قائمة المواضيع :
الإنسان بین الجبر والتفويض
إنّ للشخصية  الإنسانية أبعاداً مختلفة،  ومن تلك الأبعاد كون الإنسان فاعلاً مختاراً فيما يفعل أو يترك، أو كونه مسيّراً  قد رُسِم مصيرُ حياته بيد القَدَر  أو عامل آخر ـ كما  سيوافيك ـ ولا محيص له إلاّ السير في الطريق الذي خُطّ له.
مع انّ دراسة  هذا البعد من أبعاد الشخصية الإنسانية  دراسة مسألة فلسفية محضة يَلجها كبارُ الحكماء والفلاسفة عبْر القرون ولهم فيها آراء وأفكار، لكنّها و في الوقت نفسه مسألة يشتاق إلى فهمها عامّة الناس وقلّما وجدت في حياة الإنسان مسألة لها تلك الميزة، وفي الحقيقة  هي من إحدى المسائل الأربع التي يتطلّع إلى فهمها الجميع ألا وهي:
1. من أين جاء إلى الدنيا؟
2. لماذا جاء إليها؟
3. إلى أين يذهب؟
4. وهل هو في أعماله مخيّر أو مسير؟
ولأجل ذلك لا يمكن تحديد الزمن الذي طُرِحت فيه مسألة الجبر والاختيار، كما لا يمكن تحديد مكانها، وإنّ باذرها هل هو إفريقي أو روميّ أو هندي أو صيني أو إيراني؟ وعلى كلّ تقدير فللمسألة جذور عميقة في تاريخ حياة الإنسان.
ثمّ إنّ  الآراء المطروحة في المسألة  تدور على محورين:
1. الإنسان مسيّر لا مخيّر، مجبور في أفعاله وليس بمختار.
2. الإنسان مخيّر في أفعاله لا مسيّر، مختار فيها وليس بمجبور.
ولكلّ من الرأيين قائل  ودليل يعضد رأيه، إلاّ أنّ المهم هو الوقوف على الرأي السائد حين نزول الوحي على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ، فالسير في الحديث والتاريخ يُثبت بأنّ الرأي العام في الجزيرة العربية قبل البعثة كان هو الجبر، وقد بقيت رسوبات تلك الفكرة بعد البعثة وحتى رحيل النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) . ولأجل تبيين هذا الجانب من جوانب البحث نعقد الفصل التالي.
1
الجبر على مسرح التاريخ الإسلامي
إنّ التأمّل في عقائد العرب في الجاهلية يُثبت بأنّهم أو طائفة منهم  كانوا معتقدين بالتقدير السالب للاختيار عن الإنسان، يقول سبحانه: ( سَيَقُولُ الّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللّهُ ما أَشْرَكْنا وَلا آباؤُنا وَلا حَرَّمنا مِنْ شَيء كَذلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتّى ذاقُوا بَأْسَنا قُل هَل عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْم فَتُخرِجُوهُ لَنا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلاّ الظنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلاّ تَخرُصُون ) .( [1])
وليست الآية، آية وحيدة تكشف عن عقيدة العرب في العصر الجاهلي حول فعل الإنسان، بل هناك آية أو آيات أُخرى تشير إلى عقيدتهم، يقول سبحانه: ( وَإِذا فَعَلُوا فاحِشَةً قالُوا وَجَدْنا عَلَيْها آباءنا وَاللّهُ أَمرنا بِها قُلْ إِنَّ اللّهَ لا يأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ أَتَقُولُونَ عَلى اللّه ما لا تَعْلَمُون ) .( [2])
فقولهم:( واللّهُ أَمَرنا بِها ) إشارة إلى أنّ عبادة الوثن أمر قدّره اللّه سبحانه وليس لنا الفرار ممّا قُضي به، واللّه سبحانه يردّ على مزعمتهم بقوله:( قُلْ إِنّ اللّهَ لا يَأَمُرُ بِالْفَحْشاءِ أَتَقُولُونَ عَلى اللّه ما لا تَعْلَمُون ) ، فلا يأمر بها ولا يقدِّرها بالمعنى الذي تدّعون أي السالب للاختيار.
وأمّا جذور هذه العقيدة وانّها كيف تسرّبت إلى الجزيرة العربية حتّى سادت على المشركين فقد ظلّت مجهولة؟
والعجب انّ رسوبات فكرة الجبر بقيت بعد بزوغ نجم الإسلام وسادت  حال حياة الرسول وبعد رحيله أيضاً.
روى الواقدي في مغازيه عن أُمّ الحارث الأنصارية وهي تحدِّث عن  فرار المسلمين يوم حنين قالت: مرّ بي عمر ابن الخطاب منهزماً، فقلت: ما هذا؟ فقال عمر: أمر اللّه.( [3])
و معنى ذلك انّه لم يكن دور للغزاة من المسلمين في هزيمة حنين، وقد كانت الهزيمة تقديراً قطعياً من اللّه و لم يكن محيص من التسليم امامه.
وهذا هو نفس الجبر لا يفترق عنه قيد شعرة، مع أنّه سبحانه يقول: ( لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللّهُ فِي مَواطِن كَثيرة وَيَومَ حُنَين إِذْ أَعْجَبَتكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيئاً وَضاقَت عَلَيْكُمُ الأَرْضُ بِما رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرين ) .( [4])
وقد أشار سبحانه إلى عامل الهزيمة وأنّه أمران:
الأوّل: إعجابهم بكثرتهم، فاعتمدوا على الكثرة، مكان الاعتماد على اللّه سبحانه أوّلاً وعلى قواهم الذاتية ثانياً كما يقول: ( إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرتكُم ) .
الثاني: الانسحاب عن  ساحة الحرب بدل الثبات، كما يقول سبحانه( ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرين ) مع أنّهم أُمروا بالثبات كما يقول تعالى: ( يا أَيُّها الَّذينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحفاً فَلا تُوَلُّوهُم الأَدْبار ) .( [5])
والعجب انّ هذه العقيدة(القدر السالب للاختيار) كانت سائدة بعد رحيل الرسول وباقية في اذهان الصحابة، وهذا السيوطي ينقل عن عبد اللّه بن عمر أنّه جاء رجل إلى أبي بكر، فقال: أرأيت الزنا بقدر؟ قال: نعم، قال: فإنّ اللّه قدّره عليّ ثمّ يعذّبني؟ قال: نعم يا بن اللخناء أما واللّه لو كان عندي إنسان أمرته أن يجأ أنفك.( [6])
لقد كان السائل في حيرة من أمر القدر فسأل الخليفة عن كون الزنا مقدَّراً من اللّه أم لا؟ فلما أجاب الخليفة بنعم، استغرب من ذلك، لأنّ العقل لا يسوّغ تقديره سبحانه شيئاً  سالباً للاختيار عن الإنسان في فعله أو تركه ثمّ تعذيبه عليه، ولذلك قال: «فانّ اللّه قدّره عليّ ثمّ يعذبني؟!» فعند ذاك أقرّه الخليفة على ما استغربه، وقال: نعم يابن اللخناء.
استغلال الأُمويّين للقدر
إنّ طبيعة الحكومات الاستبدادية هي تبرير كلّ ما يسود  المجتمع من الفقر والظلم والاعتساف بعامل خارج عن دائرة حكمهم كقضاء اللّه سبحانه وقدره حتّى لا يعترض عليهم معترض.
ومن هنا وجد التفسيرُ الخاطئ للدين طريقَه إلى المجتمع الحاضر وانّه وسيلة لدعم الجهاز الحاكم، وقد استغل الشيوعيون والعلمانيُّون هذه الفكرة لإبعاد الناس عن الدين ولكنّهم خلطوا  سهواً أو عمداً بين كون الدين الواقعي ـ الذي أُلهم على قلوب الأنبياء ـ الّذي لا يكون مسانداً للجهاز الظالم ـ و بين التفسير الباطل للدين، إذ كيف يكون الدين مسانداً للسلطات الزمنية الجائرة مع أنّه يأمر بالعدل و الاحسان وينهى عن الظلم والفحشاء؟! يقول إمام المسلمين أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) راوياً عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) : «لن تقدس أُمّة لا يؤخذ للضعيف فيها حقّه من القوي غير متعتع».( [7])
1. انّ الأمويين استغلّوا الجبر لإرساء قواعد حُكْمِهم حتى أنّ معاوية لمّا نصب ولده يزيد خليفة للمسلمين وسلّطه على رقاب المسلمين اعترضت عليه أُمّ المؤمنين عائشة، فأجابها معاوية: إنّ أمر يزيد قضاء من القضاء وليس للعباد الخيرة من أمرهم.( [8])
2. وبهذا أيضاً أجاب معاوية عبد اللّه بن عمر عند ما  سأل  معاوية عن تنصيبه يزيدَ للحكم؟ بقوله: إنّي أُحذرك أن تشق عصا المسلمين وتسعى في تفريق ملئهم وأن تسفك دماءهم، وانّ أمر يزيد قد كان قضاءً من القضاء وليس للعباد خيرة من أمره.( [9])
3.وقد سرى هذا الاعتذار إلى غير الأمويّين من الذين  ساروا في ركب الخلفاء، فهذا هو عمربن سعد بن أبي وقاص، قاتل الإمام الشهيد الحسين (عليه السلام) فلمّا اعترض عليه عبد اللّه بن مطيع العدوي بقوله: اخترت همدَان والريَ على قتل ابن عمك؟! فقال عمر: كانت أُمور قُضِيتْ من السماء و قد أعذرت إلى ابن عمي قبل الوقعة فأبى إلاّ ما أبى.( [10])
4. وقد برّرتْ عائشة أُم المؤمنين خلافَها مع علي(عليه السلام) بالقضاء والقدر، على ما رواه الخطيب عن أبي قتادة فعندما ذكر قصة الخوارج في النهروان لعائشة أجابته أُمّ المؤمنين  بقولها: وما يمنعني ما بيني وبين عليّ أن أقول الحق، سمعت النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) يقول: «تفترق أُمّتي على فرقتين تمرق بينهما فرقة محلّقون رؤوسهم، مخفّون شواربهم، أزرهم إلى أنصاف سوقهم، يقرأون القرآن لا يتجاوز تراقيهم يقتلهم أحبهم إليّ، وأحبهم إلى اللّه»، قال: يا أُمّ المؤمنين فأنت تعلمين هذا فلم كان الذي منك؟! قالت: يا أبا قتادة وكان أمر اللّه قدراً مقدوراً، وللقدر أسباب!!.( [11])
التقدير المساوي للجبر عقيدة مستوردة
ومن العوامل التي صارت  سبباً لتركيز فكرة الجبر بين المسلمين هي الأساطير التي حاكها الأحبار والرهبان ونشروها بين المسلمين حول القضاء والقدر، فهذا هو حماد بن سلمة يروي عن أبي سنان قال: سمعنا وهب بن منبه، قال: كنتُ أقول بالقدر حتّى قرأت بضعة وسبعين كتاباً مِنْ كتب الأنبياء في كلّها: من جعل لنفسه شيئاً من المشيئة فقد كفر، فتركتُ قولي.( [12])
والمراد من القدر في قوله: «كنت أقول بالقدر» ليس القول بتقدير اللّه سبحانه وقضائه، بل المراد هو القول بالاختيار والمشيئة للعبد كما يظهر من ذيل كلامه.
وهذا النقل يعطي انّ القول بنفي الاختيار والمشيئة للإنسان، قد تسرّب إلى الأوساط الإسلامية عن طريق هذه الجماعة وعن الكتب الإسرائيلية أفيصحّ بعد هذا أن نعد القول بنفي المشيئة للإنسان عقيدة جاء بها القرآن والسنّة النبوية، ونكفّر من قال بالمشيئة له ولو مشيئة ظلية تابعة لمشيئته سبحانه، ونقاتل في سبيل هذه العقيدة؟!
حديث «الفراغ من الأمر»  بدعة يهوديّة
يجد الباحث في ثنايا الأحاديث وكلمات المحدّثين قولهم:«إنّ اللّه سبحانه قد فرغ من الأمر»، أي قد فرغ سبحانه  من أمر التدبير والتكوين فلا يتغيّر ما قُدّر، ولا يتبدّل ما قضى به، وهو بظاهره نفس الجبر، إذ معناه انّه لا محيص للإنسان إلاّ العمل بما قُدّر و قضى ولا يتمكّن من تغييره وتبديله، وبالتالي لا خيرة للإنسان في حياته فيما يختار أو يترك مع أنّه سبحانه يحكم على خلافه ويقول: ( وَمَا كانَ لِرَسُول أَنْ يَأْتَِي بِآيَة إِلاّ بِإِذْنِ اللّه وَلِكلِّ أَجل كتاب * يَمْحُوا اللّهُ ما يَشاءُ ويُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتاب ) .( [13])
وهل يمحو إلاّ ما أثبتَ؟! فلو كان قد فرغ من الأمر فما معنى محو ما أثبته وقدّره؟  كيف واللّه سبحانه مبسوط اليد لا يكبّله تقديره وقضاؤه، فله السيادة على القضاء والقدر دونهما عليه؟!
وهذا  هو الثعلبي ينقل عن مجاهد قال: قالت قريش: «حينما أنزل ( ما كان لرسول أن يأتي بآية إِلاّ بإِذن اللّه ) ما لنا  نراك يا محمد تملك من شيء وقد فرغ من أمره، فأنزلت هذه الآية تخويفاً ووعداً لهم، أي إن يشأ أحدثها من أمر ـ إلى أن قال: ـ ويُحدث في كلّ رمضان في ليلة القدر ويمحو ويُثبت ما يشاء من أرزاق الناس ومسائلهم وما يؤتيهم ويُنسأهم له.( [14])
وقد تطرق عن طريق تلامذة الاحبار والرهبان انّه سبحانه يمحو ما يشاء و يثبت إلاّ الحياة والموت والشقاء والسعادة فانّهما لا يتغيران، ونقله السيوطي عن غير واحد من الصحابة والتابعين الذين كانوا يحسنون الظن باحبار اليهود ورهبان النصارى.
أخرج ابن جرير وابن المنذر عن مجاهد في قوله تعالى: ( يَمْحُوا اللّه ما يَشاء وَيُثبت... ) قال: إلاّ الحياة والموت، والشقاء والسعادة فانّهما لا يتغيّران.( [15])
أخرج الطبراني في الأوسط وابن مردويه بسند ضعيف عن ابن عمر: سمعت رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول: ( يَمْحُوا اللّه ما يَشاءُ وَيُثْبِت ) : إلاّ الشقوة والسعادة والحياة والموت.( [16])
وقد روى عن ابن عباس: قال: ( يَمْحُوا اللّه ما يَشاء وَيُثبت )   قال: «ذلك كلّ ليلة القدر يرفع ويخفض ويرزق» أي غير الحياة والموت والشقاوة والسعادة، فإنّ ذلك لا يزول.( [17])
وأظنّ أنّ الرواية مكذوبة على لسان ابن عباس تلميذ الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) ، فإنّ الإمام (عليه السلام) وبيته الرفيع مجمعون على إمكان تغيير المصير حتّى السعادة والشقاء بالأعمال الصالحة والطالحة.
إنّ سيادة القدر على مصير الإنسان على نحو يسلب عنه الاختيار ولا يتمكّن من تبديل ما قدّر إلى خلافه، نفس القول بالجبر وسيادته.
إنّ هذا القول مرفوض عقلاً، وكتاباً، فإنّ إطلاق الكتاب في المحو والإثبات، يعمّ الجميع حتّى الموت والحياة والسعادة والشقاء.
إنّ قوم يونس قد غيّروا  مصيرهم السيّئ بالتوبة والعمل الصالح. يقول سبحانه: ( فَلَولا كانَتْ قَريَةٌ آمَنَتْ  فَنَفَعَها  إِيمانُها إِلاّ قَومَ يُونُسَ لمّا آمَنُوا كَشَفْنا عَنْهُمْ عَذابَ الخِزْيِ فِي الحَياةِ الدُّنيا وَمَتَّعْناهُمْ إِلى حين ) .( [18])
ويدلّ على ذلك أيضاً الروايات المتضافرة.
أخرج ابن أبي شيبة في  «المصنّف» وابن أبي الدنيا في الدعاء، عن ابن مسعود (رضي الله عنه) قال: ما دعا عبد قطّ بهذه الدعوات إلاّ وسّع اللّه له في معيشته: يا ذا المن ولا يُمنُّ عليه، يا ذا الجلال والإكرام، يا ذا الطول لا إله إلاّ أنت، ظهر اللاجئين، وجار المستجيرين، ومأمن الخائفين، إن كنت كتبتني عندك في أُمّ الكتاب شقيّاً فامح عني اسم الشقاء وأثبتني عندك سعيداً...، ـ إلى أن قال ـ: فإنّك تقول في كتابك الذي أنزلت ( يَمحُوا اللّه ما يَشاء وَيُثبت وعِندَهُ أُمّ الكتاب ) .( [19])
2
أحاديث لا تفارق الجبرَ قيد شعرة
إنّ اتّفاق المحدّثين على أنّ الصحيحين وبعدهما السنن الأربع، من أصحّ الكتب بعد القرآن الكريم، عاق الكثير من المحقّقين من الخوض فيهما نقداً وتمحيصاً، ولولا هذا الاتّفاق، لقام المحقّقون بالنقد والتمحيص فيما كان مخالفاً للكتاب والسنّة النبوية القطعية والعقل الصريح، وها نحن نسرد في المقام بعض ما جاء في الصحيحين ما لا يفارق الجبر قيد شعرة وهو إمّا مؤوّل أو موضوع على لسان الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) .
1. روى مسلم في صحيحه عن زيد بن وهب، عن عبد اللّه قال: حدّثنا رسول اللّه ـ وهو الصادق ـ أنّ أحدكم يجمع خلقه في بطن أُمّه أربعين يوماً، ثمّ يكون في ذلك علقة مثل ذلك، ثمّ يكون في ذلك مضغة مثل ذلك، ثمّ يرسل الملك فينفخ فيه الروح ويؤمر بأربع كلمات: بكتب رزقه وأجله وعمله وشقي أو سعيد، فوالذي لا إله غيره إنّ أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنّة حتّى ما يكون بينه و بينها إلاّ ذراع، فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها، وإنّ أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتّى ما يكون بينه و بينها إلاّ ذراع، فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها.( [20])
فعلى هذا لا يقدر الإنسان على إضلال نفسه ولا هدايتها كما لا يقدر على أن يجعل نفسه من أهل الجنة أو النار، ولو حاول لتحصيل شيء منها ، سبقَ الكتابُ حائلاً بينه و بين إرادته، وهذا هو نفس القول بأنّ الإنسان مسيّر لا مخيّر.
ثمّ إنّ الإمام النووي الشارح لصحيح مسلم نظر إلى هذه الأحاديث بعين الرضا والقبول، فلما رأى انّها لا تفارق الجبر قيد شعرة حاول تأويل قوله: «فيسبق عليه الكتاب» في كلا الموضعين، وقال: «انّ هذا قد يقع في نادر من الناس لا أنّه غالب فيهم».
ثمّ إنّ  من لطف اللّه تعالى وسعة رحمته انقلابُ الناس من الشر إلى الخير في كثرة وأمّا انقلابهم من الخير إلى الشر ففي غاية الندور ونهاية القلة، وهو نحو قوله تعالى: «إنّ رحمتي سبقت غضبي وغلبت غضبي».( [21])
يلاحظ عليـه أوّلاً:  بانّ حمـل أحـد  الطرفين على الغلبـة  والطرف الآخـر على وجه الندرة قسمة ضيزى فانّ ظاهر الحديث أنّ سبق الكتاب في الطرفين سيّان.
وثانياً: انّ الحديث ظاهر في غلبة القدر على عمل الإنسان ونيته فربما يجعل الصالح طالحاً والطالح صالحاً، ولا صلة له بسبق رحمته على غضبه والظاهر انّ هذه الأحاديث حيكت على وفق عقائد اليهود الذين ذهبوا إلى انّ يده سبحانه مغلولة فبعد ما قضى، لا يتمكن من تغييره،  غُلَّت أيديهم.
2. وروى عنه أيضاً حذيفة بن أسيد يبلغ به النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: «يدخل الملك على النطفة بعد ما تستقر في الرحم بأربعين أو خمسة وأربعين ليلة فيقول: يا رب أشقي أو سعيد؟ فيكتبان، فيقول: أي رب أذكر أو أُنثى؟ فيكتبان، ويكتب عمله وأثره وأجله ورزقه، ثمّ تُطوى الصحف فلا يزاد فيها ولا ينقص».( [22])
فعلى هذا فالصحف الأُولى التي قُدِّر فيها مصير الإنسان مطوية لا تفتح فلا يزيد فيها شيء ولا ينقص، وهذا لا يختلف عن الجبر قيد شعرة.
إنّ تفسير القضاء والقدر ـ اللّذين هما من المعارف العليا في الإسلام ـ بالمعنى الوارد في الرواية يجعل الإنسان مكتوف اليدين في خضمِّ الحياة فيسلب عنه كلّ سعي في طريق السعادة إذا كتب من أهل الشقاء أو في طريق الشقاء إذا كتب من أهل السعادة. 3. روى عبد اللّه بن عمر، عن أبيه قال: يا رسول اللّه أرأيت ما نعمل فيه أمر مبتدع أو فيما قد فرغ منه؟ فقال: بل فيما قد فرغ منه، ياابن الخطاب وكلّ ميسر، أمّا من كان من أهل السعادة فإنّه يعمل للسعادة، وأمّا من كان من أهل الشقاء فإنّه يعمل للشقاء.
وفي رواية قال: لمّا نزلت ( فمنهم شقي و سعيد ) سألت رسول اللّه ، فقلت: يا نبي اللّه فعلى مَ نعمل، على شيء  قد فرغ منه، أو على شيء لم يفرغ منه؟ قال: بل على شيء قد فرغ منه وجرت به الأقلام يا عمر، ولكن كلّ ميسر لما خلق له.( [23])
وهذا الحديث يعرب عن أنّه قد تمّ القضاء على الناس في الأزل وجعلهم صنفين وكلّ ميسر لما خلق له في الأزل لا لما لم يخلق له، فأهل السعادة ميسّرون للاعمال الصالحة فقط وأهل الشقاء ميسّرون للأعمال الطالحة فقط، وأي جبر أوضح و أبين ممّا جاء في هذا الحديث.
3
مضاعفات القول بالجبر
إنّ للقول بالجبر وإنّ  الإنسان مسيّر لا مخيّر، مضاعفات كثيرة، نشير إلى قسم منها ونحيل الباقي إلى مجال آخر:
1. انتفاء الغرض من بعثة الأنبياء
إنّ الغرض من بعثة الأنبياء هو دعوة الناس وإرشادهم إلى معالم التوحيد ونهيهم عن الشرك في مجال العقيدة، وإلى محاسن الأخلاق وزجرهم عن مساويها في مجال العمل، يقول سبحانه: ( وَلَقَدْ بَعَثْنا في كُلِّ أُمّة رَسُولاً أَن اعْبُدوا اللّه وَاجْتَنِبُوا الطّاغُوت ) ( [24]) ، وقال سبحانه: ( كانَ النّاسُ أُمّةً واحدةً فَبَعَثَ اللّهُ النَّبِيّينَ مُبَشِّرينَ وَمُنْذِرين ) ( [25]) إلى غير ذلك من الآيات التي تعكس الهدف المنشود من وراء بعث الأنبياء، ولا يتحقّق هذا الغرض إلاّ في ظل كون الإنسان  مخيّراً لا مسيَّراً، فلو كان مسيّراً فكلّ إنسان كتب عليه النار، فهو يدخلها ، إذن فما هو فائدة بعث الأنبياء، فإنّ دعوة الأنبياء وعدمها  بالنسبة إليه سيّان؟!  وهذا من الوضوح بمكان لا يحتاج إلى التطويل.
2. انتفاء فائدة المناهج التربوية
التربية عبارة عن توفير أرضية مناسبة لخروج ما هو بالقوة إلى منصّة الظهور والفعلية، وهذا كالمزارع والفلاح القائمين بتربية البذور والنباتات فيوفّران ما يحتاجان إليه في إخراج الاستعداد المكنون فيهما إلى حيز الظهور والكمال، فليس للمربّى دور الخلق والإيجاد، بل تهيئة الظروف المناسبة لأن يُظهر الشيءُ كمالَه المستور لكي ينقلب البذر زرعاً والنبات شجراً.
وعلى ضوء ذلك فالمناهج التربوية في الإنسان، شعارها رفع المستوى الفكري له وسوقه نحو الفضائل ومنعه من السقوط في هاوية الرذائل، ومن المعلوم أنّ تحقّق هذه الغاية رهن وجود الحرية في الإنسان لكي يقع  في إطار التربية، فيسير حسب الضوء الذي يريه المربي، فلو كان مسيّراً لا مخيّراً فإعمال الأساليب التربوية يُصبح أمراً لغواً غير مؤثر.
3. تكذيب الكتاب العزيز
إنّ من سبر الكتاب العزيز وتجرد عن عامّة الرواسب يجد انّ القرآن يصوّر الإنسان فاعلاً مختاراً يخاطبه فينصحه تارة، ويأمره أُخرى، ويزجره ثالثاً، ويعده رابعاً ويوعده خامساً، إلى غير ذلك من علائم الاختيار وآثاره، ونذكر منها مايلي:
1. قوله سبحانه: ( إِنّا هديناهُ السَّبيل إِمّا شاكراً وَإِمّا كفوراً ) .
2. قوله سبحانه: ( وَقُلِ الحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شاءَ فَليُؤْمِن  وَمَن ْ شاءَ فليَكْفُر إِنّا أَعْتَدْنا للظّالِمينَ ناراً أَحاطَ بِهِم سُرادِقُها وَإِن يستغيثُوا يُغاثُوا بِماء كالمُهْل يَشْوِي الوُجُوهَ بئسَ الشَّرابُ وَساءَتْ مُرتَفقاً ) .( [26])
وللّه در الشهيد السعيد  زين الدين العاملي حينما أنشد:
لقد جاء في القرآن آيةُ حكمة  *** تدمِّر آياتِ الضلال ومن يُجبر
وتخبر انّ الاختيار بأيدينا *** فمن شاء فليؤُمن و من شاء فليكفر
3.  قال سبحانه: ( مَنْ عَمِلَ صالِحاً فَلِنَفْسهِ وَمَنْ أَساءَ فَعَليها وَما ربّكَ بِظَلاّم لِلْعَبيد ) .( [27])
4 . قال سبحانه: ( كُلُّ امرى  بِما كَسَبَ رَهين ) .( [28])
5. قال سبحانه: ( لِكُلِّ امرى مِنْهُمْ مَا اكتَسَبَ مِنَ الإِثْم ) .( [29])
6. قال تعالى: ( وَأَنْ لَيْسَ للإِنْسانِ إِلاّ ما سعى * وأَنَّ سَعْيَهُ سَوفَ يُرى * ثُمّ يُجزاهُ الجزاءَ الأوفى ) .( [30])
إلى غير ذلك من الآيات الصريحة في أنّ الإنسان مخيّر فيما يختار ويترك وليس في حياته عاملُ ضغط باسم القدر والقضاء أو غيره، يسلب عنه الاختيار، وأمّا الآيات التي ربّما يستشم منها الجبر، ككون الهداية والضلال بيد اللّه سبحانه فسيوافيك تفسيرها .
4. الجبري في ساحة الحياة، اختياريّ
كلّ من رفع  راية الجبر واتّسم به في الحياة، وبنى عليه منهجاً فلسفياً، فهو يغالط نفسه، فترى أنّه إذا ظُلم وغصب حقّه، يندِّد بالظالم ويرفع شكواه إلى المحاكم حتّى يأخذ الحاكم حقّه من الغاصب والظالم، فلو لم يكن لخصمه خيرة واختيار فما معنى التنديد والتعرض له؟ وهذا يدلّ على أنّه يصوّر الخصم المخالف إنساناً مختاراً غصب ما يملكه عن اختيار وله أن يقوم بردّه إلى صاحبه.
وبالجملة كلّ من رفع عقيرته بالجبر فهو حين الجدال والسجال وإن  كان  جبريّاً ولكنّه في حياته الاجتماعية اختياري على ضد الجبر ولا يقبل أيّ عذر لخصمه!!
5. الجبر واجهة لنيل المزيد من الحرية
إنّ من دوافع القول بالجبر هو اشباع الميول والغرائز الحيوانية في الحياة، فالجبري يطلب المزيد من الحرية من وراء ادّعائه الجبر، ويتستر تحت واجهة الجبر ليخلِّص نفسه من عهدة التكليف والمسؤولية، ففي الحقيقة هو لا يؤمن بالجبر كمنهج للحياة، بل يعتقد بالحرية فيها ليعيش فيها وفقاً لما تمليه عليه غرائزه الجامحة.
إلى هنا تم الحديث عن بعض مضاعفات الجبر.
4
شبهات وحلول
ثمّ إنّ للقائلين  بالجبر شبهات مختلفة ربما يغتر بها السذج من الناس، فها نحن نستعرض تلك الشبهات ونضع أمام القارئ حلولاً لها على نحو لا يبقى لمشكك شك ولا لمريب ريب، فنقول:
الشبهة الأُولى
1. مثلث الشخصية
إنّ فعل الإنسان تعبير عن شخصيّته المكوّنة بأُصول ثلاثة يعبّر عنها بمثلث الشخصية وإن كانت الأضلاع في بنائها ومقدار تأثيرها غير متساوية، ولكن كلّ ضلع يؤثر فيها تأثيراً قطعيّاً، وأمّا أضلاعها:
أ. ناموس الوراثة.
ب. الثقافة.
ج. البيئة.
أمّا الأوّل: فهو أمر اعترف به العلم والتجربة ويلمسه كل إنسان واع، فالولد كما يرث الصفات الجسمانية للوالدين كذلك يرث صفاتهما الخُلقية وينشأ عليها، يقول الشاعر:
ينشا الصغير على ما كان والده  *** انّ الأُصول عليها ينبت الشجر
فاللبنة الأُولى في بناء الشخصية الصالحة أم الطالحة هي ما يرث الولد من الوالدين من الفضائل والرذائل، وقد كشف العلم أنّ الجينات الموجودة في النطفة الإنسانية سبب طبيعي وعامل لانتقال هذه الصفات من الوالدين إلى الطفل.
وأمّا الثاني فيأتي دوره بعد دور الوراثة حيث إنّ المعلّم  يمثِّل المدرسة التربوية الثانية بعد مدرسة الأبوين، ولهذا يكون دور التعليم في مصير الطفل دوراً حسّاساً في قلبه.
وأمّا الثالث فيأتي دوره إذا  أتمّ دراسته وبدأ ممارسة العمل، فعندئذ يتأثر في سلوكه وخُلقه بالبيئة التي يعيش فيها، فإذا كانت العوامل الثلاثة متجانسة في الغاية والأثر، يقع الكلّ في طريق تكوين الشخصية الواحدة بلا صراع بينها ولا نزاع، وأمّا إذا كان بينها نزاع وصراع في الغاية والدعوة، فتكون النتيجة  من حيث السلوك، تابعة لأقوى العوامل وأرسخها في الروح وهو يختلف حسب اختلاف تأثير الأوفر سهماً من هذه، ولأجل ذلك يوجد من يختار سلوك الآباء كما يوجد من يتركه و يقتفي أثر الثقافة أو البيئة.
وعلى كلّ تقدير فالإنسان مختار صورة، لكنّه مسيّر سيرة يخط مصيره هذه العوامل أو أقواها تأثيراً.
يلاحظ عليه: أوّلاً: بأنّ  ما ذكر  من تأثير العوامل الثلاثة في بناء الشخصية أمر لا غبار عليه، إنّما الكلام في كونها علّة تامّة أو معدّات  تُوجِد أرضية لنمو مقتضاها، ولا تُوجِدُ حتمية، غير قابلة للتغيير: أمّا العامل الأوّل فلا شكّ في تأثيره، وقد قال سبحانه: ( وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَباتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لا يَخْرُجُ إِلا نَكِدا ) .( [31]) وفي الآيات والروايات تصريحات وإشارات إلى ذلك، لكن أثرها بين غير قابل للتغيير، كالبُله والحمق والبلادة، وبين قابل له في ظلّ عوامل تربوية، ولأجل ذلك ربما يكون الولد المتولّد من أبوين بارّين، خائناً وجانياً، كما ربما يكون  الولد المتولّد من أبوين طاغيين، إنساناً صالحاً مطيعاً، والأوّل كولد نوح، والثاني كعمر بن عبد العزيز الأموي.
ومثله العامل الثاني، فليس عاملاً حتميّ الأثر وقطعيّ النتيجة، فربّما  يسعى الوالدان، لتغيير ما أوجده التعلّم من الآثار الطيّبة أو الخبيثة.
ولا يقلُّ عنه العامل الثالث، فقد أثّرت البيئة الفاسدة على امرأة نوح وامرأة لوط، فأفسدتهما( [32]) وفي الوقت نفسه بقيت في بيت نوح عدّة على صلاحهم وفلاحهم. فهذه العوامل بأجمعها معدّات، لا علّة تامّة في بناء الشخصية الحتمية غير القابلة للتغيير.
ثانياً: أنّ العوامل المكوِّنة للشخصية الإنسانية لا تنحصر في العوامل الثلاثة المذكورة التي اختارها المادي، لأنّها تناسب ما يبتغيه، كيف وانّ هناك أبعاداً روحية للإنسان وأحاسيس خاصة، توحي إليه خير الحياة وتدفعه إليها، بحماس، وإن لم يكن علّة تامة أيضاً في التخطيط، وهي عبارة عن الإدراكات النابعة من داخل الإنسان وفطرته من دون أن يتدخل في الإيحاء عامل خارجي، كإحساسه بالجوع والعطش، ورغبته في الزواج في سنين معيّنة، والاشتياق إلى المال والمنصب في فترات من حياته، وميله إلى ما هو حسن بالذات وهروبه عمّا هو قبيح كذلك، كالإحسان والأمانة والوفاء بالميثاق، وفي مقابله الظلم، والخيانة، ونقض العهد. تلك المعارف ـ و إن شئت سمّيتها بالأحاسيس ـ تنبع من ذات الإنسان وأعماق وجوده.
الشبهة الثانية
أفعال الإنسان
في
إطار القضاء والقدر
القدر بمعنى انّه سبحانه يقدّر وجود الشيء ويحدّده كمّاً وكيفاً و زماناً ومكاناً إلى غير ذلك من الخصوصيات الحافّة بالشيء قبل تحقّقه وايجاده. هذا هو التقدير، وأمّا القضاء فهو حكمه القطعي بتحقّق ذلك الشيء المقدّر في ظرفه.
هذا حسَب أُصولنا وأمّا على أُصول غيرنا، «فالقضاء» هو إرادته سبحانه الأزلية، «والقدر» هو ايجاد الشيء على قدر مخصوص كما سيوافيك.( [33]) فقد أخذوا من القدر، المعنى العيني وغفلو عن معناه العلمي، فالتقدير منه  علمي قبل الايجاد، ومنه عيني معه.
والتقدير والقضاء بهذا المعنى يشمل كلّ ما في الكون من الموجودات الممكنة من السماء والأرض وما فيها حتّى الإنسان وجوده وفعله.
وإن أردنا أن نشبه المعقول بالمحسوس فنقول:
التقدير والقضاء أشبه بعمل الخياط عندما يأخذ قياسات الثوب، ثمّ يشرع بخياطته ولولا ذلك لتعسّر عليه الخياطة.
ما هو محط النزاع في المقام؟
إنّ محطّ النزاع في القضاء والقدر، هو أفعال الإنسان، التي يترتّب عليها  الثواب والعقاب، ويحمد أو يذمّ، فهل وقوعها في إطار القضاء والقدر يسلب عنه الاختيار ويسود عليها، الجبر والحتم، أو لا؟!
وأمّا ما وراء ذلك من الأُمور الكونية سواء أكان له صلة بحياة الإنسان وأفعاله أم لا، فخارج عن محط النزاع، فالقول بسيادة الجبر عليه، نظر إلى الخصوصيات الكامنة في وجوده، تعبير واضح عن واقع وجوده مثلاً.
1. انّ حركة الشمس والقمر وما بينهما وفوقهما من السيارات والكواكب والمجرّات ، حركات جبرية لأنّه سبحانه قدّر وجودها، وحركاتها بهذه الخصوصية وقضى عليها به ، يقول سبحانه: ( وَسَخَّر لَكُمُ اللَّيلَ والنَّهارَ والشَّمسَ والْقَمَر والنُّجُومُ مُسخّراتٌ بأمْرِهِ إِنَّ في ذلكَ لآيات لِقَوْم يَعْقِلُون ) ( [34]) فالجميع فواعل، تسخرية غير شاعرة بأفعالها.
2. ما يقوم به النحل والنمل من الأفاعيل العجيبة، المحيّرة للعقول حركات تسخرية، يقوم به عن شعور، ولكن  لا بحرية واختيار فقد كتبت عليهما بقلم القضاء ان يتخذ من الجبال بيوتاً و الشجر وممّا يعرشون يقول سبحانه حاكياً عن القضاء المحتوم على النحل:( وأوحَى ربّك إلى النَّحلِ أنِ اتَّخذي مِنَ الجِبال بُيوتاً وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمّا يَعرِشُونَ * ثمّ كُلِي مِنْ كِلّ الثَّمَراتِ فَاسلُكي سُبُلَ ربّكِ ذُلُلاً يَخْرجُ مِنْ بُطونها شَرابٌ مُختلِفٌ أَلوانُهُ فيهِ شِفاءٌ لِلنّاسِ إِنّ في ذلكَ لآيةً لِقَوم يَتفكّرونَ ) .( [35])
فالنحل ذاته ووجوده وعمله وصنعه واقع في إطار التقدير و القضاء والنظام السائد على ذلك، هو سيادة الجبر عليه وأشباهه.
3. انّ خلقة الإنسان ونشوءه من النطفة إلى العلقة، إلى المضغة إلى العظام إلى غير ذلك ممّا يجري عليه إلى أن يولد وينمو و يشبّ و يشيب، ويموت كلّها واقع في إطار التقدير والقضاء، لا خيار للإنسان فيه، شاء أم لم يشأ، فالقول بسيادة الجبر عليه في هذه المرحلة تعبير واقعي، لا ينافي حكم العقل والشرع.
4. انّ ما يواجهه الإنسان في حياته، ممّا يبتلي به غير مريد به  كالطوفان الجارف الذي يكتسح مزرعته، والسيل العارم الذي  يهدم منزله و بيته،  والزلزال الشديد، الذي يزعزع بنيانه وبالتالي يخسر ويتضرر، كلّها بقدر من اللّه سبحانه لا يُلام بها الإنسان ولا يذمّ وهو أيضاً كسوابقه خارج عن محطّ البحث.
فالذي تدور عليه رحى النزاع والدراسة، ما يصدر عن الإنسان من  الأفعال التي في وسعه تركها أو فعلها، فهل وقوعها في إطار التقدير  يجرّنا إلى القول بالجبر، أو لاصلة بين القول بالقضاء والقدر، واستنتاج الجبر منه؟
وهذا  موضوع بحثنا ودراستنا.
إنّ كثيراً من الناس زعموا انّ القول بالقضاء والقدر  يضادّ كون الإنسان مخيراً، وقد كان ذلك الزعم سائداً في عصر الإمام أمير المؤمنين حيث أقبل شيخ إلى الإمام علي(عليه السلام) عند منصرفه من صفين فقال: أخبرنا عن مسيرنا إلى أهل الشام، أبقضاء اللّه وقدره؟
فقال: «أجل يا شيخُ ما علَوتُم من تلْعة ولا هبطتم من واد إلاّ بقضاء من اللّه وقدره» فقال الشيخ: عند اللّه احتسب عنائي يا أمير المؤمنين.( [36])
فقال أمير المؤمنين (عليه السلام) :«يا شيخ، فواللّه لقد عظّم اللّه لكم الأجر في مسيركم، وأنتم سائرون، وفي مقامكم إذ أنتم مقيمون، وفي منصرفكم وأنتم منصرفون، لم تكونوا في شيء من حالاتكم مُكْرَهين، ولا إليه مضطرّين».
فقال الشيخ : فكيف لم نكن في شيء من حالاتنا مكرهين، ولا إليه مضطرين وكان بالقضاء والقدر مسيرنا ومنقلبنا و منصرفنا؟!
فقال أمير المؤمنين (عليه السلام) :«أتظن أنّه كان قضاءً حتماً، وقدراً لازماً، إنّه لو كان كذلك لبطل الثواب والعقاب، والأمر والنهي، والزجر من اللّه تعالى، وسقط معنى الوعد والوعيد، ولم تكن لائمة للمذنب، ولا مَحْمَدَة للمحسن، ولكان  المذنب أولى بالإحسان من المحسن، ولكان المحسن أولى بالعقوبة من المذنب، وتلك مقالة إخوان عبدة الأوثان وخصماء الرحمن، وحزب الشيطان وقدرية هذه الأُمّة ومجوسها، وانّ اللّه كلّف تخييراً ونهى تحذيراً، وأعطى على القليل كثيراً، ولم يُعص مغلوباً، ولم يُطع مكرهاً، ولم يملِّك مفوِّضاً، ولم يخلق السماوات والأرض وما بينهما باطلاً، ولم يبعث النبيّين مبشّرين ومنذرين عبثاً، ذلك ظن الّذين كفروا فويل للّذين كفروا من النار».( [37])
والحديث جمع بين القول بين القدر والقضاء وكون الإنسان مخيّراً لا مسيّراً. وانّ الإيمان بالقدر، لا يجعل الإنسان مكتوف اليدين بل هو مختار غير مكرَه.
ولقد بقيت الفكرة بعد رحيل الإمام علي (عليه السلام) وتسرّبت إلى كثير من الأوساط فجعلوا القضاء والقدر من أدلّة الجبر.
ولمّا كان في القول بالقضاء والقدر وصمة الجبر، أنكرت المعتزلة وقوع الأفعال الاختيارية الصادرة عن العباد متعلّقة بالقضاء والقدر، خلافاً للأشاعرة فقد جعلوا الأفعال متعلّقاً للقضاء والقدر، فقالوا: إنّ قضاء اللّه هو إرادته الأزلية المتعلّقة بالأشياء على ما هي عليه فيما لا يزال، وقدره إيجادها إيّاها على قدر مخصوص وتقدير معيّن في ذواتها وأحوالها .( [38])
أقول: لا شكّ انّ كلّ ما في الكون من كبير وصغير وجليل ودقيق من الجواهر والأعراض كلّها واقعة في إطار القدر والقضاء، غير أنّ  استنتاج الجبر من القدر والقضاء، استنتاج خاطئ، بل القول بهما يؤكد الاختيار على خلاف ما يستنتجه القائلون بالجبر. وإليك توضيح المقام فانّه يطلق القضاء والقدر على معنيين:
المعنى الأوّل  للقضاء والقدر
              1
القضاء والقدر: السنن الكونية
يُطلق القضاء والقدر ويراد بهما السنن الكونية الواردة في الكتاب والسنّة السائدة على الكون عامّة، والإنسان خاصة  وبيد الإنسان مفتاح التظلّل تحت أي سنّة من السنن، ونذكر من هذه السنن، الشيء القليل من الكثير:
1. قال  سبحـانه حاكياً عـن شيـخ الأنبيـاء نوح (عليه السلام) :
( فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُم إِنَّهُ كانَ غَفّاراً * يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُمْ مِدراراً * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوال وَبَنينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنّات وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهاراً ) .( [39])
فترى أنّ  نوحاً (عليه السلام) يجعل الاستغفار سبباً مؤثراً في نزول المطر وكثرة الأموال وجريان الأنهار، ووفرة الأولاد. وإنكار تأثير الاستغفار في هذه الكائنات أشبه بكلمات الملاحدة. وموقف الاستغفار هنا موقف العلّة التامّة أو المقتضي بالنسبة إليها، والآية  تهدف إلى أنّ الرجوع إلى اللّه وإقامة دينه وأحكامه، يسوق المجتمع  إلى النظر والعدل والقسط،  إذ في ظلّه تنصبّ القوى على بناء المجتمع على أساس صحيح، فتُصرف القوى في العمران والزراعة وسائر مجالات المصالح الاقتصادية العامّة; كما أنّ العمل على خلاف هذه السنّة، وهو رجوع المجتمع عن اللّه وعن الطهارة في القلب والعمل، ينتج خلاف ذلك.
وللمجتمع الخيار في التمسّك بأهداب أيّة من السُّنتين،  فالكلّ قضاء اللّه وتقديره. فمن تمسّك بالأُولى فقد تمسّك بقضاء اللّه، كما أنّ مَنْ تمسّك بالثانية فقد تمسّك به أيضاً.
2. قال سبحانه: ( وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرى آمَنُوا وَاتَّقَوا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكات مِنَ السَّماءِ وَالأَرْضِ وَلكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْناهُمْ بِمَا كانُوا  يَكْسِبُونَ ) .( [40])
3. قال سبحانه: ( إِنَّ اللّهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوم حَتّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ ) .( [41])
4. قال سبحانه: ( ذَلِكَ بِأَنَّ اللّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِعْمَةً أَنْعَمَها عَلى قَوْم حَتّى يُغَيِّروا ما بأَنْفُسِهِم ) .( [42])
والتقرير في مورد هذه الآيات الثلاث مثله في الآية السابقة عليها وللإنسان الخيار في الأخذ بأيّة من السنتّين.
5. وقال سبحانه: ( وَإِذْ تأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذابي لَشديد ) .( [43])
ترى أنّ الآية تتكفّل ببيان كلا طرفي السنّة الإلهية إيجاباً وسلباً، وتُبيّن النتيجة المترتّبة على كلّ واحد منهما. والكلّ قضاؤه وتقديره والخيار في سلوكهما للمجتمـع.
6. وقال سبحانه: ( وَمَنْ يَتَّقِ اللّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِب ) .( [44])
7. وقال سبحانه: ( يُثَبِّتُ اللّهُ الّذِينَ آمَنُوا بِالقَولِ الثّابِتِ فِي الحَياةِ الدُّنيا وَفِي الآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللّهُ الظّالِمين وَيَفْعَلُ اللّهُ ما يَشاء ) .( [45])
فالمجتمع المؤمن باللّه وكتابه وسنّة رسوله إيماناً راسخاً يثبّته اللّه سبحانه في الحياة الدنيا وفي الآخرة، كما أنّ الظالم والعادل عن اللّه سبحانه يخذله سبحانه ولا يوفّقه إلى شيء من مراتب معرفته وهدايته. ولأجل ذلك يُرتِّب على تلك الآية قوله: ( أَلَمْ تَرَ إِلى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللّهِ كُفْراً وَأَحَلُّوا قَومَهُمْ دارَ الْبَوارِ * جَهَنَّمَ يَصْلَونَها وَبِئْسَ الْقَرار ) .( [46])
8. وقال سبحانه: ( وَلَقَدْ كَتَبْنا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصّالِحُون ) .( [47])
فالصالحون لأجل تحلِّيهم بالصلاح في العقيدة والعمل، يغلبون الظالمين وتكون السيادة لهم، والذلّة والخذلان لمخالفيهم.
9. وقال سبحانه: ( وَعَدَ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ  وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِيَنَهُمُ الَّذِي ارْتضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدْ خَوْفِهِمْ أَمْناً يعْبُدُونَني لاَ يُشْرِكُونَ بي شَيئاً وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُون ) .( [48])
فالاستخلاف في الأرض نتيجة الإيمان باللّه والعمل الصالح وإقامة دينه على وجه التمام، ويترتّب عليه  ـ وراء الاستخلاف ـ ما ذكره في الآية من التمكين وتبديل الخوف بالأمن.
10. وقال سبحانه: ( أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكافِرينَ أَمْثالُها ) .( [49])
والآيات الواردة حول الأمر بالسير في الأرض والاعتبار بما جرى على الأُمم السالفة لأجل عتوّهم وتكذيبهم رسل اللّه سبحانه، كثيرة في القرآن الكريم، تبيّن سنّته السائدة على الأُمم جمعاء.
11. وقال سبحانه: ( قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسيرُوا فِي الأَرْض فَانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُكَذِّبين ) .( [50])
12. وقال سبحانه: ( يا أَيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرقاناً وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وَيَغْفِرُ لَكُمْ وَاللّهُ ذُو الفَضْلِ العَظيمِ ) .( [51])
13. وقال سبحانه: ( مَا يُجادِلُ في آياتِ اللّهِ إِلاّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَلاَ يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي البَلاد * كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوح وَالأَحْزابُ مِنْ بَعْدِهِمْ وَهَمَّتْ كُلُّ أُمّة بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ وَجادلُوا بالبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الحَقَّ فَأَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كانَ عِقابِ * وَكَذلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ أَصْحابُ النّار ) .( [52])
والآية من أثبت الآيات المبيّنة لسنته تعالى في الذين كفروا، فلا يصلح للمؤمن أن يغرّه تقلّبهم في البلاد، وعليه أن ينظر في عاقبة أمرهم كقوم نوح والأحزاب من بعدهم، حتّى يقف على أنّ للباطل جولة وللحقّ دولة، وانّ مردّ الكافرين إلى الهلاك والدمار كما أنّ مردّ المؤمنين إلى الجنة، والإنسان مخيّر بين التظلّل تحت أي واحد منهما.
14. وقال سبحانه: ( وَأَقْسَمُوا بِاللّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لَئِنْ جاءَهُمْ نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أَهدَى مِنْ إِحدَى الأُمَمِ فَلَمّا جاءَهُمْ نَذيرٌ ما زادَهُمْ إِلاّ نُفُوراً * اسْتِكْباراً في الأَرْض وَمَكْرَ السَّىِّء ولا يَحيقُ المَكْرُ السَّيِّئ إِلاّ بِأَهْلِهِ فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلاّ سُنَّتَ  الأوّلينَ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللّهِ تَبْدِيلاً وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللّهِ تَحْويلاً ) .( [53])
وما ذكرنا من الآيات نبذة  من السنن الإلهيّة السائدة على الفرد والمجتمع. وفي وسع الباحث أن يتدبّر في آيات الكتاب العزيز حتّى يقف على سننه تعالى وقوانينه، ثمّ يرجع إلى تاريخ الأُمم وأحوالها فيُصدِّق قوله سبحانه: ( فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللّهِ تَبْدِيلاً وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللّهِ تَحْويلاً ) .
فالجميع  من قضائه وقدره، وللبشر أن يتظلل بأي واحد منهما شاء...وليس في القول بالقضاء والقدر بهذا المعنى، رائحة الجبر، بل فيها تأكيد للاختيار. هذا هو المعنى الأوّل لهما وإليك المعنى الثاني.
المعنى الثاني للقضاء والقدر
              2
علمه الأزلي بتحقّق الشيء مع خصوصياته
المراد من القدر هو علمه سبحانه بالأزل بحد الشيء وخصوصيات وجوده وحدوده، كما أنّ المراد من القضاء هو علمه بتحقّقه ووجوده، وهذا ما يسمّى بالتقدير والقضاء العلميّين.
وربما يتوهّم انّ دخول فعل الإنسان في اطار القدر والقضاء يوجب سلب الاختيار عن الإنسان، لأنّه سبحانه يعلم في الأزل فعل الإنسان حسب ما له من الخصوصيات، ويعلم تحقّقه في المستقبل، فإذا كان فعل الإنسان معلوماً للّه سبحانه تقديراً وقضاءً فلا يبقى له الاختيار.
على هامش الشبهة
إنّ علمه الأزلي لم يتعلّق بصدور كلّ فعل عن فاعله على وجه الإطلاق، بل تعلّق علمه بصدور كلّ فعل عن فاعله حسب الخصوصيات الموجودة فيه، وعلى ضوء ذلك تعلّق علمه الأزلي بصدور الحرارة من النار على وجه الجبر بلا شعور، كما تعلّق علمه الأزلي بصدور الرعشة من المرتعش، عالماً بلا اختيار، ولكن تعلّق علمه سبحانه بصدور فعل الإنسان الاختياري منه بقيد الاختيار والحرية، فتعلّق علمه بوجود الإنسان وكونه فاعلاً مختاراً، وصدور فعله عنه اختياراً، يؤكّد الاختيار ويدفع الجبر عن ساحة الإنسان.
وإن شئت قلت: إنّ العلّة إذا كانت عالمة شاعرة، ومريدة ومختارة كالإنسان، فقد تعلّق علمه بصدور أفعالها منها بتلك الخصوصيات، وانصباغ فعلها بصبغة الاختيار والحرية. فلو صدر فعل الإنسان  منه بهذه الكيفية لكان علمه مطابقاً للواقع غير متخلّف عنه; وأمّا لو صدر فعله عنه في هذا المجال عن جبر واضطرار بلا علم وشعور، أو بلا اختيار وإرادة، فعند ذلك يتخلّف علمه عن الواقع.
ونقول توضيحاً لذلك: إنّ الأعمال الصادرة من الإنسان على قسمين: قسم يصدر منه بلا شعور ولا إرادة، كأعمال الجهاز الدمويّ، والجهاز المعويّ، وجهاز القلب، والأحشاء، التي تتسم في أفعال الإنسان بسمة الأعمال الاضطرارية،  غير الاختيارية; وقسم آخر يصدر منه عن إرادة واختيار، ويتّسم بسمة الأعمال الاختيارية غير الاضطرارية، كدراسته، وكتابته، وتجارته، وزراعته.
ولمّا كان  علم اللّه تعالى تعبيراً عن الواقع على نحو لا يتخلّف عنه قيدَ شعرة، فيتعلّق علم اللّه بأفعال الإنسان  على ما هي عليه من الخصائص والألوان. فتكون النتيجة أنّه سبحانه يعلم من الأزل صدور فعل معين في لحظة معيّنة من إنسان معيّن إمّا بالاضطرار، أو الإكراه، أو بالاختيار والحرية، وتعلّق مثل هذا العلم لا يُنتج الجبر، بل يلازم الاختيار. ولو صدر كلّ قسم على خلاف ما اتّسم به لكان ذلك تخلّفاً عن الواقع.
ولمّا كان الموضوع ممّا ضلّ فيه كثير  من الأفهام، وزلّت أقدام غير واحد  من الباحثين، ندرس الموضوع على وجه التفصيل، ونرفع النقاب عن وجه الواقع، بذكر بعض الأمثلة:
1. إذا كان تعلّق العلم بالفعل سالباً للاختيار وموجباً للجبر يلزم أن يكون سبحانه ـ نعوذ باللّه ـ فاعلاً بالجبر، لعلمه بفعله قبل إيجاده، واللّه سبحانه هو الفاعل المختار لا يخضع لشيء.
2. انّ المعلم الذي يمارس التدريس، بإمكانه التنبّؤ بنتائج الامتحان الذي سيقام لتلاميذه آخر الفصل الدراسي، حيث يستطيع أن يميز بين الناجح منهم والراسب وتكون نتيجة الامتحان وفق ما تنبّأ به، أفيصح للراسب في الامتحان أن يلقي وزر ذلك على عهدة معلمه؟!
فإنّ علم المعلّم وصّاف كشّاف يحكي عن الواقع ولا يؤثّر عليه وإنّما  المؤثر على الواقع مؤهّلات التلميذ وسعيه وكدحه.
3. انّ علمه سبحانه لا يتعلّق بالمسبّب بما هو مسبّب وإنّما يتعلّق بضم المسبّب إلى أسبابه والنتائج إلى مقدّماتها، فإذا كان السبب والمقدمة أمراً اختيارياً، فأولى أن يكون المسبب كذلك.
كلمة للشيخ الغزالي حولَ استنتاج الجبر من  العلم الإلهي
وللشيخ  محمد الغزالي كلمة في نقد انّ العلم الإلهي يسلب الاختيار، يقول: إنّ عامّة المسلمين يطوون أنفسهم على ما يُشبه عقيدة الجبر ولكنّهم حياءً من اللّه يسترون الجبر باختيار خافت موهوم، وقد أسهمت بعض المرويات في تكوين هذه الشبهة وتمكينها، وكانت بالتالي سبباً في إفساد الفكر الإسلامي وانهيار الحضارة والمجتمع .
إنّ العلم الإلهي المحيط بكلّ شيء وصّاف، كشاف، يصف ما كان، ويكشف ما يكون، والكتاب الدالّ عليه يسجّل للواقع وحسب! لا يجعل السماء أرضاً ولا الجماد حيواناً، إنّه صورة تطابق الأصل بلا زيادة ولا نقص ولا أثر لها في سلب أو إيجاب.
إنّ  هذه الأوهام(التقدير سالب للاختيار) تكذيب للقرآن والسنّة، فنحن بجهدنا وكدحنا ننجو أو نهلك، والقول بأنّ كتاباً سبق علينا بذلك وأنّه لاحيلة لنا بازاء ما كتب أزلاً هذا كلّه تضليل وإفك، لقوله تعالى: ( قَدْ جَاءَكُمْ بَصائِرٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْها ) .( [54]) ( وَقُلِ الحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شاءَ فَلْيَكْفُر ) .( [55])
والواقع انّ عقيدة الجبر تطويح بالوحي كلّه وتزييف للنشاط الإنساني من بدء الخلق إلى قيام الساعة، بل هي تكذيب للّه والمرسلين قاطبة، ومن ثمّ فإنّنا نتناول بحذر شديد ما جاء في حديث مسلم وغيره: انّ أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتّى ما يكون بينه و بينها إلاّ ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار، فيدخلها، وإنّ أحدكم ليعمل بعمل أهل النار...».
إلى أن قال: وكلّ ميل بعقيدة القدر إلى الجبر فهو تخريب متعمّد لدين اللّه ودنيا الناس، وقد رأيت بعض النقلة والكاتبين يهوِّنون من الإرادة البشرية ومن أثرها في حاضر المرء ومستقبله وكأنّهم يقولون للناس أنتم محكومون بعلم سابق لا فكاك منه ومسوقون إلى مصير لا دخل لكم فيه، فاجهدوا جهدكم فلن تخرجوا من الخط المرسوم لكم مهما بذلتم.
إنّ هذا الكلام الرديء ليس نضح قراءة واعية لكتـاب ربنـا، ولا اقتـداء دقيقـاً بسنّـة نبينا انّه تخليط قد جنينا منه المرّ.
وكل أثر مروي يشغب على حرية الإرادة البشرية في صنع المستقبل الأُخروي يجب أن لا نلتفت إليه، فحقائق الدين الثابتة بالعقل والنقل لا يهدّها حديث واهي السند أو معلول المتن، لكنّنا مهما نوّهنا بالإرادة الإنسانية فلا تنسى انّنا داخل سفينة يتقاذفها بحر الحياة بين مد وجزر وصعود وهبوط، والسفينة تحكمها الأمواج، ولا تحْكم الأمواجَ، ويعني هذا انّ نُلْزم موقفاً محدداً بازاء الأوضاع المتغيرة التي تمرّ بنا هذا الموقف من صنعنا وبه نحاسب.( [56])
الشبهة الثالثة
الهداية والضلالة بيد اللّه
دلّت  الآيات القرآنية على أنّ الهداية والضلالة بيده سبحانه، فهو يضلّ من يشاء و يهدي من يشاء، فإذا كان أمر الهداية مرتبطاً بمشيئته، فلا يكون للعبد دور لا في الهداية ولا في الضلالة، فالضال يعصي بلا اختيار، والمهتدي يطيع كذلك وهذا بالجبر، أشبه منه بالاختيار.
قال سبحانه:
( وَما أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُول إِلاّ بِلِسانِ قَومِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللّهُ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدي مَنْ يَشاءُ وَ هُوَ العَزيزُ الحَكيم ) .( [57])
فإذا كانت الهداية والضلالة بيد اللّه سبحانه فما معنى الاختيار؟
على هامش الشبهة
هذه هي الشبهة أو الاستدلال على القول بالجبر ولكن الإجابة عليها ليست أمراً مشكلاً بشرط أن نقف على أنّ الهداية على أقسام، ونميز الهداية العامّة التي عليها تبتني مسألة الجبر والاختيار والهداية الخاصة التي مفتاحها بيد الإنسان، وإليك  التفصيل:
1. الهداية التكوينية العامّة
والمراد منها خلق كلّ شيء وتجهيزه بما يهديه إلى الغـايـة التي خلق لها: قال سبحانه حاكياً كلام النبي موسى (عليه السلام) :( قالَ رَبُّنَا الّذي أَعطى كلَّ شَيء خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى ) ( [58]) ، وجهز كلّ موجود بجهاز يوصله إلى الكمال، فالنبات مجهّز بأدقّ الأجهزة التي توصله في ظروف خاصة إلى تفتح طاقاته، فالحبة المستورة تحت الأرض ترعاها أجهزة داخلية وعوامل خارجية كالماء والنور إلى أن تصير شجرة مثمرة، ومثله الحيوان والإنسان فهذه الهداية عامة لجميع الأشياء ليس فيها تبعيض وتمييز.
قال سبحانه : ( سَبّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلى * الَّذِي خَلَقَ فَسَوّى * وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدى ) .( [59])
وقال سبحانه: ( أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَينَين * وَلِساناً وشفَتين * وهَديناهُ النّجْدَيْن ) .( [60])
وقال سبحانه: ( وَنَفْس وَمَا سَوّاها * فَأَلهَمها فُجُورَهَا وَتَقْواها ) .( [61])
إلى غير ذلك من الآيات الواردة حول الهداية التكوينية التي تنبع من ذات الشيء بما أودع اللّه فيها من الأجهزة والالهامات التي توصله إلى الغاية المنشودة من غير فرق بين المؤمن و الكافر، فقوله سبحانه عام يعمّ مجموع البشر مؤمنه وكافره( فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطرَت اللّه ِالّتي فَطَرَ النّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللّهِ ذلِكَ الدِّينُ القَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَر النّاسِ لا يَعْلَمُونَ ) .( [62])
ففطرة كلّ إنسان تهديه إلى التوحيد ونبذ الشرك، ومن أجهزة الهداية التكوينية، العقل الموهوب للإنسان المرشد له إلى معالم الخير والصلاح.وهذا النوع من الهداية العامة لكلّ موجود فضلا ً عن الإنسان .
2. الهداية التشريعية العامّة
المقصود من الهداية العامة التشريعية هو بعث الأنبياء وإرسال الرسل وإنزال الكتب لهداية الناس، وهذا الفرع من الهداية يشمل عامّة البشر ، ولا يختص بطائفة دون أُخرى، قال سبحانه: ( لَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلَنَا بِالبَيِّناتِ وَأَرْسَلْنا مَعَهُمُ الكِتابَ وَالمِيزانَ لِيَقُومَ النّاسُ بِالْقِسْطِ ) .( [63])
فالآية بظاهرها تثبت الهداية العامة لكافة البشر.
3. الهداية الخاصة
وهناك هداية خاصة تختص بجملة من الأفراد الذين استضاءُوا بنور الهداية العامة، تكوينيّاً وتشريعيّها فيقعون مورداً للعناية الإلهية ، فمن  اقتفى أثر الأنبياء وعمل بكتابهم يصلح لأن تشمله هداية خاصة وهو تسديده في مزالق الحياة إلى سبيل النجاة.
كما أنّ من لم يستضئ بنور الهداية التشريعية العامة يحرم من تلك الهداية الخاصّة، وهذا النوع من الهداية بيد اللّه تعالى وإليه يشير قوله سبحانه:( ولكن يُضِلُّ  مَنْ يَشاءُ وَيَهْدي مَنْ يَشاءُ وَلتُسْئَلُنَّ عَمّا كُنْتُمْ تَعْمَلُون ) ( [64]) . ولكن شموله لطائفة دون أُخرى ليس اعتباطياً، بل تشمل من استضاء بالهدايتين الأُوليين فتعمه هذه الهداية الخاصة، كما أنّ من أعرض عنهما يحرم منها وتكون النتيجة خذلانه في الحياة، وهذا النوع من الهداية تابع لملاكات خاصة ( [65]) فيشير إليها سبحانه عند البحث عنهما، يقول:
1. ( إِنّ اللّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشاء وَيَهْدِي إِليهِ مَنْ أَناب ) .
فهذه الهداية هداية تشريعية خاصة ولا تشمل إلاّ من وُصف بالانابة والتوجّه إلى اللّه كما يقول( وَيهْدي إِليهِ مَنْ أَناب ) ، وبما ذكرنا يتّضح معنى كثير من الآيات الباحثة عن الهداية ويصفها بأنّها بيد اللّه يضلّ ويهدي، ولكن يهدي من اكتسب لنفسه أهلية خاصة لشمولها ويحرم منها من حرم نفسه عن الهدايتين الأُوليين، وإليك باقي الآيات: وقال سبحانه: ( اللّهُ يَجْتَبي إِليهِ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدي إِليهِ مَنْ يُنيبُ ) .( [66])
وقال سبحانه: ( والّذينَ جَاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا وَإِنَّ اللّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنينَ ) ( [67]) فمن أراد وجه اللّه سبحانه يمدّه بالهداية إلى سبله.
وقال سبحانه:( والَّذِينَ اهْتَدَوْا زادَهُمْ هُدىً ) .( [68])
وقال سبحانه: ( إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدىً * وَرَبَطْنا عَلى قُلُوبِهِمْ إِذْ قامُوا فَقَالُوا رَبُّنا رَبُّ السَّمواتِ وَالأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَا مِنْ دُونِهِ إِلهاً لَقَدْ قُلْنا إِذاً شَطَطاً ) .( [69])
وكما أنّه علق الهداية  هنا على من جعل نفسه في مهبِّ العناية الخاصّة، علّق الضلالة في كثير من الآيات على صفات تشعر باستحقاقه الضلال وبمعنى الحرمان من الهداية الخاصة. قال سبحانه: ( وَاللّهُ لا يَهْدِي القَومَ الظّالِمين ) .( [70])
وقال سبحانه: ( وَيُضِلُّ اللّهُ الظّالِمينَ وَيَفْعلُ اللّهُ مَا يَشاءُ ) .( [71])
وقال سبحانه: ( وَما يُضِلُّ بِهِ إِلاّ الْفاسِقينَ ) .( [72])
وقال سبحانه: ( إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلا لِيَهْدِيَهُمْ طَريقاً * إِلاّ طَرِيقَ جَهَنَّمَ ) .( [73])
وقال سبحانه: ( فَلَمّا زَاغُوا أَزاغَ اللّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللّهُ لا يَهْدي الْقَومَ الفَاسِقين ) .( [74])
فالمراد من الإضلال هو عدم الهداية لأجل عدم استحقاق  العناية والتوفيق الخاص، لأنّهم كانوا ظالمين وفاسقين. كافرين ومنحرفين عن الحقّ. وبالمراجعة إلى الآيات الواردة حول الهداية والضلالة يظهر أنّه سبحانه لم ينسب في كلامه إلى نفسه إضلالاً إلاّ ما كان مسبوقاً بظلم من العبد أو فسق أو كفر أو تكذيب ونظائرها التي استوجبت قطع العناية الخاصة وحرمانه منها.
إذا عرفت ما ذكرنا، تقف على أنّ الهداية العامة التي بها تناط مسألة الجبر والإختيار، عامة شاملة لجميع الأفراد، ففي وسع كلّ إنسان أن يهتدي بهداها. وأمّا الهداية الخاصة والعناية الزائدة فتختص بطائفة المنيبين والمستفيدين من الهداية الأُولى. فما جاء في كلام المستدل من الآيات من تعليق الهداية والضلالة على مشيئته سبحانه ناظرٌ إلى القسم الثاني لا الأوّل.
أمّا القسم الأوّل فلأنّ المشيئة الإلهية تعلقت على عمومها بكلّ مكلّف بل بكل إنسان، وأمّا الهداية الخاصة  فقد تعلقت مشيئته بشمولها لصنف دون صنف ولم تكن مشيئته، مشيئة جزافية، بل الملاك في شمولها لصنف خاص هو قابليته لأن تنزل عليه تلك الهداية، لأنّه قد استفاد من الهدايتين: التكوينية والتشريعية العامتين، فاستحق بذلك العناية الزائدة.
كما أنّ عدم شمولها لصنف خاص ما هو إلاّ لأجل اتصافهم بصفات رديئة لا يستحقون معها تلك العناية الزائدة.
ولأجل ذلك نرى أنّه سبحانه بعد ما يقول: ( فَيُضِلُّ  اللّه مَنْ  يَشاءُ  وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ ) ، يذيّله بقوله: ( وَهُوَ العَزِيزُ الحَكيمُ ) ( [75]) ، مشعراً بأنّ الإضلال والهداية كانا على  وفاق الحكمة، فهذا استحقّ الإضلال وذاك استحق الهداية.
5
هل الإيمان بالقدر ركن
من أركان الإيمان؟
إنّ الإيمان بالقدر من المعارف القرآنية وقد ورد في غير واحد من الآيات.
قال سبحانه: ( انّا كلَّ شَيْء خَلَقْناهُ بِقَدَر ) .( [76])
و قال عزّ اسمه: ( وَخَلَقَ كُلَّ  شَيء فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً ) .( [77])
فالكون و ما فيه، خُلِق عن علم وتقدير، فقُدِّر كلّ شيء بما له من الصفات والخصوصيات، والمقادير والأشكال قبل وقوعها، وسُجِّل ذلك في كتاب خاص، قال سبحانه: ( وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقالِ ذَرَّة فِي الأَرْضِ وَلاَ فِي السَّماءِ وَلاَ أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلاَ أَكْبَرَ إِلاّ فِي كِتاب مُبين ) .( [78])
وقال عزّ شأنه: ( وما تسقُطُ مِنْ وَرَقَة إِلاّ يَعْلَمُها وَلاَ حَبَّة في ظُلُماتِ الأَرْضِ وَلاَ رَطْب وَلاَ يابِس إِلاّ في كِتاب مُبين ) .( [79])
وقال في المصائب التي تحدث في الأرض وما يواجهه الإنسان  من خير و شر:( مَا أَصابَ مِنْ مُصِيبَة فِي الأَرْضِ وَلاَ فِي أَنْفُسِكُمْ إِلاّ في كتاب مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَها إِنَّ ذلِكَ عَلى اللّهِ يَسير ) .( [80])
فالمصائب قدرت من حيث الخصوصيات وقضى عليها بالوجود، في كتاب قبل أن يُخلق الكون وما فيه.
لكن الكلام في أنّ الإيمان بالقدر هل هو  ركن من الأركان ، كما عليه أكثر أهل السنّة  فيكون الإيمان به في جنب الإيمان باللّه وكتبه ورسله، ويوم ميعاده، أو هو أصل ومعرفة قرآنية كسائر المعارف الواردة في الكتاب العزيز؟ والظاهر هو الثاني، وأمّا الأوّل فلا دليل عليه، إذ كون شيء معدوداً من المعارف القرآنية غير  كونه ركناً من أركان الإيمان، إذ رب معرفة وردت في القرآن، وليست ركناً من الإيمان، كالحياة البرزخية، والشفاعة، والتوبة، ومع ذلك فليست من أركان الإيمان.
ولو كان ركناً من الأركان لجاءت  الإشارة إليه في ثنايا الآيات المشيرة إلى أركان الإيمان كقوله سبحـانه: ( ولكنّ البِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَاليَومِ الآخِرِ وَالمَلائِكَةِ وَالكِتابِ وَالنَّبِيِّين ) .( [81])
وقال تعالى: ( آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِليهِ مِنْ رَبِّهِ وَالمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللّهِ وَمَلائِكتهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَد  مِنْ رُسُلِهِ وَقالُوا سَمِعْنا وَأَطَعْنا غُفْرانَكَ رَبَّنا وَإِليكَ الْمَصير ) .( [82])
فقد جاء فيهما أركان الإيمان وهي الإيمان باللّه وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر ولم ترد فيهما أية إشارة إلى الإيمان بالقدر، فلو كانت له هذه المنزلة، لما أهملها الذكر الحكيم.
وأظنّ انّ الغلو في القدر جاء من قبل الأحبار والرهبان، وعدّ من أركان الإيمان في عصر الأمويين، وقد أحصى الأحاديث الواردة فيه  ابن الوزير اليمني( [83]). فبلغت 227 حديثاً، منها 72 حديثاً في وجوب الإيمان بالأقدار، و155 حديثاً في ثبوتها. ( [84])
وقد تفلسف بعضهم في عدّه من أركان الإيمان من أنّ الإيمان بالقدر داخل ضمناً في الإيمان باللّه، بل جزء حقيقي منه ، لأنّ معناه الإيمان باحاطة علم اللّه تعالى بكلّ شيء وشمول إرادته لكلّ ما يقع من الكون ونفوذ قدرته في كلّ.( [85])
أقول: لو كان السرّ في عدّه من أركان الإيمان، كونه تعبيراً آخر عن إحاطة علمه وشمول إرادته لكلّ شيء، فلما ذا عدل عن المعنى الواضح إلى المعنى المبهم الذي لا ينتقل إلى ما ذكره إلاّ العلماء. فمقتضى البلاغة أن تُعدّ إحاطة علمه وشمول إرادته لكلّ شيء من أركان الإيمان.
ومن قرأ  تاريخ نشوء فكرة القدر، وانتشاره بين المحدّثين، يقف على أنّ  إكبار القدر وجعله من أركان الإيمان، كان سياسة أموية، لأجل تبكيت الناس وكبح جماحهم، والحط من مظاهراتهم أمام أعمال السلطة، ولا أظن أنّ معبد الجهني، وغيلان الدمشقي، كانا ينكران سعة علمه، أو إرادته سبحانه حتّى ذهب الثاني ضحّية جهاده، ومكافحته مع الظالمين وقُتل بفتوى فقيه السلطة «الأوزاعي».
6
التفويض ومضاعفاته
لما كانت السلطة الأُموية مروّجة للقدر والقضاء بالمعنى السالب للاختيار وكان ذلك مخالفاً للفطرة الإنسانية وقضاء العقل وسيرة العقلاء، قام رجال أحرار في وجه هذه العقيدة يركِّزون على القول بحرية الإنسان في إطار حياته ولكنّ السلطة اتّهمتهم بنفي القضاء والقدر ثمّ وضعت السيوف على رقاب بعضهم.
هذا هو معبد الجهني اتّهموه بنفي القدر فذهب إلى الحسن البصري فقال له: إنّ بني أُميّة يسفكون الدماء ويقولون إنّما تجري أعمالنا على قدر اللّه تعالى، فقال: كذب أعداء اللّه .( [86])
ومثله غيلان الدمشقي فقد اُتّهم بنفس ما اُتهّم به معبد الجهني فقد جاهر بمذهبه أيام  هشام بن عبد الملك وأُحضِر الأوزاعي لمناظرته فأفتى بقتله فصُلب على باب كيسان بدمشق.( [87])
ولا أظن انّ الرجلين كانا ينكران القضاء والقدر، إذ كيف يمكن لمسلم أن  ينكر أصلاً قرآنياً يعد من المعارف العليا للقرآن الكريم، وإنّما كانا  ينكران تبرير ظلم الظالمين وتعدّي الجائرين، بالقضاء والقدر.
نعم صار ذلك سبباً بعد فترة من الزمن  لظهور نظرية التفويض التي تدّعي تفويض الأُمور إلى العباد وانّه ليس للّه سبحانه أيّ صنع في أفعالهم فجعلوا الإنسان خالقاً لأفعاله، مستغنياً عن اللّه سبحانه في ايجاد أفعاله، فصار الإنسان على حسب هذه النظرية كالإله في مجال الأفعال كما كان القضاء والقدر عند الجبريّين حاكماً على كلّ شيء ولا يمكن تغييره إلى صورة أُخرى من الصور، فالطرفان يحيدان عن جادة التوحيد ويميلان إلى جانبي الإفراط والتفريط. وإليك نقد النظرية على وجه الإيجاز:
1. القول بالتفويض يلازم الشرك
إنّ القول بالتفويض يلازم الشرك الخفي، أي الاعتقاد بوجود خالقين مستقلّين في الخلق والإيجاد: أحدهما العلّة العليا التي خلقت الموجودات والكائنات والإنسان، والأُخرى الإنسان نفسه فإنّه يستقل بعد الخلقة في أفعاله وتنقطع حاجته إلى اللّه بعد وجوده وهو نفس تصوير المِثْل للّه سبحانه.
2. الإنسان في دوّامة الحدوث
إنّ  الموجود الطبيعي في النظرة الأُولى له حدوث وبقاء ولكنّه في النظرة الدقيقة كلّه حدوث بعد حدوث، لأنّ مقتضى الحركة الجوهرية هو كون العالم في تبدل مستمر وتجدّد دائم، بأعراضها وجواهرها، فذوات الأشياء في تجدد واندثار متواصل، وما أشبه العالم بالصورة المنعكسة في الماء الجاري، فهي ثابتة في النظرة الأُولى، ولكنّها في النظرة الدقيقة متعددة متبدّلة حسب تبدّل الماء وقال سبحانه: ( وَتَرى الجِبالَ تَحْسَبُهَا جَامِدةً وَهِي تَمرُّ مَرَّ السَّحابِ ) .( [88])
وبما أنّ المروي عن المفوضة انّ الإنسان محتاج إلى اللّه في حدوثه لا في بقائه، ولذلك قالوا باستغنائه في الفعل عنه تعالى، فليبين موقف الوجود الإمكاني إلى الواجب تبارك وتعالى حتّى يتبيّن حاجته إليه حدوثاً و ببقاءً ونأتي بمثال:
انّ مثل الموجودات الإمكانية بالنسبة إلى الواجب كمثل المصباح الكهربائي المضيء فالحس الخاطئ يزعم انّ الضوء المنبعث من هذا المصباح هو استمرار للضوء الأوّل، ويتصور انّ المصباح إنّما يحتاج إلى المولّد الكهربائي في حدوث الضوء دون استمراره.
والحال انّ المصباح فاقد للإضاءة في مقام الذات محتاج في ضوئها إلى ذلك المولّد في كلّ لحظة، لأنّ الضوء المتلألئ من المصباح إنّما هو استضاءة بعد استضاءة واستنارة بعد استنارة من المولد الكهربائي.
فينطفئ المصباح إذا انقطع الاتصال بينه و بين المولد، فالعالم يشبه هذا المصباح الكهربائي تماماً فهو لكونه فاقداً للوجود بالذات يحتاج إلى العلّة(الواجب الوجود) في حدوثه وبقائه، لأنّه يأخذ الوجود ـ عنه تعالى ـ آناً بعد آن وزماناً بعد زمان.
فإذا كان هذا حال الفاعل وذاته، فكيف حال الفعل فالإنسان المحتاج إلى الواجب في كلّ آن، محتاج إليه في الفعل والإيجاد، لأنّ الفعل رهن الذات وموقوف عليها، والذات في كلّ آن رهن العلّة العليا وموقوفة عليها، فينتج انّ الفعل رهن العلّة العليا وموقوف عليها.
7
الأمر بين الأمرين
كان الرأي السائد في المسألة أحد الرأيين، إمّا الجبر، وإمّا التفويض; وبذلك ضلّ القائلون إمّا في متاهات الجبر أو  بوقوعهم في حبال الشرك.
ثمّ إنّ الداعي لاختيار أحد المذهبين هو انّ القائلين بالجبر زعموا أنّ صيانة التوحيد في الخالقية (لا خالق ولا مؤثر إلاّ اللّه سبحانه) رهن القول بالجبر، فلو قلنا بالاختيار يلزم أن يكون الإنسان خالقاً لفعله، جاعلاً لعمله وهو ينافي التوحيد الأفعالي الذي يعبّر عنه بالتوحيد في الخالقية.
كما أنّ القائلين بالتفويض زعموا أنّ صيانة عدله سبحانه وتنزيهه عن الظلم والتعدّي، رهن القول بالتفويض وتصوير انّ الإنسان فاعل مختار مستغن في فعله عن الواجب سبحانه بل محتاج في حدوثه إلى اللّه لا في بقائه فكيف في فعله؟
وعلى كلّ تقدير فالجبري يعتقد بانقطاع فعل الإنسان عنه، وانّه فعل اللّه تماماً من دون أن يكون له صلة بالفاعل إلاّ كونه ظرفاً لفعل الخالق.
والقائل بالتفويض يعكس الأمر ويعتقد بانقطاع نسبة الفعل إلى الخالق، وكونه مخلوقاً للإنسان تماماً من دون أن يكون هناك صلة بين فعله وخالق الكون. فالطائفة الأُولى يحسبون أنّهم بالقول بالجبر يرفعون راية التوحيد في الخالقية، كما أنّ الطائفة الثانية يزعمون أنّهم بالقول بالتفويض ينزهون الرب عن كلّ عيب وشين.
كان الرأيان سائدين ولكن أئمّة أهل البيت ضربوا على وجه الرأيين وقالوا: إنّ موقف الإنسان بالنسبة إلى اللّه غير موقف الجبر المشوِّه لسُمعة المذهب، وغير موقف التفويض المُلْحِق للإنسان بمكان الشرك، بل موقفه أمر واقع بين الأمرين.
إنّ صيانة التوحيد في الخالقية ليس منوطاً بالقول بالجبر، أو صيانة عدله وقسطه ليس منحصراً بالقول بالتفويض، بل يمكن الجمع بين الرأيين برأي ثالث، وهو انّ الإنسان ذاته وفعله قائمان بذاته سبحانه، و بذلك لا يصحّ فصل فعل الإنسان عنه سبحانه لافتراض قيامهما وعامة العوالم بوجوده سبحانه.
وفي الوقت نفسه انّ فعله غير منقطع عنه، وذلك لأنّ مشيئة اللّه تعلّقت بنظام قائم على أسباب ومسببات، وصدور كلّ مسبب (فعل الإنسان) عن سببه وهو الإنسان، فلا يصحّ فصل المسبّب عن سببه، فالنتيجة هو انّ لفعل الإنسان صلة باللّه وصلة بسببه، وهذا هو الأمر بين الأمرين.
نحن نعتقد بالتوحيد في الخالقية الذي يعبر عنه بالتوحيد الأفعالي، ولكن لا بمعنى إنكار العلل والأسباب وإنكار الروابط بين الظواهر الكونية و نفي أيّ سبب ظلّي يعمل بإذنه سبحانه، فإنّ إلغاء الأسباب مخالف للضرورة والوجدان والذكر الحكيم.
بل بمعنى انّ  العوالم الحسيّة والغيبيّة بذواتها وأفعالها قائمة به سبحانه، وكما انّ تأثيرها وسببيّتها بإذنه ومشيئته، فكلّ ظاهرة كونية لها نسبة إلى أسبابها، كما أنّ لها نسبة إلى خالق أسبابها، فإلغاء كلّ سبب وعلّة، ونسبة الظاهرة إلى ذاته سبحانه، غفلة عن تقديره سبحانه لكلّ شيء سبباً، كما أنّ نسبة الفعل إلى السبب القريب وفصله عن اللّه سبحانه غفلة عن واقع السبب وانّه بوجوده وأثره قائم باللّه سبحانه، فكيف يمكن فصل أثره عنه تعالى؟!
ولأجل إيضاح الموضوع نقول: إنّ الأسباب الطبيعية على أقسام:
1. سبب مؤثر ـ بإذن اللّه ـ فاقد للشعور.
2. سبب مؤثر ـ بإذن اللّه ـ واجد للشعور، لكن فاقد للاختيار كحركة المرتعش. 3. سبب مؤثر ـ بإذن اللّه ـ واجد للشعور والاختيار كتحريك الإنسان ليده.
فالحرارة تصدر من النار بإذنه سبحانه بلا شعور.
وحركة يد المرتعش تصدر منه مع علم الفاعل بلا اختيار.
والأفعال التي يُثاب بها الإنسان أو يعاقب وبها تناط سعادته وشقاؤه يوم القيامة تصدر منه عن علم واختيار، كلّ ذلك بإذنه ومشيئته.
فلا القول بالتوحيد الأفعالي (لا مؤثر ولا خالق إلاّ هو) يصادم الاختيار، لأنّ حصر الخالقية المستقلّة باللّه لا ينافي نسبة الخالقية غير المستقلة  وغير النابعة من ذاته إلى الإنسان، ولا القول بالاختيار يزاحم سلطانه وقدرته، فالفعل فعل الإنسان، لأنّه السبب القريب وفي الوقت نفسه منسوب إليه سبحانه لكونه السبب البعيد( [89]) الذي أوجد الإنسان وأفاض عليه القدرة وزوّده بالاختيار.
هذا بيان موجز لهذا القول الموروث من أئمّة أهل البيت واستقبل المفكّرون من أهل السنّة هذه الفكرة، كالإمام الرازي و الشيخ عبده في رسالة التوحيد، لمّا رأوا انّ  في القول بالجبر الأشعري مضاعفات لا تحتمل، وقد شاع ذلك القول بين المفكّرين المصريّين في العصر الأخير لما تأثّروا بالأفكار الغربية المروّجة للحرية والاختيار.
وتتجلّى قيمة هذا المذهب ببيان برهانه العقلي أوّلاً، وتحليل ما يدلّ عليه من الذكر الحكيم ثانياً، والأحاديث الصحيحة ثالثاً.
1. نسبة الفعل إلى اللّه بالتسبيب وإلى العبد بالمباشرة
إنّ نسبة فعل العبد إلى اللّه بالتسبيب وإلى العبد بالمباشرة، فإنّ اللّه سبحانه وهب الوجود والحياة والعلم والقدرة لعباده وجعلها في اختيارهم، وانّ العبد هو الذي يصرف الموهوب في أي مورد شاء فيُنسب الفعل إلى اللّه تعالى لكونه مفيضَ الأسباب، وإلى العبد لكونه  هو الذي يصرفها في أي مورد شاء.وهناك مثال يبين حال النظريات الثلاث: الجبر، والتفويض، والأمر بين الأمرين.
لو فرضنا شخصاً مرتعش اليد، فاقد القدرة، فإذا ربط رجل  بيده المرتعشة سيفاً قاطعاً وهو يعلم انّ السيف المشدود في يده سيقع على آخر ويُهلكه، فإذا وقع السيف وقتله، ينسب القتل إلى من ربط يده بالسيف، دون صاحب اليد الذي كان مسلوب القدرة في حفظ يده.
ولو فرضنا أنّ رجلاً أعطى سيفاً لمن يملك حركة يده وتنفيذ إرادته فقتل هو به رجلاً، فالأمر على العكس، فالقتل ينسب إلى المباشر دون من أعطى.
ولكن لو فرضنا شخصاً مشلول اليد (لا مرتعشها) غير قادر على الحركة إلاّ بإيصال رجل آخر التيّار الكهربائي إليه ليبعث في عضلاته قوّة ونشاطاً بحيث يكون رأس السلك الكهربائي بيد الرجل بحيث لو رفع يده في آن ، انقطعت القوة  عن جسم هذا الشخص في الحال وأصبح عاجزاً. فلو أوصل الرجل تلك القوة إلى جسم هذا الشخص، فذهب باختياره وقتل إنساناً، والرجل يعلم بما فعله، ففي مثل ذلك يستند الفعل إلى كلّ منهما، أمّا إلى المباشر فلأنّه قد فعل باختياره وإعمال قدرته، وأمّا إلى الموصل فلأنّه أقدره وأعطاه التمكّن، حتّى في حال الفعل والاشتغال بالقتل، كان متمكناً من قطع القوة عنه في كلّ آن شاء وأراد.
فالجبري يمثِّل فعل العبد بالنسبة إلى اللّه تعالى كالمثال الأوّل، حيث إنّ اليد المرتعشة فاقدة للاختيار ومضطرة إلى الإهلاك.
كما أنّ التفويضي يمثّل نسبة فعله إليه كالمثال الثاني، فهو يصور أنّ العبد يحتاج إلى إفاضة القدرة والحياة منه سبحانه حدوثاً لا بقاءً والعلّة الأُولى كافية في بقاء القدرة فيه إلى نهاية المطاف، كما أنّه كان الأمر في المثال كذلك، فكان الإنسان محتاجاً إلى رجل آخر في أخذ السيف، وبعد الحصول عليه انقطعت حاجته إلى المعطي.
والقائل بالأمر بين الأمرين يصوّر النسبة كالمثال الثالث، فالإنسان في كلّ حال يحتاج إلى إفاضة القوة والحياة منه إليه بحيث لو قُطع الفيض في آن واحد بطلت الحياة والقدرة، فهو حين الفعل يفعل بقوة مفاضة منه وحياة كذلك من غير فرق بين الحدوث والبقاء .
والحاصل  إنّ للفعل الصادر من العبد نسبتين واقعيتين، إحداهما: نسبته إلى فاعله بالمباشرة باعتبار صدوره منه باختياره وإعمال قدرته; وثانيتهما: نسبته إلى اللّه تعالى باعتبار أنّه معطي الحياة والقدرة في كلّ آن وبصورة مستمرة حتى في آن اشتغاله بالعمل.( [90])
وهناك مثال آخر ذكره شيخنا المفيد، فقال:
نفترض انّ مولى من الموالي العرفيّين يختار عبداً من عبيده ويزوّجه إحدى فتياته ثمّ يقطع له قطيعة ويخصه بدار وأثاث وغير ذلك ممّا يحتاج إليه الإنسان في حياته إلى حين محدود ولأجل مسمّى.
فإن قلنا إنّ المولى وإن أعطى لعبده ما أعطى وملّكه ما ملك، لكنّه لا يملك، وأين العبد من الملك؟ كان ذلك قول المجبرة.
وإن قلنا: إنّ المولى بإعطائه المال لعبده وتمليكه، جعله مالكاً وانعزل هو عن المالكية وكان المالك هو العبدُ، كان ذلك قول المعتزلة.
ولو جمعنا بين الملكين بحفظ المرتبتين، وقلنا:إنّ المولى مقامه في المولوية، وللعبد مقامه في الرقية، وانّ العبد يملك في ملك المولى، فالمولى مالك في حين انّ العبد مالك، فهنا ملك على ملك.
كان ذلك القول الحق الذي رآه أهل البيت (عليهم السلام) وقام عليه  البرهان.( [91])
وفي بعض الروايات إشارات واضحة إلى الأمر بين الأمرين.
روى الصدوق في توحيده عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: «قال اللّه عزّ وجلّ: يا ابن آدم بمشيئتي كنت أنت الذي تشـاء لنفسك ما تشاء، وبإرادتي كنت أنت الذي تريـد لنفسك مـا تريد».( [92])
ترى  أنّه يجعل مشيئة العبد وإرادته تلوَ مشيئة اللّه سبحانه وإرادته، ولا يعرّفهما مفصولتين عن اللّه سبحانه، بل الإرادة في نفس الانتساب إلى العبد، لها نسبة إلى اللّه سبحانه.
2. الأمر بين الأمرين في الكتاب العزيز
إذا كان معنى الأمر بين الأمرين هو وجود النسبتين  في فعل العبد: نسبة إلى اللّه سبحانه ونسبة إلى العبد من دون أن تزاحم إحدى النسبتين، النسبةَ الأُخرى، فقد قرره الكتاب العزيز ببيانات مختلفة: 1. انّه ربما ينسب الفعل إلى العبد وفي الوقت نفسه يسلبه عنه وينسبه إلى اللّه سبحانه، يقول: ( فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكنَّ اللّهَ رَمَى وَلِيُبليَ الْمُؤْمِنينَ مِنْهُ بَلاءً حَسَناً إِنَّ اللّهَ سَميعٌ عَلِيمٌ ) .( [93])
ولا يصحّ هذا الإيجاب( إِذْ رَمَيْتَ ) في عين السلب( وما رَمَيْتَ ) إلاّ على الوجه الذي ذكرنا،وهذا يعرب عن أنّ للفعل نسبتين وليست نسبتُه إلى العبد، كلَّ حقيقته وواقعه، وإلاّ لم تصح نسبته إلى اللّه، كما أنّ نسبته إلى اللّه ليست خالصة (وإن كان قائماً به تماماً) بل لوجود العبد وإرادته تأثير في طروء عناوين عليه.
2. قال سبحانه: ( قَاتِلُـوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللّهُ بِأَيْـدِيكُمْ وَيُخْزِهِـمْ وَيَنْصُركُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْم مُؤْمِنين ) .( [94]) فالظاهر انّ المراد من التعذيب هو القتل، لأنّ التعذيب الصادر من اللّه تعالى بأيدي المؤمنين ليس إلاّ ذاك، لا العذاب البرزخي ولا الأُخروي فانّهما راجعان إلى اللّه سبحانه دون المؤمنين، وعلى ذلك فقد نسب فعل واحد(التعذيب)  إلى المؤمنين وخالقهم ولا تصح هاتان النسبتان إلاّ على هذا المنهج، وإلاّ ففي منهج الجبر لا تصح النسبة إلاّ إليه سبحانه. وفي منهج التفويض على العكس، والمنهج الذي يصحّح كلتا النسبتين هو منهج الأمر بين الأمرين.
3. الأمر بين الأمرين في الروايات
لقد تضافرت  الروايات عن أئمّة أهل البيت (عليهم السلام) في فعل الإنسان فيما يثاب به ويعاقب عليه، بانّه أمر بين الأمرين، وقد جمع الصدوق القسم الأوفر من الروايات في توحيده، والعلاّمة المجلسي في بحاره، ونحن نذكر رواية واحدة ذكرها صاحب «تحف العقول» و هي مأخوذة عن رسالة كتبها الإمام الهادي(عليه السلام) في نفي الجبر والتفويض، ومما جاء فيها:
فأمّا الجبر الذي يلزم من دان به الخطأُ، فهو قول من زعم انّ اللّه عزّ وجلّ أجبر العباد على المعاصي وعاقبهم عليها، ومن قال بهذا القول فقد ظلم اللّه في حكمه وكذّبه وردّ عليه قوله: ( وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً ) ( [95]) وقوله: ( ذَلِكَ بِمَا قَدَمَتْ يَدَاكَ وَأَنَّ اللّهَ لَيْسَ بِظَلاّم لِلْعَبيدِ ) ( [96]) وقوله: ( انّ اللّهَ لا يَظْلِمُ النّاسَ  شَيئاً وَلَكنَّ الناسَ  أَنْفُسَهُمْ  يَظْلِمُونَ ) ( [97]) فمن زعم انّه مجبر على المعاصي، فقد أحال بذنبه على اللّه، وقد ظلمه في عقوبته، ومن ظلم اللّه فقد كذب كتابه، ومن كذب كتابه فقد لزمه الكفر بإجماع الأُمّة .
ومن زعم انّ اللّه تعالى فوّض أمره ونهيه إلى عباده فقد
أثبت عليه العجز .
لكن نقول: إنّ اللّه عزّ وجلّ خلق الخلق بقدرته، وملّكهم استطاعة تعبّدهم بها، فأمرهم ونهاهم بما أراد، و هذا، هو القول بين القولين ليس بجبر ولا تفويض.
تمّ الكلام في مسألة الجبر والتفويض والأمر بين الأمرين
صبيحة يوم الأحد في السادس والعشرين
من ربيع الثاني من شهور عام 1423هـ
جعفر السبحاني
قم ـ مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)

[1] - الأنعام: 148.
[2] - الأعراف: 28.
[3] -  المغازي:3/904 .
[4] - التوبة:25 .
[5] - الأنفال: 15.
[6] - تاريخ الخلفاء للسيوطي: 95.
[7] - نهج البلاغة، قسم الرسائل برقم 53.
[8] - الإمامة والسياسة لابن قتيبة :1/ 167.
[9] - الإمامة والسياسة:1/ 171.
[10] - طبقات ابن سعد:5/148، ط بيروت.
[11] - تاريخ بغداد:1/ 160.
[12] - ميزان الاعتدال:4/ 353.
[13] - الرعد:38ـ 39.
[14] - تفسير الثعلبي، المسمّى بالكشف والبيان:5/298 ; الدر المنثور:4/659 واللفظ للثاني.
[15] - الدرّ المنثور:4/663، 661، 662.
[16] - الدرّ المنثور:4/663، 661، 662.
[17] - الدرّ المنثور:4/663، 661، 662.
[18] - يونس: 98.
[19] - الدر المنثور:4/661، و بهذا المضمون روايات أُخرى لاحظ ص 663.
[20] - صحيح مسلم:8/44، كتاب القدر.
[21] - شرح صحيح مسلم للنووي:16/ 435.
[22] - صحيح مسلم:8/45، كتاب القدر.
[23] -  صحيح مسلم: 8 / 45، كتاب القدر .
[24] - النحل: 36.
[25] - البقرة: 213.
[26] - الكهف: 29.
[27] - فصلت: 46.
[28] - الطور: 21.
[29] - النور: 11.
[30] - النجم:39ـ 41.
[31] -  الأعراف: 58.
[32] - لاحظ سورة التحريم، الآية 10.
[33] - لاحظ ص 64.
[34] - النحل: 12.
[35] - النحل: 68 ـ 69 .
[36] - ومعنى هذه الجملة: انّي لم أقم بعمل اختياري، ولأجل ذلك احتسب عنائي عند اللّه .
[37] - الصدوق: التوحيد:380، الحديث 28.
[38] - شرح المواقف:8/180ـ 181.
[39] - نوح:10ـ 12.
[40] - الأعراف: 96.
[41] - الرعد: 11.
[42] - الأنفال: 53.
[43] - إبراهيم: 7.
[44] - الطلاق:2ـ 3.
[45] - إبراهيم: 27.
[46] - إبراهيم:28ـ 29.
[47] - الأنبياء: 105.
[48] - النور: 55.
[49] - محمد: 10.
[50] - الأنفال: 29.
[51] - آل عمران: 137.
[52] - غافر:4ـ 6.
[53] - فاطر:42ـ 43.
[54] - الأنعام: 104.
[55] - الكهف: 29.
[56] -  السنّة النبوية بين أهل الفقه وأهل الحديث للشيخ الغزالي:144ـ 157.
[57] - إبراهيم: 4.
[58] - طه: 50.
[59] - الأعلى:1ـ 3.
[60] - البلد:8ـ 10.
[61] - الشمس:7ـ 8.
[62] - الروم: 30.
[63] - الحديد: 25.
[64] - النحل: 93.
[65] -  وهذه الملاكات كما تشير إليها الآيات التالية عبارة عن الإنابة ، والجهاد والاهتداء في أمر الهداية ومقابلاتها في أمر الضلالة.
[66] - الشورى: 13.
[67] -  العنكبوت: 69.
[68] - محمد: 17.
[69] - الكهف:13و 14.
[70] - الجمعة: 5.
[71] - إبراهيم: 27.
[72] - البقرة: 26.
[73] - النساء: 168و 169.
[74] - الصف: 5.
[75] - إبراهيم:4 .
[76] - القمر:49 .
[77] - الفرقان: 2.
[78] - يونس:61 .
[79] - الأنعام: 59.
[80] - الحديد: 22.
[81] - البقرة: 177.
[82] - البقرة: 285.
[83] - تقرأ ترجمة ضافيه له في كتابنا « الزيدية في موكب التاريخ» .
[84] - نقله عنه مؤلّف الإيمان بالقدر.
[85] - الإيمان بالقدر: 9.
[86] - الخطط المقريزية:2/ 356.
[87] - الملل والنحل للشهرستاني:1/ 47.
[88] - النمل: 88.
[89] - قد استخدمنا« السبب البعيد» لأجل تقريب المطلب، وإلاّ فالواقع فوق ذلك.
[90] - المحاضرات:2/87ـ88; أجود التقريرات: 1/ 90.
[91] - الميزان:1/ 100.
[92] - التوحيد:340، باب المشيئة والإرادة، الحديث 10.
[93] - الأنفال: 17.
[94] - التوبة: 14.
[95] - الكهف: 49.
[96] - الحج: 10.
[97] - يونس: 44.