قائمة المواضيع :
الحديث والاجتهاد والفقه
الأصل السادسُ والثلاثون بعد المائة: مصادر التشريع والحديث
يَعملُ الشيعة الإمامية في العَقائد والأُصول بأحاديث مرويّة عن رسولِ الله ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ  عن طريق ثقات يُعتَمَد عليهم، سواء أكانت هذه الروايات والأحاديث. في كتب الشيعة أم في كتب أهل السُّنّة.
من هنا ربّما استَنَد الشيعة في كتبهم الفقهيّة إلى روايات منقولة عن طريق رواة من أهل السّنة أيضاً، ويُسمّى هذا النوع من الحديث الذي تُصَنَّف أقسامه على أربعة أقسام، بالموثّق.
وعلى هذا فإنّ ما يرمي به البعض من المغرضين «الشيعةَ الإماميةَ» في هذا المجال لا أساس له من الصحّة مطلقاً.
إنّ الفقه الشيعيَّ الإماميَّ يقوم ـ أساساً ـ على الكتاب والسُّنّة، والعقل، والإجماع.
والسُّنَّة عبارة عن قول المعصومين وفعلهم وتقريرهم وعلى رأسهم رسول الله ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ .
وعلى هذا إذا روى شخصٌ ثقة حديثاً عن رَسول الله ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ واشتمل ذلك الحديثُ على قولِ النبي، أو فعله، أو تقريره، كانَ معتبراً في نظر الشيعة الإمامية وتلقّوه بالقبول وعملوا وفقه.
وما نجده في مؤلّفات الشيعة ومصنّفاتهم شاهدُ صدق على هذا القول، ويجبُ أن نقول: إنَّه ليس هناك أيُّ فرق بين كتب الشيعة في الحديث، وكتب أهل السنّة في الحديث، في هذا المجال، إنّما الكلام هو في تشخيص من هو الثقة، وفي درجة اعتبار الراوي.
الأصلُ السابعُ والثلاثون بعد المائة: حجيّة الأحاديث المروية عن أئمة أهل البيت ـ عليهم السَّلام ـ
إنّ الأحاديث والرّوايات التي تُنْقَل عن أئمة أهل البيت المعصومين بأسناد صحيحة، حجّةٌ شرعيّة، ويجب العمل بمضمونها، والإفتاء وفقها.
إنّ أئمة أهل البيت ـ عليهم السَّلام ـ  ليسوا بمجتهِدين أو «مفتين» ـ بالمعنى الإصطلاحيّ الرائج للَّفظَتين ـ بل كلُّ ما يُنقَلُ عنهم حقائق حَصَلوا عليها من الطُرُقِ التالية:
ألف ـ النَقْل عن رَسُول اللهِ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ
إنّ الأئمّة المعصومين ـ عليهم السَّلام ـ أخَذَوا أحاديثهم من جَدّهمْ رسولِ الله  ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ (خَلفاً عن سَلَف وكابِراً عن كابر) ثم رووها للنّاس.
وإنّ هذا النَوع من الأحاديث والرِّوايات التي رَواها كلُّ إمام لاحق عن الإمام السابِق إلى أن يصل السَند إلى رسول الله ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ كثيرة في أحاديث الشيعة الإمامية.
ولو أنّ هذه الأحاديث التي وردت عن أهل البيت واتصل سَنَدها برسول الله ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ جُمِعَت في مكان واحد لحصل مِنها مُسْنَدٌ كبيرٌ يُمثل كَنزاً عظيماً للمحدّثين، والفُقَهاء المسلمين، لأنّ مثل هذه الأحاديث والروايات بهذه الأسانيد المُحكَمة القَوِيّة لا نَظير لها في عالم الحَديث ، ونشير إلى نموذج واحد من هذه الأحاديث، ويسمّى بحديث «سلسلة الذهب» ويُقال انّ السامانيّين كانوا يحتفظون بنسخة منه في خزانتهم حبّاً منهم للأدب والعلم.
روى الشيخُ الصَّدوقُ، عن أبي سعيد محمد بن الفَضل النيسابوري، عن أبي علي الحسن بن علي الخزرجي الأنصاري السعديّ، عن أبي الصَّلت الهَرَويّ، قال: كنتُ مع علي بن موسى الرّضا ـ عليه السَّلام ـ حين رَحَلَ من «نيسابور» وهو راكبٌ بغلةً شهباء، فاذا محمدُ بن رافع، وأحمد بن حرب، ويحيى بن يحيى، وإسحاق بن راهويه، وعدّةٌ من أهل العلم، قد تَعَلَّقوا بلجام بغلته في المربعة فقالوا: بحقّ آبائِك المطهَّرين، حدِثنا بحديث قد سَمِعته من أبيك، فأَخرَجَ رأسَه من العَمارية، وعَليه مِطرف خز ذو وجهين، وقال: «حَدَّثَني أبي العبدُ الصالح موسى بنُ جعفر قال: حَدَّثني أبي الصادقُ جعفرُ بنُ محمد قالَ: حَدَّثني أبي أبو جَعفر محمدُ بنُ علي باقر عِلمِ الأَنبياء قالَ: حَدَّثَني أبي عليُّ بن الحسين زينُ العابِدين قالَ: حَدَّثني أبي سيدُ شبابِ أهلِ الجَنَّةِ الحسينُ قالَ: حَدَّثني أبي عليُّ بنُ أبي طالب قالَ: سَمعْتُ النَّبيَّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ يقول: قالَ الله جَلَّ جَلالُه: لا إلهَ إِلاّ اللهُ حِصْنِي فَمَنْ دَخَلَ حِصْنِي أمنَ مِن عَذابي».
فلَما مَرَّتِ الراحِلةُ، نادانا: «بِشُروطِها، وأنا مِن شُروطِها».([1] )
ب : الرِواية من كتابِ عليٍّ  ـ عليه السَّلام ـ
لقد صاحَبَ عليٌ  ـ عليه السَّلام ـ رسولَ الله ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ في فترةِ بعثته كلّها، ولهذا استطاع أن يحفظ ويدوّن قدراً عظيما من أحاديث رسولِ الله  ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ في كتاب (وفي الحقيقة كان ذلك الكتابُ من إملاءِ رسولِ الله ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ وكتابة علي ـ عليه السَّلام ـ ).
ولقد ذُكِرَت خُصوصيّات هذا الكتاب الذي صار بعد استشهاد الإمام علي ـ عليه السَّلام ـ إلى أهل بيته في أحاديث أهل البيت ـ عليهم السَّلام ـ .
يقول الإمام الصّادق عن هذا الكتاب: «طولُه سَبْعون ذراعاً، إملاء رسولِ الله ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ  قاله من فِلقِ فِيه، وخطّ علي بن أبي طالب ـ عليه السَّلام ـ  بيده، فيه والله جميع ما تحتاج إليه الناس إلى يوم القيامة»([2] ).
ومِنَ الجدير بالذّكِر أنّ هذا الكتاب بقيَ عند أهل البيت يتوارثه إمامٌ من إمام، وقد نقل الإمامُ الباقر والإمام الصّادق ـ عليهما السَّلام ـ روايات عديدة منه وربّما أطلَعُوا بعضَ شيعتهم عليه.
ويوجَدُ قسمٌ كبير من أحاديثه الآن في المجاميع الحديثية الشيعية وبالأخص كتاب «وسائل الشيِعة».
ج : الإِلْهاماتُ الإِلهِيّة
إنّ لِعلومِ أهلِ البيت ـ عليهم السَّلام ـ مَنبعاً آخر يمكن أن نسَمّيه بالإلهام. والإلهامُ ليس مخصوصاً بالأَنبياء، فقد كان في طول التاريخ من الشخصيات المقدَّسة مَن كان يحظى بهذا الإلهام، مع أنّهم لم يَكونوا أنبياء، وقد كانت تلقى إليهم بعضُ الأسرار من عالم الغيب، وقد أشار القرآنُ الكريمُ إلى ذلك عندما تَحدَّثَ عن مرافق النبيّ موسى (خضر) الّذي علّم موسى بعضَ الأشياء فقال:
( آتَيْناهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدنا وَعَلّمناهُ من لَدُنّا عِلْماً) ([3] ) .
كما وأنّه قال في شأن شخص من حاشية النبيّ سليمان ـ عليه السَّلام ـ (وهو آصف بن برخيا) قال:
( قالَ الّذِي عندَهُ عِلْمٌ مِن الكِتاب) ([4] ) .
إنّ هؤلاء الأشخاص لم يَتَعلَّموا علومَهم، ولم يَكتسبُوا مَعلوماتهم من طريق التعلّم، بل هو كما يُعَبّرُ عنه القرآنُ عِلْمٌ لَدُنّيٌ:( عَلَمَنّاهُ مِنْ لَدُنّا عِلماً) .
وعلى هذا الأساس لا يكونُ عدم كون الشخص نبيّاً، مانِعاً من أن يحظى بالإِلهام الإلهيّ، كما يحظى بعضُ الأشخاص من ذوي الدَرَجات المعنويّة الرفِيْعَة بالإلْهامِ الإلهيّ.
وقد أُطلق على هذا النَمَط من الأشخاص في أحاديث الفريقين وصف «المُحدَّث» يعني الّذين تَتَحَدّثُ معهم الملائكةُ من دون أن يكونوا أنبياء.
فقد رَوى البخاريُّ في صحيحِهِ عن النبيّ  ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ أنّه قال: «لَقَدْ كانَ فِيمَنْ كانَ قَبْلَكُمْ مِن بَني إِسْرائِيل يُكلَّمون مِن غَيرِ أنْ يَكُونُوا أنْبِياء».([5] )
من هنا كان أئمة أهل البيت ـ عليهم السَّلام ـ  ـ لكونهم مراجعَ للأُمة في بيان المعارف الإلهيّة، والأحكام الدينيّة ـ يجيبون على الأسئلة التي لا توجَد أجوبتها في أحادِيث النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ أو في كتاب علي  ـ عليه السَّلام ـ ، من طريق «الإلهام» والتعليم الغيبي، والعِلمِ اللَدُنِيّ.([6] )
الأصلُ الثامنُ والثلاثون بعد المائة: تدوين الحديث
إنّ الأحاديث النَبَويّة تحظى باعتبار خاصٍّ، مثل القرآن الكريم، فالكتاب والسُّنّة كانا ولا يزالان من مصادر المسلمين الاعتقادية والفقهيّة.
ولقد أحجَمَ فريقٌ من المسلمين بعد رحلة النبيّ الأكرمِ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ وتحت ضغط من السُّلُطات الحكومية بعد النبيّ، من كتابة وتدوين الحديث، ولكنّ أتباع أهلِ البيت ـ عليهم السَّلام ـ لم يغفَلوا ـ ولحسن الحَظّ ـ ولا لحظة واحدة عن تدوين الحديث، فدوَّنُوا، وضَبَطوا الحديث بعد رحيل النبيّ الأكرم ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ .
ولقد قُلنا ـ في الأصل السابقـ بأنّ قِسماً من أحاديث أئمة أهلِ البيت مأخوذٌ عن الرسول الأكرم نفسه. ولقد قام علماءُ مدرسة أهل البيت وعلى طول التاريخ، بتأليف مجاميع حديثيّة كبيرة، ومدوَّنات تضمُّ الرّوايات والأخبار، جاءَ ذكرها في كتب الرجال، خاصّة في القرنِ الرابعِ والخامسِ الهجريّين، مستفيدين ـ في هذا الصعيد ـ من الكتب التي تمَّ تأليفُها وتدوينُها في عصر الأئمة ـ عليهم السَّلام ـ ، وعلى أيدي أصحابهم وتلامذتهم العَدِيدين.
والكتب الحديثية الجامعة المدَوَّنة التي تعتَبَرُ اليومَ محوراً للعقائد والأحكام الشيعية هي عبارة عن:
1. «الكافي» تأليف محمّد بِنِ يعقوب الكلينيّ (المتوفّى عام 329 هـ) في ثمانية أجزاء.
2. «مَنْ لا يَحْضرُه الفقيهُ»، تأليف محمد بن عليّ بن الحسين بن بابويه المعروف بالصدوق (306 ـ 381 هـ) في أربعة أجزاء.
3. «التَهذيب» تأليف محمد بن الحسن المعروف بالشيخ الطوسيّ (385ـ 460 هـ) في عشرة أجزاء.
4. «الإستبصار»، تأليف المؤلف السابق، في أربعة أجزاء.
وهذه هي ثاني مجموعة من المجاميع الحديثيّة التي دوَّنها ونَظَّمها الشيعةُ، طوال التاريخ، بجهودِهِمُ الحثيثة حتى القرن الرابع والخامس الهجريّين، وقد أُلّفَتْ ـ كما ذكرنا ـ في عصر الأئمة أي القرن الثاني والثالث جوامع حديثيّة تُسمّى بِالجَوامع الأوَّليّة، بالإضافة إلى «الأُصول الأربعمائة» وقد انتقلت محتوياتها إلى الجوامع الثانويّة. وحيثُ إنّ عِلمَ الحديث كانَ دائماً موضعَ إهتمام الشيعة، لذلك أُلّفَت في القرنِ الحادي عشر، والثاني عشر مجاميعُ حديثية أُخرى نترك ذكر أسمائها لعلّة الاختصار.
إلاّ أنّ أكثر هذه المجاميع شهرة هو «بحار الأنوار» للعلامة محمد باقر المجلسي، ووسائل الشيعة لمحمد بن الحسن الحرّ العاملي.
هذا ومن البديهيّ أنّ الشيعة لا تعمل بكل حديث، ولا تعمل بأخبار الآحاد، في العقائد، أو التي تخالف في مضمونها القرآنَ أو السّنة القطعيّة، وليست بحجّة عندهم، على أنّ مجرّد وجود الرواية في كتب الحديث عندهم لا يَدلُّ على إعتقاد المؤلّف بمفاده، بل الأحاديث تتنوَّع عند هذه الطائفة إلى صحيح وحَسَن، وموثَّق، وضعيف، ولكلِّ واحد من هذه الأنواع أحكامٌ خاصّة، ودرجةٌ خاصّة من الاعتبار، وقد جاء بيان ذلك على وجه التفصيل في علم الدراية.
الأصلُ التاسع والثلاثون بعد المائة: الاجتهاد
أشرنا فيما سبق إلى مصادر الفقه الشيعيّ الإماميّ (وهي عبارة عن الأدِلّة الأربعة: الكتاب والسُّنة والعقل والإجماع)، وتسمّى عمليّة إستنباط الأحكام الشرعيّة من هذه الأدلّة بشروط خاصّة مذكورة في عِلم الأُصولِ بـ«الإجتهاد».
إنّ الشريعة الإسلاميّة حيث إنَّها شريعةٌ سماويّةٌ، ولا شريعة بعدَها قَط، وَجَبَ أنُ تلبّي كلَّ الحاجات البشرية في مختلف مجالات حياتها الفرديّة والاجتماعية.
ومن جانِب آخَر حيث إنَّ الحوادث والوقائع لا تنحصر فيما كان في زمن رسول الله ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ فالتَطوُّرات المتلاحقة في الحياة تطرح احتياجات وحالات جديدة، تحتاج كل واحدة منها طبعاً إلى حكم شرعي خاصّ.
وبالنظر إلى هذين المطلبين يكون فتح باب الاجتهاد في وجه الفقهاء على طول التاريخ أمراً ضروريّاً، إذ هل يمكن أن يكون الإسلام الذي هو شريعة إلهية كاملة ودين جامع أن يسكتَ في الحوادثِ الجَديدة الظهور، وأن يترك البشرية حائرة في منعطفات التاريخ والحياة، أمام سيل الحوادث الجديدة.
كُلُّنا نَعلم بأنّ علماءَ «الأُصول» قَسَّموا «الإجتهاد» إلى قسمين «الإجتهاد المطلَق» و «الإجتهاد في مَذهَب خاصٍّ».
فإذا اجتهد شخصٌ في مسلك أبي حنيفة الفقهيّ، وسعى إلى أن يحصل على رأيه في مسألة مّا، سُمِّيَ عَمَلُه بـ«الإجتهاد في المذهب».
وأمّا إذا لم يقيّدِ المجتهدُ نَفسَه بمذهب معيّن وخاصّ في المذهب وسعى إلى أن يَفهَمَ الحكمَ الإلهيَّ من الأدلّة الشرعيّة (سواءً وافق مذهباً ومَسلَكاً معيَّناً أو خالفه) دُعيَ ذلك بالإجتهادِ المطلق.
ولقد أُغلق بابُ الإجتهاد المطلق ـ وللأسف ـ في وجه علماء أهل السُّنّة([7] )، وإنحصر اجتهادُهم في إطار المذاهب الأربعة خاصّة، وهو لاشك نوعٌ من تقييد عمليّة الاجتهاد، وتضييق لدائرته.
إنّ فقهاء الشيعة اجتهدوا على أساس الكتاب والسّنة والعقل والإجماع، وسعَوا إلى أن لايتقيّدوا لإدراك الحقائق والمعارف الدينية بشيء، الاّ إتّباع الأدلّة الشرعيّة.
ومن هنا انتج اجتهادُهم الحيُّ المتحرّك فِقهاً جامعاً، منسجماً مع الإحتياجات البشريّة المختلفة، المتنوعة، المتطوّرة باستمرار، وخلّف كنزاً علمياً عظيماً.
إنّ ما ساعد على إثراء هذا الفقه العميق المتحرّك هو المنع من تقليد الميّت، والحكم بتقليد المجتهد الحيّ، الذي يعرف بالمجتمع وبالزمان واحتياجاتهما، ومستجداتهما.
إنّ الفقه الشيعيّ يوافق في أكثر المسائل نظريات الفقهاء من المذاهب الأُخرى، وإنّ مطالعة كتابِ «الخلاف» للشيخ الطوسيّ شاهدُ صدق على ذلك، فقلّما توجَد مسألةٌ فرعيّة في الفقه الشيعيّ لا توافِق رأيَ أحد مؤسسي المذاهِبِ الأربعة، أو من سَبَقهم من الفقهاء، ومع ذلك فثمّت مسائل للفقه الشيعي فيها رأيٌ خاصٌ، نشير إلى بعضها ضِمن عدّة أُصول تالية، وسنَذكرها مع أدلّتها، لأنّه قد يُتَصَوَّر أنّ هذه الفروع الخاصّة لا يدل عليها شيءٌ أو هي تخالف الكتاب والسُّنّة، والحال أنّ الأمر على عكس ذلك.
بَعضُ الأحكام الفقهيّة المختلَف فيْها
إنَّ الدينَ الإسلاميَّ تركيبة مزيجةٌ من العقيدة والشريعة (أي من الرؤية والنظرة إلى الوجود، ومما يجب وما لا يجب) واللّذين يُعَبَّر عنهما بأُصول الدين وفُرُوعه أيضاً.
ولقد وقفنا في الأبحاث السابقة على أُصول عقائد الشيعة بصورة برهانيّة، كما تمَّ بيان موقف الشيعة ونظريتهم حول اعتبار أحاديث النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ وأهل البيت ـ عليهم السَّلام ـ أيضاً.
والآن يجب أن نشير باختصار إلى الأُسلوب والمنهج الفقهيّ للشيعة وإلى بعض المسائل الفقهيّة التي للشيعة فيها آراءٌ خاصّة، وموقف خاص.
الأصلُ الأربعون بعد المائة: حجّية قول الصحابي وروايته
لقد رُويَت ونُقِلَت السنّة النبويّة إلى الأجيال اللاحقة عن طريق فريق مِن صَحابته، وما رُوي من قوله، وفعله، وتقريره ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ حجةٌ إلهيّةٌ يجب اتّباعُها، والعمل بموجبها.
فإذا روى صحابيٌ السُّنةَ النبويّةَ وحازت تلك الرواية على كل شرائط الحجية تلقّاها الجميعُ بالقبول ولزم العمل وفقها.
وهكذا إذا فَسَّرَ أحدُ الصَّحابة لغةً من لغات القرآن ولفظاً من ألفاظه، أو روى شيئاً من الحوادث والوقائع المرتبطة بعصر الرسالة، أو غيرها، قبلت روايتهُ إذا توفرت فيها الشروط المذكورة.
ولكن إذا ذَكَرَ الصحابيُّ رأيَه أو استنباطَه من آية قرآنية، أو حديث نبويّ، أو نُقِلَ عنه قولٌ، ولم يتبيّن أنّ ذلك المنقول هل هو من سنّة رسول الله ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ ، أو أنّه رأي ذلك الصحابي واجتهاده الخاص، لم يكن في هذه الحالة حجةً، لأنّ رأي المجتهد ليس حجة على غيره من المجتهدين.
ولهذا يجب التفريق في مجال العمل بقول الصحابيّ بين رأيه واجتهاده، وبين ما ينقله للسنّة النبوية. والشيعة الإمامية إنّما تعمل بقول الصحابي إذا روى السُّنة النبويّة.
الأصلُ الواحدُ والأربعون بعد المائة: التقليد
يجب على كل مسلم أن يحصِّلَ على اليقين في المسائل التي يجب ان يعتقدها، ولا يجوز له اتّباعُ الآخرين في هذه المسائل من دون أن يحصل له اليقين.
وحيث إنّ أُمّهات الأُصول وكلّيات المسائل الاعتقادية محدودة ومعدودة ولكلّ منها أدلةٌ عقليةٌ واضحةٌ، لهذا فإنّ تحصيلَ اليقين للأشخاص في أُصول الدين وأساسيات العقيدة، قضيةٌ سهلة، في حين أنّ نطاق الفروع والأحكام الفقهية لما كان واسعاً جداً، والعلم بها يحتاج إلى مقدمات كثيرة، لا يقدر أغلبُ الأفراد على تحصيلها، لهذا فإنّ على أُولئك الأشخاص ـ بحكم الفطرة، وتبعاً لسيرة العقلاء ـ أن يرجعوا في أحكام الشريعة إلى العلماء والمجتهدين، ليقوموا في ضوء ذلك بواجباتهم الدينية، ووظائفهم الشرعية.
إنّ الإنسان ـ في الأساس ـ فاعلٌ عِلْمِيٌ أي إنّه يقومُ بأعماله على أساس العلم والمعرفة، فإذا تيسَّر له ان حَصَل بنفسه على تلك المعلومات أخَذَ بها وعمل على ضوئِها، وإلاّ استعان بغيره.
وهنا لا بدّ من أن نعلم بأنّ التقليد للمجتهد الجامع للشرائط والرجوع إليه لمعرفة الوظيفة الشرعية، هو نوعٌ من الرجوع إلى المتخصّصِين، ولا علاقة له بالتقليد الأعمى الناشئ من العصبيّة القوميّة، أو العرقية أو ما شاكل ذلك.
الأصلُ الثاني والأربعون بعد المائة: الوضوء
اتّفق المسلمون على أنّ الإسلام عقيدة وشريعة .
أمّا الأُولى فقد تعرفت عليها في الفصول الماضية .
أمّا الشريعة فأُصولها أربعة :
    1. العبادات .
    2. المعاملات .
    3. الإيقاعات .
    4. الأحكام .
وأُصول العبادات عبارة عن الأُمور التالية :
    1. الصلاة ونوافلها.
    2. الصوم الواجب والمستحب .
    3. الزكاة .
    4. الخمس .
    5. الحج .
    6. الجهاد .
    7. الأمر بالمعروف .
    8 . النهي عن المنكر .
هذه أُمهات العبادات والامور القُربيّة عند الإمامية طبق الشريعة الإسلامية اكتفينا بالإشارة إليها ، وأمّا المعاملات والإيقاعات والأحكام فبيانها على عاتق الكتب الفقهية.
نعم هناك أحكام ربما لا تتفق الشيعة فيها مع الآخرين ونشير إلى مهماتها وهي في الوقت نفسه أُمور فقهية.
مسح الأرجل مكان غسلها
كلُّنا نَعلمُ بأنّ الوُضوء هو أحَدُ مقدمات الصلاة فإنّنا نقرأُ في سورة المائدة قوله تعالى:
( يَا أيُّهَا الَّذينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إلى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وأَيْدِيَكُم إلى المرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلى الكَعْبَيْنِ) ([8] ) .
وللفظة «الأَيدي» وهي جمع «يد» التي جاءت في جملة ( فَاغسِلُوا وجوهَكم وأيديَكم إلى المَرافِق) إستعمالاتٌ مختلِفةٌ في اللُّغة العربيّة فربما تُطلق ويراد منها الأصابع إلى الرسغ، وربما يُراد منها الأصابع إلى المرافق، وربما تُطلَق ويراد منها من رؤوس الأصابع إلى الكتف. هذا أوّلاً.
وثانياً: حيث إنّ المقدار الواجب غسلُه في الوضوء هو ما بين رؤوس الأصابع والمرافق، لذلك استعمل القرآن الكريم لفظة ( إلى المرافق) ليعرف المقدارَ الواجبَ غسلُه من هذين العضوين في الوضوء. وعلى هذا الأساس فانّ كلمة «إلى» في قوله تعالى: ( إلى المرافق) تبين مقدار «المغسول» من اليدين لا كيفيّة غسل اليدين (أي انّ الغَسل من الأعلى إلى الأسفل أو من الأسفل إلى الأعلى) بل كيفيّة الغَسل متروكةٌ للعُرف ولعادة الناس الذين يَغسلون الأعضاءَ والجوارح عادةً من الأعلى إلى الاسفل، وهو أمر موافق للطبيعة كذلك.
وللمثال: إنّ الطبيب حينما يأمر بغَسل رجلي المريض الى الرُّكبة نجدهم يغسلونَهما من الأعلى إلى الأسفل.
ولهذا فإنَّ الشيعةَ الإمامية تعتقد بأنّ غَسل الوَجه واليدين في الوضوء يجب ان يكون من الأعلى إلى الأسفل، ولا يصحّحون عكس ذلك.
وثمّتَ مطلبٌ آخر في الوضوء وهي مسألة مسح الأرجل فإنّ الفقه الشيعي يقول: يجب المسح لا الغَسل، ويدلُّ على ذلك بإيجاز، ظاهرُ الآية السادسة من سورة المائدة التي تبيّن أن هناك وظيفتين في الوضوء إحداهما «غَسلٌ» والأُخرى «مسحٌ». والغَسل للوجه واليدين، والمسح للرأس وللرجلين.
1. ( فاْغسِلُوا وجوهَكم وأيديكم إلى المرافق) .
2. ( وامسَحوا بِرءُوسِكَم وأرجلَكم إلى الكعبين) .
ولو أنّنا عرضنا هاتين الجملتين على أيّ عربي أصيل غير عارف بمذهب فقهي خاص، ولا مطّلع على موقف اجتهاديّ معيّن، وطلبنا منه أن يبيّن المرادَ منها، لقال من دون تردّد: إنّ وظيفتنا وفق هذه الآية عملان، أحدهما: الغَسل وهو للوَجه واليدين، والآخر: المَسح وهو للرأس والرجلين.
ومن حيث القواعد العربية فإنّ لفظة ( أرجلكم) يجب أن تُعطف على كلمة ( رءُوسِكم) فتكون النتيجة هي مسح الأرجل ولا يجوز عطفها على الجملة الأسبق وهي ( واغسلوا... وايديكم) التي تكون نتيجته غسل الأرجل لأنّ العطف على أيديكم يستلزم الفصل بين المعطوف وهو ( أرجلكم) والمعطوف عليه وهو ( وأيديكم) بجملة معترضة وهي ( فَامسحُوا برءُوسِكم) وهو غير صحيح من حيثُ القواعِدِ النَحوية العربيّة، ويوجب الإلتباس في المقصود.
كما أنّه لا فرق في هذه المسألة بين قراءة ( أرجلكم) بالجر أو النصب، فعلى كلتا القراءتين يجب عطف ( أرجلكم) على ( رءُوسكم) مع فارق واحد وهو أن في الأوّل يكون العطفُ على اللَّفظ والظاهر، وفي الثاني يكون العطفُ على المحلّ.
وبعبارة أُخرى ; إذا عُطِفتِ أرجلكم على لفظ رءُوسِكم قُرئت بالجرّ، واذا عُطِفَت على المحلّ (وهو المَفعولية) قرِئَت بالنصب.
والرّوايات المتواترة الواردة عن أهل البيت ـ عليهم السَّلام ـ  تحكي عن أنّ «الوضوء» يتألّف من شيئين هما: «غسلتان» و «مسحتان» وقد روى الإمام الباقر ـ عليه السَّلام ـ في حديث بيّن فيه وضوءَ رسول الله ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ أنّ النبيَّ  ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ كانَ يمسح على رِجليه. هذا والجديرُ بالذِكر أنّه لم يكن أئمة أهل البيت ـ عليهم السَّلام ـ  هم وحدهم الذين يمسحون على الأرجل عند الوضوء، بل كان فريق من الصحابة والتابعين يرَون هذا الرأي ويذهبون هذا المذهب أيضاً.
وليست أئمّة أهل البيت ـ عليهم السَّلام ـ منفردين في هذا القول بل وافقهم فيه لفيف من الصحابة والتابعين.
أمّا الصحابة ، فمنهم :
    1. الإمام علي بن أبي طالب ـ عليه السَّلام ـ .
    2. عثمان بن عفان .
    3. عبد الله بن عباس الصحابي .
    4. النزال بن سبرة الهلالي .
    5. رفاعة بن رافع بن مالك البدري .
    6. أنس بن مالك بن نضر خادم رسول الله  ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ .
    7. تميم بن زيد المازني الذي له صحبة .
    8 . أبو مالك الأشعري: الصحابي .
وأمّا من التابعين، فنذكر منهم :
    9.  الإمام الباقر محمد بن علي بن الحسين  ـ عليه السَّلام ـ .
    10. بسر بن سعيد المدني .
    11. حمران بن أبان مولى عثمان بن عفان .     12. عبد خير بن يزيد الكوفي التابعي .
    13. عباد بن تميم الخزرجي.
    14. أوس بن أبي أوس الثقفي .
    15. عامر شراحيل بن عبد الشعبي .
    16. عكرمة مولى ابن عباس .
    17. عروة بن الزبير القرشي .
    18. قتادة بن عزير البصري .
    19. موسى بن أنس بن مالك قاضي البصرة .
    20. حصين بن جندب الكوفي التابعي .
    21. جبير بن نفير بن مالك بن عامر الحضرمي .
    22. إسماعيل بن أبي خالد البجلي الأحمصي .
    23. عطاء القداحي .
إلى غير ذلك ممّن ذكرنا أسماءهم في رسالة مخصَّصة بحكم الأرجل في الوضوء.([9] )
ولكن سنة مسح الأرجل هذه تبدَّلت إلى الغَسل فيما بعد لأسباب خاصّة جاء ذكرها في الكتب الفقهيّة.
وقد قال ابن عباس الوضوء غسلتان ومسحتان([10] ).
الأصلُ الثالث والأربعون بعد المائة: ما يصح السجود عليه
تعتقد الشيعة بأنّه يجب السجود في حال الصلاة على الأرض وما ينبت منها بشرط أن لا يكون مأكولاً ولا ملبوساً، وأنّه لا يصحُّ السجود على غير ذلك في حال الإختيار.
فقد روي في حديث عن رسول الله ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ ، ونَقَلَهُ أهلُ السُّنة أنّه قال: «وجُعِلَتْ لِيَ الأرضُ مَسْجِداً وَطَهُوراً»([11] ).
وكلمة «الطهور» التي هي ناظرة إلى التيمّم تفيد أنّ المقصودَ من الأرض هو الأرض الطبيعيّة التي تتمثل في التراب والصخر والحصى وما شابهها.
ويقول الإمام الصادق ـ عليه السَّلام ـ أيضاً: «السجودُ لا يَجُوز إلاّ عَلى الأَرض أو عَلى ما أنبَتت الأرضُ إلاّ ما أُكِلَ أو لُبِس»([12] ).
ولقَد كانت سِيرةُ المسلمين في عصر الرسول الأكرم ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ هي السجود على أرض المسجد التي كانت مفروشة بالحصى، وعندما كان الجوّ حاراً جداً بحيث كان السجود على الحصى أمراً عسيراً، كانَ يسمح لهم بأن يأخذوا الحصى في أكفهم لتبريدها، حتى يمكنهم السجودُ عليها.
يقول «جابرُ بنُ عبد الله» الأنصاري: كنتُ أُصلّي مع رسول الله ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ الظُهر فآخذ قبضةً من حصى في كفّي لِتبرُدَ حتى أسجدَ عليه من شِدّة الحر.([13] )
وتجنَّبَ أحد الصَّحابة عن تتريب جبهته عند السجود، فقال له النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ : «ترّب وجهك»([14] ).
كما انّه إذا كان أحدٌ من الصحابة يسجد على كور العمامة أزاح النبيُّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ بيده عمامته عن جبهته.([15] )
إنّ هذه الأحاديث كلَّها تشَهد بأنّ وظيفة المسلمين في عصر النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ كانت في البداية هي السجودُ على الترابِ والحصى، ولم يسجدوا على الفراش أو اللباس أو على طرف العمامة، ولكن النبيُّ  ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ أُبلغ عن طريق الوحي الإلهي فيما بعد أنّه يمكنه السجودُ على الحصير والخُمرة أيضاً وثمت رواياتٌ عديدةٌ وكثيرةٌ تحكي عن سجود النبيّ على الحصير والخُمرة.([16] )
إنّ الشيعة الإمامية كانوا لا يزالون مقيّدين بهذا الأصل، فهم كانوا ولا يزالون يسجُدون فقط على الأَرض، أو ما ينبتُ من الأرض من غير المأكول والملبُوس كالحصير المصنوع من سَعْف النَخْل، أو القَصَب، ويرجع إصرارهم على السجود على التراب أو الحصى والصخر أو الحصير إلى هذه الأدلّة الساطعة.
ثم إنّ من الأفضل أن تكون المساجدُ في البلاد الإسلامية على نحو يمكن لأتباع جميع المذاهب المختلفة العمل بوظائفهم دون حرج.
وفي الخاتمة ; لابد أن نُذكِّر بهذه النقطة وهي أنّ التراب والحجر هو في الحقيقة «مسجودٌ عليه» وليس «مسجوداً له» فالشيعة يسجدون على التراب والحجر لا أنّهم يسجدون لهما.
وربما يُتصوّر أحد خطأً أنّ الشيعة يسجدون للتراب والحجرفي حين انّهم إنّما يسجدون لله تعالى تماماً مثل جميع المسلمين ويضعون جباههم على التراب تذلّلاً لله تعالى ويقولون سبحانَ ربّي الاعلى وبحمده.
الأصل الرابع والأربعون بعد المائة: الجمع بين الصلاتين
يَجبُ على كلّ مسلم أن يصلّيَ لله كلّ يوم وليلة خمسَ مرّات في الأوقات الشرعيّة التي بيّنها الله تعالى ورسولهُ الكريم في القرآن والسُّنة.
فوقت صلاة الظهر والعصر يَبدَأُ من الزَّوالِ إلى الغُروب، ووقتُ صَلاةِ المغرب والعشاء يبدأ من المغرب إلى منتصف اللَّيْل، ووقتُ صلاة الصُّبح يبدأ من طلوع الفجر إلى طلوع الشَّمس.
إنّ الشيعة تعتقد بأنّ الظُّهَر إلى المغرب هو الوقت المشترك بين الصَّلاتين، إلاّ بمقدار أربع ركعات من أوّل الوقت، فهو وقت مختص بصلاة الظهر، وبمقدار أربعة ركعات من آخرِ الوقتِ فهو وقتٌ مختصٌ بصَلاةِ العَصر.
وعلى هذا الأَساس يجوزُ للإنسان الإتيانُ بكلتا الصَّلاتين: الظُّهرِ والعصرِ في الوقت المشتَرَك (أمّا في وقت الظهر ووقت العصر فلا يجوز إلاّ الإتيان بالصلاة المختصّة به فيه) وإن كان الأفضل أن يفصلَ بين الظهرين والعشائين، ويأتي بكلّ واحدة منهما في وقتِ فضيلتها التي ستُذكر فيما بعد([17] ) ولكنه في نفس الوقت يجوز الجمعُ بينهما، وترك وقت الفضيلة.
يقول الإمامُ الباقرُ  ـ عليه السَّلام ـ : إذا زالتِ الشَّمسُ دَخَلَ الوقتان الظهرُ والعصرُ، وإذا غابتِ الشمسُ دخلَ الوقتان المغربُ والعشاءُ الآخرة([18] ).
وقال الإمامُ الصادق ـ عليه السَّلام ـ : «إذا زالَتِ الشَّمسُ فَقَدْ دَخَلَ وَقتُ الظُّهرِ والعَصرِ جميعاً، إلاّ أنَّ هذِهِ قبلَ هذهِ، ثم إنّه في وقت منهما جميعاً حتى تغيبَ الشمسُ»([19] ).
ويُخبرُ الإمامُ الباقر ـ عليه السَّلام ـ عن النبي  ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ أنّه كان يَجمعُ بين الظُّهر والعَصر مِن دون عذر أو علة.([20] ) إنّ جوازَ الجمع بين الصلاتين (الظّهرين، والعِشائين) موضعُ اتّفاق بين جميع فقهاء الإسلام، فجميع الفقهاء يجوّزُون الجمع بين الصلاتين: الظُّهر والعَصر في عرفة والمغرب والعشاء في المزدلفة .
كما أنّ فريقاً كبيراً من فُقَهاءِ أهل السُّنّة يجوّزُون الجمعَ بين الصَلاتين في السَّفر.
وما يَختلفُ فيه الشيعةُ عن الآخرين هو أنّهم يتوسَّعُون في هذه المسألة إستناداً إلى الأدِلّة السّابقة (مع القبول بأفضلية الإتيان بالصلوات الخمس في أوقات فضيلتها والقول به وترجيحِهِ) فيجوّزُونَ الجمعَ بين الصَّلاتين مطلقاً.
وحكمة هذا الأمر هي ـ كما جاء في الأحاديث ـ التوسعة على المسلمين والتخفيف عنهم، وقد جَمَعَ النبيّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ نفسُه في مواضع كثيرة بين الصَّلاتين من دون عذر (كالسَّفر، والمرض وغيرهما) ليخفّف بذلك عن المسلمين، ويوسّعَ عليهم، حتى يستطيع ان يجمع بينهما كلُّ من شاءَ أنْ يجمع، ويُفّرِقَ بَينّهما كلُّ من شاءَ أنْ يفرّق.
فقد رَوى مُسْلم في صحيحه الحديث الآتي: «صَلّى رسولُ الله الظُّهرَ والعَصرَ جميعاً، والمغرب والعِشاء جميعاً في غير خوف ولا سَفَر»([21] ).
وقد أُشير في بعض الرّوايات إلى حِكمة هذا العمل. فقد جاء في إحدى تلك الروايات ما هذا نصُّه: «جَمَعَ النبيّ  ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ بين الظُّهر والعصر وبين المغرب والعِشاء.
فقيلَ له في ذلك .
فقال: صَنَعْتُ هذا لِئلاّ تُحرَجَ أُمّتي »([22] ).
إنّ الروايات التي تحدّثت عن جمع النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ بين الصلاتين وردت في الصحاح والمسانيد وهي تنص على جواز الجمع بين الصلاتين تربو على واحدة وعشرين رواية، بعضُها يرتبط بالسَّفر، والبعض الآخر يكون في غير السفر والمرض والمطر.
وفي بعضها أُشيرَ إلى حكمة الجَمع بين الصَّلاتين وهو التوسعة والتخفيف عن المسلمين، وقد استفاد فقهاء الشيعة من هذا التسهيل تجويز الجمع بين الصلاتين (الظهرين والعشائين) مطلقاً، وأمّا كيفية الجمع فهي على النحو الذي كان المسلمون جميعاً يجمعون في عرفة والمزدلفة.
وقد يُتَصوَّر أن المقصود من الجَمع هو أن يؤتى بالصلاة الأُولى من الصَّلاتين في آخر وقت الفَضيلة (مثلاً عندما يبلغُ ظل الشاخص إلى مقداره) ويؤتى بالصلاة الثانية في أوّل وقت العصر، وبهذا العمل يكون المصلّيـ في الحقيقة ـ قد أتى بكلتا الصلاتين في وقتهما وإن كان أحداهما في نهاية وقتها والآخرى في بدايته. ولكن هذا التصوُّر مخالفٌ لظاهر الرّوايات لأنّ كيفية الجمع بين الصلاتين ـ كما أسلفنا ـ هي على غرار ما يفعله المسلمون جميعاً في عرفة والمزدلفة، يعني انّهم في عرفة يأتون بكلتا الصلاتين (الظهر والعصر) في وقت الظهر، وفي المزدلفة يأتون بكلتا الصلاتين (المغرب والعشاء) في وقت العشاء.
وعلى هذا الأساس يجب أن يكون الجمع بين الصّلاتين الذي جاء في لسان رسول الله ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ ناظراً إلى هذا النمط من الجَمع، وليس الجمع الذي يؤتى فيه بإحدى الصلاتين في آخر وقته، وبالأُخرى في أوّل وقتها.
هذا مضافاً إلى أنّ حكمة الجمع بين الصلاتين وُصِفت في بعض الروايات بأنّها التوسعة والتخفيف وفي بعض الرّوايات وصُفِت بأنّها لرفع الحَرَج، وهذا إنّما يتحقّق إذا كان المصلّي في الجمع بين الصلاتين على خيار كامل يعني أن يجوز له أن يأتي بالظهر والعصر، والمغرب والعشاء متى شاء.
هذا مضافاً إلى أنّه على أساس هذا التفسير للمقصود يجب أن يُقال إنَّ النبيّ لم يأت بشيء جديد، لأنّ مثل هذا الجمع كان جائزاً حتى قبل أن يفعله النبيّ، فإنّ أي مسلم كان يجوز له أن يؤخّر صلاة الظهر إلى آخر الوقت، ويأتي بالعصر كذلك في أول وقته.
ولقد كَتبَ فقهاءُ الشيعة الإمامية حول الجَمع بين الصَّلاتين وأدلّتِهِ رسائلَ مفصّلةً يمكن لمن يحبُّ التوسعَ مراجعتها.
الأصلُ الخامسُ والأربعون بعد المائة: الزواج المؤقت (المتعة)
إنّ الفقه الشيعيَّ تَبَعاً للكتاب والسُّنة يُصَحّحُ نوعَينِ من الزَّواج: «الزواج الدائم» وهو لا يحتاج إلى توضيح .
«والزواج المؤقَّت» أو المتعة وكيفيتها كالتالي :
يجوز للرجل والمرأة بأن يقيما علاقة زوجيّة بينهما لمدّة معينة شريطة أن لا يكون هناك مانعٌ شرعي (من نَسَب أو رِضاع) في طريق زواجهما، وذلك بَعد أن يُعيّنا مبلغاً من المال، ثم إنّهما بعد انقضاء المدة ينفصلان من دون إجراء صيغة الطلاق.
ولو نشأ من هذا الزواج (المؤقَّت) وَلد كان ولدُهما شرعاً وورثهما.
وعلى المرأة ـ بعد إنقضاء المُدّة ـ أن تعتدَّ عدةً شرعيّةً، ولو كانت حاملاً وَجَبَ الإعتدادُ إلى أن يولَد الطفلُ، ولا تتزوَّج في حالِ كونها في حبالة الرَّجُل، وكذا في حالِ عدَّتها، برجل آخر.
إنّ الزواج المؤقَّت مثل الزَّواج الدائم ماهيةً وحقيقةً، وأكثر الأحكام الثابتة للزواج الدائم، ثابتة كذلك للنكاح المؤقَّت، وغاية ما هناك من تفاوت مهّم بين هذين الزواجين هو أمران:
1. تعيين المدة في النكاح المؤقت .
2. عدم وجوب النفقة في هذا النِّكاح.
ولو أنّنا تجاوزنا هذين المطلبين البارزين تكون الفوارق الأُخرى فوارق جزئية لا توجب افتراقاً كبيراً بين النكاحين.
هذا وحيث إنّ الإسلام دينٌ خاتم وشريعة جامعة فجوّز هذه الأطروحة لحلّ المشكلة الجنسية.
ولو أنّنا أخذنا وضع الشاب الّذي يدرس أو يعمل خارج البلاد، ويفتقد القُدرة على الزواج الدائم فماذا يفعل في هذه الحالة؟ وما هي وظيفته في هذه الصورة؟ فإنَّ الشابّ لا يجد أمامه إلاّ ثلاثة خيارات:
ألف : كبح الرغبة الجنسيّة وأن يحرم النفس من التلذّذ الجنسي.
ب : إيجاد العلاقة الجنسية غير الشرعية مع النساء الفاسدات أو المريضات.
ج : الإستفادة من الزواج المؤقّت مع امرأة طاهرة ضمن شروط خاصّة، من دون تحمّل مشكلة النفقة والتي توجدُها رابطة الزوجية الدائمة.
إنّ من الواضح انّه ليس هناك طريقٌ رابعٌ يستفيد منه الشابُ المذكورُ، على أنّه لا يعني هذا أنّ الزواج المؤقَّت خاصٌّ بمثل هذه الشروط ولكن في نفس الوَقت تستطيع ملاحظة مثل هذه الموارد أن تكشف عن حكمة تشريع هذا النمط من الزواج.
ولابدّ من الإلتفات ـ ضمناً ـ إلى أنّ فقهاءَ الإسلام قد أيّدوا نوعاً من الزَّواج الدائم الذي هو في حقيقته الزواج المؤقّت وهو ان يتزوجَ رجلٌ وامرأة زواجاً دائمياً ولكنهما أو أحدهما يعلمان بأنهما سينفصلان، بعد مدة بالطلاق.
إنّ تجويز هذا النوع من الزواج يشبه تماماً تجويز الزواج المؤقّت فهما متشابهان جوهراً وإن اختلفا اسماً.
إنّ الكتاب والسُّنَّة النبويّة حاكيان عن مشروعية الزواج المؤقّت (المتعة) فالقرآنُ الكريم يقول:
( فما اسْتَمْتَعْتُم بِهِ مِنهُنَّ فآتُوهُنَّ أُجورَهُنَّ فَرِيضةً) ([23] ) .
إنّ الأغلبيّة الساحقة من المفسّرين يعتبرون هذه الآية مرتبطةً بالزواج المؤقّت. وأساساً لا مجال للترديد في تشريع مثل هذا النكاح في الإسلام، إنّما الخلاف لو كان هو في نسخ هذا الزواج أو عدم نسخه، أي بقاءه على مشروعيته.
وروايات الفريقين حاكية عن أنّ هذا الحكم لم يُنسَخ. إنما مُنِعَ عن العمل بهذا الحكم في عصر الخليفة الثاني، والجدير بالذكر أنّ هناك كلاماً للخليفة في هذا المجال يكشف أيضاً عن أنّ هذا النمط من النكاح كان جائزاً بل رائجاً في عصر النبيّ الأكرم ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ . ويفيد أنّ هذا المنع لم يكن ناشئاً إلاّ من رأي شخصي ليس إلاّ، لأنّه قال: «أيّها الناسُ ثلاثٌ كنَّ على عَهد رسولِ الله أنا أنهى عنهنّ وأُحَرمهنَّ وأُعاقب عليهنّ، وهي: متعة النساء، ومتعة الحج، وحيّ على خَير العَمَل»([24] ). والعجيب أن نهيَ الخليفة عن الشق الأوّل والشق الأخير من هذه الشقوق بقى إلى الآن ولكن متعة الحج بقيت معمولاً بها عند جميع المسلمين خلافاً لرأي الخليفة الثاني (والمقصود من متعة الحج هو أنّ الحاج بعد أن انتهى من عمرة الحج يخرج من حالة الإحرام، وتحلّ له محرماته وهذه نهى عنها عمر وأمر بعدم الخروج من الإحرام وبقاء محرمات الإحرام حتى حلول موعد الحج).
والدليل الواضح على أنّ النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ لم يمنع عن المتعة ما رواه البخاري عن عِمران بن حصين أنّه قال: نزلت آية المتعة في كتابِ اللهِ ففعلناها مع رسول الله ولم ينزل قرآن يحرّمُهُ ولم يَنهَ عنها حتى مات، قالَ رجلٌ برَأْيه ما شاءَ (والمقصود هو تحريم الخليفة الثاني لنكاح المتعة).([25] )
الأصل السادسُ والأربعون بعد المائةِ: وضع اليد اليمنى على اليسرى في القراءة
يُعتبر التكفيرُ أو القبض وهو وضع اليد اليُمنى على اليُسرى في حال الصلاة بدعةً، وحَراماً في فقه الإماميّة.
يقول أمير المؤمنين ـ عليه السَّلام ـ : «لا يَجْمَعُ المسلمُ يَدَيه في صلاته وهو قائمٌ بَيْنَ يَدَيِ اللهِ يتشبّه بأهل الكُفْرِ مِنَ المجوس»([26] ). وقد حكى الصَّحابيُ الكبير أبو حميد الساعدي لجماعة من صحابة النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ كان من بينهم أبو هريرة الدوسيّ، وسهلُ الساعديّ، وأبو أسيد السّاعديّ، وأبو قتادة والحارث بن ربعي، ومحمّد بن مسلمة أيضاً، كيفيّةَ صلاة النبيّ الأكرم ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ وذكر كلَّ ما فيها من مستحبّات صغيرة وكبيرة، ولكن لم يَذْكُرْ فيها هذا العمل (أي التكفير قط)([27] ).
ومن البديهي أنّ هذا العمل لو كان من سيرة النبيّ  ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ لذكَره عند ذكر صلاته ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ أو لذَكره الحاضرون في ذلك المجلس.
وقد ورَد في كتبنا الحديثيّة ما يشابه حديث الساعدي على لسان الإمام جعفر الصادق ـ عليه السَّلام ـ برواية حماد بن عيسى أيضاً.([28] )
ويستفاد من حديث سهل بن سعد أيضاً أنّ وضع اليُمنى على اليُسرى في الصلاة حَدَث بعد رسول الله ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ لأنّه يقول: «كانَ النّاسُ يؤمَرون»( [29] ) لأنّه إذا كان النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ هو الآمر بهذا العمل لقال: كان النبيُّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ يأمرُ الناسَ.
أي كان ينسبه إلى شخص النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ .
الأصلُ السابعُ والأربعون بعد المائة: لاتجوز صلاة التطوّع جماعة
تُعتبر صلاةُ «التراويح» من المستحبّات المؤكّدة اتّباعاً لرسول الله ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ .
فقد جاء في الفقه الشيعيّ انّه يُستحبُّ أن يُصلّي الإنسان طول شهر رمضان ألف ركعة زائداً على النوافل المرتّبة في سائر الشهور، وتصلى هذه الصلاة فرادى، والجماعة فيها بدعة.ويقولُ الإمام الباقر ـ عليه السَّلام ـ : «ولا يَجُوز أنْ يُصَلّي التطوَّعَ جماعةً»([30] ).
وقد ذَكرَ الإمام الرضا ـ عليه السَّلام ـ في رسالته التي كتَبَ فيها عقائد المسلم، وأعماله بأنّ هذه النوافل لا يجوز الإتيان بها جماعة، وأنّ الإتيان بها كذلك بدعة. حيث قال: «ولا يُصَلّى التطوّع في جماعة لأنّ ذلك بدعَة وكلُ بدعة ضلاَلة وكل ضلالة في النار»([31] ).
من دراسة تاريخ صلاة «التراويح» جماعةً كما هو متداوَلٌ بين أهل السُّنّة، يتضح أن الإجتهاد الشخصيّ كان وراء تشريع هذا الأمر إلى دَرَجة أنّهم سمَّوه بدعة حسنة.
ويمكن لمن يحب الوقوف على  هذا أن يراجع المصادرَ التالِية.([32] )
الأصلُ الثامنُ والأربعون بعد المائة: الخُمس
اتّفق فقهاء الإسلام على أنّ غنائم الحرب تقسَّم بين المجاهدين ما عدا خمس الغنائم، فإنّه يجب صرفُه في موارد خاصّة جاء ذكرُها في قوله تعالى:
( وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِن شيء فَأَنَّ للهِ خُمُسَهُ وللرَّسُولِ وَلذِي القُربى واليَتَامى وَالمَسَاكِينِ وَابنِ السَّبِيلِ) ([33] ) .
والفرقُ الوحيد بين فقهاء الشيعة وبين غيرهم من الفقهاء هو أنّ الفريقَ الثاني يخصّون «الخُمْسَ» بغنائم الحرب، ولا يقولون بفرض «الخمس» في غير ذلك، ممّا يكتسبه الإنسان ويستحصله ويَستدلون لهذا الموقف بهذه الآية المباركة التي ذُكِرَت فيها غنيمةُ الحرب والقتال.
ولكنّ هذا الموضوع غير صحيح لسببين:
أوّلاً: أنّ الغنيمة تُطلَقُ في لغَة العَرب على كلّ مايفوزُ به الإنسان، ولا تختص بما يَحصَلُ عليه من العَدُوّ في الحرب، وبالقتال.
يقول ابن منظور: «الغنم الفوز بالشيء من غير مشقة»([34] ).
كما أنّ القرآنَ الكريمَ يستعمل هذه اللفظة في نِعَمِ الجنة، إذ يقول: ( فَعِنْدَ اللهِ مَغانِمُ كثيرَةٌ) ([35] ) . وأساساً: «الغنيمةُ» في مقابل «الغرامة» فكلّما حُكمَ على الشخص بأن يدفَعَ مبلغاً من دون أن يستفيدَ من شيء سُمّيَ ذلك المبلغ «غرامة»، وإذا فاز بشيء وحَصَل عليه سمّي ذلك «غنيمة».
وعلى هذا الأساس لا تختصُّ لفظة الغنيمة بغنائم الحرب ،ونزولُ الآية في غنيمة معركة «بدر» لايَدلُّ على اختصاصها بغنيمة الحرب، وقانون تخميس الأرباح قانون شاملٌ وكاملٌ، ومورد الآية غير مخصّص لهذا لحكمِ العامّ.
وثانياً: لقد وَرَدَ في بعض الروايات أنّ النبيَّ الأكرم ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ فرض «الخمسَ» على كلّ ربح، فعندما حضر عنده وفدٌ من قبيلة عبد القيس وقالوا: إنّ بينَنا وبينَك المشركين، وإنّا لا نصل إليك إلاّ في الأشهر الحُرُم فمرنا بجُمل الأمر، إن عَمِلنا به دخلنا الجنة وندعوا إليه مَن وَراءنا؟
فقال  ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ : «آمُرُكم بأربع: وأنهاكُمْ بأربع: شهادة أن لا إله إلاّ الله وإقام الصّلاة وإيتاء الزكاة وتعطوا الخمس من المغنم»([36] ).
إنّ المراد من الغنيمة في هذه الرواية، غير غنيمة القتالِ لأنّ وفد عبد القيس قالوا: إنّ بيننا وبينكَ: المشركين ، يعني انّنا نخاف أن نصل إليك في المدينة لوجود المشركين بيننا وبينك، وهذا يفيد أنهم كانوا محاصَرين من قِبَل الكفّار والمشركين ولم يكن في مقدورهم مقاتلة المشركين حتى يحصلوا على غَنيمة منهم، ثم يقوموا بتخميسها. هذا مضافاً إلى أنّ الرّوايات الصادرة عن أهل البيت ـ عليهم السَّلام ـ  تصرّح بوجوب دفع «الخمس» مِن كل ربح يحصل عليه الإنسانُ، وهذا ممّا لا يدع مجالاً للشكّ والغموض([37] ).
هذه بعضُ الفُروع الفقهيّة التي اتخذَ فيها الشيعةُ مواقفَ خاصة.
وللمثال ثمتَ خلاف بينهم وبين غيرهم في أبواب الخمس، والوصيّة والإرث، ولكن لابدّ من القول بأنّه مضافاً إلى اشتراك الشيعة مع غيرهم في كليات الأحكام، فإنّ تدريس الفقه بصورة مقارنة وبخاصة مع الأخذ بنظر الاعتبار كل ما ورد عن أهل البيت من آراء وأحكام مدعومة بالدليل، يمكنه أن يقلّلَ من شقة الخلاف بين أهل السنة والشيعة في هذا المجال.([38] )
الأصلُ التاسعُ والأربعون بعد المائةِ: دور الشيعة في بناء الحضارة الإسلامية
إنّ الحضارةَ الإسلامية ثمرةُ الجهود المتواصلة للأُمّة الإسلامية منذ انبثاق الدعوة المحمدية المباركة، فهم بشعوبهم المتنوعة وفي ظِلّ الإيمان والعقيدة ذابوا في بوتقة الإسلام، ووظَّفُوا كلّ قواهم وإمكانياتهم وركّزوا كلّ مساعيهم وجهودِهم لخدمة الإسلام، وتحقيق أهدافه وأغراضه السامية، وبذلك أرسوا دعائم حضارة لاتزال البشرية مدينة لها ومستفيدة منها.
ولقد كانَ للشيعة دورٌ مؤثرٌ في بِناءِ صرحِ الحضارةِ الإسلاميّة الكبرى، ويكفي تصفّح الكتب المؤلَّفة في العلوم والحضارةِ الإسلاميّة لنرى كيف تلمع فيها أسماءُ علماء الشيعة ومفكّريهم.
ففي مجال الآداب العربية والعلوم الإنسانية يكفي أن نعرف أنّ الإمام عليّاً أمير المؤمنين ـ عليه السَّلام ـ هو مؤسّسُها الأوّل، وأن تلميذه أبا الأسود الدؤلي هو الذي عمل على توسعتها وتدوينها. وقد واصَلَ علماء الشيعة بعد ذلك الجهود الحثيثة في سبيلها، وذلك نظراء المازني (المتوفّى 248 هـ) وابن السكيت (المتوفّى 244 هـ) وأبي إسحاق النحوي (من أصحاب الإمام الكاظم) وخليل ابن أحمد الفراهيدي مؤلّف كتاب «العَين» (المتوفّى 170 هـ) وابن دريد مؤلف كتاب «الجمهرة» (المتوفّى 321 هـ) والصاحب بن عبّاد مؤلف كتاب «المحيط» (المتوفّى 386 هـ) وغيرهم من آلاف الأُدباء الشيعة الذين كان كل واحد منهم قطباً من أقطاب اللغة، والنحو، والصرف، أو الشِّعر، وعلم العَروض في عصره.
وفي علم التَّفسير فالمرجع الأوّل لتفسير القرآن بعد رسول الله ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ هو الأمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب وأئمة أهل البيت ـ عليهم السَّلام ـ  ومن بعدهم عبد الله بن عباس (المتوفّى 68 هـ) وغيرهم من تلامذة أهل البيت، وقد ألَّفَ علماءُ الشيعة طوال أربعة عشر قرناً مئات التفاسير المتنوِّعة حجماً وكيفاً ومنهجاً، وقد كتبنا مقالاً مفصّلاً حول تأليف الشيعة في مجال التفسير عبر التاريخ، نُشِرَ في مقّدمة الطبعة الجديدة لتفسير «التبيان» للشيخ الطوسيّ.
وفي علم الحديث تقدّمت الشيعة على غيرهم من الِفرَق الإسلامية في تدوين السنة وكتابتها ودراستها على حين كان ذلك ممنوعاً في عصر الخلفاء.
ويمكن الإشارة في هذا الصَّعيد إلى «عبيد الله بن أبي رافع» و «ربيعة بن سميع» و «عليّ بن أبي رافع» من أصحاب الإمام علي ـ عليه السَّلام ـ ، ثم إلى أصحاب وتلامذة الإمام السجّاد والباقر والصادق ـ عليهم السَّلام ـ .
إنّ تنامي علم الحديث في عصر الإمام جعفر الصّادق ـ عليه السَّلام ـ بلغ إلى درجة أنّ الحسن بن علي الوشاء قال: رأيتُ في مسجد الكُوفة تسعمائة محدّث كلُّهُمْ يقولُ: حَدَّثنِي جعفرُ بنُ محمد ـ عليه السَّلام ـ .([39] )
وفي مجال الفقه تخرّج من مدرسة أهل البيت ـ عليهم السَّلام ـ  علماء ومجتهدون كبارٌ نظراء: أبان بن تغلب (المتوفّى 141 هـ) وزرارة بن أعين (المتوفّى 150هـ) ومحمد بن مسلم (المتوفّى 210 هـ) ومئات المجتهدين الكبار والعلماء المحققين كالشيخ المفيد والسيد المرتضى، والشيخ الطوسيّ، وابن إدريس الحلّي والمحقّق الحلّي، والعلاّمة الحلّي الذين خلَّفوا آثاراً علميّة وفكريّة في غاية الأهمية.
على أنّ جهودَ الشّيعة لم تتركّزْ على هذه العلوم حسب ولم تقتصر خدماتُهم على هذه المجالات بل خدَموا الإسلام والعالم في غيرها من العلوم كالتاريخ والمغازي والرجال، والدراية، والشِّعر، والأدب وغير ذلك ممّا لا يسع هذا المختصرُ لسَرد أسمائها.
هذا كلّه في مجال العلوم النَقْليّة، ولقد تقدَّموا على غيرهم من الطوائف والفِرق في العلوم العقليّة كعلم الكلام والفلسفة لأنَّ الشيعة يمنحون العقلَ دوراً أكبر وأهمية أكثر ممّا يعطيه غيرُهم من الفِرَق الإسلامية.
فهم بالإستلهام من أحاديث الإمام أمير المؤمنين وأبنائه المعصومين ـ عليهم السَّلام ـ  سعوا أكثر من غيرهم في بيان وشرح العقائد الإسلاميّة، وبهذا قدّمت الشيعة للأُمّة الإسلامية جيلاً عظيماً من المتكلّمين القديرين ومن الفلاسفة الكبار، ويُعَدُّ الكلام الشيعيُّ من أغنى وأثرى المدارس الكلامية الإسلامية، وهو يحتوي ـ مضافاً إلى أدلة من الكتاب والسنة ـ على براهين قوية من العقل.
إنّ أحد أُسُس الحَضارة الإسلامية هو معرفة عالم الطبيعة وقوانينها وقد تخرَّجَ من مدرسة الإمام جعفر الصادق ـ عليه السَّلام ـ أشخاص معروفون مثل «جابر ابن حيان» برعوا في مجال العلوم الطبيعية إلى درجة أن جابراً دعي في هذا العصر بأبي الكيمياء الحديثة.
وفي علم الجغرافيا كان أحمدُ بن أبي يعقوب المعروف باليعقوبي (المتوفّى حوالي 290 هـ) أول عالم جغرافيّ ساحَ في البلاد الإسلامية العريضة، وألّف كتاباً باسم «البلدان» وهو من علماء الشيعة. إنّ هذه الجهود الكبرى التي بُذلت في سبيل العلم والثقافة وأبتدأت من القرن الهجري الأوّل وحتى هذا اليوم، وأُسّسَت من أجلها الحوزات والمدارس، والجامعات والمعاهد العديدة تمت على أيدي علماء الشيعة، ورجالهم الذين لم يفتأوا لحظةً واحدة عن تقديم الخدمة للعالم البشري، وللحضارة الإسلامية والإنسانية.
وإنّ ماذُكِرَ هنا في هذه العجالة ليس إلاّ إشارة عابرة إلى دور الشيعة في مجال العِلم والحضارة الإسلاميّة وللتوسّع ومزيد الاطلاع لابدَّ من مراجعة المصادر المرتبطة بهذا المجال.([40] )
الأصلُ الخمسون بعد المائة: الوحدة بين المسلمين
إنّ الشيعة لاترى الاختلاف في الفروع مانعاً من الأخوة الإسلاميّة، ومن توحّد صفوف المسلمين أمام الاستعمار الغاشم.
كما أنّهم يعتقدون بأنّ عقد جلسات الحوار العلمي في جوّ هادئ، كفيلٌ بأن يحلّ الكثيرَ من المشاكل والاختلافات الفكرية والفقهيّة (التي تمنع أحياناً عن توحيد الصفوف ووحدة الكلمة).
على أنّ الاختلاف في الرأي والمنهج أمر غريزي عند البشر أساساً، كما أن سدّ باب المناقشة والبحث العلميّ في وجه العلماء والمفكّرين والفقهاء يوجب ضمورَ الفكر، وموت العلم والقضاء على روح التفكّر.
من هنا سعى علماء الشيعة الإمامية في كل العصور إلى أن يوضحوا الحقائق بطرح الأبحاث العلميّة والعقيديّة على طاولة البحث والنقاش، وبذلك قاموا بكُلّ خطوة من شأنها توحيد صفوف المسلمين وتأليف قلوبهم ضد أعداء الإسلام الذين أقسموا على محو هذا الدين وإطفاء جذوته.
ربّنا وإلهنا
قوّ شوكة المسلمين وأعنهم بقوة منكَ
على أعدائهم الغاشمين
من المشركين والمنافقين،
ومن ساعدهم على أذى المسلمين.
واهدنا يا ربّ إلى الصراط المستقيم.
وآخر دعوانا ان الحمد لله رب العالمين

[1] . التوحيد للشيخ الصدوقَ: الباب 1، الأحاديث 21، 22، 23 .
[2] . بحار الأنوار ج: 26 / 18 ـ 66 .
[3] . الكهف / 65 .
[4] . النمل / 40 .
[5] . صحيح البخاري: 2 / 149 .
[6] . راجع حول المحدَّث وتعريفه كتاب إرشاد الساري في شرح صحيح البخاري: 6 / 99 وغيره.
[7] . المقريزي: الخطط: 2 / 344 .
[8] . المائدة / 6 .
[9] . لاحظ رسالة حكم الأرجل في الوضوء، ص 61 ـ 68 .
[10] . تفسير الطبري : الجزء 6 / 82 .
[11] . صحيح البخاري: 1 / 91 ، كتاب التيمم، الحديث 2.
[12] . وسائل الشيعة، ج 3، الباب 1 من أبواب «ما يُسجَد عليه» الحديث الأوّل، ص 591.
[13] . مسند أحمد: 3 / 327، حديث جابر، سنن البيهقي: 1 / 439.
[14] . كنز العمّال: 7 / 465، رقم الحديث 19810 .
[15] . راجع سنن البيهقي: 2 / 105 .
[16] . مسند أحمد : 6 / 179، 309، 331، 377، و 2 / 192 ـ 198 .
[17] . وقت فضيلة صلاة الظهر من أوّل زوال الشمس إلى الوقت الذي يصير فيه ظلّ الشاخص بمقدار نفسه، ووقت فضيلة صلاة العصر كذلك عندما يصير ظل الشاخص ضعفي مقداره.
[18] . وسائل الشيعة: ج 3، أبواب المواقيت الباب 4، الرواية 1 .
[19] . وسائل الشيعة: ج 3، أبواب المواقيت، الباب 4، الرواية 4 و 6 .
[20] . نفس المصدر .
[21] . صحيح مسلم: 2 / 151، باب الجمع بين الصلاتين في الحضر .
[22] . شرح الزرقاني على موطأ مالك، ج 1، باب الجمع بين الصلاتين في الحضر والسفر ص 294.
[23] . النساء / 24 .
[24] . شرح التجريد للقوشجي، مبحث الإمامة، ص 464، وغيره .
[25] . صحيح البخاري، 6 / 37، قسم التفسير عند تفسير الآية 196 من سورة البقرة.
[26] . وسائل الشيعة، ج 4، الباب 15 من أبواب قواطع الصلاة، الحديث 7.
[27] . البيهقي، السنن: 2 / 72، 73، 101، 102 ; وأبو داود: السنن: 1 / 194، باب افتتاح الصلاة، الحديث 730، 736; الترمذي: السنن: 2 / 98 باب صفة الصلاة.
[28] . وسائل الشيعة: 4، باب 1 من أبواب أفعال الصلاة، الحديث 81 .
[29] . فتح الباري: 2 / 224، وسنن البيهقي: 2 / 28 .
[30] . الصدوق، الخصال، ص 606.
[31] . الصدوق، عيون أخبار الرضا: ج 2 ص 124.
[32] . القسطلاني، إرشاد الساري: 3 / 226; عمدة القارئ: 11 / 126; الشاطبي، الاعتصام: 2 / 291.
[33] . الأنفال / 41 .
[34] . لسان العرب، كلمة غَنَم، ويقرب من هذا المعنى ما ذكره ابن الأثير في النهاية، والفيروز آبادي في قاموس اللغة.
[35] . النساء / 94 .
[36] . صحيح البخاري، ج 2 ص 250 .
[37] . وسائل الشيعة، ج 6، كتاب الخمس، الباب الأوّل.
[38] . وصيّة الوارث نافذة في نظر الشيعة ولكنها غير نافذة في نظر السنّة، والعول والتعصيب في أحكام الإرث باطلان في نظر الشيعة وفقههم ويجب معالجة المشكلة في مورد العول بطريق آخر، مذكور في كتب الفقه.
[39] . رجال النجاشي، الرقم 79.
[40] . فهرست ابن النديم، رجال النجاشي، فهرست الشيخ الطوسي، تأسيس الشيعة لعلوم الإسلام، الذريعة إلى تصانيف الشيعة، أعيان الشيعة، والمجلد السادس من بحوث في الملل والنحل، وغيرها من الكتب.