من الآثار الدِينيّة، والدنيويّة، في حين أن المرتبة الأُخرى للإيمان التي توجب فلاحَ الإنسان في الدنيا والآخرة رهنٌ للإلتزام بآثاره العمليّة.
والنقطة الجديرةُ بالِذّكر هي أنّ بعضَ الروايات اعتبرت العَمَلَ بالفرائض الدينيّة ركناً من أركان الإيمان، فقد روى الإمامُ الرضا ـ عليه السَّلام ـ عن رسولِ الله ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ أنّه قال: «الإيمان معرفة بالقلب وإقرارٌ باللسان وعملٌ بالأركان»([9] ).
وفي بعضِ الرّوايات جُعِلَت أُمور، مثل إقامة الفرائض، وأداء الزكاة والحج، وصومِ شهرِ رمَضَان، إلى جانب الشهادتين أيضاً.([10] )
إنّ هذه الروايات إمّا هي ناظرةٌ إلى أنّه يمكن تمييز المسلم عن غير المسلم بواسطة هذهِ الأَعمال، أو أنّ ذكرَ الشهادتين إنّما يكونُ سبباً للنجاة وموجباً للفلاح إذا اقترنَت وانضمّت إلى أعمال شرعية أهمُّها وأبرزُها: الصلاةُ، والزكاةُ، والحجُ، والصوم.
بالنَظَر إلى هذين الأصلين يجب أن لا تُكَفِّرَ أيَّةُ فِرقة من فِرَقِ المسلمين الفرقةَ الإسلامية الأُخرى التي تخالفُها في بعض الفرُوع، لأنّ ملاكَ «الكُفر» هو أنْ ينكرَ الشخصُ أحدَ الأُصول الثلاثة، أو إنكار ما يلزَمُ من إنكاره إنكار أحَدِ الأُصول الثلاثة المذكورَة، وهذه الملازمة إنّما تتحقَّق إذا كان حكمُ ذلك الشيء بديهيّاً من وجهة نظرِ الشَرع، وواضحاً جِدّاً إلى درجة أنّه لا يستطيع أنْ يجمعَ بين إنكاره والاعترافِ بالأُصول الثلاثة.
وعلى هذا الأساس ينبغي للمسلمين أن يحفظوا في جميع المراحل أُخوَّتَهم الإسلاميَّة، ولا يَسْمَحُوا بأنْ يَصيرَ الاختلافُ في الأُمور المتعلّقة بالاُصولِ سبباً للنزاع، وربّما لتفسيقِ أو تكفير فرقة لأُخرى، وأن يكتفوا في الاختلافات الفكريّة والعقيديّة بالحوار العلميّ والمناقشة الموضوعيّة، ويتجنَّبوا إقحام التعصُّب غير المنطقيّ، والإتهام والتحريف في هذا المجال ابقاءً على الصّفاء والمودّة بين المسلمين.
الأَصلُ الثاني والعشرون بَعدَ المائة: لا يجوز تكفير المسلم المعتقد بالأُصول الثلاثة
إنّ المسلمين في عالمنا الراهن يتّفقون في الأُصُول الأساسية الثلاثة([11] )، فيلزمُ أنْ لا يكفِّرَ فريقٌ فريقاً آخر بسبب الاختلاف في بعض الأُصولِ، أو الفروع الأُخرى، وذلك لأَنَّ الكثيرَ من الأُصول المختَلف فيها، هي في الحقيقة من القضايا الكلاميّة التي طرِحَت على بساط البحثِ والمناقشة بين المسلمين فيما بعد، ولكَلِّ فريق منهم أدلّتهُ وبراهينهُ فيها.
وعلى هذا لا يُمكن أن يُتّخَذَ الاختلافُ في هذه المسائل وسيلةً لتكفير هذه الفرقة، أو تلك أو ذريعة لتفسيق هذه الطائفة، أو تلك، ولا سبباً لِتفتيت وحدةِ المسلمين.
إنّ أفضلَ الطُرق لحلّ هذا الإختلاف هو الحوارُ العلميُّ بمنأى عن العَصَبيّات الجافّة، وَالمواقف المتزمّتة وغير الموضوعية.
يقول القرآنُ الكريمُ في هذا الصَّدَد:
( يا أيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُواْ إِذَا ضَرَبْتُمْ فِى سَبِيلِ اللهِ فَتَبَيَّنُواْ وَلاّ تَقُولُوا لِمَنْ أَلقَى إِلَيْكُمُ السَّلاَمَ لَسْتَ مُؤْمِناً) ([12] ) .
ولقد صرّح النبيُ الأكرمُ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ  بعد ذكرهِ لأهَمّ أُسُس الإسلامِ وأُصُوله، بأنَّه لا يحقُّ لمسلم أنْ يُكفّرَ مُسلماً آخر لارتكابه معصية، أو يرميَه بالشرك، إذ قال:«لاتُكَفّروُهُمْ بِذَنب ولاتَشْهَدُوا عليهِم بِشِرْك»([13] ).
الأصلُ الثالث والعشرون بعد المائة: البدعة
«البِدعة» في اللغة تعني العَمَل الجديد والذي لاسابق له، الذي يبيّن نوعاً من الحُسن والكمال في الفاعل، فلفظ «البديع» من صفات الله كما نعلم كما، قال تعالى:
( بَدِيعُ السَّمَوتِ وَالأَرضِ) ([14] ) .
وأمّا المفهومُ الإصطلاحيّ للبدعة، فهو أيضاً نسبةُ ما ليس من الشريعة إلى الشريعة، وأكثر التعاريف اختصاراً للبدعة الإصطلاحيّة هو: «إدخالُ ما ليسَ مِنَ الدّيِنِ في الدينِ».
إنَّ الابتداع في الدين من الذُنوب الكبيرة، وهو مما لا شك قط في حرمته فقد قال رسولُ الله ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ : «كلُّ مُحدَثَة بِدعَة وكلُّ ضَلالة في النّار»([15] ).
والنقطةُ المهمّة الوحيدةُ في مسألة البِدعة هي أن يُحدَّدَ مفهومُ «البِدعة» بصورة جامِعة ومانِعة ليمكن تمييزُ ما هو بدعةٌ عمّا ليس ببدعة.
وفي هذا الصَّعيد، ولإزالة الإبهام عن حقيقة «البدعة» يجب الالتفات والانتباه إلى نقطتين:
1. إنّ البِدعة نوعٌ من التصرّف في الدِين، وذَلك بإحداث الزيادة أو النقص فيه. وعلى هذا الأساس إذا لم يَكُن إحداثُ شيء، مما يرتبطُ بالدِّين والشريعة، بل كان أمراً عاديّاً أو عُرفيّاً لم يكن بدعةً (وإن كانت مشروعيّته مشروطة بأن لا يكونَ الابتداع والإبتكار المذكور محرَّماً أو ممنُوعاً في الشرع بدليل خاص).
وللمثال: إن البشريّة تبتكرُ باستمرار أساليب جديدة في مجال المسكن والمَلبس وغير ذلك من وسائل العيش وخاصّة في عصرنا الحاضر الذي تتطور فيه الأساليب والأدوات المستخدَمة في المعيشَة باستمرار، وبشكل متواصل ونضربُ على ذلك مثلاً أنواع النزهة والرياضة الجديدة، بل والمتجدّدة على الدوام.
إنّ من البديهي أنّ كلَّ هذه الأشياء والأُمور نوعٌ من البدعة والأُمور البديعة (بمعنى ما لم يكن له سابق) ولكنها لا صلة لها بالبدعة المصطلَح عليها شرعاً.
إنّما تتوقَّفُ حليّتُها وحليّةُ الاستفادةِ منها ـ كما قلنا ـ على أن لا تكونَ مخالِفةً لأحكام الشَرع وموازينه.
فمثلاً اختلاط الرجلِ والمرأة من دون حجاب في المجالس، والمحافل ـ الذي هو من مستورَدات الغرب الفاسد، ومعطيات ثقافته المنحرفة ـ حرامٌ، إلاّ أنّه ليس ببدعَة، لأنّ الذين يشتركونَ في هذه المحافل لا يأتونَ بهذا العمل باعتباره عملاً أقرّ الشرعُ الإسلاميُ صحَّته وقرَّره، بل ربما أتَوا به من بابِ اللاّمبالاة مع الإعتقاد بأنّه مخالفٌ للشرع ولهذا ربما تنبَّهوا وعادوا لرشْدهِمْ فقرّرُوا بجديّة تركَه، وعدم الإشتراك فيه.
وإنطلاقاً من التوضيح السابقِ إذا عيَّنَ شعبٌ مّا يوماً، أو بعض ا لأيّام للفَرحَ والإبتهاج والاجتماع، ولكن لا بقصد أنّ الشَرع أمرَ بهذا لم يكن مثل هذا العمل (بدعة) وإن كانت حليّةُ أو حرمة هذا العمل من جهات أُخرى يجب أن تقع محطّاً للبحث والدراسة.
من هنا اتّضح أنَّ الكثيرَ من مبتكرات البشر، وبدائعه، في مجال الفنّ والرياضة، والصناعة وغير ذلك خارجٌ عن نطاق البدعة الاصطلاحية، وما يقالُ حول حرمَتها، أو حليّتها، إنّما هو ناشئ من جهات أُخرى ولهما ملاكٌ ومقياسٌ خاص.
2. إنّ أساس «البدعة» في الشرع يرجع إلى نقطة واحدة وهي الإتيان بعمل بزعم أنّه أمرٌ شرعيٌّ أمَرَ به الدين في حين لا يوجد لمشروعيته أيُّ أصل ولا ضابطة، ولكن اذا أَتى بعمل على أنّه أمر شرعي ويدل على مشروعيته دليل شرعي (بشكل خاص، أو بصورة كليّة وعامّة) لم يكن ذلك العملُ بدعةً.
ولهذا قالَ العالِمُ الشيعيُّ الكبيرُ العلاّمةُ المجلسي: «البدعة في الشرع ما حَدَثَ بعد الرَسول ولم يكن فيه نصٌّ على الخصوصِ ولا يكونُ داخلاً في بعضِ العمومات».([16] )
وقال ابن حجر العسقلانيّ: «البِدعة ما أُحدِثَ وليسَ لهُ أصلٌ في الشَرعَ. وما كان له أصلٌ يدل عليه الشرع فليس بِبِدعة»([17] ).
فإذا كان العملُ الذي نَسَبْناه إلى الشرع يستندُ إلى دَليل خاصّ، أو ضابطة كليّة في الشرع لم يكن بدعةً حتماً.
والصورةُ الأُولى (أيْ وجود الدليل الخاص) لا يحتاج إلى بيان.
إنّما المهم هو القِسم الثاني لأنّه ربَّ عَمَل كانَ في ظاهرهِ عَملاً مبتدَعاً جديداً ومبتكراً، ولم تكن له سابقةٌ في الإسلام، ولكنّه في معناه وحقيقتهِ يدخُلُ تحت ضابطة أقرَّها الشرعُ الإسلاميُّ بصورة كليّة.
ولِلمثال: يمكنُ الإشارة إلى التجنيدِ الإجباريّ العامّ المتداوَلِ اليوم في أكثر بُلدانِ العالم.
فإنَّ دعوةَ الشباب إلى خدمة العَلَم كوظيفة دينية، وإن كانت في ظاهرها عَمَلاً مبتكراً ومبتدعاً إلاّ أنّها حيث تنخرطُ تحت أصل أو قاعدة دينيّة لا تُعدّ بِدعة، وذلك لأنّ القرآنَ الكريمَ يقول:
( وأعِدّوا لهُمْ ما استَطعتُمْ من قُوَّة) ([18] ) .
ومن البديهيّ أنّ التربية العَسكرِيّة العامة للشباب ـ تُعدُّ في ظلّ التحوُّلات والتَطَوّرات والأجواء العالميّة ـ سبباً للتهَيّؤ الأكثر في مقابلِ العدوّ المتربّص، والعملُ بروح الآية المذكورة في عصرنا الراهنِ يقتضي هذا الأمر. في ضوء البيان السابق يمكن حلّ ومعالجة الكثير من الشُبهات التي تقيّد البعضَ وتعيقهم عن الحركة.
ونضرب لذلك مثلاً: ما يقومُ به جماهيرُ المسلمين العظمى من الإحتفالِ بمولدِ النبيّ الأكرم ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ ويراهُ البَعض أو يسمّونه بِدعة، في حين لا ينطبق عليه عنوان البدعة وملاكُها، في ضوء ما قلناه، لأنّه على فرضِ أنّ هذا النمطَ من التكريم وإظهار المحبّة والتكريم لم يَردْ في الشرع بخصوصهِ. ولكنَّ موَدّة النبيّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ  وحُبَّه وحبَّ أهل بيته المطهَّرين سلام الله عليهم أجمعين يُعتبر أحد أُصول الإسلام الضروريّة وتُعتَبَر هذه الإحتفالات والإجتماعات الدينية البهيجة مِن مظاهر ذلك الأصل الكليّ ونعني المحبة والمودة للنبي وآله.
فقد قال رسولُ الله ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ : «لا يؤمِنُ أحدُكم حتّى أكونَ أحبَّ إليه مِن مالِهِ وأهْلِهِ والناسِ أجمعين»([19] ).
ولا يخفى أن الذين يُظهِرُون البَهجة والفرح في مواليد رسول الله ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ وأهل بيته الطاهرين، ويقيمون لأجل هذه الغاية، الاحتفالات والمجالس لا يهدفون من إقامة الإحتفال في هذه الأيام إلى أنّ هذه الأعمال منصوصٌ عليها ومأمُور بهِا شرعاً بعينها وشكلها الراهن، بل يفعلون هذه الأعمال باعتقاد أنّ حُبَّ النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ  والمودّة لرسول الله وأهل بيته أصلٌ كلّيٌ وَرَدَ التأكيد عليه في الكتاب والسُّنة بتعابير مختلِفة ومتنوّعة. إنّ القرآنَ الكريم يقول: ( قُلْ لا أسْئَلُكُمْ عَليه أجراً إلاّ المودّة في القَربى) ([20] ) .
وهذا الأصلُ يمكن أن تكونَ له تجلياتٌ ومظاهرُ مختلِفة ومتنوّعة، منها إقامة هذه الاحتفالات البهيجة على حياة المسلمين الفرديّة والإجتماعية، فأنّ إقامة الإحتفالات، في الحقيقة مما يذكّرِ بنزول الرحمةِ والبركةِ الإلهيّة في هذه الأيّام، وهي نوعٌ من أنواع الشُكر لله تعالى أو عملٌ باعث عليه، وهذا المطلب (إي اقامة الاحتفال في يوم نزول الرحمة والفيضِ الربانيّ) كان في حياة الأُمم السابقة أيضاً كما يصرّحُ بذلك القرآنُ الكريمُ.
فقد طلَبَ النبيُّ عيسى ابنُ مريم ـ عليه السَّلام ـ مائدةً سماويّة تنزلُ عليه وعلى حواريّيه ليكونَ يومُ نزول تلك المائدة عيداً للجيل الذي كان يعيش بينهم، وللأجيال اللاحقة كما يقولُ تعالى:
( قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنزِلْ عَلَيْنَا مَائدَةً مِنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيداً لأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَءَايَةً مِنكَ) ([21] ) .
أضف إلى ذلك انّ الله تعالى يقول في آية أُخرى في مجال تكريم النبي الأكرم ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ :
( فَالَّذِينَ ءَامَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَئكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) ([22] ) .
فإنّ الله تعالى يأمر الناسَ في هذه الآية بأربعة أُمور:
1. الإيمان بالنبيّ (آمَنُوا بهِ).
2. تكريم النبيّ وتعظيمه (عَزّرُوهُ).
3. نصرته (نَصَرُوه).
4. إتّباع القرآن (واتَّبَعُوا النُّور الذي أُنزِل مَعَهُ...).
فلزومُ التكريم والتعظيم للنبيّ كما هو واضح أصلٌ دينيٌّ وقرآنيّ، وله في كل زمان مصاديق ومجالي خاصّة: فالصلاةُ والسلام على النبيّ وأهلِ بيته عند ذكر اسمِهِ، وإظهارُ الفرح والابتهاج يومَ ولادته وبعثته، وكذا إعلانُ الحزنِ والأسى في مأتمه ومأْتم أهل بيته، وحفظُ آثارِ النبيّ وتعمير مرقده الطاهر وحفظُ آثار أهل بيته، وتعميرُ مراقدهم الطاهرة، كلّها وكلُّها مصاديقُ لإظهار المودّة والمحبّة للنبيّ الأكرم وعترتِهِ الطاهرة صلواتُ الله عليهم أجمعين.
على أنّه يجب أن لا يتصوَّر أحَدٌ بأنّ محبّة النبيّ وأهل بيته ومودّتَهم تنحصرُ في هذه الأُمور فقط، بل يجب الإنتباه إلى أنّ اتّباعَهم في أقوالهم وأفعالهم، والذي جاءَت الأشارة إليه في الآية أدناه أيضاً هو من أظهر مصاديق محبّتهم ومودّتهم، كما انّه سببٌ لنيلِ العِناية الإلهيّة واللطفِ الربانيّ كما قال: ( قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبوُّنَ اللهَ فَاتَّبِعُوني يُحبِبْكُمُ اللهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُم) ([23] ) .
والبِدعَة ـ كما أسلَفْنا ـ عبارةٌ عن نوع من التصرّف في الدّين من دون أن يكون له مستندٌ صحيحٌ (خاصٌّ أو كلِّيٌ عامٌّ) في الشرع، ويجب التنويه بأنّ روايات أئمةّ أهلِ البيت ـ عليهم السَّلام ـ  ـ بحكم حديث الثقلين المتواتر ـ تُعَدُّ من مصادر الشريعة، وأدلّةِ الأَحكام الدينيّة وعلى هذا الأساس إذا صرَّحَ الأئمةُ المعصومُون ـ عليهم السَّلام ـ بجواز أو عدم جواز شيء كان اتّباعهم في ذلك اتّباعاً للدِين ولم ينطبق عليه عنوانُ الإبتداع والإحداث في الدّين.
وفي الخاتمة نُذَكّر بأنّ «البدعة» بمعنى التَصَرُّف في الدين من دون إذن الله سبحانه كان ولا يزال عَمَلاً قبيحاً وحراماً وقد أشار إليه القرآن بقوله:
( ءَاللهُ أَذِنَ لَكُمْ أمْ عَلى اللهِ تَفْتَرُونَ) ([24] ) .
وعلى هذا الأساس لا يصحُّ تقسيم البِدعة (بهذا المعنى) إلى القبيح والحَسَن والحرامِ والجائزِ، بل كلُّها (بهذا المعنى) حرامٌ غير جائز.
نعم البِدعة بمعناها اللغويّ العامّ (أي الإتيان بأشياء حديثة في أُمور المعيشة من دون نسبة ذلك إلى الشرع) يمكن أن تكون له صُوَرٌ مختلفة ومتنوّعة، وتكون مشمولةً لأَحد الأحكام التكلِيفيّة الخمسة: (الوجوب والحرمة والكراهة والإستحباب والإباحة).
الأصلُ الرابع والعشرون بعد المائة: التقية
إنَّ أحَدَ التعاليم القرآنيّة هو أن يكتم الإنسانُ المسلمُ عقيدتَه إذا تعرَّضَ في نفسه، أو عِرضِه أو مالِه لِخطر لو أظهرها، ويُسمّى هذا العَمل في لسانِ الشَرع والمصطلَح الشرعيّ بالتقيّة.
إنّ جوازَ «التَقيَّة» لا يحظى بالدَّليل النقليّ فحسب، بل إنّ العقلَ يحكم أيضاً بصحّته ولزومه، ويَشهَد بذلك في شرائط حسّاسة، وخطيرة، لأنّ حفظ النَّفس، والمالِ، والعِرض، واجبٌ، ولازمٌ من جهة، وإظهارَ العقيدة والعمل وفقَ تلك العقيدة وظيفةٌ دينيّةٌ من جانب آخر، ولكن إذا جرَّ إظهارُ العقيدةِ إلى الخطر على النّفس والمال، والعرض، وتعارضت هاتان الوظيفتان عَمليّاً، حكم العقلُ السليمُ بأن يُقدِّم الإنسانُ الوظيفةَ الأهمّ على المهمّ.
والتقية ـ في الحقيقة ـ سلاحُ الضُّعفاء في مقابل الأقوياء القُساة، ومن الجَليّ أنّه إذا لم يكن خطرٌ ولا تهديدٌ لم يكتم الإنسانُ عقيدَتَه، كما لم يَعَمل على خلافِ معتقَده.
ينصُّ القرآنُ الكريمُ في شأن عَمّارِ بن ياسر على عدم البأس عمّن يَقعُ في أيدي الكفار، ويُظهرُ كلمة الكفر على لِسانِه للخلاص والنجاة، وقلبُه عامرٌ بالإيمان مشحونٌ بالإعتقاد الصِحيح:
( مَن كَفَرَ باللهِ مِن بَعْدِ إيمانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئنٌّ بِالإِيمانِ) ([25] ) . وَيقولُ في آية أُخرى:
( لاَّ يَتَّخِذِ المُؤمِنُونَ الكافرِينَ أَوليَاءَ مِن دُونِ المُؤمِنِينَ وَمَن يَفْعَل ذلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللهِ في شيء إِلاَّ أَن تَتَّقُوا مِنْهُم تُقاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللهُ نَفْسَهُ وإلى اللهِ المَصِيرُ) ([26] ) .
إنّ المفَسّرِين المسلمين يَتّفقون ـ عند ذِكرِ وتفسيرِ هاتين الآيَتين ـ على أنّ أصل «التَقيّة» أصلٌ مشروع.
ومن طالَعَ ـ ولو على عَجَل ـ ما جاء في التفسير والفقه الإسلاميّ في هذا المجال عَرفَ بوضوح أن أصلَ «التقيّة» من الأُصول الإسلاميّة، ولا يمكن تجاهلُ الآيتين المذكورَتين أعلاه، ولا عَمَل مؤمنِ آل فرعَون في كتمان إيمانِه([27] ) وإنكار «التقيّة» بالمرَّة.
والجَدير بالذّكر أنّ آياتِ «التقيّة» وإن وَرَدَت في مجال التَقيّة من الكافر إلاّ أنّ الملاكَ (وهو حِفظ نفسِ المسلم ومالهِ وعرضهِ في الظروف الحسّاسة والخطيرة) لا يختصُّ بالكفار، فَلَو استوجَبَ إظهار الشخص لعقيدته، أو العَمَل وفقها عندَ المسلمين، خوفَ ذلك الشخص على نفسهِ أو مالهِ أو عرضهِ أي احتَملَ بقوة تعرّضها للخَطَر من جانبِ المسلمين، جرى في المقام حكمُ «التقيّة» أي جاز له التقيّة من المسلمين كما جاز له التقيّة من الكفار، وذلِكَ لوحدة العلّة والمِلاك، وتحقّق الأمر الموجب للتقيّة. وهذا هو ما صَرَّحَ الآخرون به أيضاً فهذا هو الفخر الرازي يقول: إنّ مذهب الشافعي(رضي الله عنه)انّ الحالةَ بَين المسلمين إذا شاكَلتْ الحالةَ بَين المسلمِين والمشركين حَلَّتْ التقيّةُ محاماةً على النفسِ.
وقال: التقيّةُ جائزةٌ لصونِ النَّفسِ، وهل هي جائزةٌ لصونِ المال؟ يُحتَمل أنْ يُحْكَمَ فيها بالجواز لقولهِ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ : «حُرْمَةُ مالِ المُسْلِمِ كَحُرمةِ دَمِهِ» ولقولِهِ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ : «مَن قُتِلَ دُون مالِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ»([28] ).
وقال أبو هريرة: حَفِظْتُ مِن رسُول الله ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ وِعائَين، أمّا أحَدُهما فَبَثَثْتُهُ في النّاس، وأمّا الآخرَ فَلَوْ بَثَثْتُهُ لقُطِعَ هذا البَلعُومُ.([29] )
إنّ تاريخَ الخُلَفاء الأُمويّين والعَباسييّن زاخرٌ بالظلمِ والعَسْفِ، والحيْفِ والجَور.
ففي تلكَ الأيّام لم تكنِ الشيعةُ وحدَهم هُمُ المطرودُون، والمحجور عليهم بسببِ إظهار عقائِدِهم، بل سَلَكَ أغلَبُ محدّثيِ أهلِ السُّنّة في عَصرِ المأمون أيضاً مَسْلَكَ التقيّة في محنة «خَلْقِ القرآنِ» وَلم يخالف المأمونَ في خَلْق القرآنِ وحُدُوثهِ بعدَ صُدُور المرسُوم الخليفي العامّ، سوى شخص واحد، وقصَّتُهُ معروفةٌ في التاريخ وعامّة المحدّثين تظاهروا بالوفاق تقيّةً.([30] )
الأصلُ الخامسُ والعشرون بعد المائة: التقية واجبة في بعض الحالات فقط
إنّ التقيّة ـ حسبَ منطِقِ الشِيعَة ـ واجبة في ظروف خاصَة، إلاّ أنّها مُحرَّمةٌ في بعضِ الشروطِ أيضاً، ولا يجوز للإنسانِ في مثل هذهِ الشُروط أنْ يَستخدمَ التقيّة بحجّة أنّه قد يتعرّض نفسُه، أو مالهُ أو عرضُه للخطر.
فَقَد يَتَصوَّرُ بعضٌ أنّ الشِيعة يوجبونَ التَقيّة دائماً وفي جميع الحالات والظروف والأوضاع، والحال أنّ هذا تصوّرٌ خاطِئٌ، فإنّ سيرةَ أئمّة أهلِ البيت ـ عليهم السَّلام ـ لم تكنْ هكذا، لأنّهم، وبغية رعايةِ المصالحِ والمفاسِدِ كانوا يَسلكون في كلّ زمان موقفاً خاصّاً، وأُسلوباً مناسباً ولهذا نجدُهم كانُوا تارةً يتّخذون مَسلَك التقيّة اُسلوباً، وتارة أُخرى كانوا يُضحُّون بأنفسِهم وأموالِهم في سبيلِ إظهارِ عَقيدتهم.
ومما لا شك فيه أنّ أئمَّةَ الشّيعَة استشهدوا بالسَيف أو السُّمّ على أيدي الأعدْاء في حين أنّهم لو كانُوا يُصانِعُونَ حُكّام عصورهم ويجاروُنهم، لمَنحهمْ أُولئِك الحكّام أعلى المناصب، وأسمَى المَراتب في حكوماتِهم ولكنهم كانُوا يَعلموُن أنّ التقيّة قبال أُولئك الحُكّام (كيزيد بن معاوية مثلاً) كان يؤدّي إلى زوال الدّين، وهلاك المذهب.
وفي مِثل هذهِ الشُروط أمام القادة الدينيّين المسلِمين نوعان من الوظيفة:
أن يسلكوا مَسلَك التقيّة في ظروف خاصَّة، وأنْ يحملوا حياتهم على أكفّهِمْ ويَستَقْبلوا الموتَ في ظروف أُخرى، أي إذا وَجَدوا أساس الدِين في خطر جدّي.
وفي الخاتمة نذكّرُ بأنّ التقيّةَ أمرٌ شخصيٌ ويَرتبط بوضعِ الفرد، أو الأفراد الضعفاء العاجزين في مقابل العدوّ الغاشِم. فإنّ مثل هؤلاءِ إذا لم يَعْمَلوا بالتقيّة فَقَدوا حياتهم مِن دون أن يترتب أثرٌ مفيدٌ على مقتَلِهِمْ.
ولكن لا تجوز التقيّة مطلقاً في بيان معارف الدين وتعليم أحكام الإسلام مثل أن يكتُبَ عالمٌ شيعيٌ كتاباً على أساس التقيّة، ويذكرَ فيه عقائدَ فاسدة، وأحكاماً منحرفة على أنّها عقائدُ الشيعة وأحكامُهم.
ولهذا فإننّا نرى علماءَ الشيعة أظهروا في أشدّ الظروف والأحوال، عقائِدَهُمُ الحقَّة، ولم يحدُثْ طيلةَ التاريخ الشيعيّ ولا مرة واحدةً أن أقدَمَ علماءُ الشيعة على تأليف رسالة أو كتاب على خلافِ عقائدِ مذهبهِم، بحجّة التقيّة، وبعبارة أُخرى: أن يقولوا شيئاً في الظاهر، ويقولُوا في الباطن شيئاً آخر ، ولو أن أحَداً فَعَلَ مِثلَ هذا العملِ وسَلَكَ مثلَ هذا المسلَكَ أُخرِجَ من مجموعةِ الشيعةِ الإماميَّة.
وهنا نوصي الّذين يصعُب عليهم هضمُ مسألة التقيّة، وتقبُّل هذه الظاهرة، أوخَضَعُوا لِتأثير دعايات أعداءِ التشيُّع السيّئة، بأنْ يطالِعوا ـ ولو مرّةًـ تاريخَ الشيعة في ظلّ الحُكُومات أُموِيّةً، وعبّاسيّةً، وفي عصر الخلفاء العثمانيّين في الاناضول والشامات، لِيَعلَموا بَهاضةَ ما قَدَّمهُ هذا الفَريقُ من الثَمن للدّفاع عن العَقيدة وبِسَبب اتّباع أهلِ البَيت ـ عليهم السَّلام ـ ، وجَسامةَ ما قدّموه من تضحيات، وقرابين، وعظمةَ ما تحمّلوه من مصائبَ مرّة، حتى أنّهم ربّما هَجَرُوا بيوتهم ومنازلهم ولجأوا إلى الجبال.
لقد كانَ الشيعة على هذه الحال مع ما كانوا عليه من التقيّة، فكيف إذا لم يُراعُوا هذا الأصل..ترى هل كانَ يبقى من التَشيُّع اليومَ إذا لم يَتّقوا، أثرٌ أو خَبَرٌ؟
وأساساً لابُدَّ مِن الإنتباه إلى نقطة مهمّة وهي أنّه إذا استوجَبَت التقيّة لَوماً فإنّ هذا اللومَ يجب أن يُوجَّهَ إلى من تَسبَّبَها، لأنّ هؤلاء بَدَل إجراء العَدل ومراعاة الرأفةِ الإسلاميّة أوجَدوا أصعَب ظروف الكَبت السياسي والمذهبي ضِدّ أتباع أهل البيت النبويّ، لا أن يُلامَ مَن لَجَأ إلى التقيّة اضطراراً وحفاظاً على نُفُوسهم وأموالِهِم وأَعراضِهِمْ.
والَعَجَبُ العجاب في المقام هو أن يتوجَّه البعضُ باللَّوم والنقد إلى العاملين بالتقيّة المظلومين ووصفهم بالنفاقِ بدل توجيه ذلك إلى مسبّبي التقيّة، أي الظالمين، هذا مضافاً إلى أنَّ «النفاق» يختلف عن «التقيّة» كاختلافِ المتناقضين، والبَونُ بينهما شاسع وبعيدٌ بُعدَ السَّماءِ عن الأرض.
فالمنافِقُ، يُبْطِنُ الكُفْرَ في قَلبهِ ويُظهِرُ الإيمانَ لِغَرض التجسس على عورات المسلمين أو الوصول الى منافع لا يستحِقها، في حين يكونُ قلبُ المسلم في حال التقيّة مفعماً بالإيمان، وإنما يُظهرُ خلاف ما يعتقد  لعلّة الخوف من الأذى، والاضطهاد.
الأصلُ السادسُ والعشرون بعد المائة :التوسّل
إنّ حياةَ البَشَر قائمةٌ على أساس الاستفادة من الوسائل الطبيعيّة والإستعانة بالأسباب، التي لِكلّ واحد منها أثرٌ خاصٌ.
فَكُلُّنا عندما نعطش نشربُ الماء، وعندما نجوعُ نأكلُ الطعام، وعندما نريد الانتقالَ من مكان إلى آخر نستخدم وسائلَ النَقل، وعندما نريد إيصال صوتنا إلى مكان نستخدم الهاتفَ، لأنّ رفعَ الحاجة عن طريق الوسائل الطبيعيّة ـ بشرط أن لا نعتقد بإستقلالها في التأثير ـ هو عينُ «التوحيد» ومن صميمه.
فالقرآنُ الكريمُ وهو يُذكّرُنا بقصّة ذي القرنين في بنائه للسدِّ يُخبرُنا كيف طلب العونَ والمعونة من النّاس إذ قال: ( فَأَعِينُونِي بِقُوَّة أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْماً) ([31] ) .
وإنّ الذين يُفسّرُون الشركَ بالتعلُّق والتوسُّل بغير الله، إنَّما يصحُّ كلامُهم هذا إذا اعتقد الإنسانُ بتأثيرِ الوسائل والأسباب على نحوِ الإستقلال والأصالةِ.
وأمّا إذا اعتقد بأنَّها تؤثّر بإذن الله فإنّه سينتهي حينئذ إلى نتيجة لا تُخرِجُه عَن مسيرِ التوحيد.
ولقد قامَت حياةُ البشرية من أوّل يوم على هذا الأساس والقاعدة أي على الاستفادة من الوسائل والوسائط الموجودة، ولم يزل يتقدم في هذا السبيل.
والظاهر أنّ التَوَسُّل بالأسباب والوسائلِ الطبيعيّة لِيس مَحَطّاً للمناقشة والبحث، إنّما الكلام هو في الأسباب غير الطبيعيّة التي لا يعرفها البَشرُ، ولا سبيلَ له إليها إلاّ عن طريق الوحي.
فإذا وُصِفَ شيءٌ في الكتاب والسُّنة بالوسِيلِيَّةِ كانَ حكمُ التوسّل به نظير حكم التوسّلِ بالأُمور الطبيعيّة.
وعلى هذا الأساس فإنّنا إنّما يجوز لنا التوسل بالأسباب غير الطبيعيّة إذا لاحَظنا مطلبين:
1. إذا ثَبَتَ كونُ ذلك الشيء «وسيلةً» لنيل المقاصد الدنيويّة أو الأُخروية بالكتاب أو السنة.
2. إذا لم نعتقد بأيّة أصالة أو استقلال للوسائل والأَسباب، بل اعتبرنا تأثيرها منوطاً بالإذنِ الإلهي والمشيئةِ الإلهيّة.
إنّ القرآنَ الكريمَ يدعونا إلى الإستفادة من الوسائل المعنوية إذ يقول:
( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَابْتَغُوا إِليْهِ الوَسِيلَةَ وجاهِدُوا فِى سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) ([32] ) . هذا ويجب الإنتباهُ إلى أنّ «الوسيلة» لا تعني (التقرُّب) بل تعني الشيء الذي يوجب التقرّبَ إلى الله، وأحَد هذه الطرق هو الجهادُ في سبيل الله الذي ذُكِرَ في الآية الحاضِرة كما يمكن أن تكون أشياء أُخرى وسيلة للتقرّب أيضاً.([33] )
الأصلُ السابعُ والعِشرون بعد المائة: التوسُّل بأسماء الله الحسنى ودعاء الصالحين
ثَبَت في الأصلِ السابقِ أنّ التوسّلَ بالأسباب الطبيعيّة، وغير الطبيعيّة (بشرط أن لا تُصبَغ بصبغة الأصالة ولا يعتقد فيها بالإستقلال في التأثير) عينُ التوحيد، ولاشك في أنّ القيام بالواجباتِ والمستحبّاتِ، كالصَّلاة والصَّوم والزَّكاة والجِهاد في سبيل الله وغير ذلك وسائل معنويّة تُوصِل الإنسان إلى المقصد الأسمى، ألا وهو التقرّبُ إلى الله تعالى.
فالإنسان  في ظلّ هذه الأعمال يجد حقيقة العبوديَّة، ويتقرّب في المآل إلى الله تعالى.
ولكن يجب الإنتباهُ إلى أنّ الوسائل غير الطبيعيّة لا تنحصر في الإتيان بالأعمالِ العبادِيّةِ، بل هناك سلسلة من الوسائل ذكرَت في الكتابِ والسُّنةِ يستعقبُ التوَسلُ بها استجابةَ الدعاءِ، نذكر بعضَها فيما يأتي:
1.التوسُّل بالأسماء والصّفات الإلهيَّة الحُسنى التي ورَدَت في الكتاب العزيز، والسُّنة الشريفة، إذ يقول سبحانه:
( وَللهِ الأسْماءُ الحُسْنى فادْعُوهُ بِها) ([34] ) .
ولقد وَرَدَ التوسُّل بالأسماء والصفات الإلهيّة في الأدعية الإسلامية كثيراً.
2. إن التوسُّل بأدعية الصالحين، والذين يكون أفضلُ أنواعه: التوسّلُ بالأنبياء والأولياء المقرّبين إلى الله، لِيَدعو للإنسان في محضر ذي الجلال.
إنّ القرآنَ الكريمَ يحثُّ الذين ظَلَموا أنْفُسَهم (أي العُصاة) إلى أن يذهَبوا إلى رسولِ الله ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ ويطلبوا منه أن يَستغفِرَ لهم، إلى جانب استغفارِهم هم بأنفسِهم، ويبشِّرُهم بأنّهم سيجدون الله توّاباً رحيماً:
( وَلوْ أنّهُمْ إذْ ظَلَمُوا أنْفُسَهُمْ جاءُوك فَاْستغَفُروا اللهَ واْسَتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لوجَدُوا اللهَ توّاباً رَحِيماً) ([35] ) .
ويَذمُّ في آية أُخرى المنافقين، بأنّهم كلّما دُعوا إلى الذهاب إلى رسول الله ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ لِيَستغفر لهم أعرَضوا عن ذلك إذ يقول:
( وَإذا قِيْلَ لَهُمْ تعالَوْا يَسْتغْفِرْ لَكُمْ رسُوْلُ اللهِ لَوَّوْا رُءُوسَهُمْ وَرَأَيتهُمْ يَصُدُّونَ وَهُمْ مُسْتكْبرُون) ([36] ) . ويُستفاد من بعض الآيات أنّه كان مثل هذا العَمَل جارياً ورائجاً في الأُمم السابقة.
وللمثال: طلبَ أبناءُ يعقوب من أبيهم أن يستغفرَ لهم، واستجاب لهم أبوهم يعقوبُ ـ عليه السَّلام ـ ووعدهم بذلك:
( يا أبانا اسْتَغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا إنا كُنّا خاطِئِين * قال سَوْفَ أسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَبِّي إنّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحيمُ) ([37] ) .
ومن الممكن أنْ يُقال أنّ التوسُّل بدعاء الصالحين يكون في صورة خاصّة عين التوحيد (أو على الأقلّ مفيداً ومؤثراً) وهي إذا كان من نتوسّلُ به على قيد الحياة.
أمّا إذا ماتَ الأنبياء والأولياءفكيفَ يكونُ التوسُّل بهم مُفيداً وعين التوحيد؟
في الجواب على هذا الإشكال لابدّ من التذكير بنقطتين:
ألف : إذا افترَضْنا أنّ التوسُّل بالنَبي أو الوليّ مشروطٌ بكونهم على قيد الحياة، ففي هذه الصورة يكون التوسُّل بالأنبياء والأولياء الإلهيّين بعد الموت مجرّد عمل غيرِ مفيد، لا أنّه يكون موجباً للشرك.
وقد غُفِلَ عن هذه النقطة الهامّة في الغالب، وتَصوّر البعض أنّ الموتَ والحياةَ رمزُ التوحيد والشرك! مع أنّ هذا الشرط (أي حياة النبيّ أو الولي عند توسُّلِ الآخرين به) ملاكٌ لكون التوسّل مفيداً أو غير مفيد، لا أنّه «ملاكٌ» لكون التوسُّلِ عَمَلاً توحِيديّاً أو شِركيّاً.
ب : إنّ تأثيرَ التوسّل وكونَه مفيداً يُشترط فيه أمران:
1. أن يكونَ الفردُ المتوسَّلُ به مُتصِفاً بالعلم والشعور والقدرة.
2. أن يكونَ بين المتوسّلِ، والمتوسَّل به ارتباط واتصال وكلا هذين الشرطين (الإدراك والشعور ووجود الارتباط بينهم وبين المتوسَّل بهم) موجودان في التوسّلِ بالأنبياء، وإن فارقت أرواحُهم أجسْادَهم وذلك ثابت بالأدلة العقلية والنقلية الواضحة.
إنَّ وجودَ الحياة البرَزَخيّة من المسائل القرآنيّةِ والحديثيّةِ المسلّمة الضَّرُوريّة، وقد مرّت أدلّتها في الأصل 107.
فإذا كانَ الشهداء الّذين قُتلُوا في سبيلِ الحقِّ أحياءً حسب تصَريح القرآن الكريم، فأولى أن يكون أنبياء الشهداء والأولياء المقرّبون أحياءً عند ربّهم ـ خاصة وانّ أكثرهم قد استشهد في سبيل الله ـ أيضاً بحياة أعلى وأفضل.
ثم إنّ هناكَ أدلةً كثيرةً على وجود الارتباط بيننا وبين الأولياء الإلهيين نذكر بعضَها:
1. إنّ جميع المسلمين يقولون في نهاية الصَلاة مخاطِبين رسول الله ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ : «السَّلامُ عَليكَ أيُّها النبيُّ ورحمةُ اللهِ وَبَرَكاتهُ».
فهل هم يقولون ما يقولونه لغواً وعبثاً؟ وهل النبيّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ  لا يسمع كلّ هذه التحيات وكل هذا السلام ولا يردّ عليها؟!!
2. إنّ النبيَ الأكرم أَمَر ـ في معركة بدر ـ بأن تلقى أجسادُ المشركين في بئر (قليب) ثم وَقَفَ يُخاطبهم قائلاً: لَقَد وَجَدْنا ما وَعَدنا ربُّنا حقاً، فهل وَجَدتُم ما وَعَدَكم ربُّكم حَقاً؟
فقال أحدُ أصحاب النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ : يا رسولَ الله أتكلم الموتى؟!
فقالَ النبيُ  ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ :«ما أنْتُمْ بأسَمعَ مِنْهُمْ»([38] ).
3. لقد ذَهَبَ رسولُ الله  ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ إلى البقيع مراراً وقال مخاطباً أَرواح الراقدين في القبور والأجداث: «السَلامُ على أهلِ الدّيار مِن المؤمِنين والمؤمِنات».
وفي رواية كان يقولُ: «السلامُ عليكمْ دارَ قوم مؤمِنين»([39] ) .
4. روى البخاريُ في صحيحهِ أنّه لما تُوفّي النبيُ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ دخل أ بو بكر حجرة عائشة ثم ذهبَ إلى حيث سُجِّيَ رسولُ اللهِ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ فكَشَفَ عن وجهِ رسولِ الله ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ وقَبَّلهُ ثم قال وهو يَبكي: بأَبي أنتَ يانبيَّ الله; لايجمعُ اللهُ عليكَ موتَتَين أمّا الموتة الأُولى التي كُتِبَتْ عَلَيْكَ فقد متّها([40] ).
وإذا لم يكن لرسول الله ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ حياةٌ برزخيّةٌ، ولم يكن بينه وبيننا أيُّ ارتباط فكيف خاطَبَه أبو بكر قائِلاً: يا نبيّ الله؟! 5. عندما كان الإمامُ عليٌ ـ عليه السَّلام ـ يغسّل رسولَ اللهِ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ ويجهّزه قال: انقطَعَ بموتِكَ ما لمْ يَنْقَطِعْ بموتِ غَيْرِك مِن النُبوَّة والإنْباءِ، وأخبارِ السماء بأبي أنَت وأُمّي اذكُرْنا عند ربِّكَ واجْعَلْنا مِن بالِكَ([41] ).
وفي الختام نُذَكّرُ بأنّ للتَوَسُّلِ بالأنبياء والأولياء صُوَراً مختلِفةً جاء شرحُها في كُتُبِ العَقائد.
الأصلُ الثامن والعشرون بعد المائة: البَداء
إنّ لله تعالى في شأنِ الإنسان نوعين من التقدير :
1. تقدير محتومٌ وقطعيٌّ لا يقبل التغييرَ والتبديلَ مطلقاً.
2. تقديرٌ معلَّقٌ ومشروطٌ وهو يتغيَّر ويَتَبَدّلُ مع فقدان بعضِ الشرائطِ، ويحلُّ محلَّه تقديرٌ آخرٌ.
وبالنَّظَر إلى هذا الأصْلِ نُذَكِّرُ بأن الإعتقاد بالبَداء هو أحَدُ الأُصول الإعتقاديّة الإسلاميّة الأصِيْلَة التي اتَّفَقَتْ جميعُ الفِرَقِ الإسلاميّة على الإعتقادِ بها إجمالاً، وإنْ أحجَمَ البعضُ عن استخدام لَفظة «البَداءِ» وهذا الإستيحاش من إستعمال لفظة «البَداء» لا يَضُرُّ بالقَضِيّة أيضاً، إذ أنّ المقصود هو بَيان محتوى «البَداء» ومعناه، لا لفظه واسمه.
إنّ حقيقةَ «البَداء» تقومُ في الحقيقة على أصلين: ألف : انّ لله تعالى قدرةً وسلطةً مُطلقةً، فهو قادرٌ على تغيير أيّ تقدير، وإحلالِ تقدير آخر محلَّه متى شاءَ، في حين يعلم سلفاً بكلا التقديرين، ولا سبيل لأيّ تغيير إلى عِلمه قط أيضاً، لأنّ التقديرَ الأوّل لم يكن بحيث يحدُّ من قدرةِ الله أو يَسلُبَ منه القدرةَ، فإنّ قدرة الله تعالى على خلاف ما تعتقِدُهُ اليهود من كَونها محدودةً لقولهم: ( يَدُ الله مَغْلُولَةٌ) ، قدرةٌ مطلقةٌ، أو كما قال القرآن:
( بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتان) ([42] ) .
وبعبارة أُخرى: إنّ خلاّقية الله وإعمال السُّلطة والقُدرة من جانبهِ تعالى مستمرٌ، وبحكم قوله تعالى: ( كلَّ يَوم هُوَ في شَأن) ([43] ) فالله تعالى لم يفرغ سبحانه عن أمر الخلقِ، بل عمليّة الخَلق لا تزال متواصِلة ومستمرة.
روى الصدوق باسناده عن الإمام الصادق ـ عليه السَّلام ـ : أنّه قال في قول الله عزّ وجل: ( وقالتِ اليهودُ يَدُ اللهِ مَغلُولةٌ) لم يعنوا أنّه هكذا، ولكنّهم قالوا قد فرَغَ من الأمر فلا يزيدُ ولا ينقص (أي في العمر والرّزق وغيرهما)، فقال الله جلّ جلالُه تَكذيباً لقولهم: ( غُلّتْ أيدِيهمْ ولُعِنُوا بِما قالُوا بل يَداهُ مَبْسُوطَتان يُنْفِقُ كيفَ يَشاءُ) . أَلم تسَمع الله عزَّ وجَلَ يقول: ( يَمْحُوا اللهُ ما يَشاءُ ويُثْبِتُ وعِنْدَهُ أُمُّ الكِتابِ) ([44] ) .([45] )
فالعقيدة الإسلاميّة تقومُ على أساس الاعتراف بقدرة الله المطلقة وسلطتهِ التي لا تُحدُّ، وبدوام خلاّقيته واستمرارها، وبأنّ الله تعالى قادر كلّما شاءَ ومتى شاء أن يُغيّر المقدَّرات المرتبطة بالإنسان في مجال العُمرِ والرِزقِ وغيرهما، ويُحلَّ مَحَلَّ ذلك مقدرات أُخرى، وكلا التقديرين موجودان في «أُمّ الكتاب». وفي علم الله سبحانه.
ب : إنّ إعمالَ القُدرةِ والسُّلطَة من جانبِ الله تعالى، وإقدامَه على إحلال تقدير مكان تقدير آخر لا يتمُّ من دون حكمة ومصلَحة، وان قسماً من هذا التغيير يرتبط في الحقيقة بِعَمل الإنسان وسلوكه، وإنتخابه، واختياره، وبنمط حياته الصالح أو السّيء، فهو بهذه الأُمور يهيِّئ أرضيّة التغيير في مصيره.
وَلْنفترض أنَّ إنساناً لم يراع ـ لا سمح اللهُ ـ حقوقَ والدَيه، فإن منَ الطبيعيّ أنّ هذا العَمل غير الصالح سيكونُ له تأثيرٌ غير مرغوب في مصيره.
فإذا غيَّر من سُلُوكِهِ هذا في النصفِ الآخر من حياتهِ، واهتمَّ بِرعاية حقوقِ والدَيْهِ فانَّه في هذه الحالة يكون قد هَيَّأ الأرْضيّة لتغيير مصيرِهِ، وصار مشمولاً لقولِهِ تعالى:
( يَمْحُوا اللهُ ما يَشاءُ ويُثبتُ) .
وينعكس هذا الّذي ذكرناه إذا انعكسَ الأمر .
إنَّ الآيات والرّوايات في هذا المجال كثيرةٌ نذكرُ بعضها هنا: 1. ( إِنَّ اللهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْم حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ) ([46] ) .
2.( وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَات مِنَ السَّماءِ والأَرْضِ وَلَكن كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُم بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ) ([47] ) .
3. يروي السيوطيُ في تفسيره «الدرّ المنثور» أنَّ الإمام أمير المؤمنين علياً ـ عليه السَّلام ـ سأل رسول الله ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ عن قوله: ( يَمْحوا الله ما يَشاء) .
فقال النبي  ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ : «لأُقِرنَّ عَيْنَك بِتفسيرها ولأُقِرَنَّ عَين أُمّتي بَعدي بتفسيرها: الصّدَقةُ على وَجهها، وبِرُّ الوالِدَين وَاصطِناعُ المعروف يُحوّلُ الشقاءَ سعادةً ويزيدُ في العُمُر ويقي مصارَع السُّوء».([48] )
وقالَ الإمامُ الباقُر  ـ عليه السَّلام ـ : صِلةُ الأرحام تُزَكّي الأعْمالَ، وتُنمّي الأموالَ، وَتَدْفَعُ البَلوى، وتُيَسِّرُ الحِساب، وتُنْسِئُ في الأَجَل.([49] )
وبالنَظر إلى هذين الأَصلين يتَّضح أن الاعتقاد بالبداء عقيدة إسلاميّة قطعيّة، وأنّ جميع الفرق الإسلامية تعتقد به بغضِّ النظر عن التعبير والتسمِية، واستخدام لفظ «البَداء».
وفي الختام نُذَكّرُ بُنقطتين لنعرف لماذا أُطلقت لفظة «البدَاء» على هذه المسألة في الرّوايات فجاء التعبير عن هذه العقيدة الإسلامية بقولهم: «بَدا لله».
ألف : إنّ استخدامَ هذه اللَّفَظة في هذه المسألة جاء تبعاً للنَبيّ الأكرم ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ ، فقد روى البخاريُ في صحيحه أنّ النبيّ قال في شأن ثلاثة أشخاص: أبرص وأقرع وأعمى: «بدا لله عزَّ وجلّ أن يَبْتَلِيهُمْ...».
ثم ذكر بعد ذلك قصّتهم بصورة مفصَّلة وبيَّن كيف أن اثنين منهم سُلبَت منهما سلامتُهما بسبب كفران النعمة، وأصابَهما ما أصيب به أسلافُهم من الأمراض([50] ).
ب : إنّ هذا النّوع من الاستعمال من باب المشاكلة، والتحدّث بلسان القوم حتى يفقهوا، ويفهموا الموضوع.
فقد تعارَفَ في العرف الاجتماعي أنَّه إذا غيَّرَ أحد قراراً قد اتخذه أن يقول بدا لي.
وقد تَحدَّث أئمةُ الدين بلسان القوم ليمكنهم تفهيم مخاطبِيهم، وقد استعملوا مثلَ هذه اللفظة في حق الله تعالى.
والجدير بالذِكر أنّ القرآنَ الكريمَ استخدمَ في شأن الله تعالى ألفاظاً وصفات مثل المكر والكيد، والخُداع والنسيان، في حين أنّنا نعلم أنّ الله تعالى منزَّهٌ عن مثل هذه الأُمور (بِمعانيها ومفاهيمها الرائجة بين البشر) قطعاً ويقيناً، ومع ذلك كرّرَ القرآنُ الكريمُ هذه الصِفات واستعمل الألفاظ في حق الله سبحانه. 1. ( إنَّهم يَكِيدُونَ كَيْداً * وَأَكِيدُ كَيْداً) ([51] ) .
2. ( وَمَكَرُوا مَكْراً وَمَكَرْنَا مَكْراً) ([52] ) .
3. ( إِنَّ المُنَافِقِينَ يُخادِعُونَ اللهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ) ([53] ) .
4. ( نَسُوا اللهَ فَنَسِيَهُمْ) ([54] ) .
وعَلى كلّ حال فإنّ لمحقّقي الشيعة حول استعمال لفظ البداء، بالنظر إلى امتناع حصول التغيّر، والتبدّل في علم الله تعالى دراسات وتحقيقات قَويّةً وشيِّقةً لامجال لذكرها هنا، ونحن نحيل من يحب الاطّلاعَ عليها إلى الكتب والمؤلّفات التي تتضمن هذه الأبحاث([55] ).
الأصلُ التاسعُ والعشرون بعد المائة: الرَجعة
«الرَجعَة» في اللغة تعني العَودة، والمقصود منها في الثقافة الشيعيّة هو عودة جماعة من الأُمّة الاَسلاميّة إلى الحياة بعد ظهور الإمام المهديّ عجّل اللهُ فرجَه الشريف، وقبل قيام القيامة.
ويَشهَد القرآنُ الكريمُ قبل أيّ شيء بوجود مسألة الرَّجعة في الثقافة الإسلاميّة. فقد قال سبحانه وتعالى في سورة النَّمل الآية 83 :
( وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِن كُلِّ أُمَّة فَوْجاً مّمَّن يُكَذِّبُ بِآيَاتنَا فَهُمْ يُوزَعُونَ) .
وفي الآية 87 من سورة النمل يقول:
( وَيَومَ يُنْفَخُ في الصُّورِ فَفَزِعَ مَن فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الأرْضِ إِلاّ من شاءَ الله وكُلٌّ أتَوْهُ داخِرينَ) .
أي بعد النفخ يفزع كل الناس جميعاً ومن دون استثناء.
إنّ الآية الأُولى تتحدّث عن إحياء فريق خاصٍّ في اليوم الأوّل بينما تتحدث الآيةُ الثانيةُ عن إحياء جميع الناس مّما يكشف عن أنّ اليوم الأوّل هو غير يوم القيامة وإنّهما يختلفان.
فالقرآنُ يتحدَّث كما نرى بوضوح عن يومين، وقد عطف اليوم الثاني على اليوم الأوّل، ممّا يكشف عن أن هناك حَشرين وإعادتين إلى الحياة بعد الموت.
ونُذكِّر ثانيةً بأنّ الآية الأُولى تتحدّث عن إحياء طائفة من الناس ومن الطبيعي أن مثل هذا اليوم لا يمكن أن يكون يوم القيامة، لأنّ الناس في ذلك اليوم يُحشرون بأجمعهم، كما قال أيضاً في الآيات 93 ـ 95 من سورة مريم:
( إِن كُلُّ مَن فِى السَّمَاوَاتِ والأَرْضِ إِلاَّ آتِي الرَّحْمَنِ عَبْداً * لَقَدْ أحصَاهُمْ وعَدَّهُمْ عَدّاً * وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ القِيَامَةِ فَرْداً) . وكما يقول تعالى في آية أُخرى في وصف يوم القيامة:
( وَحَشَرْناهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَداً) ([56] ) .
فيُستنتج من المقارنة بين الآية 83 من سورة النمل وبين الآيات 93 إلى 95 من سورة مريم و 47 من سورة الكهف الاختلاف بينها في المضمون: أنّ العالم البشري ينتظر يومين يُحشَر في أحدهما بعضُ الناس ، ويُحشَر في الآخر جميعهم بلا استثناء.
وروايات الشيعة التي ترتبط بالرجعة، تتعلق بما يقع بعد ظهور الإمام المهدي ـ عليه السَّلام ـ ، وقبل يوم القيامة.
إنّ عودة جماعة من الصالحين، والظالمين قبل يوم القيامة ليس بالأمر العجيبِ أبداً لأنّه قد وَقَع مثلُ ذلك في الأُممَ السالفة حيث عاد بعضُ الناس إلى الحياة مرةً أُخرى ثم ماتوا بعد ذلك ثانية.([57] )
إنّ عودةَ البعض إلى الحياة في هذا العالَم (الدنيويّ) بعدَ الموت لا هو مخالف لحكم العقل، ولا هو معارضٌ للنقل، لأنّه كما أسلفنا مّما صرّح القرآنُ الكريمُ بوقوع نظيره في الأُمم السالِفة، وهذا هو خير دليل على إمكان وقوعه. على أنّ «الرَّجَعةَ» تختلف عن «التَّناسخ»، وتشبيه الأَوّل بالثاني تشبيهٌ خاطئٌ جِداً، وذلك لأنّ «التناسخ» يعني عودة الرُّوح والنفس إلى الحياة بعد الموت مرّةً أُخرى إبتداءً من مرحلة النطفة، أو تعلّقها بِبَدن آخر، والحال أنّه لا يَحدُث مثلُ هذين الأمرين الباطلين في «الرجعة» قط.
إنَّ حكمَ الرَجعة ـ من هذه الجهة ـ أشبه ما يكون بعودة الموتى إلى الحياة في الأُمم السابقة وبالمعادِ الجِسمانيّ الذي يقع في القيامة.
وفي الحقيقة إنّ «الرَّجعة» هو مظهرٌ مصغَّرٌ مِن القيامة النهائية الحقيقيّة الكبرى التي يُحشَر فيها الناسُ أجمعون، وبلا إستثناء.
إنَّ البَحث المفَصَّل حول «الرَّجعة» والحديث حول جزئيّاتها، وتفاصيلها، موكول إلى: كتب التفسير، والحديث، والكلام، الشيعية، وقد بَلَغت رواياتُ الشيعة في هذا المجال حدَّ التَّواتر، وثمّت مايفوق ثلاثين حديثاً رويت في أكثرمن خمسين مؤلَّفاً([58] ).
الأصلُ الثلاثون بعد المائة: عدالة الصحابة
إنّ لِصَحابة النبيّ  ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ الّذين آمَنوا به في حياته، واستفادوا منه المعرفةَ، وأخذوا عنه العلمَ، والسنة، احتراماً خاصّاً عندنا نحن الشيعة الإمامية، وذلك من دون فرق بين الذين استُشهدوا في معركة «بدر» و«أُحد» و«الخندق» و«حُنين»، أو بقوا على قيد الحياة بعد رَسول الله ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ . فكل هؤلاء الذين آمنوا برسول الله ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ وعاشوا معه، وصَحِبُوه محترمون، ولا يجوز لمسلم في العالم أن يسيء إلى صحابة رسولِ الله ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ (من جهة كونهم صحابةً للنبيّ) أو يؤذيهم، ونِسبة مثل هذا الموقف إلى فريق من المسلمين نسبةٌ ظالمةٌ وافتراءٌ مرفوض.
ولكن إلى جانبِ هذه المسألة ثمّت مسألةٌ أُخرى يجب دراستها من دون تعصّب أو حبّ وبُغض غير مُبرَّرَين، وهي: هل أن جميع صحابة النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ عدولٌ وأتقياء، ومنزَّهون عن الذنوب، أو أنّ حكمَ الصحابة في هذه النقطة هو عين حكم التابعين الذين لا يمكن ان نعتبر جميعهم عدولاً أتقياء.
إنّ من البديهيِّ أنَّ مرافقة رسول الله ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ ورؤيته وان كانت مبعث فخر واعتزاز لمن يرافقه ويراه إلاّ أنّ كل هذه الأُمور لا توجب المصونية لهم من الذنوب، ولا الحصانة من المعاصي، ولا يمكن النظر إلى جميع الصحابة بنظرة واحدة ومساوية، واعتبارهم جميعاً عدولاً أتقياء، مبرَّأين عن كلّ زَلَل وخطل، ذلك لأنّهم ـ بشهادة القرآن ـ من حيث الإيمان والِنّفاق، ومن حيث الطاعة والعِصيان، والتسليم وعدم التسليم أمامَ الله ونبيّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ على أصناف مختلفة، وفي هذا التصنيف لا يمكن اعتبارهم جميعاً في مرتبة واحدة، ولا اعتبارهم جميعاً عدولاً أتقياء.
إنّه ممّا لاشكَّ فيه أنّ القرآن الكريم مدح أصحاب النبيّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ في مواقع مختلِفة([59] )، وللمثال قد ذَكَرَ القرآنُ أنّ اللهَ رضى عن الّذين بايَعوا تَحتَ الشجرة في حالة صلح الحديبية، إذ قال سبحانه:
( لَقَد رَضي اللهُ عَنِ المُؤْمِنِينَ إذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وأثابَهُمْ فَتْحاً قَرِيبا) ([60] ) .
فالآية تعكس رضى الله سبحانه عن المؤمنين، لكنّها لا تعني انّهم صاروا بذلك عدولاً أتقياء إلى آخر عمرهم وان عَصَوا وخالفوا أمره سبحانه، نعم ثبت رضاه سبحانه عنهم في فترة خاصة وهو حال المبايعة بشهادة قول: ( إذ يبايعونك) وهو ظرف للرضا. فهذا المدح لهم لا يدلُّ على ضمان صلاحِهم واستقامتِهم حتى آخر لحظة من حياتهم.
ولهذا إذا سلك شخصٌ أو أشخاصٌ منهم طريق الخلاف فيما بعد لم يكن رضا الله تعالى عنهم في طرف المبايعة دليلاً على تقواهم المستمرّ، ولا شاهداً على فلاحِهم الأبديّ، لأنّ شأنَ هذا الفريق، ومقامَهم ليس أعلى ولا أسمى من شأن ومقام رسول الله ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ الذي قال الله مخاطباً إيّاه:
( لَئنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنّ مِنَ الْخَاسِرِينَ) ([61] ) .
إنّ الآيات المادحة للمهاجرين والأنصار تبيّن ما حصل عليه هؤلاء الأشخاص من الكمال في تلك الحالة، ومن البديهيِّ أنّهم سيكونون مفلِحين دائماً إذا حافظوا على هذا الكمال إلى آخر لحظة من حياتهم. وعلى هذا الأساس لو دلّتِ الدلائلُ القاطعة من الكتاب والسُّنّة على انحراف فرد، أو أفراد لا يَصحُّ في هذه الحالة الاستنادُ إلى المدائح المذكورة لهم.
ولنضربْ مَثَلاً على ذلك ما جاء في القرآن الكريمِ في حق أحد الصحابة.
فإنّ القرآنَ الكريمَ وصف أحد الصحابة بأنّه «فاسق»([62] ) إذ قال:
( إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بنباً فَتَبَيَّنُوا) ([63] ) .
وقال في آية أُخرى :
( أَفَمَن كَانَ مُؤْمِناً كَمَن كَانَ فَاسِقاً لاَّ يَسْتَوُونَ) ([64] ) .
إنّ هذا الفرد بِشهادة التاريخ القطعيّ هو «الوليد بن عُقبة» وكان من أصحاب رسول الله ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ رغم كونه صحابيّاً ومهاجراً وهما فضيلتان سامقتان إلاّ أنّه لم يتمكّن من المحافظة على هاتين الفضيلتين، بل تسبَّبَ كِذبُه على طائفة «بني المصطَلَق» بأن يُذكَر بلفظ «الفاسق».
ومع الإلتفات إلى هذه الآية ونظائرها([65] ) وكذا ملاحظة الأحاديث التي وَرَدَت في ذمّ بعض الصَّحابة في كتب الحديث([66] )، وكذا في ضوء مطالعة التاريخ الإسلاميّ والوقوف على سيرة بعضهم([67] ) لا يمكن اعتبار جميع صحابة النبيّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ الذين يتجاوز عددهم المائة ألف شخص عُدولاً أتقياء جميعاً.
على أنّ ما نحن بصدد بحثِه ودراستهِ هنا هو «عدالةُ جميع الصحابة» لا سبّ الصحابة، وإنّ من المؤسف أنّه لم يفرّق البعضُ بين المسألتين، وإنّما عمد إلى اتّهام المخالفين في المسألة الأُولى والإيقاع فيهم في غير ما حق.
وفي الخاتمة نؤكّدُ على أنّ الشيعةَ الإماميّة لاترى احترام صحبة النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ مانعاً من مناقشة أفعال بعض صحابته ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ والحكم عليها وتعتقد بأنّ معاشرةَ النبي لا تكون سبباً للمصُونيّة من المعاصي إلى آخر العمر.
على أنّ موقف الشيعة، في هذا المجال ينطلق من الآيات القرآنية، والأحاديث الصحيحة، والتاريخ القطعي، والعقل المحايد الحصيف.
الأصلُ الواحدُ والثلاثون بعد المائة: محبَة النبي وآله  ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ
إنّ محبَّة النبيّ وأهلِ بيته الطاهرين صلوات الله عليهم أجمعين ومودَّتهم من أُصول الإسلام الّتي أكدَّ عليها القرآنُ والسُّنة، فقد قال القرآن الكريمُ في هذا الصَّدَد: ( قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم منَ اللهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَاد فِى سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللهُ بِأَمْرِهِ وَاللهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ) ([68] ) .
وقال في آية أُخرى :
( فالّذينَ آمَنُوا به وَعزَّرُوهُ ونَصَرُوهُ واتّبَعُوا النُّورَ الّذِي أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلئِكَ هُمُ المُفْلِحُون) ([69] ) .
فَإنّ الله تعالى يَعُدُّ ـ في هذه الآية ـ أربع خصوصيات للمفلحين وهي:
1. الإيمانُ بالنبي: ( آمَنُوا به) .
2. تكريمهُ وتوقيره: ( وعَزّرُوه) .
3. نصرهُ وتأييده: ( ونَصَروه) .
4. إتّباعُ النور (القرآن) الذي أُنزِلَ معه: ( واتّبَعَوا النّوُر الّذي أُنزِلَ مَعَهُ) .
ونظراً إلى أن «نصرةَ» النبيّ الأكرم جاءَت في الخصيصة الثالثة لذا لا مناص من أنْ يكون المرادُ بلفظة «عَزّرُوه» في الخصيصة الثانية هو تكريمُ النبيّ الأكرم ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ وتعظيمه ولاشك أنّ تعظيمه وتكريمه لا يختص بزمان حياته، كما أَنّ الإيمان الذي ورد ذكره في الآية ليس محدوداً كذلك.
وفي مجال لزوم محبّة أهل بيته ومودّتهم يكفي أنّ القرآن الكريم اعتبرها أجراً للرسالة (أي أنّه بمنزلة الأجر لا الأجر الواقعي)، إذ يقول تعالى:
( قُلْ لا أسألكُمْ علَيه أجْراً إلاّ المودَّةَ فِي القربى) ([70] ) .
إنّ الدعوة إلى محبّة النبيّ، ومودَّته والحث عليها لم يرد في القرآن الكريم وحده. بل جاء التأكيد عليها حتى في الأحاديث الشريفة التي نذكر منها نموذجين على سبيل المثال لا الحصر:
1. قالَ رسولُ الله  ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ : «لا يُؤمِنُ أحدُكم حتى أكونَ أحبَّ إليه من وُلْدِهِ والناسِ أجمعين»([71] ).
2. وقال  ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ في حديث آخر: «ثلاثٌ مَن كُنَّ فيه، ذاقَ طَعمَ الإيمانِ: مَنْ كانَ لا شيءَ أحبَّ إليه من الله ورسوله، وَمَنْ كان لئِن يُحَرق بالنّارِ أحبّ إليه من أن يرتدَّ عن دِينهِ، وَمَنْ كانَ يحبُّ لله ويُبْغِضُ لله».([72] )
كما أنّ محبَّة أهلِ بيت النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ  ومودَّتهم جاءَ التأكيدُ والحثُّ عليها في الأحاديث الشَرِيفة أيضاً ونود ذكر بعض تلك الأحاديث على سبيل النموذج: 1. قالَ رسولُ الله ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ : «لا يُؤمِنُ عَبْدٌ حَتّى أكونَ أحبَّ إليه من نَفْسِهِ وَتكونُ عِترتي أحبَّ إليه من عِترَتِهِ ويكون أهلي أحبَّ إليه من أَهْلِهِ»([73] ).
2. وقال  ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ في حديث آخر: «مَنْ أحبَّهُمْ أحَبَّهُ الله، ومَنْ أبْغَضَهُمْ أبَغْضَهُ اللهُ»([74] ).
إلى هنا تَعَرّفنا على أَدلّة هذا الأصل (وهو لزوم محبّة النبيّ وعترتِهِ ومودّتهم) والآن ينطرح السؤالان التالِيان:
1. ما هي الثمرة الّتي تجنيها الأُمّةُ من مودَّة النبيّ وعترته؟
2. ما هي كيفيَّة مَودّةِ النبيّ وعترتهِ؟
لابدّ في هذا المجال أن نذكرَ أنّ محبّة الإنسانِ الفاضِل الكامِل ومودَّته توجب بنفسها صعودَ الإنسان في مدارج الكمال، فإنَّ الإنسان إذا أحبّ شخصاً من صميم قلبه سعى إلى التشبّه به في حركاته وسكناته، وتحصيل ما يُسرُّ ذلك الشخص في نفسه وذاته، وترك ما يؤذيه ويزعجه.
ومن الواضح أنَّ وجودَ مثلَ هذه الروحيّة في الإنسان توجب التحوّل فيه، وتبعَثُه على سلوكِ طريقِ الطاعة واجتنابِ طريقِ المعصيَة دائماً.
إنّ الّذي يُظهرُ التعلُّقَ بأحد ويتظاهر بمودته بينما يخالِفه في مقام العمل يفتقد المحبَّةَ الحقيقيّة. وقد نُسِب بيتان من الشِعر إلى الإمام جعفر الصادق ـ عليه السَّلام ـ جاءت الإشارة فيهما إلى هذه النقطة، إذ يقول:
تعصي الإله وأنتَ تُظْهِرُ حُبَّهُ***هذا لَعْمري في الِفعالِ بَديعُ
لَو كانَ حُبُّكَ صادِقاً لأَطعتهُ***إنّ المحبَّ لِمَنْ يُحِبُّ مُطِيْعُ([75] )
والآن ـ وبعد أن تَبَيَّن بعضُ ثمرات مودّةِ النبيّ وعترتِه ـ يجب أن نشيرَ إلى أُسلوب إظهار تلك المودة.
لاشك أنّ المقصودَ من «الحبّ» ليس هو الحبُّ الباطنيّ العاريّ عن أيّ عمل يناسبُه، بل المقصودُ هو المودّة التي تَظهَر آثارُها المناسبة على قول الإنسان وفعله.
ومن أحد الآثار البارزة لمحبّة النبيّ وآله الطاهرين هو اتّباعه العمليّ كما مرّت الإشارة إلى ذلك، ولكن الحديث هنا هو عن الآثار الأُخرى لهذه الحالة الباطنية، وتتمثل في كلّ ما يعدّه الناس من الأقوالِ والأفعال، علامةً للحبّ والمودّة تحتَ هذه القاعدة، شريطة أن يكون تكريم النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ بعمل مشروع لا بعمل حرام.
وعلى هذا فإنّ تكريمَ النبيّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ وأهل بيته ـ عليهم السَّلام ـ  في كلّ زمان، وبخاصة في مواليدهم أو وَفياتهم،يتحقّق بإظهار المودة لهم وإبراز التكريم لشَخصيّاتِهم.
فالإِحتفال بمواليدهم وإشعال المصابيح ونصب الأَعلام والرّايات الملونة، ونشر معالم الزينة، وإقامة مجالس تُعرَضُ فيها فضائلُ النبيّ أو أهل بيته يُعدّ آيةَ المودة وعلامة المحبّة لهم، وعلى هذا الأَساس كان تكريمُ النبي في يوم مولِدهِ سنّةً مستمرةً بين المسلمين.
يقول القسطلاني في كتابه «المواهب اللدنيّة»: ولا يزال أهل الإسلامِ يَحتَفلون بشهر مولده ـ عليه السَّلام ـ ، ويعملون الولائم، ويتصدّقون في لياليه بأنواع الصدقات، ويظهرون السرور، ويزيدون في المبرّات، ويعتنون بقراءة مولده الكريم، ويظهر عليهم من بركاتِه كل فضل عميم.([76] )
الأصلُ الثاني والثلاثون بعد المائة: إقامة مجالس العزاء
من البيان السابق اتّضَحَت فلسفةُ وحكمةُ إقامة مجالس العزاء، والمآتم لأئمةِ الدّين، لأنّ إقامةَ مثل هذه المجالس من أجل ذكر مصائبهم وبيان ما جرى عليهم من المحَن في سبيل الدين، هو نوعٌ من أَنواع إظهار المودَّة والمحبَّة لهم. فإذا ما بكى يعقوبُ لِفِراق وَلَدِهِ العزيز «يوسف» سنيناً عديدة، وذرف دموعاً كثيرة([77] ) فإنّ ذلك نابعٌ مِن محبته وعلاقتِهِ القَلبيّة بابنِهِ.
وإذا ما بكى محبُّو أهلِ البيت في مُصابهم بسبب علاقتهم القلبيّة بهم، وحبّهم العميق لهم، فإنّهم يتّبعون في هذا العمل النبيّ يعقوبَ ـ عليه السَّلام ـ .
إنّ إقامة مجلس في مصاب الأحبّة والبكاء لفقدانهم هي في الأساس عملٌ أسَّسَهُ رسولُ الله ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ ، وذلك عندما سمع نساء الانصار يبكين قتلاهن في معركة «أحُد»، فقال وهو يَذكر عمّه «حمزة» سيد الشهداء: «وَلكِنَّ حمزة لا بواكي له»([78] ).
وعندما عرف أصحابُ رسول الله ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ برغبته في إقامة مجلس العزاء لعمّه «حمزة» أمروا أزواجهم بأن يبكين على قتلاهم الشهداء وعلى «حمزة» ويقمن مجلس العزاء له، فأُقيم مجلسٌ لذلك الغرض فلمّا بلغ رسول الله ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ ما فعلَهُ الأنصارُ وأزواجهم شكَرَهُم على ذلك، ودعا في حقّهم قائلاً: «رَحم اللهُ الأنصار»، ثم طلب من أصحابه من الأنصار بأن يأمُروا أزواجهنّ بأن يَعدن إلى منازِلِهنّ([79] ).
وثمة روايات عديدة تكاد تبلغ حدّ التواتر تعرب عن أنّ رسول الله ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ بكى على الحسين سبطه الأصغر لما يلمَّ به وبأهله وأنصاره على أيدي الفئة الباغية، في وقعة كربلاء، كما يلاحظ ذلك من يراجع كتاب «الصواعق المحرقة» لابن حجر و«نور الأبصار» للشبلنجي الشافعي، و«المستدرك على الصحيحين» للحاكم النيسابوري 3: 176.
كما رثاه وبكاه طائفة من علماء الإسلام من سنة وشيعة وانشأوا في مصابه القصائد المطوّلة.
فهذا الإمام الشافعي يقول: تأوّب قلبي فالفؤاد كئيب***وأرّق نومي فالسهاد غريب
إلى أن يقول :
فمن مُبلغٌ عَنّي الحسينَ رسالةً***وإن كَرِهَتْها أنفسٌ وقلوبُ
ذَبيحٌ بلاَ جُرم كأنَّ قميصَه***صَبِيغ بماءِ الأُرجوان خضيبُ([80] )
هذا مضافاً إلى أنّ لإقامة المآتم ومجالس العزاء للشهداء في سبيل الحق فلسفة هامّة أُخرى وهي أنّ إحياء ذكراهم يوجب الحفاظ على عقيدتهم التي قُتلوا من أجلها... تلك العقيدة التي يتكوّن جوهرُها من التفاني في سبيل الدين وعدم الخضوع للذُلّ، والهوان وهم يردّدون شعار «الموت في عز خيرٌ من الحَياة في الذلّ» ويجدّدون في كلّ يوم عاشوراء هذا المنطق العظيم ويتعلم الشعوب والأُمم دروساً حيويّة من نهضتهم وثورتهم الكبرى.
الأصل الثالث والثلاثون بعد المائة: صيانة الآثار الإسلامية
يسعى كلُّ العقلاء في العالَم في حفظ آثار عظمائهم، وأسلافِهمْ، ويحمونها من الإندثار والزوال بحجة كونها «تراثاً فكرياً» وآثاراً حضاريّة، وتجتهدُ الأُممُ المتحضّرة والراقية في حفظ الآثار الوطنيّة القديمة وما خلّفه أسلافُها من مفاخر جديرة بالإعتزاز، لأنّ آثار الأسلاف هي في الحقيقة حلقة الوصل بين القديم والجديد، والماضي والحاضر، وهي ترسم حركة الشّعوب والأُمم في مسار التقدّم والرقيّ، وتضي لها الطريق، والسبيل.
ثم إنّ الآثارَ القديمةَ إذا كانت ترتبط بالرسلِ والأنبياء فانّ الحفاظَ عليها وحراستَها ـ مضافاً إلى ما ذُكِرَ من الفائدة ـ تساعد بصورة قوية في المحافظة على اعتقاد الناس وإيمانهم بأُولئك الرسُل والأنبياء، ويكون لها أبلغ الأثر في تقوية دعائِمها، وتجذيرها وتأصيلها، بينما يؤدّي زوالُها، واندثارها بعد مدّة إلى انقداح روح الشك، والريب في نفوس أتباعهم، ويعرض أصلَ الموضوع لخطر الغموض، والإبهام، والنسيان والضياع.
وللمثال نشير إلى المجتمع الغربي، فإنّ الناس في هذا المجتمع وإن اصطبغت حياتهم بالصبغة الغربية، وأخذوا بآدابها وأخلاقها تماماً، ولكنهم في مجال العقيدة مدّوا أيديهم نحو الشرق، واعتنقوا الدين المسيحي وخضعوا لسلطانه ردحاً من الزمن بيد أنّهم مع تغيّر الأوضاع، وتنامي روح البحث والتحقيق لدى الشباب الغربيّ بدأ الشك والترديد يدَبُّ في نفوسهم، وباتوا يشكّون في أصل وجود السيد «المسيح» إلى درجة أنّهم على أثر عدم وجود آثار ملمُوسة من السيّد «المسيح» عادوا يعتبرونه أُسطورةً تاريخيّةً.
في حين أنّ المسلمين ظلّوا في منأى عن مثل هذه الحالة، فقد حافظوا على طول التاريخ وبكلّ فخر واعتزاز على الآثار المتبقّية من رسول الله ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ وأبنائه من خطر الإندثار، والزوال بسبب الحوادث.
فالمسلمون يَدّعُون أن شخصيّة نبيلة طاهرةً اختيرت قبل أربعة عشر قرناً للنبوة وللرسالة، وقام ذلك النبي بمعونة برنامجه الراقي جداً بإصلاح المجتمع، وأوجد في ذلك المجتمع تحوّلاً عظيماً، وانقلاباً عميقاً، وأسّس حضارة كبرى لا يزال المجتمع يستفيد من معطياتها، وثمارها، ولا سبيل للشك قط في وجود مثل هذه الشخصيّة المُصلِحة، ولا في الحضارة التي أسّسها وأرسى قواعدها، لبقاء آثاره إلى هذا اليوم، فمحل ولادته، ومكان عبادته ومناجاته، والنقطةُ التي بُعثَ فيها، والنقاط الأُخرى التي ألقى فيها خُطَبَه، والأماكن التي دافع فيها عن عقيدته ورسالته، والرسائل التي تبودلت بينه وبين ملوك العالم وحكام الدُّول في عصره، والعشرات بل المئات من آثاره، والعلائم الدالة عليه، باقية من دون أنْ تمسّها يدُ التغيير، ومن دون أن تطالها معاول الزوال، فهي محسوسةٌ ومشهودة للجميع.
وهذا البيان يمكن أن يوضّح أَهميّة حفظ الآثار من جهة التفكير الاجتماعي ودورها في هدايته وقيادته.
وهو أمر أيّدته النصوص القرآنية وسيرة المسلمين، فقد قال تعالى في القرآن الكريم:
( فِي بُيُوت أَذنَ اللهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبّحُ لَهُ فِيهَا بالْغدوّ وَالآَصَالِ * رِجَالٌ لاَّ تُلْهِيهِم تجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَن ذكرِ الله وإقامِ الصَّلاةِ وإِيتَآءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ القُلُوبُ وَالأَبْصَارُ) .([81] )
وليس المراد من لفظِ «البيوت» الواردِ في هذه الآية «المساجد» لأنّ البيوت جاءَ في القرآن الكريم في مقابل المساجد، لأنّ «المسجد الحرام» غير «بيت الله الحرام» فالبيوتُ في هذه الآية يراد منها بيوتُ الأنبياء، وخاصة بيت الرسولِ الأكرم محمّد ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ ، وذرّيته الطاهرة.
فقد روى السيوطي في تفسيره «الدر المنثور»: عن أنس بن مالك، وبرَيدة، قالَ: قرَأَ رسولُ الله ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ هذه الآية، فقام إليه رجلٌ فقال: أيُّ بُيوت هذِهِ يا رسُول اللهِ؟ قال: «بيوت الأنبياء».
فقام إليه أبو بكر فقال: يارسول الله هذا البيت منها؟ مشيراً إلى بيت علي وفاطمة، قال: «نعم من أفاضلها»([82] ).
والآن ـ بعد أنْ اتّضح المرادُ من «البيوت» ـ لابد من توضيح المراد من «ترفيع البيوت».
إنّ هناك احتمالين في هذا المجال:
1. الترفيع: بمعنى بناءِ البيوت وتشييدها، كما جاء بهذا المعنى في قوله تعالى:
( وَإِذ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ القَوَاعِدَ مِنَ البَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ) ([83] ) . 2. الترفيع: بمعنى إحترام تلك البيوت وحراستها، والمحافظة عليها.
فعلى المعنى الأوّل، حيث إنّ بيوت الأنبياء قد بُنِيَت قبلَ ذلك، لهذا لا يمكن أن يكون المراد من الترفيع في الآية الحاضرة هو إيجاد البيوت، بل المراد هو حفظها من الإنهدام والزوال.
وبناءً على المعنى الثاني، يكون المراد من حفظ تلك البيوت هو ـ مضافاً إلى صيانتها من الخراب والانهدام ـ حفظها من أيّ نوع من أنواع التلوث المنافي لقداستها وحرمتها.
وعلى هذا الأساس يجب على  المسلمين السعيُ في تكريم، وحراسة البيوت المرتبطة بالرسول الأكرم ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ ، وعليهم أنْ يعتبروا هذا العمل أمراً قربيّاً، أي مقرّباً إلى الله سبحانه.
ثم إنّه يُستفاد من الآية التي تدورُ حول أصحاب الكهف أنّه عندما اكتُشفَ موضعُ اختفائهم، اختلف الناس في كيفية تكريمهم فصاروا فريقين:
فريق قالوا: يجب البناء على قبرهم بغية تكريمهم.
وفريق آخر قالوا: يجب بناء مسجد على مرقدهم، وقد أخبر القرآنُ الكريم بكلا الإقتراحين، وكلا الرأيين، ولو كان هذا العمل، أو ذلك مخالفاً لأُصول الإسلام لأخبر بهما بنحو آخر، ولتناوَلهما بالنقد. ولكنه رواهما من دون نقد، إذ قال: ( إِذ يَتَنَازَعُونَ بَيْنَهُمْ أمرَهُم فَقَالُوا ابْنُوا عَلَيهِم بُنْيَاناً رَّبُّهُم أَعْلَمُ بِهِم قَالَ الَّذينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِم لَنَتَّخذنَّ عَلَيهِم مَّسْجِداً) ([84] ) .
إنّ هاتين الآيتين (مع ملاحظة سيرة المسلمين المستمرة من عصر رسول الإسلام إلى هذا اليوم والمستقرة على حفظ هذه الآثار، والمحافظة على البيوت المرتبطة برسول الله وأهل بيته المطهرين وحراستها) دليل واضحٌ وبرهان قاطع على كون هذا الموقف موقفاً إسلامياً، وأصلاً شرعياً.
ولهذا تقوم مسألة تعمير مراقد الأنبياء ـ وبصورة خاصّة مراقد رسولِ الله وعترتهِ الطاهِرة صلوات الله عليهم ـ وبناءِ المساجد عليها، أو إلى جانبها، على أساس هذا الأصل الإسلامي.
الأصلُ الرابع والثلاثون بعد المائة: زيارة قبور المؤمنين
تُعتبر زيارةُ قبور المؤمنين، وبخاصّة قبور الأقرباء والأبناء منهم، من الأُصول الإسلامية التي تنطوي على آثار تربويّة في نفس زائريها، وذلك لأنّ مشاهدة تلك الديار الصامتة التي يرقد فيها أُناس كانوا قبل ذلك يعيشون في الدنيا، ويقومون بمختلف النشاطات، ولكنّهم أصبحوا بعد حين أجداثاً خامدة، وجثثاً هامدة، جديرة بأن تهزَّ الضمير، وتوقظ القلوب، وتنبّه الغافلين، وتكون درس عبرة لا ينسى.
فإنّ من يشاهد هذا المنظر سيحدّث نفسه قائلاً: وما قيمة هذه الحياة الدنيا التي سرعان ما تنتهي، وتكون مآلُها موت الإنسان ورقوده تحت التراب.
هل يستحق العيش في مثل هذه الدنيا الفانية أن يقوم فيها الإنسانُ من أجله بأعمال ظالمة، وممارسات فاسدة؟
إنّ هذا التساؤل الذي يواجهه ضميرُ الإنسان المفكّر في مصير البشر، سيدفع به إلى إعادة النظر في سلوكه وممارساته، وسيؤدِّي ذلك إلى حصول تحوّل كبير في روحه ونفسه.
وقد أشارَ رسولُ الله ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ إلى هذا الأثر الهامّ، إذ قال في حديث شريف: «زُورُوا القبورَ فإنّها تذَكِّرُكُم بِالآخِرَةِ»([85] ).
ثم إنّه مُضافاً إلى هذا تُعتبر زيارةُ مراقد أئمة الدين وقادته نوعاً من الترويج للقيم الدينيّة، والمعنويّة، كما أنّ إعتناءَ الناس بمراقد أُولئك الشخصيّات سيُقوّي لديهم الفكرة التالية، وهي أنّ الحالة المعنوية التي كانت تلك الشخصيات تتمتّع بها هي التي جذبت قلوب الناس إليهم، وهي التي رفعتهم إلى تلك المنزلة العظيمة التي حازوا بها احترام الناس وتكريمهم لهم، إذ رُبّ رجال من أصحاب السلطان والقوّة يرقدون تحت التراب دون أن يحظوا بمثل هذه العناية والاحترام من قِبَل الناس.
ولقد كانَ رسول الله ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ يذهبُ في أُخريات حياته إلى البقيع، ويستَغْفر لأصحاب القبور، ويقول: «أَمَرَني رَبّي أنْ آتي البَقيعَ وأستَغْفِرَ لَهمْ»ثم قالَ: إذا زُرْتُمُوهُمْ فقولوا:
«السلامُ على أهْلِ الدّيارِ مِنِ المُؤمِنِين والمُسْلِمين يَرحَمُ اللهُ المُسْتقدِمِينَ مِنّا والمُسْتَأخِرِين، وإنّا إنْ شاءَ الله بكم لاحِقُون»([86] ).
وقد اعتُبرت زيارَةُ قُبور أولياء الله وأئمّة الدين ـ في كُتبِ الحديث ـ من الأعمال المستحبَّة المؤكدة، وكان أئمة أهلِ البيت يَذهَبُون دائماً لزيارة رسول الله ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ وغيرهم من الأئمة المتقدمين عليهم، وكانوا يحثُّون أتْباعَهم على هذا العمل.
الاصلُ الخامسُ والثلاثون بعد المائة: المنع عن الغلو
«الغُلُوّ» في اللُّغة هو التجاوز عن الحدّ، وقد خاطب القرآنُ الكريمُ أهلَ الكتاب قائلاً:
( يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلاَ تَقُولُوا عَلَى اللهِ إِلاَّ الْحَقَّ) ([87] ) .
ولقد خاطَبهم القرآنُ بهذا الخطاب لأنّهم كانُوا يغالُون في حق السيّد «المسيح» ويتجاوزون الحدّ، إذ يقولون إنّه إلهٌ، أو ابنُ الله، أو ربّ.
وقد ظَهَرتْ بعد وفاةِ رسولِ الله ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ فرقٌ وطوائفُ غالَت فيه  ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ أو في الأئمة المعْصُومين، من بعده وتجاوزت الحدَّ، ووصفوهم بمقامات مختصَّة بالله وحده، ومن هنا سُمّي هؤلاء بالغُلاة، لتجاوزِهم حدود الحق.
يقولُ الشيخُ المفيد(رحمه الله): «الغُلاة من المتظاهرين بالإسلام همُ الذين نَسَبوا أمير المؤمنين إلى الالُوهية والنبوَّة، ووصفوهم من الفضلِ في الدين والدنيا، إلى ما تجاوزوا فيه الحدَّ، وخَرَجُوا عن القصد»([88] ).
ويقول العلاّمةُ المجلسيّ: إنّ الغُلُوّ في النبيّ والأئمّة ـ عليهم السَّلام ـ  إنّما يكون بالقول بأُلُوهيتهم، أو بكونهم شركاء لله تعالى في المعبوديّة، أو في الخلق، والرزق، أو أنّ الله تعالى حلَّ فيهم، أو اتّحدَ بهم، أو أنّهم يعلمون الغيب بغير وحي أو إلهام من الله تعالى، أو بالقولِ في الأئمّة أنّهم كانوا أنبياء، أو القول بأنّ معرفتهم تُغني عن جميع الطاعات، ولا تكليف معها بترك المعاصي([89] ).
ولقد تبرَّأَ الإمامُ عليٌّ وأبناؤُهُ الطاهرون صلوات الله عليهم من الغلاة، وكانوا يلعنونهم على الدّوام، ونحن هنا نكتفي بإدراج حديث واحد في هذا المجال.
يقول الإمام جعفر الصادق  ـ عليه السَّلام ـ : «إحذَرُوا على شَبابِكُمُ الغُلاةَ لا يُفْسدُوهُمْ، فإنَّ الغلاةَ شرُّ خلقِ اللهِ، يُصغِّرونَ عظمةَ اللهِ ويَدَّعُون الرَّبوبيَّة لِعبادِ اللهِ»([90] ). ولهذا لاقيمة لتظاهر الغُلاة بالإسلام، فهم عند أئمةِ الدين كفارٌ ضُلاَّلٌ.
هذا ومن الجدير بالذِكر هنا أنْ يقال: كما يجب الاجتنابُ حتماً عن الغلوّ، يجب أن لا نعتبر كلَّ تصوّر واعتقاد في حقّ الأنبياء، وأولياء الله غُلوّاً، ويجب الاحتياط في هذا المجال كبقيّة المجالات الأُخرى، وتقييم العقائد بشَكل صحيح.

[1] . المجادلة / 22 .
[2] . الحجرات / 14 .
[3] . النمل / 14 .
[4] . صحيح البخاري: كتاب الإيمان، 10 ; صحيح مسلم: ج 7، باب فضائل علي، 121.
[5] . بحار الأنوار: 69 / 16، كتاب الإيمان والكفر، نقلاً عن معاني الأخبار للشيخ الصدوق، وسند الحديث صحيح.
[6] . العصر / 3 .
[7] . الكافي : 2 / 33 .
[8] . الكافي: 2 / 33 ، الحديث 2 .
[9] . عيون أخبار الرضا: 1 / 226 .
[10] . صحيح البخاري: 1 / 16، كتاب الإيمان شهادة أن لا إله إلاّ الله وأنّ محمّداً رسولُ الله، وإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، والحجّ ، وصوم رمضان.
[11] . وهي الأُصُول التي يرتبط تحقّق «الإيمانُ» و «الكفرُ» بقبولها أو رفضِها. وهي: الشهادة بوحدانية الله، والإيمان بنبوة خاتم الأنبياء محمد ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ والمعاد في يوم القيامة.
[12] . النساء / 94 .
[13] . كنز العمّال: ج 1، الحديث 30.
[14] . البقرة / 117 .
[15] . بحار الأنوار: 2 / 263، مسند أحمد: 4 / 126، 127 .
[16] . بحار الأنوار: 74 / 202 .
[17] . فتح الباري: 5 / 156، و 17 / 9.
[18] . الأنفال / 60 .
[19] . جامع الأُصول 1 / 238 .
[20] . الشورى / 23 .
[21] . المائدة / 114 .
[22] . الأعراف / 157 .
[23] . آل عمران / 31 .
[24] . يونس / 59 .
[25] . النحل / 106 .
[26] . آل عمران / 28.
[27] . لاحظ غافر / 28 .
[28] . تفسير الرازي: 8 / 13 .
[29] . محاسن التأويل: 4 / 82 .
[30] . تاريخ الطبري: 7 / 195 ـ 206 .
[31] . الكهف / 95 .
[32] . المائدة / 35 .
[33] . قال الراغبُ الإصفهاني في مفرداته (في مادة وسل): الوَسيلة التوصّلُ إلى الشيء برغبة، وحقيقةُ الوسيلة إلى الله سبيلُه بالعلمِ والعِبادة وتحرّي مكارم الشريعة.
[34] . الأعراف / 180 .
[35] . النساء / 64.
[36] . المنافقون / 5 .
[37] . يوسف / 97 ـ 98 .
[38] . صحيح البخاري، ج 5، باب قتل أبي جهل; والسيرة النبويّة لابن هشام: 2 / 292 وغيره.
[39] . صحيح مسلم، ج 2، باب ما يقال عند دخول القبر.
[40] . صحيح البخاري ج 2 كتاب الجنائز ص 12; والسيرة النبويّة لابن هشام 4 / 305 ـ 306.
[41] . نهج البلاغة قسم الخطب، الرقم 235.
[42] . المائدة / 64 .
[43] . الرحمن / 29 .
[44] . الرعد / 39 .
[45] . التوحيد للصدوق، ص 167، الباب 25، ح 1 .
[46] . الرعد / 11 .
[47] . الأعراف / 96 .
[48] . الدر المنثور 4 / 66 .
[49] . الكافي، 2 / 470، الحديث 13.
[50] . صحيح البخاري: 4 / 172 .
[51] . الطارق / 15 ـ 16 .
[52] . النمل / 50 .
[53] . النساء / 143 .
[54] . التوبة / 67 .
[55] . كتاب التوحيد للصدوق، ص 331 ـ 336; تصحيح الاعتقاد للشيخ المفيد 24; عدة الأُصول 2 / 29; كتاب الغيبة، ص 262 ـ 264 طبعة النجف.
[56] . الكهف / 47 .
[57] . مِثل إحياء فريق من بني إِسرائيل، كما في سورة البقرة الآيات 55 ـ 56، وإحياء المقتول من بني إسرائيل بواسطة بقرة بني إسرائيل، كما في سورة البقرة الآيات 72 و 73، وموت جماعة من الناس وإحيائهم كما في سورة البقرة الآية 243، وإِحياء عزير بعد مائة عام، كما في سورة البقرة الآية 259، وإحياء الموتى بإعجاز من السيد المسيح كما في سورة آل عمران الآية 49.
[58] . لاحظ بحار الأنوار: 53 / 136 .
[59] . لاحظ سورة التوبة / 100، وسورة الفتح / 18 و 29، وسورة الحشر / 8 و 9.
[60] . الفتح / 18 .
[61] . الزمر / 65 .
[62] . راجع التفاسير عند توضيح هاتين الآيتين .
[63] . الحُجُرات / 6 .
[64] . السجدة / 18 .
[65] . لاحظ آل عمران / 153 ـ 154، الأحزاب / 12، التوبة / 45 ـ 47 .
[66] . جامع الأُصول، ج 11، كتاب الحوض، الحديث رقم 7972 .
[67] . صحيح البخاري، ج 5، تفسير سورة النور، ص 118 ـ 119.
[68] . التوبة / 24 .
[69] . الأعراف / 157.
[70] . الشورى / 23 .
[71] . كنز العمال ج 1 / 37، ح 70 .
[72] . كنز العمال: ج 1، ح 72 ; وجامع الأُصول ج 1، ص 238.
[73] . مناقب الإمام أمير المؤمنين تأليف الحافظ محمد بن سليمان الكوفي ج 2 ح 619 و 700 ; وبحار الأنوار ج 17 ص 13 ; وعلل الشرائع الباب 117 ح 3.
[74] . مناقب الإمام أمير المؤمنين تأليف الحافظ محمد بن سليمان الكوفي ج 2 ح 619 و 700 ; وبحار الأنوار ج 17 ص 13 ; وعلل الشرائع الباب 117 ح 3.
[75] . سفينة البحار: 1 / 199 .
[76] . المواهب اللدُنيّة، ج 1 ص 27; وفي تاريخ الخميس ج 1 ص 223 مثله.
[77] . لاحظ يوسف / 184 .
[78] . سيرة ابن هشام: 1 / 99 .
[79] . المصدر السابق; وإمتاع الاسماع: 11 / 164 .
[80] . ديوان الإمام الشافعي قافية الباء. وراجع للوقوف على المزيد في هذا المجال: سيرتنا وسنتنا للعلاّمة الأميني.
[81] . النور / 36 ـ 37 .
[82] . تفسير الدر المنثور ج 5، ص 50 .
[83] . البقرة / 127 .
[84] . الكهف / 21 .
[85] . سنن ابن ماجة ج 1، باب ما جاء في زيارة القبور، ص 113 .
[86] . صحيح مسلم، ج 2، باب ما يقال عند دخول القبور، ص 64.
[87] . النساء / 171 .
[88] . تصحيح الاعتقاد ص 131 .
[89] . بحار الأنوار ج 25، ص 364.
[90] . المصدر السابق، ص 365 .