قائمة المواضيع :
عصمة الأنبياء في القرآن الكريم
1
العصمة في اللغة والاصطلاح
وتاريخ ظهور الفكرة بين المسلمين
العصمة في اللغة بمعنى الإمساك والمنع، قال ابن فارس:عصم له أصل واحد يدلّ على إمساك ومنع، من ذلك العصمة، أن يعصم اللّه تعالى عبده من سوء يقع فيه.
وأمّا اصطلاحاً، فالعصمة هي المصونية عن الخطأ والعصيان وبهذا المعنى وصف سبحانه الملائكة الموكلين على الحجيم بقوله ( عليها ملائكةُ غِلاظ شِدَاد لا يَعْصُون اللّهَ ما أمرَهُم ويفْعلون ما يُؤمَرُون ) ( [1]) ولا يجد الإنسان كلمة أوضح من قوله سبحانه: ( لا يَعْصُون اللّهَ ما أمرَهُم ويفْعلون ما يُؤمَرُون ) في تحديد حقيقة العصمة وواقعها في مجال الامتثال فالآية تنص على عصمة الملائكة في مجال التكليف، وأمّا العصمة في مجال غير التكليف فاللّه سبحانه يصف الذكر الحكيم بقوله: ( لا يأيته الباطلُ مِنْ بين يديهِ ولا مِنْ خَلْفِه تنزيل مِنْ حكيم حميد ) ( [2]) فالآية تنص على مصونية القرآن من طروء الباطل عليه والخطأ من أقسام الباطل.
مبدأ ظهور فكرة العصمة بين المسلمين
وبالامعان في هذه الآيات يظهر انّ العصمة بمفهومها البسيط (العصمة من العصيان والخطأ) مع قطع النظر عن موصوفها، قد طرحها القرآن وألفتَ نظر المسلمين إليها من دون أن يحتاج علماؤهم إلى أخذ هذه الفكرة من الأحبار والرهبان.
وبذلك يعلم انّ مبدأ ظهور فكرة العصمة في الأُمة الإسلامية هي القرآن الكريم لا غير. نعم انّ الموصوف في هذه الآيات وإن كانت هي الملائكة أو القرآن الكريم والمطروح عند علماء الكلام هو عصمة الأنبياء والأئمة، لكن الاختلاف في الموصوف لا يضرّ بكون القرآن مبدأً لهذه الفكرة، لانّ المطلوب هو الوقوف على منشأ تكوّن هذه الفكرة، ثمّ تطورها عند المتكلّمين ويكفي في ذلك كون القرآن قد طرح هذه المسألة في حقّ الملائكة والقرآن.
على أنّ القرآن الكريم طرح عصمة النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) في غير واحد من آياته كما سيوافيك، ويكفيك في المقام قوله: ( وَما يَنطق عن الهوى * إِن هُوَ إلاّ وَحيٌّ يُوحى ) .( [3])
فنرى الآيتين تشيران بوضوح إلى انّ النبي لا ينطق عن ميول نفسانية وان ما ينطق به، وحي ألْقى في روعه وأُوحِي إلى قلبه، ومن لا يتكلّم عن الميول النفسانية ويعتمد في منطقه على الوحي يكون مصوناً من الزلل في المرحلتين: مرحلة الأخذ والتبليع، إذ قال سبحانه: ( ما كذب الفؤاد ما رأى... ما زاغ البصر و ما طغى ) .( [4])
وقد نرى جذور عصمة النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) في كلام الإمام علي حيث يصف النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في الخطبة القاصعة بقوله:
«ولقد قَرَن اللّه به مِنْ لدن أن كانَ فطيماً أعظمَ ملك من ملائكته، يسلك به طريقَ المكارم، ومحاسنَ أخلاق العالم ليله ونهاره».( [5])
ودلالة هذه الجمل من هذه الخطبة على عصمة النبي في القول والعمل عن الخطأ والزلل واضحة فانّ من ربّاه أعظم ملك من ملائكة اللّه سبحانه من لدن أن كان فطيماً، إلى أُخريات حياته الشريفة، لا تنفك عن المصونية من العصيان والخطأ، كيف وهذا الملك يسلك به طريق المكارم، ويربّيه على محاسن أخلاق العالم، ليلَه ونهارَه، لا يعصي ولا ينحرف عن الجادة الوسطى وليست المعصية إلاّ سلوك طريق المآثم و مساوى الأخلاق و من يسلك الطريق الأوّل يكون متجنباً عن سلوك الطريق الثاني. هذه جذور المسألة في الكتاب العزيز وفي كلمات الإمام أمير المؤمنين، ثمّ إنّ المتكلّمين هم الذين اهتموا بمسألة العصمة خصوصاً الإمامية والمعتزلة.
نعم لا يمكن أن ينكر انّ المناظرات التي دارت بين الإمام علي بن موسى الرضا وأهل المقالات من الفرق الإسلامية قد اعطت للمسألة مكانة خاصة، فقد أبطل الإمام الرضا (عليه السلام) كثيراً من حجج المخالفين في مجال نفي العصمة عن الأنبياء عامة والنبي الأعظم خاصة، ولولا خوف الإطالة لأتينا ببعض هذه المناظرات التي دارت بين الإمام(عليه السلام) وأهل المقالات من الفرق الإسلامية.
هذا هو مفهوم العصمة لغة واصطلاحاً ومبدأ ظهوره وسيره في التاريخ.
نعم نجد المستشرق «رونالدوسن» ينسب فكرة ظهور العصمة في الإسلام إلى تطور علم الكلام عند الشيعة وانّهم أوّل من تطرق إلى بحث هذه العقيدة ووصف بها أئمّتهم.( [6]) انّ هذا التحليل لا يبتني على أساس رصين وإنّما هو من الأوهام والأساطير التي اخترعتها نفسية الرجل وعداؤه للإسلام والمسلمين أوّلاً، والشيعةُ أئمّتهم ثانياً.
وكم لهذا الرجل عثرات وأوهام في كتابه الذي أسماه «عقيدة الشيعة» و ليس فيه من عقيدة الشيعة إلاّ شيئاً لا يذكر.
2
تعريف العصمة وحقيقتها
لا شكّ انّ الإنسان بالذات غير مصون عن الخطأ والنسيان، والانحراف والعصيان ولذلك يصفه سبحانه بقوله: ( انّ الإنسان لفي خسر ) ( [7]) فلو بلغ الإنسان إلى مرحلة لا يعصي ولا يُخطِئ ولا يَنْسى فهو لأجل عامل خارجي عن ذاته يبلغ به إلى تلك الدرجة التي يعبّر عنها بالعصمة، ولذلك عاد المحقّقون إلى تعريف العصمة بتعاريف يؤيد بعضها بعضاً.
فالعصمة عبارة عن لطف يفعله اللّه في المكلّف بحيث لا يكون له مع ذلك داع إلى ترك الطاعة ولا إلى فعل المعصية مع قدرته على ذلك، ويحصل انتظام ذلك اللطف بأن يحصل له ملكة مانعة من الفجور والاقدام على المعاصي مضافاً إلى العلم بما في الطاعة من الثواب، والعصمة من العقاب، مع خوف المؤاخذة على ترك الأُولى، وفعل المنهيّ.( [8])
وربما تعرف بانّها قوّة تمنع الإنسان عن اقتراف المعصية والوقوع في الخطأ.( [9])
ثمّ إنّ العامل الذي يصدّ الإنسان عن اقتراف المعاصي بل عن ارتكاب الخطأ والنسيان أحد الأُمور الثلاثة التالية على وجه منع الخلو وليست بمانعة عن الجمع.
1. العصمة، الدرجة القصوى من التقوى
العصمة ترجع إلى التقوى بل هي درجة عليا منها فما تُعرَّف به التقوى تُعرَّف به العصمة.
لا شك أنّ التقوى حالة نفسانية تعصم الإنسان عن اقتراف كثير من القبائح والمعاصي، فإذا بلغت تلك الحالة إلى نهايتها تعصم الإنسان عن اقتراف جميع قبائح الأعمال، وذميم الفعال على وجه الإطلاق، بل تعصم الإنسان حتى عن التفكير في المعصية، فالمعصوم ليس خصوص من لا يرتكب المعاصي ويقترفها بل هو من لا يحوم حولها بفكره.
إنّ العصمة ملكة نفسانية راسخة في النفس لها آثار خاصة كسائر الملكات النفسانية من الشجاعة والعفة والسخاء، فإذا كان الإنسان شجاعاً وجسوراً، سخياً وباذلاً، وعفيفاً ونزيهاً، يطلب في حياته معالي الأُمور، ويتجنب عن سفاسفها فيطرد ما يخالفه من الآثار، كالخوف والجبن والبخل والإمساك، والقبح والسوء، ولا يرى في حياته أثراً منها.
ومثله العصمة، فإذا بلغ الإنسان درجة قصوى من التقوى، وصارت تلك الحالة راسخة في نفسه، يصل الإنسان إلى حد لا يُرى في حياته أثر من العصيان والطغيان، والتمرّد والتجرّي، وتصير ساحته نقية عن المعصية.
وأمّا أنّ الإنسان كيف يصل إلى هذا المقام؟ وما هو العامل الذي يُمكِّنُه من هذه الحالة؟ فهو بحث آخر سنرجع إليه في مستقبل الأبحاث. فإذا كانت العصمة من سنخ التقوى والدرجة العليا منها، يسهل لك تقسيمها إلى العصمة المطلقة والعصمة النسبية.
فإنّ العصمة المطلقة وإن كانت تختص بطبقة خاصة من الناس لكن العصمة النسبيّة تعم كثيراً من الناس من غير فرق بين أولياء اللّه وغيرهم، لأنّ الإنسان الشريف الذي لا يقل وجوده في أوساطنا، وإن كان يقترف بعض المعاصي لكنه يجتنب عن بعضها اجتناباً تاماً بحيث يتجنب عن التفكير فيها فضلاً عن الإتيان بها.
مثلاً الإنسان الشريف لا يتجوّل عارياً في الشوارع والطرقات مهما بلغ تحريض الآخرين له على ذلك الفعل، حتّى أنّ كثيراً من اللصوص لا يقومون بالسرقة في منتصف الليل متسلحين لانتهاب شيء رخيص، كما أنّ كثيراً من الناس لا يقومون بقتل الأبرياء ولا بقتل أنفسهم وان عرضت عليهم مكافآت مادية كبيرة، فإنّ الحوافز الداعية إلى هذه الأفاعيل المنكرة غير موجودة في نفوسهم، أو أنّها محكومة ومردودة بالتقوى التي تحلّوا بها، ولأجل ذلك صاروا بمعزل عن تلك الأفعال القبيحة حتى أنّهم لا يفكّرون فيها ولا يحدّثون بها أنفسهم أبداً.
والعصمة النسبية التي تعرفت عليها، تقرّب حقيقة العصمة المطلقة في أذهاننا، فلو بلغت تلك الحالة النفسانية الرادعة في الإنسان مبلغاً كبيراً ومرحلة شديدة بحيث تمنعه من اقتراف جميع القبائح، يصير معصوماً مطلقاً، كما أنّ الإنسان في القسم الأوّل يصير معصوماً نسبياً.
وعلى الجملة: إذا كانت حوافز الطغيان والعصيان والبواعث على المخالفة محكومة عند الإنسان، منفورة لديه لأجل الحالة الراسخة، يصير الإنسان معصوماً تاماً منزهاً عن كل عيب وشين.
2.العصمة: نتيجة العلم القطعي بعواقب المعاصي
العلم القطعي بعواقب المعاصي والآثام، يصدّ الإنسان عن اقترافها وارتكابها، والمراد من هذا العلم، هو بلوغ الإنسان من حيث الكمال درجة يلمس في هذه النشأة لوازم الأعمال وآثارها في النشأة الأُخرى وتبعاتها فيها، وهذا النوع من العلم القطعي يزيل الحجب بين الإنسان وآثار العمل، وكأنّه سبحانه يريد أمثال هذا العلم من قوله: ( كلاّ لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ اليقينِ* لتروّنَ الجَحِيمَ ) .( [10])
فمن رأى درجات أهل الجنّة ودركات أهل النار يكون مصوناً من الخلاف والعصيان، وأصحاب هذا العلم هم الدين يصفهم الإمام علي(عليه السلام) بقوله: «فهم والجنّة كمن قد رآها فهم فيها منعّمون، وهم والنار كمن قد رآها وهم فيها معذّبون».( [11])
فإذا ملك الإنسان هذا النوع من العلم وانكشف له الواقع كشفاً قطعياً، فهو لا يحوم حول المعاصي بل لا يفكر حوله.
ولأجل تقريب الذهن إلى أنّ العلم بأثر العمل السيئ يصدّ الإنسان عن اقتراته واقترافه نأتي بمثال:
«إنّ الإنسان إذا وقف على أنّ في الأسلاك الكهربائية طاقة، من شأنها قتل الإنسان إذا مسّها من دون حاجز أو عائق بحيث يكون المسّ والموت مقترنين، أحجمت نفسه عن مس تلك الاسلاك والاقتراف منها دون عائق.
هذا نظير الطبيب العارف بعواقب الأمراض وآثار الجراثيم، فإنّه إذا وقف على ماء اغتسل فيه مصاب بالجذام أو البرص أو السلّ، لم يقدم على شربه والاغتسال منه ومباشرته مهما اشتدّت حاجته إلى ذلك لعلمه بما يجرّ عليه الشربُ والاغتسالُ بذلك الماء الموبوء، فإذا وقف الإنسان الكامل على ما وراء هذه النشأة من نتائج الأعمال وعواقب الفعال ورأى بالعيون البرزخية تبدل الكنوز المكتنزة من الذهب والفضة إلى النار المحماة التي تكوى بها جباه الكانزين وجنوبهم وظهورهم، امتنع عن حبس الأموال والإحجام عن إنفاقها في سبيل اللّه.
قال سبحانه: ( وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَها فِي سَبيلِ اللّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذاب أَلِيم* يَوْمَ يُحْمى عَلَيْها في نارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوى بِها جِباهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هذا ما كَنَزْتُمْ لأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ ) .( [12])
إنّ ظاهر قوله سبحانه: ( هذا ما كَنَزْتُمْ لأَنْفُسِكُمْ ) هو انّ النار التي تكوى بها جباه الكانزين وجنوبهم وظهورهم، ليست إلاّ نفس الذهب والفضة، لكن بوجودهما الأُخرويّين، وأنّ للذهب والفضة وجودين أو ظهورين في النشأتين فهذه الأجسام الفلزية، تتجلّى في النشأة الدنيوية في صورة الذهب والفضة، وفي النشأة الأُخروية بصورة النيران المحماة.
فالإنسان العادي اللامس لهذه الفلزات المكنوزة وان كان لا يحس فيها الحرارة ولا يرى فيها النار ولا لهيبها، إلاّ أنّ ذلك لأجل أنّه يفقد حين المس، الحسَّ المناسب لدرك نيران النشأة الآخرة وحرارتها، فلو فرض إنسان كامل يمتلك هذا الحس إلى جانب بقية حواسه العادية المتعارفة ويدرك بنحو خاص الوجه الآخر لهذه الفلزات، وهو نيرانها وحرارتها، يجتنبها، كاجتنابه النيران الدنيوية، ولا يُقدم على كنزها، وتكديسها.
وهذا البيان يفيد انّ للعلم مرحلة قويّة راسخة تصد الإنسان عن الوقوع في المعاصي والآثام ولا يكون مغلوباً للشهوات والغرائز.
3. الاستشعار بعظمة الربّ وكماله وجماله
إنّ استشعار العبد بعظمة الخالق و تفانيه في حبّه، يصدّه عن سلوك ما يخالف رضاه، فانّ حبّه لجماله وكماله من العوامل الصادّة للعبد عن مخالفته.
إذا عرف الإنسان خالقه كمال المعرفة الميسورة، وتعرَّف على معدن الكمال المطلق وجماله وجلاله، وجد في نفسه انجذاباً نحو الحق، وتعلّقاً خاصاً به بحيث لا يستبدل برضاه شيئاً، فهذا الكمال المطلق هو الذي إذا تعرّف عليه الإنسان العارف، يؤجج في نفسه نيران الشوق والمحبّة، ويدفعه إلى أن لا يبغي سواه، ولا يطلب سوى إطاعة أمره وامتثال نهيه. ويصبح كلّ ما يخالف أمره ورضاه منفوراً لديه، مقبوحاً في نظره، أشدّ القبح وعندئذ يصبح الإنسان مصوناً عن المخالفة، بعيداً عن المعصية بحيث لا يؤثر على رضاه شيئاً وإلى ذلك يشير الإمام علي بن أبي طالب(عليه السلام) بقوله:«ما عبدتك خوفاً من نارك ولا طمعاً في جنتك إنّما وجدتك أهلاً للعبادة».( [13])
هذه النظريات الثلاث أو النظرية الواحدة المختلفة في البيان والتقرير تعرب عن أنّ العصمة قوّة في النفس تعصم الإنسان عن الوقوع في مخالفة الرب سبحانه وتعالى، وليست العصمة أمراً خارجاً عن ذات الإنسان الكامل وهوية الخارجية.
3
هل العصمة
موهبة إلهية أو أمر اكتسابي
قد وقفت على حقيقة «العصمة» والعوامل التي توجب صيانة الإنسان عن الوقوع في حبال المعصية، ومهالك التمرّد والطغيان، غير انّ هاهنا سؤالاً هاماً يجب الإجابة عنه وهو: أنّ العصمة سواء أفسّرت بكونها هي الدرجة العليا من التقوى، أو بكونها العلم القطعي بعواقب المآثم والمعاصي، أم فسّرت بالاستشعار بعظمة الرب وجماله وجلاله، وعلى أيّ تقدير فهو كمال نفساني له أثره الخاص، وعندئذ يُسأل عن أنّ هذا الكمال هل هو موهوب من اللّه لعباده المخلصين، أو أمر حاصل للشخص بالاكتساب؟ فالظاهر من كلمات المتكلّمين انّها موهبة من مواهب اللّه سبحانه يتفضل بها على من يشاء من عباده بعد وجود أرضيات صالحة وقابليات مصحّحة لإفاضتها عليهم.
قال الشيخ المفيد: «العصمة تفضل من اللّه على من علم أنّه يتمسك بعصمته».( [14])
وقال المرتضى: العصمة لطف اللّه الذي يفعله تعالى فيختار العبد عنده الإمتناعَ عن فعل قبيح.( [15])
فإذا كانت العصمة أمراً إلهياً و موهبة من مواهبه سبحانه، فعندئذ هاهنا سؤال:
1. لو كانت العصمة موهبة من اللّه مفاضة منه سبحانه إلى رسله وأوصيائهم لم تعد عندئذ كمالاً ومفتخرة للمعصوم حتّى يستحق بها التحميد، فإنّ الكمال الخارج عن الاختيار كصفاء اللؤلؤ لا يستحق التحميد، فإنّ الحمد إنّما يصحّ مقابل الفعل الاختياري وإليك الاجابة.
إفاضة العصمة بعد توفر أرضية صالحة
إنّ العصمة الإلهية لا تفاض للافراد إلاّ بعد وجود قابليّات صالحة في نفس المعصوم تقتضي افاضة تلك الموهبة إلى صاحبها، تلك القابليات على قسمين: قسم خارج عن اختيار المعصوم، وقسم واقع في إرادته واختياره، امّا القسم الأوّل فيتلخص في عامل الوراثة والتربية.
أمّا الوراثة فهي القابليات التي ينتقل إلى المعصوم من آبائه وأجداده عن طريق الوراثة فإنّ الأولاد كما يرثون أموال الآباء وثرواتهم، هكذا يرثون أوصافهم الظاهرية والباطنية، فترى أنّ الولد يُشبه الأب أو العمّ، أو الأُمّ أو الخال، وقد جاء في المثل: الوالد الحلال يُشبه العمَّ أو الخالَ.
وعلى ذلك فالروحيات الصالحة أو السيئة تنتقل عن طريق الوراثة إلى الأولاد فنرى ولد الشجاع شجاعاً، وولد الجبان جباناً إلى غير ذلك من الأوصاف الجسمانية والروحانية.
إنّ الأنبياء كما يحدِّثنا التاريخ كانوا ربيبو البيوتات الصالحة العريقة بالفضائل والكمالات ، ومازالت تنتقل تلك الكمالات والفضائل الروحية من جيل إلى جيل وتتكامل إلى أن تتجسد في نفس النبي ويتولد هو بروح طيبة وقابلية كبيرة لإفاضة المواهب الإلهية علية.
وأمّا عامل التربية فإنّ الكمالات والفضائل الموجودة في بيتهم تنتقل عن طريق التربية إليهم، ففي ظلّ ذينك العاملين (الوراثة والتربية) نرى كثيراً من أهل تلك البيوتات ذوي ايمان وأمانة، وذكاء ودراية، فهذه الكمالات الروحية توجد أرضية صالحة لإفاضة العصمة إلى أصحابها.
نعم هناك عامل ثالث لهذه الإفاضة، وهو داخل في إطار الاختيار وحرّية الإنسان بخلاف العاملين السابقين وهو:
إنّ حياة الأنبياء من لدن ولادتهم إلى زمان بعثتهم، مشحونة بالمجاهدات الفردية، والاجتماعية، فقد كانوا يجاهدون النفس الأمارة أشدّ الجهاد، ويمارسون تهذيب أنفهسم بل ومجتمعهم، فهذا هو يوسف الصدّيق(عليه السلام) جاهد نفسه الأمارة وألجمها بأشد الوجوه عندما راودته من هو في بيتها ( وَغَلَّقَتِ الأَبْوابَ وَقالَتْ هَيْتَ لَك ) فأجاب بالرد والنفي بقوله: ( مَعاذَ اللّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوايَ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظّالِمُونَ ) .( [16])
وهذا موسى كليم اللّه وجد في مدين امرأتين تذودان واقفتين على بعد من البئر، فقدم اليهما قائلاً: ما خطبكما فقالتا: انا لا نسقي حتى يصدر الرعاء وأبونا شيخ كبير، وعند ذلك لم يتفكر في شيء إلاّ في رفع حاجتهما، ولأجل ذلك سقى لهما ثم تولّى إلى الظل قائلاً: ( رَبِّ إِنّي لِما أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْر فَقِيرٌ ) ( [17])( [18])
وكم هناك من شواهد تاريخية على جهاد الأنبياء وقيامهم بواجبهم أبّان شبابهم إلى زمان بعثتهم التي تصدت لـذكرها الكتـب السماويـة وقصص الأنبيـاء وتـواريـخ البشر.
فهذه العوامل، الداخل بعضها في إطار الاختيار والخارج بعضها عن إطاره، أوجدت قابليات وأرضيات صالحة لإفاضة وصف العصمة عليهم وانتخابهم لذلك الفيض العظيم، فعندئذ تكون العصمة مفخرة للنبي صالحة للتحسين والتبجيل والتكريم.
وإن شئت قلت: إنّ اللّه سبحانه وقف على ضمائرهم ونيّاتهم ومستقبل أمرهم، ومصير حالهم وعلم أنّهم ذوات مقدسة، لو أُفيضت إليهم تلك الموهبة، لاستعانوا بها في طريق الطاعة وترك المعصية بحرية واختيار، وهذا العلم كاف لتصحيح إفاضة تلك الموهبة عليهم بخلاف من يُعلَم من حاله خلافُ ذلك.
إنّ للسيد الشريف المرتضى كلاماً يؤيد ما ذكرناه، يقول: كلّ من علم اللّه تعالى أن له لطفاً يختار عنده الامتناع من القبائح فإنّه لابدّ أن يفعل به وإن لم يكن نبيّاً، ولا إماماً، لأنّ التكليف يقتضي فعل اللطف على ما دل عليه في مواضع كثيرة غير انّه لا يمتنع أن يكون في المكلفين من ليس في المعلوم أنّ شيئاً متى فعل، اختار عنده الامتناع من القبيح، فيكون هذا المكلف لا عصمة له في المعلوم ولا لطف، وتكليف من لا لطف له يحسن ولا يقبح وانّما القبيح منع اللطف في من له لطف مع ثبوت التكليف.
وحاصل ما( [19]) أفاده هو: انّ الملاك في إفاضة هذا الفيض هو علمه سبحانه بحال الأفراد في المستقبل فكل من علم سبحانه أنّه لو أُفيض عليه وصف العصمة لاختار عنده الامتناع من القبائح، فعندئذ تفاض عليه العصمة، وان لم يكن نبياً ولا إماماً، وأمّا من علم انّه متى أُفيضت إليه تلك الموهبة لما اختار عندها الامتناع من القبيح لما أُفيضت عليه العصمة لأنّه لا يستحق الإفاضة.
وعلى ذلك فوصف العصمة موهبة إلهية تفاض لمن يعلم من حاله انّه ينتفع منها في ترك القبائح عن حرية واختيار.
ولأجل ذلك يعد مفخرة قابلة للتحسين والتكريم ولا يلزم أن يكون المعصوم نبياً أو إماماً، بل كل من ينتفع منها في طريق كسب رضاه سبحانه تفاض عليه.
4
العصمة وسلب الاختيار
انّ من أبرز الشبهات الطارئة حول العصمة هي انّ العصمة تسلب الاختيار عـن صاحبهـا، فلا يقـدر معهـا على ارتكاب المعصية، ومعه لا تصبح العصمة مكرمة وفضيلة.
وهذه الشبهة هي التي أشار إليها السيد الشريف المرتضى و قال:
ما حقيقة العصمة التي يُعتقد وجوبُها للأنبياء والأئمّة(عليهم السلام) ؟ وهل هي معنى يضطر إلى الطاعة ويمنع من المعصية، أو معنى يضام الاختيار؟ فإن كان معنى يضطر إلى الطاعة ويمنع من المعصية، فكيف يجوز الحمد والذم لفاعلها؟ وإن كان معنى يضام الاختيار فاذكروه، ودُلّوا على صحّة مطابقته له.( [20])
والجواب: انّ العصمة لا تسلب الاختيار عن الإنسان بأي معنى فسرت، سواء أقلنا بأنّها الدرجة العليا من التقوى، أو أنّها نتيجة العلم القطعي بعواقب المآثم والمعاصي، أو أنّها أثر الاستشعار بعظمة الرب والمحبة للّه سبحانه( [21])، وعلى كل تقدير فالإنسان المعصوم مختار في فعله، قادر على كلا طرفي القضية من الفعل والترك، وتوضيح ذلك بالمثال الآتي:
إنّ الإنسان العاقل الواقف على وجود الطاقة الكهربائية في الأسلاك المنزوعة من جلدها، لا يمسّها كذلك، كما انّ الطبيب لا يأكل سؤر المجذومين والمسلولين لعلمهما بعواقب فعلهما، وفي الوقت نفسه يرى كل واحد منهما نفسه قادراً على ذلك الفعل، بحيث لو أغمض العين عن حياته وهيّأ نفسه للمخاطرة بها، لَفَعَلَ ما يتجنبه، غير انّهما لا يقومان به لكونهما يحبّان حياتهما وسلامتهما. فإن شئت قلت: إنّ العمل المزبور ممكن الصدور بالذات من العاقل والطبيب، غير انّه ممتنع الصدور بالعرض والعادة، وليس صدوره محالاً ذاتياً وعقلياً، وكم فرق بين المحالين، ففي المحال العادي يكون صدور الفعل من الفاعل ممكناً بالذات، غير انّه يرجح أحد الطرفين على الآخر بنوع من الترجيح بخلاف الثاني(المحال الذاتي) فإنّ الفعل فيه يكون ممتنعاً بالذات، فلا يصدر لعدم إمكانه الذاتي.
وإن شئت فلاحظ صدور القبيح منه سبحانه أمر ممكن بالذات، داخل في إطار قدرته فهو يستطيع أن يدخل المطيع في نار الجحيم، والعاصي في نعيم الجنة، غير انّه لا يصدر منه ذلك الفعل لكونه مخالفاً للحكمة ومبايناً لما وعد به وأوعد عليه، وعلى ذلك فامتناع صدور الفعل عن الإنسان معالتحفظ على الأغراض والغايات، لا يكون دليلاً على سلب الاختيار والقدرة.
فالنبي المعصوم قادر على اقتراف المعاصي وارتكاب الخطايا، حسب ما أُعطي من القدرة والحرية، غير أنّه لأجل حصوله على الدرجة العليا من التقوى، واكتساب العلم القطعي بآثار المآثم والمعاصي، واستشعاره بعظمة الخالق، يتجنب عن اقترافها واكتسابها ولا يكون مصدراً لها مع قدرته واقتداره عليها.
ومثلهم في ذلك المورد كمثل الوالد العطوف الذي لا يقدم على قتل ولده، ولو أُعطيت له الكنوز المكنوزة والمناصب المرموقة ومع ذلك فهو قادر على قتله، بحمل السكين والهجـوم عليه وقطع أوردته، وفي هذا الصدد يقول العلامة الطباطبائي:
إنّ هذا العلم أعني ملكة العصمة لا يغيِّر الطبيعة الإنسانية المختارة في أفعالها الإرادية، ولا يخرجها إلى ساحة الإجبار والاضطرار كيف؟ والعلم من مبادئ الاختيار، ومجرد قوة العلم لا يوجب إلاّ قوة الإرادة كطالب السلامة إذا أيقن بكون مائع ما، سماً قاتلاً من حينه فإنّه يمتنع باختياره من شربه قطعاً، وإنّما يضطر الفاعل ويجبر إذا أخرج المجبر أحد طرفي الفعل والترك من الإمكان إلى الامتناع. ويشهد على ذلك قوله: ( وَاجْتَبَيْناهُمْ وَهَدَيْناهُمْ إِلى صِراط مُسْتَقيم* ذلِكَ هُدَى اللّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَلَو أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ ما كانُوا يَعْمَلُونَ ) ( [22]) تفيد الآية انـّهم في إمكانهم أن يشركوا باللّه وإن كان الاجتباء أو الهدى الإلهي مانعاً من ذلك، وقوله: ( يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ ) ( [23]) ، إلى غير ذلك من الآيات.
فالإنسان المعصوم إنّما ينصرف عن المعصية بنفسه وعن اختياره وإرادته، ونسبة الصرف إلى عصمته تعالى كنسبة انصراف غير المعصوم عن المعصية إلى توفيقه تعالى.
ولا ينافي ذلك أيضاً ما يشير إليه كلامه تعالى وتصرح به الأخبار من أنّ ذلك من الأنبياء والأئمّة بتسديد من روح القدس، فإنّ النسبة إلى روح القدس، كنسبة تسديد المؤمن إلى روح الإيمان، ونسبة الضلال والغواية إلى الشيطان وتسويله، فإنّ شيئاً من ذلك لا يخرج الفعل عن كونه فعلاً صادراً عن فاعله مستنداً إلى اختياره وإرادته فافهم ذلك.( [24])
مراحل العصمة وأدلّتها
وقد وقفت على حقيقة العصمة ومايرجع إليها من المباحث الاستطرادية، فيجب الآن الوقوف على مراحلها التالية:
1. العصمة في تلقي الوحي، والحفاظ عليه، وإبلاغه إلى الناس وبعبارة أُخرى العصمة في تبليغ الرسالة.
2. العصمة في العصيان وارتكاب الذنب المصطلح.
3. العصمة من الخطأ في الأُمور الفردية والاجتماعية.
هذه هي مراحل العصمة وإليك دراستها على ضوء الكتاب والسنة والعقل .
المرحلة الأُولى
5
العصمة في تبليغ الرسالة
ذهب جمهور المسلمين من السنة والشيعة إلى عصمة الأنبياء من تبليغ الرسالة، واستدلوا عليه بالعقل والنقل، أمّا العقل فبوجوه أهمّها ما ذكره المحقّق الطوسي في تجريد الاعتقاد، «وهو حصول الوثوق بأفعاله وأقواله».
توضيحه انّ الهدف الأسمى والغاية القصوى من بعث الأنبياء وهداية الناس إلى التعاليم الإلهية والشرائع المقدّسة ولا تحصل تلك الغاية إلاّ بإيمانهم بصدق المبعوثين، وإذعانهم بكونهم مرسلين من جانبه سبحانه، وانّ كلامهم وأقوالهم كلامه وقوله سبحانه، وهذا الإيمان والاذعان لا يحصل إلاّ بإذعان آخر وهو الإذعان بمصونيتهم من الخطأ في مجال تبليغ الرسالة، أعني المصونية في مقام أخذ الوحي أوّلاً، والمصونية في مقام التحفظ عليه ثانياً، والمصونية في مقام الابلاغ والتبيين ثالثاً ومثل هذا لا يحصل إلاّ بمصونية النبي عن الزلل والخطأ عمده وسهوه في تحمل رسالات اللّه وابلاغها لعباده.
انّ الآيات القرآنية تؤكّد على عصمة الأنبياء في أخذ الوحي وحفظه وإبلاغه، نقتصر منها بآيتين:
الآية الأُولى
يقول سبحانه: ( كانَ الناسُ أُمّة وَاحدة فبَعثَ اللّه النَبيّين مبشّرين ومُنْذرِين وأَنْزَلَ مَعْهُمُ الكتابَ بِالحقّ ليَحْكُم بين الناسِ فيما اختلفُوا فيهِ وَمَا اختلفَ فيه إِلاّ الّذين أُوتُوه مِنْ بَعْدِ ما جاءتهُمُ البَيِّنات بَغْياً بَيْنَهُمْ فَهَدى اللّه الّذينَ آمَنُوا لما اختلفُوا فيهِ مِنَ الحَقّ بِإِْذِنِهِ وَاللّهُ يَهْدي مَنْ يَشاءُ إِلى صراط مُسْتَقيم ) .( [25]) انّ الآية تصرّح بانّ الهدف من بعث الأنبياء هو القضاء بين الناس في ما اختلفوا فيه، وليس المراد من القضاء إلاّ القضاء بالحقّ، وهو فرع وصول الحقّ إلى القاضي بلا تغيير وتحريف.
ثم إنّ نتيجة القضاء هي هداية من آمن من الناس إلى الحق بإذنه كما هو صريح قوله: ( فهدى اللّه الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه ) .
والهادي وإن كان هو اللّه سبحانه في الحقيقة لكن الهداية تتحقق عبر بيان النبي، وبواسطته، وتحقق الهداية منه فرع كونه واقفاً على الحق، بلا تحريف.
وكل ذلك يسلتزم عصمة النبي في تلقي الوحي والحفاظ عليه، وإبلاغه إلى الناس.
وبالجملة فالآية تدل على أنّ النبي يقضي بالحق بين الناس ويهدي المؤمنين إليه، وكل ذلك (أي القضاء بالحق أوّلاً، وهداية المؤمنين إليه ثانياً) يستلزم كونه واقفاً على الحق على ما هو عليه وليس المراد من الحق إلاّ ما يوحى إليه.
الآية الثانية
قوله سبحانه: ( وَما يَنْطِقُ عَنِ الهَوى* إِنْ هُوَ إِلاّوَحْيٌ يُوحى ) .( [26])
فالآية تصرح بأنّ النبي لا ينطق عن الهوى، أي لا يتكلم بداعي الهوى. فالمراد إمّا جميع ما يصدر عنه من القول في مجال الحياة كما هو مقتضى إطلاقه أو خصوص ما يحكيه من اللّه سبحانه، فعلى كل تقدير فهو يدل على صيانته وعصمته في المراحل الثلاث( [27]) المتقدم ذكرها في مجال إبلاغ الرسالة.
وبما أنّ عصمة الأنبياء في تلك المرحلة ممّا اصفقت عليها المحقّقون من أصحاب المذاهب والملل، فلنعطف عنان البحث إلى ما تضاربت فيه آراء المتكلمين، وإن كان للشيعة فيه قول واحد، وهو عصمتهم عن العصيان والمخالفة لأوامره ونواهيه قبل البعثة وبعدها.
المرحلة الثانية
6
عصمة الأنبياء من المعصية
لقد تعرفت على دلائل عصمة الأنبياء في تلقى الوحي وحفظه في نفسه وأدائه إلى الناس، وحان الحين للبحث عن عصمتهم عن المعصية.
وفي هذا المجال وإن كان ربما يوجد نقول شاذة في عصمة الأنبياء بالنسبة إلى المعاصي الصغيرة، أو عصمتهم قبل البعثة، لكن نضرب عنها صفحاً ونستنطق الفعل والقرآن في هذا المجال.
العقل وعصمة الأنبياء عن المعصية
إنّ القرآن الكريم يصرح بأنّ الهدف من بعث الأنبياء هو تزكية نفوس الناس وتصفيتهم من الرذائل وغرس الفضائل فيها قال سبحانه حاكياً عن لسان إبراهيم: ( رَبَّنا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الكِتابَ وَالحِكْمَةَ وَيُزَكّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ) ( [28]) وقال سبحانه: ( لَقَدْ مَنَّ اللّهُ عَلَى الْمُؤْمِنينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الكِتابَ وَالحِكْمَةَ وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلال مُبين ) .( [29])
والمراد من التزكية هو تطهير القلوب من الرذائل وإنماء الفضائل، وهذا هو ما يسمى في علم الأخلاق بـ «التريبة».
ولا شك أنّ تأثير التربية في النفوس يتوقف على إذعان من تراد تربيته بصدق المربي وإيمانه بتعاليمه، وهذا يعرف من خلال عمل المربّي بما يقوله ويعلمه وإلاّ فلو كان هناك انفكاك بين القول والعمل، لزال الوثوق بصدق قوله وبالتالي تفقد التربية أثرها، ولا تتحقق حينئذ الغاية من البعث.
وإن شئت قلت: إنّ التطابق بين مرحلتي القول والفعل، هو العامل الوحيد لكسب ثقة الآخرين بتعاليم المصلح والمربي، ولو كان هناك انفكاك بينهما لانفض الناس من حوله قائلين بأنّه لو كان مذعناً بصحة دعوته لما خالف قولَه في مقام العمل.
سؤال وجواب
نعم يمكن أن يقال: يكفي في الاعتماد على النبي مصونيته عن معصية واحدة وهي الكذب فالبرهان المذكور على تماميته لا يثبت إلاّ مصونيته عن خصوص الكذب لا مطلقاً.
أقول: الإجابة عن هذا السؤال سهلة، لأنّ التفكيك بين المعاصي فرضية محضة لا يصح أن تقع أساساً للتربية العامة لما فيها من الإشكالات.
أمّا أوّلاً: فانّ المصونية عن المعاصي نتيجة إحدى العوامل التي أوعزنا إليها عند البحث عن حقيقة العصمة فإن تم وجودها أو وجود بعضها تحصل المصونية المطلقة للإنسان، وإلاّ فلا يمكن التفكيك بين الكذب وسائر المعاصي بأن يجتنبالإنسان عن الكذب طيلة عمره ويرتكب سائر المعاصي، فإنّ العوامل التي تسوق الإنسان إلى ارتكابها تسوقه أيضاً إلى اقتراف الكذب واجتياح التهمة.
وأمّا ثانياً: فلو صح التفكيك بينهما في عالم الثبوت لا يمكن إثباته (الداعي لا يكذب أبداً وان كان يركب سائر المعاصي) في حق الداعي ومدعي النبوة، إذ كيف يمكن الإنسان أن يقف على أنّ مدّعي النبوة مع ركوبه المعاصي واقترافه للمآثم، لا يكذب أصلاً عندما اضطر إليه حتى ولو صرح الداعي إلى الإصلاح بنفس هذا التفكيك، لسرى الريب إلى نفس هذا الكلام أيضاً.
وعلى الجملة: انّ الهدف من بعث الرسل وإنزال الكتب هو دعوة الناس إلى الهداية الإلهية التي يقوم بأعبائها الأنبياء والرسل، ولا يتحقق ذلك الهدف إلاّ بعد اعتماد الناس على حامل الدعوة والقائم بالهداية، فاقتراف المعاصي ومخالفة ما يدعو إليه من القيم والخلق، يزيل من النفوس الثقة به والاعتماد عليه.
وبهذا البيان تظهر الإجابة عن سؤال لا يقصر في الضآلة عن السؤال الماضي. وهو ما ربما يقال: إنّ أقصى ما يثبته هذا البرهان هو لزوم نزاهة النبي عن اقتراف المعاصي في المجتمع، وهذا لا يخالف أن يكون عاصياً ومقترفاً للذنوب في الخلوات، وهذا القدر من النزاهة كاف في جلب الثقة.
والجواب عن هذا السؤال واضح تمام الوضوح، فإنّ مثل هذا التصور عن النبي والقول بأنّه يرتكب المعاصي في السر دون العلن يهدم الثقة به، إذ ما الذي يمنعه ـ عندئذ ـ من أن يكذب ويتستر على كذبه، وبذلك تزول الثقة بكل ما يقول ويعمل.
أضف إلى ذلك أنّه يمكن خداع الناس بتزيين الظاهر مدة قليلة لا مدة طويلة ولا ينقضي زمان إلاّ وقد تظهر البواطن ويرتفع الستار عن حقيقته فتكشف سوأته، ويظهر عيبه.
إلى هنا ظهر أنّ ثقة الناس بالأنبياء إنّما هي في ضوء الاعتقاد بصحة مقالهم وسلامة أفعالهم، وهو فرع كونهم مصونين عن الخلاف والعصيان في الملأ والخلأ والسر والعلن من غير فرق بين معصية دون أُخرى.
القرآن وعصمة الأنبياء من المعصية
إنّه سبحانه يطرح في كتابه العزيز عصمة الأنبياء ويصفهم بهذا الوصف، ويشهد بذلك لفيف من الآيات:
الآية الأُولى
قال سبحانه: ( وَوَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ كُلاًّ هَدَيْنا وَنُوحاً هَدَيْنا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّـتِهِ داوُدَ وَسُلَيْمانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسى وَهارُونَ وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ* وَزَكَرِيّا وَيَحْيى وَعِيسى وَإِلْياسَ كُلٌّ مِنَ الصّالِحينَ* وَإِسْماعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطاً وَكُلاً فَضَّلْنا عَلَى الْعالَمينَ* وَمِنْ آبائِهِمْ وَذُرِّيّاتِهِمْ وَإِخْوانِهِمْ وَاجْتَبَيْناهُمْ وَهَدَيْناهُمْ إِلى صِراط مُسْتَقيم ) .( [30])
ثم إنّه يصف هذه الصفوة من عباده بقوله: ( أُولئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللّهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِنْ هُوَ إِلاّذِكْرى لِلْعالَمينَ ) .( [31])
والآية الأخيرة تصف الأنبياء بأنّهم مهديون بهداية اللّه سبحانه على وجه يجعلهم القدوة والاسوة.
هذا من جانب ومن جانب آخر نرى أنّه سبحانه يصرح بأنّ من شملته الهداية الإلهية لا مضلَّ له ويقول: ( وَمَنْ يُضْلِلِ اللّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هاد* وَمَنْ يَهْدِ اللّهُ فَما لَهُ مِنْ مُضِل ) .( [32])
وفي آية ثالثة يصرح بأنّ حقيقة العصيان هي الانحراف عن الجادة الوسطى بل هي الضلالة ويقول: ( أَلَمْ أَعْهَدْإِلَيْكُمْ يا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ * وَأَنِ اعْبُدُونِي هذا صِراطٌ مُسْتَقيمٌ* وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبلاًّ كَثِيراً أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ ) .( [33])
وبملاحظة هذه الطوائف الثلاث من الآيات تظهر عصمة الأنبياء بوضوح وتوضيح ذلك:
انّه سبحانه يصف الأنبياء في اللفيف الأوّل من الآيات بأنّهم القدوة الاسوة والمهديون من الأُمّة كما يصرح في اللفيف الثاني بأنّ من شملته الهداية الإلهية لا ضلالة ولا مضل له.
كما هو يصرح في اللفيف الثالث بأنّ العصيان نفس الضلالة أو مقارنه وملازمه حيث يقول: ( ولقد أضل منكم ) وما كانت ضلالتهم إلاّ لأجل عصيانهم ومخالفتهم لأوامره ونواهيه.
فإذا كان الأنبياء مهديين بهداية اللّه سبحانه، ومن جانب آخر لا يتطرق الضلال إلى من هداه اللّه، ومن جانب ثالث كانت كل معصية ضلالاً يستنتج أنّ من لا تتطرق إليه الضلالة لا يتطرق إليه العصيان.
وإن أردت أن تفرغ ما تفيده هذه الآيات في قالب الأشكال المنطقية فقل:
النبي: من هداه اللّه.
وكل من هداه اللّه فما له من مضل.
ينتج: النبي ما له من مضل.
الآية الثانية
انّه سبحانه يعد المطيعين للّه والرسول بأنّـهم من الذين يحشرون مع النبيين والصدّيقين والشهداء والصالحين الذين أنعم اللّه عليهم إذ يقول:
( وَمَنْ يُطِعِ اللّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيّينَ وَالصِّدِّيقينَ وَالشُّهَداءِوَالصّالِحينَ وَحَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقاً ) .( [34])
وعلى مفاد هذه الآية فالأنبياء من الذين أنعم اللّه عليهم بلا شك ولا ريب، وهو سبحانه يصف تلك الطائفة أعني: ( من أنعم عليهم ) بقوله: بأنّهم:( غَيْرِالْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلاَ الضّالِّينَ ) .( [35])
فإذا انضمت الآية الأُولى الواصفة للأنبياء بالإنعام عليهم، إلى هذه الآية الواصفة بأنّهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين، يستنتج عصمة الأنبياء بوضوح، لأنّ العاصي من يشمله غضب اللّه سبحانه ويكون ضالاً بقدر عصيانه ومخالفته.
وعلى الجملة: من كان غير المغضوب عليه ولا الضال فهو لا يخالف ربه ولا يعصي أمره فإنّ العاصي يجلب غضب الرب، ويضل عن الصراط المستقيم قدر عصيانه.
الآية الثالثة
انّه سبحانه يصف جملة من الأنبياء ويقول في حق إبراهيم وإسحاق ويعقوب وموسى وهارون وإسماعيل وإدريس: ( أُولَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنا مَعَ نُوح وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْراهيمَ وَإِسْرائيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنا وَاجْتَبَيْنا إِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُ الرَّحْمنِ خَرُّوا سُجَّداً وَبُكِيّاً ) .( [36])
فهذه الآية تصف تلك الصفوة من الأنبياء بأوصاف أربعة:
1. أنعم اللّه عليهم.
2. و ممن هدينا.
3. واجتبينا.
4. خرّوا سجّداً وبُكيّا.
ثم إنّه سبحانه يصف في الآية التالية ذرية هؤلاء وأولادهم بأوصاف تقابل الصفات الماضية، ويقول: ( فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَواتِ فَسَوفَ يَلْقَونَ غَيّاً ) .( [37]) نرى أنّه سبحانه يصف خلفهم بأوصاف ثلاثة تضاد أوصاف آبائهم وهي عبارة عن أُمور ثلاثة:
1. أضاعوا الصلاة.
2. واتبعوا الشهوات.
3. يلقون غيّاً.
وبحكم المقابلة بين الصفات يكون الأنبياء ممن لم يضيّعوا الصلاة ولم يتّبعوا الشهوات، وبالنتيجة لا يلقون غيّاً، وكل من كان كذلك فهو مصون من الخلاف ومعصوم من اقتراف المعاصي، لأنّ العاصي لا يعصي إلاّ لاتباع الشهوات وسوف يلقى أثر غيه وضلالته.
الآية الرابعة
إنّ القرآن الكريم يدعو المسلمين إلى الاقتفاء بأثر النبي بمختلف التعابير والعبارات يقول سبحانه: ( قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُوني يُحْبِبْكُمُ اللّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ* قُلْ أَطِيعُوا اللّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوا فَإِنَّ اللّهَ لا يُحِبُّ الْكافِرينَ ) .( [38])
ويقول أيضاً: ( مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللّهَ ) .( [39])
ويقول في آية ثالثة: ( وَمَنْ يُطِعِ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللّهَ وَيَتَّقهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْفائِزونَ ) .( [40])
كما أنّه سبحانه يندد بمن يتصور انّ على النبي أن يقتفي الرأي العامويقول: ( وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللّهِ لَوْ يُطيعُكُمْ في كَثير مِنَ الأَمْرِ لَعَنِتُّمْ ) .( [41])
وعصارة القول: إنّ هذه الآيات تدعو إلى إطاعة النبي والاقتداء به بلا قيد وشرط، ومن وجبت طاعته على وجه الإطلاق أي بلا قيد وشرط يجب أن يكون معصوماً من العصيان ومصوناً عن الخطأ والزلل.
توضيحه: انّ دعوة النبي تتحقّق بأحد الأمرين: اللفظ أو العمل. والدعوة بالكتابة ترجع إلى أحدهما، وعند ذلك فلو كان كل ما يدعو إليه النبي بلسانه وفمه وقلمه ويراعه، صادقاً مطابقاً للواقع غير مخالف له قدر شعرة، لصح الأمر بالاقتداء به وإنّ طاعته طاعة اللّه سبحانه كما قال: ( مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللّهَ ) .( [42])
وأمّا لو كان بعض ما يدعو به باللفظ والعمل والقول والكتابة على خلاف الواقع وعلى خلاف ما يرضى به سبحانه يجب تقييد الدعوة إلى طاعة النبي بقيد يخرج هذه الصورة.
فالحكم باتّباعه على وجه الإطلاق يكشف عن أنّ دعواته وأوامره قولاً وفعلاً حليفة الواقع، وقرينة الحقيقة لا تتخلف عنه قدر شعرة، من غير فرق بين الدعوة اللفظية أو العملية.
فإنّ  الدعوة عن طريق العمل والفعل من أقوى العوامل تأثيراً في مجال التربية والتعليم وأرسخها وكل عمل يصدر من الرسل فالناس يتلقونه دعوة عملية إلى اقتفاء أثره في ذاك المجال.
فلو كان ما يصدر من النبي طيلة الحياة مطابقاً لرضاه وموافقاً لحكمه صح الأمر بالاقتفاء في القول والفعل، ولو كانت أفعالهم تخالف الواقع في بعض الأحايين وتتسم بالعصيان والخطأ، لما صح الأمر بطاعته والاقتداء به على وجه الإطلاق.
كيف وقد وصف الرسول بأنّه الأُسوة الحسنة في قوله سبحانه: ( لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كانَ يَرْجُو اللّهَ وَاليَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللّهَ كَثِيراً ) .( [43])
فكونه أُسوة حسنة في جميع المجالات لا يتفق إلاّ مع عصمته المطلقة، بخلاف من يكون أُسوة في مجال دون مجال، وعلى ذلك فهو مصون من الخلاف والعصيان والخطأ والزلل.
وإن شئت قلت: لو صدر عن النبي عصيان وخلاف فمن جانب يجب علينا طاعته واقتفاؤه واتباعه، وبما انّ الصادر منه أمر منكر يحرم الاقتداء به واتباعه وتجب المخالفة، فعندئذ يلزم الأمر بالمتناقضين، والقول بأنّه يجب اتّباعه في خصوص ما ثبت كونه موافقاً للشرع أو لم تعلم مخالفته له، خلاف إطلاق الآيات الآمرة بالاتّباع على وجه الإطلاق من غير فرق بين فعل دون فعل، ووقت دون وقت.
***
إلى هنا تمّت دراسة ما يدلّ بوضوح على عصمة النبي في المرحلتين التاليتين:
1. عصمه في أخذ الوحي وحفظه، وابلاغه إلى الناس.
2. عصمته عن اقتراف المعاصي والضلالة في الفكر والعمل.
بقي الكلام في المرحلة الثالثة أعني عصمته عن الخطأ في حياته الدينية أو المادية وهذا هو الذي نستعرضه في الفصل التالي.
المرحلة الثالثة
7
عصمة النبي عن الخطأ
انّ صيانة النبي عن الخطأ والاشتباه سواء أ كان في مجال تطبيق الشريعة، أم في مجال الأُمور العادية الفردية المرتبطة بحياته، ممّا طرح في علم الكلام وطال البحث فيه بين متكلمي الإسلام.
غير انّ تحقق الغاية من البعثة رهن صيانته عن الخطأ في كلا المجالين، وإلاّ فلا تتحقق الغاية المتوخاة من بعثته، وهذا هو الدليل العقلي الذي اعتمدت عليه العدلية، بعدما اتفق الكل على لزوم صيانته عن الخطأ والاشتباه في مجـال تلقي الوحي وحفظه، وأدائه إلى الناس، ولم يختلف في ذلك اثنـان.
منطق العقل في عصمة النبي عن الخطأ
وإليك توضيح هذا الدليل العقلي: إنّ الخطأ في غير أمر الدين وتلقّي الوحي يتصوّر على وجهين:
أ. الخطأ في تطبيق الشريعة كالسهو في الصلاة أو في إجراء الحدود.
ب. الاشتباه في الأُمور العادية المعدة للحياة كما إذا استقرض ألف دينار، وظن أنّه استقرض مائة دينار.
والحقّ انّه مصون من الاشتباه والسهو في كلا الموردين، وذلك لأنّ الغاية المتوخاة من بعث الأنبياء هي هدايتهم إلى طريق السعادة، ولا تحصل تلك الغاية إلاّ بكسب اعتماد الناس على صحة ما يقوله النبي وما يحكيه عن جانب الوحي، وهذا هو الأساس لحصول الغاية، ومن المعلوم أنّه لو سها النبي واشتبه عليه الأمر في المجالين الأوّلين ربّما تسرب الشك إلى أذهان الناس، وانّه هل يسهو أيضاً في ما يحكيه من الأمر والنهي الإلهي أم لا ؟
فبأي دليل أنّه لا يخطأ في هذا الجانب مع أنّه يسهو في المجالين الآخرين؟! وهذا الشعور إذا تغلغل في أذهان الناس سوف يسلب اعتماد الناس على النبي، وبالتالي تنتفي النتيجة المطلوبة من بعثه.
نعم، التفكيك بين صيانته في مجال الوحي وصيانته في سائر الأُمور وإن كان أمراً ممكناً عقلاً ، ولكنه ممكن بالنسبة إلى عقول الناضجين في الأبحاث الكلامية ونحوها، وأمّا العامّة ورعايا الناس الذين يشكّلون أغلبية المجتمع، فهم غير قادرين على التفكيك بين تينك المرحلتين، بل يجعلون السهو في إحداهما دليلاً على إمكان تسرّب السهو إلى المرحلة الأُخرى.
ولأجل سدّ هذا الباب، المنافي للغاية المطلوبة من إرسال الرسل، ينبغي أن يكون النبي مصوناً في عامّة المراحل، سواء أكانت في حقل الوحي أو في تطبيق الشريعة أو في الأُمور العاديّة، ولهذا يقول الذكر الحكيم في حقّ المسيح ( وَأَيّدناهُ بِرُوحِ القُدُس ) ( [44]) و الإمام الصادق (عليه السلام) : «جعل مع النبي روح القدس وهي لا تنام ولا تغفل ولا تلهو ولا تسهو».( [45])
وعلى ذلك فبما أنّه ينبغي أن يكون النبي اسوة في الحياة في عامة المجالات يجب أن يكون نزيهاً عن العصيان أو لا الخلاف والسهو والخطأ ثانياً.
منطق القرآن في عصمة النبي عن الخطأ
قد عرفت منطق العقل في لزوم عصمة النبي من الخطأ في مجال تطبيق الشريعة، ومجال الأُمور العادية المعدّة للحياة، وهذا الحكم لا يختص بمنطقه، بل الذكر الحكيم يدعمه بأحسن وجه، وإليك ما يدل على ذلك:
1. قال سبحانه: ( إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللّهُ وَلاَ تَكُن لِلْخَائِنِينَ خَصِيماً ) ( [46]) ، وقال أيضاً: ( وَلَوْلاَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طَّائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْء وَأَنْزَلَ اللّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً ) .( [47])
وقد نقل المفسرون حول نزول الآيات وما بينهما من الآيات روايات رووها بطرق مختلفة نذكر ما ذكره ابن جرير الطبري عن ابن زيد قال: كان رجل سرق درعاً من حديد في زمان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وطرحه على يهودي، فقال اليهودي: واللّه ما سرقتها يا أبا القاسم، ولكن طرحت عليّ وكان للرجل الذي سرق، جيران يبرؤنه ويطرحونه على اليهودي، ويقولون: يا رسولَ اللّه إنّ هذا اليهودي الخبيث يكفر باللّه وبما جئت به، قال: حتى مال عليه النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ببعض القول فعاتبه اللّه عزّ وجلّ في ذلك فقال: ( إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللّهُ وَلاَ تَكُن لِّلْخَائِنِينَ خَصِيماً ) .( [48])
أقول: سواء أصحت هذه الرواية أم لا، فمجموع ما ورد حول الآيات من أسباب النزول متفق على أنّ الآيات نزلت حول شكوى رفعت إلى النبي، وكان كل من المتخاصمين يسعى ليبرئ نفسه ويتهم الآخر، وكان في جانب واحد منهما رجل طليق اللسان يريد أن يخدع النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ببعض تسويلاته ويثير عواطفه على المتهم البريء حتى يقضي على خلاف الحق، وعند ذلك نزلت الآية ورفعت النقاب عن وجه الحقيقة فعُرِف المحقُّ من المبطل.
والدقة في فقرات الآية الثانية يوقفنا على سعة عصمة النبي من الخطأ وصيانته من السهو، لأنّها مؤلفة من فقرات أربع، كل يشير إلى أمر خاص :
1. ( وَلَوْلاَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طَّائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْء ) .
2. ( وَأَنْزَلَ اللّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ ) .
3. ( وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ ) .
4. ( وَكَانَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً ) .
فالأُولى منها: تدل على أنّ نفس النبيّ بمجردها لا تصونه من الضلال (أي من القضاء على خلاف الحق) وإنّما يصونه سبحانه عنه، ولولا فضل اللّه ورحمته لهمّت طائفة أن يرضوه بالدفاع عن الخائن والجدال عنه، غير أنّ فضله العظيم على النبي هو الذي صدّه عن مثل هذا الضلال وأبطل أمرهم المؤدي إلى إضلاله، وبما أنّ رعاية اللّه سبحانه وفضله الجسيم على النبي ليست مقصورة على حال دون حال، أو بوقت دون وقت آخر ، بل هو واقع تحت رعايته وصيانته منذ أن بعث إلى أن يلاقي ربَّه، فلا يتعدى إضلال هؤلاء أنفسهم ولا يتجاوز إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فهم الضالون بما هموا به كما قال: ( وَمَا يُضِلُّونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْء ) .
والفقرة الثانية: تشير إلى مصادر حكمه ومنابع قضائه، وأنّه لا يصدر في ذلك المجال إلاّ عن الوحي والتعليم الإلهي، كما قال سبحانه: ( وأنزل عليك الكتاب والحكمة ) والمراد المعارف الكلية العامة من الكتاب والسنة.
ولما كان هذا النوع من العلم الكلي أحد ركني القضاء وهو بوحده لا يفي بتشخيص الموضوعات وتمييز الصغريات، فلابد من الركن الآخر وهو تشخيص المحق من المبطل، والخائن من الأمين، والزاني من العفيف، أتى بالفقرة الثالثة وقال: ( وعلّمك ما لم تكن تعلم ) ومقتضى العطف، مغائرة المعطوف، مع المعطوف عليه، فلو كان المعطوف عليه ناظراً إلى تعرّفه على الركن الأوّل وهو العلم بالأُصول والقواعد الكلية الواردة في الكتاب والسنّة، يكون المعطوف ناظراً إلى تعرّفه على الموضوعات والجزئيات التي تعد ركناً ثانياً للقضاء الصحيح، فالعلم بالحكم الكلي الشرعي أوّلاً وتشخيص الصغريات وتمييز الموضوعات ثانياً جناحان للقاضي يحلّق بهما في سماء القضاء بالحق من دون أن يجنح إلى جانب الباطل، أو يسقط في هوّة الضلال.
قال العلاّمة الطباطبائي: إنّ المراد من قوله سبحانه: ( وعلّمك ما لم تكن تعلم ) ليس علمه بالكتاب والحكمة، فإنّ مورد الآية، قضاء النبي في الحوادث الواقعة، والدعاوى المرفوعة إليه، برأيه الخاص، وليس ذلك من الكتاب والحكمة بشيء، وإن كان متوقفاً عليهما، بل المراد رأيه ونظره الخاص.( [49])ولما كان هنا موضع توهم وهو أنّ رعاية اللّه لنبيّه تختص بمورد دون مورد، دفع ذلك التوهم بالفقرة الرابعة فقال سبحانه: ( وكان فضل اللّه عليك عظيماً ) حتى لا يتوهم اختصاص فضله عليه بواقعة دون أُخرى، بل مقتضى عظمة الفضل، سعة شموله لكل الوقائع والحوادث، سواء أكانت من باب المرافعات والمخاصمات، أم الأُمور العادية، فتدل الفقرة الأخيرة على تعرّفه على الموضوعات ومصونيته عن السهو والخطاء في مورد تطبيق الشريعة، أو غيره، ولا كلام أعلى وأغزر من قوله سبحانه في حق حبيبه : ( وكان فضل اللّه عليك عظيماً ) .
2. قال سبحانه: ( وَكَذلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً ) ( [50]) إنّ الشهادة المذكورة في الآية حقيقة من الحقائق القرآنية تكرر ذكرها في كلامه سبحانه، قال تعالى: ( فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمّة بِشَهِيد وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاَءِ شَهِيداً ) ( [51]) ، وقال تعالى: ( وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِنْ كُلِّ أُمّة شَهِيداً ثُمَّ لا يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَلاَ هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ ) ( [52]) ، وقال تعالى: ( وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ ) ( [53]) ، والشهادة فيها مطلقة، وظاهر الجميع هو الشهادة على أعمال الأُمم وعلى تبليغ الرسل كما يومي إليه قوله تعالى: ( فَلَنَسْئَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْئَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ ) ( [54]) ، وهذه الشهادة وإن كانت في الآخرة ويوم القيامة لكن يتحملها الشهود في الدنيا على ما يدل عليه قوله سبحانه حكاية عن عيسى: ( وكُنْتُ عَلَيِهِمْ شَهِيداً ما دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّـا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْء شَهِيدٌ ) ( [55]) ، وقال سبحانه: ( وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً ) ( [56]) ، ومن الواضح أنّ الشهادة فرع العلم، وعدم الخطأ في تشخيص المشهود به، فلو كان النبي من الشهداء يجب ألاّ يكون خاطئاً في شهادته، فالآية تدلّ على صيانته وعصمته من الخطأ في مجال الشهادة كما تدلّ على سعة علمه، لأنّ الحواس لا ترشدنا إلاّ إلى صور الأعمال والأفعال، والشهادة عليها غير كافية عند القضاء، وإنّما تكون مفيدة إذا شهد على حقائقها من الكفر والإيمان، والرياء والإخلاص، وبالجملة على كل خفيّ عن الحس ومستبطن عند الإنسان، أعني ما تكسبه القلوب وعليه يدور حساب رب العالمين، قال تعالى: ( وَلَكِن يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ ) ( [57]) ، ولا شك أنّ الشهادة على حقائق أعمال الأُمّة خارج عن وسع الإنسان العادي إلاّ إذا تمسّك بحبل العصمة وولي أمر اللّه بإذنه.
وأمّا الأحاديث الحاكية عن سهو النبي في صلاته فهي أخبار آحاد، لا تفيد علماً حتّى يحتجّ بها في حقل العقيدة.
أضف إلى ذلك انّها بظاهرها يخالف الذكر الحكيم ـ كما عرفت ـ ولذا ضربنا عنها صفحاً ولم نستعرضا للبحث والدراسة.
8
حجة المخالفين لعصمة الأنبياء
قد تعرفت على الآيات الدالة على عصمة الأنبياء في المجالات التالية: «تلقّي الوحي، والتحفّظ عليه، وإبلاغه إلى الناس، والعمل به» غير انّ هناك آيات ربما توهم في بادئ النظر خلاف ما دلت عليه صراحة الآيات السابقة، وقد تذرعت بها بعض الفرق الإسلامية التي جوزت المعصية على الأنبياء بمختلف صورها.
وهذه الآيات على طوائف:
الأُولى: ما يمس ظاهرها عصمة جميع الأنبياء بصورة كليّة.
الثانية: ما يمس عصمة عدة منهم كآدم ويونس بصورة جزئية. الثالثة: ما يتراءى منه عدم عصمة النبي الأكرم.
وبما انّ الهدف من الرسالة وضع وضع خطوط عامة لعصمة الأنبياء نقتصر بدراسة آيات الطائفة الأُولى ونحيل البحث في الطائفتين الأخيرتين إلى موسوعتنا «مفاهيم القرآن»( [58])
الطائفة الأُولى:  ما يمس ظاهرها عصمة جميع الأنبياء
الآية الأُولى
قوله سبحانه: ( وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلاّرِجالاً نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرى أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَدارُ الآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوا أَفَلا تَعْقِلُونَ ) .( [59])
( حَتّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدَكُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشاءُ وَلا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَومِ الْمُجْرِمينَ ) .( [60])
استدل القائل بعدم عصمة الأنبياء بظاهر الآية قائلاً بأنّ الضمائر الثلاثة في قوله: ( وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا ) ترجع إلى الرسل، ومفاد الآية انّ رسل اللّه سبحانه وأنبياءه كانوا يُنذرون قومهم، وكان القوم يخالفونهم أشدَّ المخالفة، وكان الرسلَ يعدون المؤمنين بالنصر عن اللّه والغلبة ويُوعدون الكفّار بالهلاك والإبادة، لكن لما تأخّر النصرُ الموعود وعقاب الكافرين «ظن الرسل أنّهم قد كذبوا» فيما وعدوا به من جانب اللّه من نصر المؤمنين وإهلاك الكافرين، ومن المعلوم انّ هذا الظن سواء أكان بصورة الإذعان واليقين أم بصورة الزعم والميل إلى ذاك الجانب، اعتقاد باطل لا يجتمع مع العصمة.
وإن شئت تفسير الآية فعليك بإظهار مراجع الضمائر بأن تقول: لما أخّرنا العقاب عن الأُمم السالفة ظن الرسل انّ الرسل قد كُذِبَ الرسل في ما وُعدوا به من النصر للمؤمنين والهلاك للكافرين. وعلى هذا فكل جواب من القائلين بعصمة الرسل على خلاف هذا الظاهر يكون غير متين، بل يجب أن يكون الجواب منطبقاً على هذا الظاهر.
وإليك الأجوبة المذكورة في التفاسير:
الأوّل: انّ الضمائر الثلاثة ترجع إلى الرسل غير انّ الوعد الذي تصور الرسل أنّهم قد كذبوا (أي قيل لهم قولاً كاذباً) هو تظاهر عدة من المؤمنين بالإيمان وادّعاؤهم الإخلاص لهم، فتصور الرسل انّ تظاهر هؤلاء بالإيمان كان كذباً وباطلاً، وكأنّهم تصوروا انّ الذين وعدوهم بالإيمان من قومهم أخلفوهم أو كذبوا فيما أظهروه من الإيمان.( [61])
وفيه: انّ هذا الجواب وان كان أظهر الأجوبة إذ ليس فيه تفكيك بين الضمائر كما في سائر الأجوبة الآتية لكن الذي يرده هو بعده عن ظاهر الآية، إذ ليس فيها عن إيمان تلك الثلة القليلة أثر حتى يقع متعلّق الكذب في قوله سبحانه: ( قد كذبوا ) . وإن شئت قلت: ليس في مقدم الآية ولا في نفسها ما يشير إلى أنّه قد آمن بالرسل عدّة قليلة وتظاهروا بالإيمان غير انّه صدر عنهم ما جعل الأنبياء يظنون بكذبهم في ما أظهروه من الإيمان حتى يصح أن يقال انّ متعلق الكذب هو هذا، وانّما المذكور في مقدمها ونفسها هو مخالفة الزمرة الطاغية من أقوام الأنبياء وعنادهم ولجاجهم مع رسل اللّه وأنبيائه حيث يقول: ( أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَدارُ الآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوا أَفَلا تَعْقِلُونَ ) .( [62])
ومجرد قوله: ( ولدار الآخرة خير للّذين اتقوا ) لا يكفي في جعل إيمانهم متعلّقاً للكذب، إذ عندئذ يجب أن تتعرض الآية إلى إيمان تلك الشرذمة وصدور ما يوجب ظنّ الرسل بخلاف ما تظاهروا به حتى يصح أن يقال إنّ الرسل ظنوا انّ المتظاهرين بالإيمان قد كذبوا في ادّعاء الإيمان بالرسل.
أضف إلى ذلك: إنّ هذه الإجابة لا تصحّح العصمة المطلقة للأنبياء، إذ على هذا الجواب يكون ظن الرسل بعدم إيمان تلك الشرذمة القليلة خطأً، وكان ادّعاؤهم للإيمان صادقاً، وهذا يمس كرامتهم من جانب آخر، لأنّهم تخيّلوا غير الواقع واقعاً، والمؤمن كافراً.
على أنّ ذلك الجواب لا يناسب ذيل الجملة فانّه سبحانه يقول بعد تلك الجملة: ( جاءهم نصرنا فنجّي من نشاء ) مع أنّ المناسب على هذه الإجابة أن يقول: «بل تبين للرسل صدق ادّعاء المؤمنين فنجي من نشاء ولا يرد بأسنا عن القوم المجرمين».
الثاني: انّ معنى الآية: ظن الأُمم أنّ الرسل كذبوا في ما أخبروا به من نصر اللّه إيّاهم وإهلاك أعدائهم وهذا الوجه هو المروي عن سعيد بن جبير واختاره العلاّمة الطباطبائي ، فالآية تهدف إلى أنّه إذا استيئس الرسل من إيمان أُولئك الناس، هذا من جانب ومن جانب آخر ظنّ الناس ـ لأجل تأخر العذاب ـ انّ الرسل قد كذبوا، أي أخبروا بنصر المؤمنين وعذاب الكافرين كذباً، جاءهم نصرنا، فنجّي بذلك من نشاء وهم المؤمنون، ولا يرد بأسنا أي شدتنا عن القوم المجرمين.
وقد دلّت الآيات على أنّ الأُمم السالفة كانوا ينسبون الأنبياء إلى الكذب، قال سبحانه في قصة نوح حاكياً عن قول قومه: ( بَلْ نَظُنُّكُمْ كاذِبينَ ) ( [63]) ، وكذا في قصة هود وصالح.
وقال سبحانه في قصة موسى: ( فَقالَ لَهُ فِرْعَونُ إِنِّي لأَظُنُّكَ يا مُوسى مَسْحُوراً ) ( [64]) . ( [65])
يلاحظ عليه بأنّ الظاهر هو انّ مرجع الضمير المتصل في «ظنّوا» هو الرسل المقدم عليه، وإرجاعه إلى الناس على خلاف الظاهر، وعلى خلاف البلاغة وليس في نفس الآية حديث عن هذا اللفظ (الناس) حتى يكون مرجعاً للضمير في «ظنّوا».
أضف إلى ذلك انّ ما استشهد به مما ورد في قصة نوح لا يرتبط بما ادّعاه فإنّ معنى ( بل نظنّكم كاذبين ) انّ الناس صوّروا نفس الرسل كاذبين وانّهم قد تعمّدوا التقوّل على خلاف الواقع، والمذكور في الآية المبحوث عنها ليس كون الرسل كاذبين بل كونهم مكذوبين، أي وعدوا كذباً وقيل لهم قولاً غير صادق وإن تصوّروا أنفسهم صادقين في ما يخبرون به، وبين المعنيين بون بعيد.
الثالث: ما روي عن ابن عباس من أنّ الرسل لمّا ضعفوا وغُلبوا ظنّوا أنّهم قد أُخْلِفُوا ما وعدهم اللّه من النصر ،وقال كانوا بشراً، وتلا قوله: ( وَزُلْزِلُوا حَتّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتى نَصْرُ اللّهِ ) .( [66])
وقال صاحب الكشاف في حق هذا القول: إنّه إن صح هذا عن ابن عباس، فقد أراد بالظن ما يخطر بالبال ويهجس في القلب من شبه الوسوسة وحديث النفس على ما عليه البشرية، وأمّا الظن الذي هو ترجح أحد الجائزين على الآخر فغير جائز على رجل من المسلمين فما بال رسل اللّه الذين هم أعرف الناس بربهم، وانّه متعال عن خلف الميعاد منزه عن كل قبيح.( [67]) وهذا التفسير مع التوجيه الذي ذكره الزمخشري وإن كان أوقع التفاسير في القلوب غير انّه أيضاً لا يناسب ساحة الأنبياء الذين تسدِّدهم روح القدس وتحفظهم عن الزلل والخطأ في الفكر والعمل، وتلك الهاجسة وان كانت بصورة حديث النفس وشبه الوسوسة، لكنها لا تلائم العصمة المطلقة المترقبة من الأنبياء.
الرابع (وهو المختار)
إنّ المستدل زعم أنّ الظن المذكور في الآية أمر قلبي اعترى قلوب الرسل، وأدركوه بمشاعرهم وعقولهم مثل سائر الظنون التي تحدق بالقلوب البشرية وتنقدح فيها.
مع أنّ المراد غير ذلك ،بل المراد انّ الظروف التي حاقت بالرسل بلغت من الشدة والقسوة الى حد صارت تحكي بلسانها التكويني عن أنّ النصر الموعود كأنّه نصر غير صادق، لا أنّ هذا الظن كان يراود قلوب الرسل، وأفئدتهم، وكم فرق بين كونهم ظانّين بكون الوعد الإلهي بالنصر وعداً مكذوباً، وبين كون الظروف والشرائط المحيطة بهم من المحنة والشدة كانت كأنّها تشهد في بادئ النظر على أنّه ليس لوعده سبحانه خبر ولا أثر وأنّهم وعدوا به كذباً.
فحكاية وضعهم والملابسات التي كانت تحدق بهم عن كون الوعد كذباً، أمر، وكون الأنبياء قد وقعوا فريسة ذلك الظن غير الصالح أمر آخر، والمخالف للعصمة هو الثاني لا الأوّل، ولذلك نظائر في الذكر الحكيم.
منها قوله سبحانه: ( وَذَا النُّونِ إِذْذَهَبَ مُغاضِباً فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنادى فِي الظُّلُماتِ أَنْ لا إِلهَ إِلاّ أَنْتَ سُبْحانَكَ إِنّي كُنْتُ مِنَ الظّالِمينَ ) ( [68])، فإنّ يونس النبي بن متى كان مبعوثاً إلى أهل نينوى، فدعاهم فلم يؤمنوا، فسأل اللّه أن يعذّبهم، فلمّا أشرف عليهم العذاب تابوا وآمنوا، فكشفه اللّه عنهم وفارقهم يونس قبل نزول العذاب مغاضباً لقومه ظانّاً بأنّه سبحانه لن يضيق عليه ولا يؤدبه، لأجل مفارقته قومه وتركهم مع إمكان رجوعهم إلى اللّه سبحانه وإيمانهم به وتوبتهم عن أعمالهم.
فما هذا الظن الذي ينسبه سبحانه إلى يونس، هل كان ظناً قائماً بمشاعره، فنحن نجلّه ونجلّ ساحة جميع الأنبياء عن هذا الظن الذي لا يتردد في ذهن غيرهم ،فكيف الأنبياء؟! بل المراد انّ عمله هذا (أي ذهابه ومفارقة قومه) كان يُمثِّل هذا الظنّ و أنّ مولاه لا يقدر عليه وهو يفوته بالابتعاد عنه فلا يقوى على سياسته، فكم فرق بين ورود هذا الظن على مشاعر يونس، وبين كون عمله مجسماً وممثلاً لهذا الظن في كل من رآه وشاهده؟ فما يخالف العصمة هو الأوّل لا الثاني.
ومنها: قوله سبحانه في سورة الحشر حاكياً عن بني النضير إحدى الفرق اليهودية الثلاث التي كانت تعيش في المدينة، وتعاقدوا مع النبي على أن لا يخونوا ويتعاونوا في المصالح العامة، ولما خدعوا المسلمين وقتلوا بعض المؤمنين في مرأى من الناس ومسمع منهم، ضيّق عليهم النبي، فلجأوا إلى حصونهم، وفي ذلك يقول سبحانه: ( هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الكِتابِ مِنْ دِيارِهِمْ لأَوّلِ الْحَشْرِ ما ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللّهِ فَأَتاهُمُ اللّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا ) .( [69])
فما هذا الظن الذي ينسبه سبحانه إلى تلك الفرقة؟ هل كانوا يظنون بقلوبهم أنّ حصونهم مانعتهم من اللّه؟ فإنّ ذلك بعيد جداً، فانّهم كانوا موحّدين ومعترفين بقدرته سبحانه غير انّ علمهم بصدق النبيّ أوّلاً والتجاءهم إلى حصونهم في مقابل النبي الذي تبيّن لهم صدق نبوته ثانياً، كان يحكي عن أنّهم مصدر هذا الظن وصاحبه.
ولذلك نظائر في المحاورات العرفية فإنّا نصف المتهالكين في الدنيا والغارقين في زخارفها، والبانين للقصور المشيدة والأبراج العاجية بأنّهم يعتقدون بخلود العيش ودوام الحياة، وانّ الموت كأنّه كتب على غيرهم، ولا شك أنّ هذه النسبة نسبة صادقة لكن بالمعنى الذي عرفت أي أنّ عملهم مبدأ انتزاع هذا الظن، ومصدر هذه النسبة.
وعلى ذلك فالآية تهدف إلى أنّ البلايا والشدائد كانت تحدق بالأنبياء طيلة حياتهم وتشتد عليهم الأزمة والمحنة من جانب المخالفين، فكانوا يعيشون بين أقوام كأنّهم أعداء ألداء، وكان المؤمنون بهم في قلّة، فصارت حياتهم المشحونة بالبلايا والنوازل، والبأساء والضراء، مظنّة لأن يتخيّل كل من وقف عليها من نبي وغيره، انّ ما وعدوا به وعد غير صادق، ولكن لم يبرح الوضع على هذا المنوال حتى يفاجئهم نصره سبحانه، للمؤمنين، وإهلاكه وإبادته للمخالفين كما يقول: ( فَنُجِّيَ مَن نَشاءُ ولا يُردُّ بأسُنا عنِ القومِ المُجْرمين ) .( [70])
ويشعر بما ذكرناه قوله سبحانه: ( أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الجَنَّةَ وَلَمّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ البَأْساءُ وَالضَّرّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتى نَصْرُ اللّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللّهِ قَرِيبٌ ) .( [71])
فالمراد من الرسول هو غير النبي الأكرم من الرسل السابقين، فعندما كانت البأساء والضراء تحدق بالمؤمنين ونفس الرسول، وكانت المحن تزلزل المؤمنين حتى أنّـها كانت تحبس الأنفاس، فعند ذلك كانت تكاد تلك الأنفاس المحبوسة والآلام المكنونة تتفجر في شكل ضراعة إلى اللّه، فيقول الرسول والذين آمنوا معه ( متى نصر اللّه ) ؟ فإنّ كلمة ( متى نصر اللّه ) مقرونة بالضراعة والالتماس، تقعمظنة تصور استيلاء اليأس والقنوط عليهم لا بمعنى وجودهما في أرواحهم وقلوبهم، بل بالمعنى الذي عرفت من كونه ظاهراً من أحوالهم لا من أقوالهم.
وما برح الوضع على هذا إلى أن كان النصر ينزل عليهم وتنقشع عنهم سحب اليأس والقنوط المنتـزع من تلك الحالة.
هذا ما وصلنا إليه في تفسير الآية، ولعلّ القارئ يجد تفسيراً أوقع في النفس مما ذكرناه.
الآية الثانية
( وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُول وَلا نَبِىّ إِلاَّ إِذا تَمَنّى أَلْقَى الشَّيْطانُ في أُمْنِيَّتِهِ فَيَنسَخُ اللّهُ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللّهُ آياتِهِ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ) .( [72])
( لِيَجْعَلَ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ الظّالِمينَ لَفي شِقاق بَعِيد ) .( [73])
( وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ أَنَّهُ الحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ اللّهَ لَهادِالَّذينَ آمَنُوا إِلى صِراط مُسْتَقيم ) .( [74])
وهذه الآية أو الآيات من أوثق الأدلة في نظر القائل بعدم عصمة الأنبياء، وقد استغلها المستشرقون في مجال التشكيك في الوحي النازل على النبي على وجه سيوافيك بيانه.
وكأنّ المستدل بهذه الآية يفسر إلقاء الشيطان في أُمنية الرسول أو النبي بالتدخل في الوحي النازل عليه فيغيّره إلى غير ما نزل به. ثم إنّه سبحانه يمحو ما يلقي الشيطان ويصحّح ما أُُنزل على رسوله من الآيات، فلو كان هذا مفاد الآية، فهو دليل على عدم عصمة الأنبياء في مجال التحفّظ على الوحي أو إبلاغه الذي اتفقت كلمة المتكلمين على المصونية في هذا المجال.
وربما يؤيد هذا التفسير بما رواه الطبري وغيره في سبب نزول هذه الآية، وسيوافيك نصه وما فيه من الإشكال.
فالأولى تناول الآية بالبحث والتفسير حتى يتبيّن انّها تهدف إلى غير ما فسّره المستدل فنقول: يجب توضيح نقاط في الآيات.
الأُولى: ما معنى أُمنية الرسول أو النبي؟ وإلى مَ يهدف قوله سبحانه: ( إذا تمنّى ) ؟
الثانية: ما معنى مداخلة الشيطان في أُمنية النبي الذي يفيده قول اللّه سبحانه: ( ألقى الشيطان في أُمنيّته ) ؟
الثالثة: ما معنى نسخ اللّه سبحانه ما يلقيه الشيطان؟
الرابعة: ماذا يريد سبحانه من قوله: ( ثم يحكم اللّه آياته ) وهل المراد منه الآيات القرآنية؟
الخامسة: كيف يكون ما يلقيه الشيطان فتنة لمرضى القلوب وقاسيتها؟ وكيف يكون سبباً لإيمان المؤمنين، وإخبات قلوبهم له؟
وبتفسير هذه النقاط الخمس يرتفع الإبهام الذي نسجته الأوهام حول الآية ومفادها فنقول:
1. ما معنى أُمنية الرسول أو النبي؟
أمّا الأُمنية قال ابن فارس: فهي من المنى، بمعنى تقدير شيء ونفاذ القضاء به، منه قولهم: مني له الماني أي قدر المقدر قال الهذلي:
لا تأمنن وان أمسيت في حرم *** حتى تلاقي ما يمني لك الماني
والمنا: القدر، وماء الإنسان: منيّ، أي يُقدّر منه خلقته. والمنيّة: الموت، لأنّها مقدّرة على كل أحد، وتمنّى الإنسان: أمل يقدِّره، ومنى مكة: قال قوم: سمِّي به لما قُدِّر أن يُذبح فيه، من قولك مناه اللّه.( [75])
وعلى ذلك فيجب علينا أن نقف على أُمنية الرسل والأنبياء من طريق الكتاب العزيز، ولا يشك من سبر الذكر الحكيم انّه لم يكن للرسل والأنبياء، أُمنية سوى نشر الهداية الإلهية بين أقوامهم وإرشادهم إلى طريق الخير والسعادة، وكانوا يدأبون في تنفيذ هذا المقصد السامي، والهدف الرفيع ولا يألون في ذلك جهداً، وكانوا يخططون لهذا الأمر، ويفكّرون في الخطة بعد الخطة، ويمهدون له قدر مستطاعهم، ويدل على ذلك جمع من الآيات نكتفي بذكر بعضها:
يقول سبحانه في حق النبي الأكرم: ( وَما أَكْثَرُ النّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنينَ ) .( [76])
ويقول أيضاً: ( فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرات إِنَّ اللّهَ عَلِيمٌ بِما يَصْنَعُونَ ) .( [77]) ويقول أيضاً: ( إِنْ تَحْرِصْ عَلى هُداهُمْ فَإِنَّ اللّهَ لا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرينَ ) .( [78])
ويقول سبحانه: ( إِنَّكَ لاتَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلكِنَّ اللّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ ) .( [79])
ويقول سبحانه: ( فَذَكِّرْإِنَّما أَنْتَ مُذَكِّر* لَسْتَ عَلَيْهِمْ بُمُصَيْطِر ) .( [80])
هذا كلّه في حق النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) .
ويقول سبحانه حاكياً عن استقامة نوح في طريق دعوته: ( وَإِنّي كُلَّما دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصابِعَهُمْ في آذانِهِمْ وَاسْتَغْشَوا ثِيابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْباراً * ثُمَّ إِنّي دَعَوْتُهُمْ جِهاراً * ثُمَّ إِنّي أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْراراً ) .( [81]) ويقول سبحانه بعد عدة من الآيات: ( قالَ نُوحٌ رَبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْني وَاتَّبَعُوا مَنْ لَمْ يَزِدْهُ مالُهُ وَوَلَدُهُ إِلاّخَساراً* وَمَكَرُوا مَكْراً كُبّاراً* وَقالُوا لا تَذَرُُنَّ آلهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدّاً وَلا سُواعاً وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْراً* وَقَدْأَضَلُّوا كَثِيراً وَلا تَزِدِالظّالِمينَ إِلاّ ضَلالاً ) .( [82])
فهذه الآيات ونظائرها تنبئ بوضوح عن أنّ أُمنية الأنبياء الوحيدة في حياتهم وسبيل دعوتهم هو هداية الناس إلى اللّه، وتوسيع رقعة الدعوة إلى أبعد حد ممكن، وان منعتهم من تحقيق هذا الهدف عراقيل وموانع، فهم يسعون إلى ذلك بعزيمة راسخة ورجاء واثق.
إلى هنا تبيّن الجواب عن السؤال الأوّل، وهلم معي الآن لنقف على جواب السؤال الثاني، أعني:
2. ما معنى إلقاء الشيطان في أُمنية الرسل؟
وهذا السؤال هو النقطة الحاسمة في استدلال المخالف، وبالإجابة عليها يظهر وهن الاستدلال بوضوح فنقول: إنّ إلقاء الشيطان في أُمنيتهم يتحقّق بإحدى صورتين:
1. أن يوسوس في قلوب الأنبياء ويوهن عزائمهم الراسخة، ويقنعهم بعدم جدوى دعوتهم وإرشادهم، وانّ هذه الأُمّة، أُمّة غير قابلة للهداية، فتظهر بسبب ذلك سحائب اليأس في قلوبهم ويكفّوا عن دعوة الناس وينصرفوا عن هدايتهم.
ولا شك أنّ هذا المعنى لا يناسب ساحة الأنبياء بنص القرآن الكريم، لأنّه يستلزم أن يكون للشيطان سلطان على قلوب الأنبياء وضمائرهم، حتى يوهن عزائمهم في طريق الدعوة والإرشاد، والقرآن الكريم ينفي تسلل الشيطان إلى ضمائر المخلصين الذين هم الأنبياء ومن دونهم، ويقول سبحانه: ( إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ ) .( [83])
ويقول أيضاً ناقلاً عن نفس الشيطان: ( فَبِعِزَّتِكَ لأُغْوِيَّنَهُمْ أَجْمَعينَ* إِلاّ عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ ) .
وليس إيجاد الوهن( [84]) في عزائم الأنبياء من جانب الشيطان إلاّ إغواءهم المنفي بنص الآيات.
2. أن يكون المراد من إلقاء الشيطان في أُمنية النبي هو إغراء الناس ودعوتهم إلى مخالفة الأنبياءوالصمود في وجوههم حتى تصبح جهودهم ومخططاتهم عقيمة غير مفيدة.
وهذا المعنى هو الظاهر من القرآن الكريم حيث يحكي في غير مورد أنّ الشيطان كان يحض أقوام الأنبياء (عليهم السلام) على المخالفة ويعدهم بالأماني، حتى يخالفوهم.
قال سبحانه: ( يَعِدُهُمْ ويُمَنِّيهِم وَمَا يَعِدُهُمُ الشّيطانُ إلاّ غُرُوراً ) .( [85])
وقال سبحانه: ( وَقالَ الشَّيْطانُ لَمّا قُضِيَ الأَمْرُ إِنَّ اللّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الحَقِّ وَوعَدتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَما كانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطان إِلاّأَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلا تَلومُوني وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ ) .( [86])
وهذه الآيات ونظائرها تشهد بوضوح على أنّ الشيطان وجنوده كانوا يسعون بشدة وحماس في حضّ الناس على مخالفة الأنبياء والرسل، وكانوا يخدعونهم بالعدة والأماني، وعند ذلك يتضح مفاد الآية، قال سبحانه: ( وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلاّ إذا تمنى (أي إذا فكّر في هداية أُمّته وخطّط لذلك الخطط، وهيّأ لذلك المقدمات) ألقى الشيطان في أُمنيّته ) (بحضِّ الناس على المخالفةوالمعاكسة وإفشال خطط الأنبياء حتى تصبح المقدمات عقيمة غير منتجة).
3. ما معنى نسخه سبحانه ما يلقيه الشيطان ؟
إذا عرفت هذا المقطع من الآية يجب أن نقف على مفاد المقطع الآخر منها وهو قوله سبحانه: ( فينسخ اللّه ما يلقي الشيطان ) وما معنى هذا النسخ؟
والمراد من ذاك النسخ ما وعد اللّه سبحانه رسله بالنصر، والعون والإنجاح، قال سبحانه: ( إِنّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الحَياةِ الدُّنْيا ) ( [87]) ، وقال سبحانه: ( كَتَبَ اللّهُ لأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ ) ( [88]) ، وقال سبحانه: ( بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الباطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذا هُوَ زاهِقٌ ) . ( [89])
وقال سبحانه: ( وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا لِعِبادِنَا الْمُرْسَلينَ* إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ* وَإِنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الْغالِبُونَ ) .( [90])
وقال في حق النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم) : ( هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ ) .( [91]) وقال سبحانه: ( وَلَقَدْ كَتَبْنا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصّالِحُونَ ) .( [92])
إلى غير ذلك من الآيات الساطعة التي تحكي عن انتصار الحق الممثَّل في الرسالات الإلهية في صراعها مع الباطل وأتباعه.
4. ما معنى إحكامه سبحانه آياته؟
إذا تبين معنى نسخه سبحانه ما يلقيه الشيطان، يتبين المراد من قوله سبحانه: ( ثم يحكم اللّه آياته ) .
فالمراد من الآيات هي الدلائل الناصعة الهادية إلى اللّه سبحانه وإلى مرضاته وشرائعه.
وإن شئت قلت: إذا نسخ ما يلقيه الشيطان، يخلفه ما يلقيه سبحانه إلى أنبيائه من الآيات الهادية إلى رضاه أوّلاً، وسعادة الناس ثانياً.
ومن أسخف القول: إنّ المراد من الآيات، الآيات القرآنية التي نزلت على النبي الأكرم، وذلك لأنّ موضوع البحث فيها ليس خصوص النبي الأكرم، بل الرسل والأنبياء على وجه الإطلاق، أضف إليه انّه ليس كل نبي ذا كتاب وآيات، فكيف يمكن أن يكون ذا قرآن مثله؟
ويعود مفاد الجملة إلى أنّ اللّه سبحانه يحكم دينه وشرائعه وما أنزله اللّه إلى أنبيائه وسفرائه من الكتاب والحكمة.
والحاصل: انّ في مجال الصراع بين أنصار الحق وجنود الباطل يكون الانتصار والظفر للأوّل، والاندحار والهزيمة للثاني فتضمحل الخطط الشيطانية وتنهزم أذنابه، بإرادة اللّه سبحانه، فتخلفها البرامج الحيوية الإلهية وآياته الناصعـة، فيصبح الحق قائماً وثابتاً، والباطل داثراً وزاهقاً، قال سبحانه: ( وَقُـلْ جاءَالحَـقُّ وَزَهَقَ الباطِـلُ إِنَّ الْباطِلَ كـانَ زَهُوقاً ) .( [93])
5. ما هي النتيجة من هذا الصراع؟
قد عرفت أنّ الآية تعلِّل الهدف من هذا الصراع بأنّ ما يلقيه الشيطان يكون فتنة لطوائف ثلاث:
1. الذين في قلوبهم مرض.
2. ذات القلوب القاسية.
3. الذين أوتوا العلم.
إنّ نتيجة هذا الصراع تعود إلى اختبار الناس وامتحانهم حتى يظهروا مافي مكامن نفوسهم وضمائر قلوبهم من الكفر والنفاق أو من الإخلاص والإيمان.
فالنفوس المريضة التي لم تنلها التزكية والتربية الإلهية، والقلوب القاسية التي أسّرتها الشهوات، وأعمتها زبارج الحياة الدنيا، تتسابق إلى دعوة الشيطان وتتبعه فيظهر ما في مكامنها من الكفر والقسوة، فيثبت نفاقها ويظهر كفرها.
وأمّا النفوس المؤمنة الواقفة على أنّ ما جاء به الرسل حق من جانب اللّه سبحانه، فلا يزيدها ذلك إلاّ إيماناً وثباتاً وهداية وصمودا.
وهذه النتيجة حاكمة في عامة اختبارات اللّه سبحانه لعباده، فإنّ اختباراته سبحانه ليس لأجل العلم بواقع النفوس ومكامنها، فإنّه يعلم بها قبل اختبارها ( أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطيفُ الْخَبيرُ ) ( [94]) ، وانّما الهدف من الاختبار هو إخراج تلك القوى والقابليات الكامنة في النفوس والقلوب، إلى عالم التحقّق والفعلية وبالتالي تمكين الاستعدادات من الظهور والوجود.
وفي ذلك يقول الإمام أمير المؤمنين علي (عليه السلام) في معنى الاختبار بالأموال والأولاد الوارد في قوله: ( وَاعْلَمُوا أَنَّما أَمْوالُكُمْ وَأَولادُكُمْ فِتْنَةٌ ) ( [95]) : «ليتبيّن الساخط لرزقه، والراضي بقسمه، وان كان سبحانه أعلم بهم من أنفسهم، ولكن لتظهر الأفعال التي بها يستحق الثواب والعقاب».( [96]) وقد وقفت بعد ما حررت هذا على كلام لفقيد العلم والتفسير الشيخ محمد جواد البلاغي ـ قدس اللّه سره ـ وهو قريب مما ذكرناه: قال: المراد من الأُمنية هو الشيء المتمنّى كما هو الاستعمال الشائع في الشعر والنثر، كما أنّ الظاهر من التمنّي المنسوب إلى الرسول والنبي ويشهد به سوق الآيات، هو أن يكون ما يناسب وظيفتهما، وهو تمنّي ظهور الهدى في الناس وانطماس الغواية والهوى، وتأييد شريعة الحق، ونحو ذلك، فيلقي الشيطان بغوايته بين الناس في هذا المتمّنى الصالح ما يشوشه، ويكون فتنة للذين في قلوبهم مرض، كما ألقى بين أُمّة موسى من الضلال والغواية ما ألقى، وألقى بين أتباع المسيح ما أوجب ارتداد كثير منهم، وشك خواصهم فيه واضطرابهم في التعاليم، وأحكام الشريعة بعده، وألقى بين قوم رسول اللّه ما أهاجهم على تكذيبه وحربه وبين أُمّته ما أوجب الخلاف وظهور البدع، فينسخ اللّه بنور الهدى غياهب الضلال وغواية الشيطان، فيسفر للعقول السليمة صبح الحق، ثم يحكم اللّه آياته ويؤيد حججه بإرسال الرسل، أو تسديد جامعة الدين القيم.( [97])
وما ذكـرهقدَّس سرَّه كلام لا غبار عليه، وقد شيدنا أساسه فيما سبق.
إلى هنا تبيّن مفاد جميع مقاطع الآية بوضوح وبقي الكلام في التفسير السخيف الذي تمسك به بعض القساوسة الطاعنين في الإسلام، ومن حذا حذوهم من البسطاء.
التفسير الباطل للآية
ثمّ إنّ بعض القساوسة الذين أرادوا الطعن في الإسلام والتنقيص من شأن القرآن، تمسّكوا بهذه الآية وقالوا: بأنّ المراد من الآية هو انّ «ما من رسول ولا نبي إلاّ إذا تمنّى وتلا الآيات النازلة عليه، تدخل الشيطان في قراءته فأدخل فيها ما ليس منها» واستشهدوا لذلك التفسير بما رواه الطبري عن محمد بن كعب القرضي، ومحمد بن قيس قالا: جلس رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) في ناد من أندية قريش كثير أهله فتمنّى يومئذ أن لا يأتيه من اللّه شيء فينفروا عنه، فأنزل اللّه عليه ( وَالنَّجْمِ إِذا هَوى* ما ضَلَّ صاحِبُكُمْ وَما غَوى ) ( [98]) فقرأها (صلى الله عليه وآله وسلم) حتى إذا بلغ: ( أفَرأيتُمُ اللاَّتَ والعُزّى * ومَناةَ الثالِثَةَ الأُخْرى ) ( [99]) ألقى عليه الشيطان كلمتين: «تلك الغرانقة العلى، وإن شفاعتهن لترتجى» فتكلم بها ثم مضى فقرأ السورة كلّها، فسجد في آخر السورة وسجد القوم جميعاً معه، ورفع الوليد بن المغيرة تراباً إلى جبهته فسجد عليه وكان شيخاً كبيراً لا يقدر على السجود، فرضوا بما تكلّم به وقالوا قد عرفنا: إنّ اللّه يحيي ويميت وهو الذي يخلق ويرزق، ولكن آلهتنا هذه تشفع لنا عنده إذ جعلت لها نصيباً فنحن معك، قالا: فلمّا أمسى أتاه جبرائيل (عليه السلام) فعرض عليه السورة، فلمّا بلغ الكلمتين اللّتين ألقى الشيطان عليه، قال ما جئتك بهاتين، فقال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : افتريتُ على اللّه وقلتُ على اللّه ما لم يقل فأوحى اللّه إليه: ( وَإِنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوحَيْنا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنا غَيْرَهُ ) إلى قوله: ( ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنا نَصِيراً ) ( [100]) ، فما زال مغموماً مهموماً حتى نزلت عليه: ( وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُول وَلا نَبِىّ إِلاّ إِذا تَمَنّى أَلْقَى الشَّيْطانُ في أُمْنِيَّتِهِ فَيَنسَخُ اللّهُ ما يلقِي الشَّيطانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللّهُ آياتِهِ واللّهُ عَليِمٌ حَكِيمٌ ) قال فسمع من كانمنالمهاجرين بأرض الحبشة انّ أهل مكة قد أسلموا كلهم فرجعوا إلى عشائرهموقالوا: هم أحب إلينا فوجدوا قد ارتكسوا حين نسخ اللّه ما ألقى الشيطان.( [101])
ولا يخفى ما في هذا التفسير وشأن النزول من الإشكالات التي تسقطه عن صحة الاستناد إليه.
أمّا أوّلاً: فلأنّه مبني على أنّ قوله «تمنّى» بمعنى تلا، وانّ لفظة «أُمنيته» بمعنى تلاوته، وهذا الاستعمال ليس مأنوساً في لغة القرآن والحديث ولو صح فإنّما هو استعمال شاذ يجب تنزيه القرآن عنه. نعم استدل بعضهم بقول حسان على ذاك الاستعمال:
تمنى كتاب اللّه أوّل ليلة *** وآخره لاقى حمام المقادر
وقول الآخر:
تمنى كتاب اللّه آخر ليلة *** تمنّي داود الزبور على رسل
وهذان البيتان لو صح اسنادهما إلى عربي صميم كحسان لا يحسن حمل القرآن على لغة شاذة.
أضف إلى ذلك انّ البيت غير موجود في ديوان حسان، وانّما نقله عنه المفسرون في تفاسيرهم، وقد نقله أبو حيان في تفسيره (ج6 ص382) واستشهد به صاحب المقاييس (ج5 ص277).
ولو صح الاستدلال به فرضاً فإنّما يتم في اللفظ الأوّل دون الأُمنية لعدم ورودها فيه.
وثانياً: أنّ الرواية لا يمكن أن يحتج بها لجهات كثيرة أقلّها أنّ سندها ينتهي إلى ابن عباس مع أنّه لم يكن مولوداً في الوقت المجعول للقصة.
أضف إلى ذلك، الاضطراب الموجود في متنها فقد نقل بصور مختلفة يبلغ عدد الاختلاف إلى أربع وعشرين صورة وقد جمع تلك الصور المختلفة العلاّمة البلاغي في أثره النفيس، فلاحظ.( [102])
وثالثاً: أنّ القصة تكذّب نفسها، لأنّها تتضمن أنّ النبي بعد ما أدخل الجملتين الزائدتين في ثنايا الآيات، استرسل في تلاوة بقية السورة إلى آخرها وسجد النبي والمشركون الحاضرون معه، فرحاً بما جاء في تينك الجملتين من الثناء على آلهتهم.
ولكن الآيات التي وقعت بعدهما، واسترسل النبي في تلاوتها عبارة عن قوله سبحانه: ( تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزى* إِنْ هِيَ إِلاّأَسْماءٌ سَمَّيْتُمُوها أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ ما أَنْزَلَ اللّهُ بِها مِنْ سُلْطان ) ( [103]) إلى آخر الآيات.
وعندئذ يطرح هذا السؤال، وهو انّه كيف رضي متكلّم العرب ومنطيقهم وحكيمهم وشاعرهم: الوليد بن المغيرة عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بهذا الثناء القصير، وغفل عن الآيات اللاحقة التي تندد بآلهتهم بشدة وعنف، ويعدّها معبودات خرافية لا تملك من الإلوهية إلاّ الاسم والعنوان؟!
أو ليس ذلك دليلاً على أنّ جاعل القصة من الوضّاعين الكذّابين الذي افتعل القصة في موضع غفل عن أنّه ليس محلاً لها، وقد قيل: لا ذاكرة لكذوب.
ورابعاً: أنّ اللّه سبحانه يصف في صدر السورة نبيه الأكرم بقوله: ( وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى* إِنْ هُوَ إِلاّ وَحْيٌ يُوحى ) ( [104])، وعندئذ كيف يصح له سبحانه أن يصف نبيه في أوّل السورة بهذا الوصف، ثم يبدر من نبيه ما ينافي هذا التوصيف أشد المنافاة وفي وسعه سبحانه صون نبيه عن الانزلاق إلى مثل هذا المنزلق الخطير؟!
وخامساً: أنّ الجملتين الزائدتين اللّتين أُلصقتا بالآيات، تكذبهما سائر الآيات الدالة على صيانة النبي الأكرم في مقام تلقّي الوحي والتحفظ عليه وإبلاغه كما مرّ في تفسير قوله سبحانه: ( فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَداً ) .( [105])
وقوله تعالى: ( وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الأَقاوِيلِ* لأَخَذْنا مِنْهُ بِالْيَمينِ* ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنْهُ الْوَتِينَ ) .( [106])
وسادساً: أنّ علماء الإسلام، وأهل العلم والدراية من المسلمين قد واجهوا هذه الحكاية بالرد، فوصفها المرتضى بالخرافة التي وضعوها.( [107])
وقال النسفي: إنّ القول بها غير مرضيّ. وقال الخازن في تفسيره: إنّ العلماء وهّنوا أصل القصة ولم يروها أحد من أهل الصحة، ولا أسندها ثقة بسند صحيح، أو سليم متصل، وإنّما رواها المفسرون والمؤرخون المولعون بكل غريب، الملفقون من الصحف كل صحيح وسقيم، والذي يدل على ضعف هذه القصة اضطراب رواتها، وانقطاع سندها واختلاف ألفاظها.( [108])
هذه هي أهم الإشكالات التي ترد على القصة وتجعلها في موضع من البطلان قد ذكرها المحقّقون في الرد على هذه القصة وقد ذكرنا قسماً منها في كتابنا «سيّد المرسلين»( [109])، ولا نطيل المقام بذكرها.
وآخر دعوانا
ان الحمد للّه ربّ العالمين

[1] . التحريم: 6 .
[2] . فصلت: 42 .
[3] . النمل:3ـ 4.
[4] . النجم:11ـ 17.
[5] . نهج البلاغة، الخطبة 187.
[6] . عقيدة الشيعة: 328.
[7] . العصر: 1.
[8] . إرشاد الطالبين إلى نهج المسترشدين:301ـ 302.
[9] . الميزان:2/ 142.
[10] . التكاثر:6ـ 5.
[11] . نهج البلاغة، 2، الخطبة188، طبعة عبده.
[12] . التوبة:34ـ 35.
[13] . نقله في البحار:41/14 من دون ذكر مصدره كما نقله في 68/186 عن بعض المحقّقين.
[14] . شرح عقائد الصدوق، 61.
[15] . أمالي المرتضى:2/347، ط مصر، تحقيق محمد أبوالفضل إبراهيم.
[16] . يوسف: 23.
[17] . القصص: 23 ـ 24.
[18] . لاحظ قصة موسى في دفعه القبطي المعتدي على إسرائيلي في سورة القصص الآيات: 15 ـ 20 وفي ذلك يقول: ( رب بما أنعمت عليّ فلن أكون ظهيراً للمجرمين ) القصص: 17.
[19] . أمالي المرتضى: 2/347 ـ 348، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم.
[20] . أمالي المرتضى:2/ 347.
[21] . إشارة إلى التعابير الثلاثة في شرح حقيقة العصمة.
[22] . الأنعام: 87 ـ 88.
[23] . المائدة: 67.
[24] . الميزان:11/179ـ 180.
[25] . البقرة: 213.
[26] . النجم:3ـ 4.
[27] . أخذ الوحي وحفظه وبلاغه
[28] . البقرة: 129.
[29] . آل عمران: 164.
[30] . الأنعام: 84 ـ 87.
[31] . الأنعام: 90.
[32] . الزمر: 36 ـ 37.
[33] . يس: 60ـ 62.
[34] . النساء: 69.
[35] . الفاتحة: 7.
[36] . مريم: 58.
[37] . مريم: 59.
[38] . آل عمران: 31 ـ 32.
[39] . النساء: 80.
[40] . النور: 52.
[41] . الحجرات: 7.
[42] . النساء: 80.
[43] . الأحزاب: 21.
[44] . بقره: 253.
[45] . بصائر الدرجات: 454.
[46] . النساء: 105.
[47] . النساء: 113.
[48] . تفسير الطبري: 5/ 172.
[49] . الميزان: 5/ 81.
[50] . البقرة: 143.
[51] . النساء: 41.
[52] . النحل: 84.
[53] . الزمر: 69.
[54] . الأعراف: 6.
[55] . المائدة: 117.
[56] . النساء: 159.
[57] . البقرة: 225.
[58] . مفاهيم القرآن: 1/...
[59] . يوسف: 109.
[60] . يوسف: 110.
[61] . مجمع البيان: 5 ـ 6 / 415، ط دار المعرفة ، بيروت.
[62] . يوسف: 109.
[63] . هود: 27.
[64] . الإسراء: 101.
[65] . الميزان: 11/ 279.
[66] . البقرة: 214.
[67] . الكشاف: 2/ 157.
[68] . الأنبياء: 87.
[69] . الحشر: 2.
[70] . يوسف: 110.
[71] . البقرة: 214.
[72] . الحج: 52.
[73] . الحج: 53.
[74] . الحج: 54.
[75] . المقاييس: 5/ 276.
[76] . يوسف: 103.
[77] . فاطر: 8.
[78] . النحل: 37.
[79] . القصص: 56.
[80] . الغاشية: 21 ـ 22.
[81] . نوح: 7 ـ 9.
[82] . نوح: 21 ـ 24.
[83] . الحجر: 42، الإسراء: 65.
[84] . ص: 82 ـ 83.
[85] . النساء: 120.
[86] . إبراهيم: 22.
[87] . غافر: 51.
[88] . المجادلة: 21.
[89] . الأنبياء: 18.
[90] . الصافات: 171 ـ 173.
[91] . التوبة: 33.
[92] . الأنبياء: 105.
[93] . الإسراء: 81.
[94] . الملك: 14.
[95] . الأنفال: 28.
[96] . نهج البلاغة: قسم الحكم الرقم : 93.
[97] . الهدى إلى دين المصطفى: 1/ 134.
[98] . النجم: 1 ـ 2.
[99] . النجم: 19 ـ 20.
[100] . الإسراء: 73 ، 75.
[101] . تفسير الطبري: 17/131، ونقله السيوطي في الدر المنثور في تفسير الآية.
[102] . الهدى إلى دين المصطفى: 1/ 130.
[103] . النجم: 22 ـ 23.
[104] . النجم: 3 ـ 4.
[105] . الجن: 27.
[106] . الحاقة: 44 ـ 46.
[107] . تنزيه الأنبياء: 109.
[108] . الهدى إلى دين المصطفى: 1/ 130.
[109] . كتاب أُلّف في بيان سيرة النبي الأكرم من ولادته إلى وفاته (صلى الله عليه وآله وسلم) وقد طبع في جزءين.