قائمة المواضيع :
البداء في الكتاب والسنّة
البداء
في حديث الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)
تمهيد
البداء في اللغة هو ظهورُ ما خفي. يقول سبحانه: (وَبَدا لَهُمْ سَيِّئاتُ ماعَمِلُوا وَحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِءُون) ( [1]) ، أي ظهر لهم آثار ما عملوا من السيّئات وأحاط بهم ما كانوا به يستهزئون.
وقال عزّ من قائل: (ثُمَّ بَدا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ ما رَأوُا الآياتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حتّى حِين) ( [2]) ، أي ظهر لهم بعد ما رأوا الآيات الدالّة على براءة يوسف أن يسجنوه إلى حين ينقطع فيه كلام النّاس، وإلى غيرهما من الآيات التي تدلّ على أنّ البداء عبارة عن ظهور ما خفي.
وعلى ذلك فالبداء بهذا المعنى من خصائص من كان جاهلاً بعواقب الأُمور ثمّ يبدو له ما خفي عليه، ولأجل ذلك نسب البداء في القرآن إلى غيره سبحانه.
كما نرى أنّ النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)   يستعمل كلمة البداء وينسبها إلى اللّه سبحانه، فقد أخرج البخاري في صحيحه عن أبي هريرة:
إنّه سمع من  رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) أنّ ثلاثة في بني إسرائيل: أبرص وأقرع وأعمى «بدا  للّه » أن يبتليهم، فبعث إليهم ملكاً  فأتى الأبرصَ، فقال: أي شيء أحب إليك؟ قال: لون حسن، وجلد حسن،  قد قذّرني الناس، قال فمسحه فذهب عنه فأُعطي لوناً حسناً وجلداً حسناً، فقال: أي المال أحب إليك؟ قال: الإبل أو قال: البقر ـ هو شك في ذلك  أنّ  الأبرص والأقرع، قال أحدهما: الإبل، وقال الآخر: البقر ـ فأُعطي ناقة عُشراء، فقال: يبارك اللّه لك فيها. وأتى الأقرع، فقال: أي شيء أحبّ إليك؟ قال: شعر حسن ويذهب عنّي هذا قد قذرني الناس قال: فمسحه، فذهب، وأُعطي شعراً حسناً، قال: فأي المال أحب إليك؟ قال: البقر. قال: فأعطاه بقرة حاملاً، وقال: يبارك  لك فيها.
وأتى الأعمى فقال: أي شيء أحب إليك؟ قال: يرد اللّه إليّ بصري، فأبصر به الناس، قال: فمسحه فردّ اللّه إليه بصره. قال: فأي المال أحب إليك؟ قال: الغنم، فأعطاه شاة والداً. فأُنتج هذان وولّد هذا، فكان لهذا واد من إبل، ولهذا واد من بقر، ولهذا واد من الغنم.
ثمّ إنّه أتى الأبرص في صورته وهيئته، فقال: رجل مسكين تقطّعت بي الحبال في سفري، فلابلاغ اليوم إلاّ باللّه ثمّ بك، أسألك بالذي أعطاك اللون الحسن والجلد الحسن والمال، بعيراً أتبلّغ عليه في سفري; فقال له: إنّ الحقوق كثيرة. فقال له: كأنّي أعرفك ألم تكن أبرص يقذرك الناس، فقيراً فأعطاكاللّه؟ فقال: لقد ورثت لكابر عن كابر؟ فقال: إن كنت كاذباً فصيّرك اللّه إلى ما كنت. وأتى الأقرع في صورته وهيئته فقال له مثل ما قال لهذا  فرد عليه مثلما رد عليه هذا، فقال: إن كنت كاذباً فصيّرك اللّه إلى ما كنت.
وأتى  الأعمى في صورته فقال: رجل مسكين وابن سبيل وتقطّعت بي الحبال في سفري، فلابلاغ اليوم إلاّ باللّه، ثمّ بك، أسألك بالذي رد عليك بصرك، شاة أتبلّغ بها في سفري; فقال: قد كنت أعمى فرد اللّه بصري، وفقيراً فقد أغناني، فخذ ما شئت، فواللّه لاأجحدك اليوم بشيء أخذته للّه ، فقال: أمسك مالك فإنّما ابتليتم فقد رضي اللّه عنك وسخط على صاحبيك.( [3])
هذا هو كلام الرسول الأعظم(صلى الله عليه وآله وسلم)   وقد استعمل لفظ البداء في حقّه سبحانه، ومن الطبيعي انّ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)   لم يستعمل هذا اللفظ في معناه اللغوي لاستلزامه ـ و العياذ باللّه ـ الجهل على اللّه سبحانه، بل استعمله في معنى آخر لمناسبة بينه وبين المعنى اللغوي. وكم  له من نظير في الكتاب والسنّة، وقد اشتهر انّ  كلام البلغاء مشحون بالمجاز.
إنّ البراهين العقلية الرصينة والآيات  الباهرة القرآنية قد أسفرت عن إحاطة علمه سبحانه بكلّ شيء في الأرض والسماء و ما مضى وما يأتي  على نحو لا يتصوّر في مثله  الظهور بعد الخفاء، ولنتبرك بذكر بعض الآيات وترك ذكر البراهين العقلية إلى محلها. قال عزّ من قائل:
(إِنَّ اللّهَ لا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيءٌ فِي الأَرضِ وَلا فِي السَّماء) .( [4])
(وَما يَخْفى على اللّهِ مِنْ شَيْء فِي الأرضِ وَلا فِي السَّماء) .( [5])
(ما أَصابَ مِنْ مُصِيبَة فِي الأَرْض وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلاّ في كِتاب مِنْ قَبلِ أَن نَبْرأََها إِنّ ذلكَ عَلى اللّهِ يَسِير) .( [6]) كيف  يمكن طروء الخفاء عليه سبحانه  مع أنّه محيط بالعالم صغيره  وكبيره، مادّيه ومجرّده، والأشياء كلّها قائمة به قياماً قيّومياً كقيام المعنى الحرفي بالاسمي؟! وغيبوبة المعنى الحرفي عن المعنى الاسمي تساوي فناءه.
كلّ ذلك يقودنا إلى التفتيش عن تفسير آخر للبداء ينسجم مع ما جاء في الحديث المنقول عن رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وإلاّ فالرسول وخلفاؤه وقاطبة علماء المسلمين أجل من أن ينسبوا إلى اللّه سبحانه البداء بالمعنى اللغوي الآنف الذكر.
وهذه الرسالة الماثلة بين يديك عزيزي القارئ  الكريم أخذت على عاتقها بيان التفسير الصحيح للبداء والمنسجم مع حديث الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) .
ويأتي كلّ ذلك ضمن أُمور:
1
تغيير المصير بالأعمال الصالحة والطالحة
ذهبت اليهود إلى استحالة تعلّق مشيئة اللّه بغير ما جرى عليه قلم القضاء والقدر، فيمتنع تغيير ما قُدِّر إلى خلافه، وقد تبلورت تلك العقيدة في كلامهم  بأنّ يد اللّه مغلولة، قال سبحانه حاكياً عنهم: (وَقالَتِ اليَهُود يَدُ اللّه مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيديهِمْ وَلُعِنُوا بِما قالُوا بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشاء وَلَيزيدَنَّ كَثيراً مِنْهُمْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْياناً وَكُفراً) .( [7])
وعلى هذا الأساس قالوا يد اللّه مغلولة  عن القبض والبسط والأخذ والعطاء، وانّه إذا جرى قلمه وتقديره على شيء لا يبدّل ولا يغيّر  فيخرج عن إطار قدرته.
واستنتجوا من هذا الأصل، امتناع نسخ الأحكام الشرعية أيضاً.
ثمّ إنّه سبحانه يردّ على تلك العقيدة في غير واحدة من الآيات ويقول:
(الحَمْدُ للّهِ فاطِر السَّموات وَالأَرْضِ... يَزِيدُ فِي الخَلْقِ ما يَشاءُ إِنَّ  اللّهَ عَلى كُلّ شَيء قَدير) .( [8])
(وَما تَحْمِلُ مِنْ أُنْثى وَلا تَضَعُ إِلاّ بِعِلْمِهِ وَما يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّر وَلا يُنقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلاّ فِي كتاب إِنَّ ذلكَ عَلى اللّه يَسير) .( [9])
فاللّه سبحانه كما هو المقدِّر للمصير الأوّل، هو المقدّر أيضاً للمصير الثاني، فهو في كلّ يوم في شأن، وانّه جلّ و على يبدئ و يعيد، و يحيي ويميت، يزيد في الرزق والعمر ويُنقص، كلّ ذلك حسب مشيئته الحكمية والمصالح الكامنة. فكما هو عالم بالتقدير الأوّل، عالم ـ في نفس ذلك الوقت ـ بأنّه سوف يزول و يخلفه تقدير آخر، لكن لا بمعنى وجود الفوضى في التقدير، بل بتبعية كلّ تقدير لملاكه وسببه.
إذا كان  في هذه الآيات إلماع إلى إخلاف تقدير مكان تقدير، ففي الآيات التالية تصريحات بأنّ الإنسان هو الذي يستطيع أن يغيّر مصيره بصالح أعماله وطالحها، وأنّ التقدير الأوّل الذي نجم عن سبب في حياة العبد ليس تقديراً قطعياً لا يغيّـر، بل  هو تقدير معلّق سيتغيّر إذا تغيّر سببه.
يقول سبحانه: (وَلَوْ أَنّ أَهلَ القُرى آمنوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَركات مِنَ السَّماءِ وَالأَرْضِ وَلكِن كَذَّبُوا فَأَخَذْناهُمْ بِما كانُوا يَكْسِبُون) ( [10]) وليست هذه الآية، آية فريدة، بل هناك آيات كثيرة تُبيّن بأنّ للإنسان مقدرة واسعة على إخلاف تقدير مكان تقدير و قضاء مكان قضاء، كلّ ذلك بمشيئته سبحانه و إرادته حيث زوّد العبدَ بحرية ومشيئة على أن يُخلف تقديراً مكان تقدير آخر، وها نحن نقتصر على نزر قليل منها حتّى يتّضح الحال.
1. (استغفروا ربَّكُم إِنّهُ كانَ غَفّاراً * يُرسِل السَّماءَ عَلَيْكُمْ مِدراراً * و يمدِدْكم بِأَمْوال وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَكُمْ جَنّات وَيَجْعَل لَكُمْ أَنهاراً) .( [11])
2. (إِنَّ اللّه لا يُغَيّرُ ما بِقَوْم حتّى يُغَيّرُوا ما بأَنْفُسِهِمْ) .( [12])
3. (ذلِكَ بأَنَّ اللّهَ لَمْ يَكُ مُغيِّراً نِعْمة أَنعَمَها  عَلى قَوم حَتّى يُغَيّروا ما بِأَنْفُسِهِمْ) .( [13])
4.(وَمَنْ يَتَّقِ اللّهَ يَجْعَل لَهُ مَخْرجاً * وَيَرْزُقهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِب) .( [14])
5. (وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأَزيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذابي لَشديد) .( [15])
6. (وَنُوحاً إِذْ نادى مِنْ قَبل فاسْتَجَبْنا لَهُ فَنَجَّيْناهُ وَأَهله مِنَ الكَربِ العَظيم) .( [16])
7.(وَأَيُّوبَ إِذْ نادى ربَّهُ أَنّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرّاحِمين * فَاسْتَجَبْنا لَهُ فَكَشَفْنا ما بِهِ مِنْ ضُرّ) .( [17])
8.(فَلولا أَنّهُ كانَ مِنَ الْمُسَبِّحينَ * لَلَبِثَ في بَطْنهِ إِلى يَوم يُبْعَثُون * فَنَبَذناهُ بِالعَراء وَهُوَ سَقِيم * وَأَنْبَتْنا عَلَيهِ شَجرةً مِنْ يَقطين) .( [18])
إنّ هذه الآيات تعرب عن أنّ الأعمال الصالحة مؤثّرة في مصير الإنسان وانّه يقدر بعمله الصالح على تغيير التقدير وتبديل القضاء ـ غير المبرم ـ ، لأنّه ليس  في أفعال الإنسان الاختيارية مقدَّر محتوم  حتّى يكون العبد في مقابله مكتوف الأيدي والأرجل.
تغيير المصير بالأعمال في الروايات
دلّ غير واحد من الروايات على أنّ الأعمال الصالحة أو غيرها تُغيّـر  التقدير، كما ورد عن أئمّة أهل البيت(عليهم السلام) انّ الصدقة والاستغفار والدعاء وصلة الرحم وما أشبه ذلك يغير التقدير.
وما هذا إلاّ لأنّ التقدير لم يكن تقديراً قطعياً، بل تقديراً معلّقاً على عدم الإتيان بصالح الأعمال أو بطالحها، فإذا وجد المعلّق عليه يتبدّل التقدير بتقدير آخر، كلّ ذلك بعلم ومشيئة منه سبحانه، فهو عندما يقدر عالم ببقاء التقدير أو بتبدّله ـ في المستقبل ـ  إلى تقدير آخر، فلو كان هناك جهل فإنّما  هو في جانب العباد لا في ساحة المقدِّر، فانّه عالم بعامة الأشياء والتقديرات ثابتها ومتغيّرها.
سنّة اللّه الحكيمة في عباده
إنّه  سبحانه  حسب حكمته الحكيمة جعل تقدير العباد على قسمين نذكرهما بالتفصيل التالي:
1. تقدير قطعي لا يقبل المحو والتغيير، وذلك كسنّته سبحانه في موت الإنسان وفنائه، فقوله سبحانه: (إِنّكَ مَيّتٌ وَإِنّهُمْ مَيّتُون) ( [19]) من السنن القطعية التي لا تتغيّر ولا تتبدّل، وكم له من نظير كقوله سبحانه: (أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصّالِحُونَ) .( [20])
2. تقدير معلق غير قطعي مشروط بشرط خاص، فلو قدّر الصلاح فهو مشروط بعدم ارتكاب ما يخرجه من الصلاح، وإذا  قدّر الضلال فهو أيضاً مشروط بعدم تعاطيه ما يدخله مدخل الهدى، كلّ ذلك لحكمة.
إنّ تلك السنّة ـ الّتي تُمكّن الإنسان من تغيير مصيره  ـ  بصيص أمل للمذنبين، لئلاّ يقنطوا،  ولئلاّ ينقطع رجاؤهم من رحمته سبحانه، بل تبقى اضبارة أعمالهم مفتوحة حتّى السنين الأخيرة من أعمارهم، كما هي  إنذار للصالحين بأن لا يغتروا بأعمالهم الصالحة، وذلك لأنّ العبرة بخواتيم الأعمال،  فلو صدر منهم في فترة أُخرى من حياتهم ما يغضب الرب فسوف يتغيّر تقديره سبحانه من صلاح إلى طلاح.
وبما انّ  لهذه السنة أثراً تربوياً في الأُمّة، نرى أنّ الروايات كالآيات تركّز على تمكّن الإنسان من تغيير مصيره من خير إلى شر و من شر إلى خير، وقد تضافرت الروايات عن النبيّ الأعظم(صلى الله عليه وآله وسلم) وأئمّة أهل البيت(عليهم السلام) في هذا المقام نذكر فيما يلي نماذج منها.
أثر الدعاء في تغيير المصير
أخرج   الحاكم عن ابن عباس(رض) قال: لا ينفع الحذر عن القدر ولكن اللّه يمحو بالدعاء ما يشاء من القدر.( [21])
وأخرج ابن أبي شيبة في «المصنّف» وابن أبي الدنيا في الدعاء عن ابن مسعود (رضي الله عنه) : قال: ما دعا عبد بهذه الدعوات إلاّ وسّع اللّه له في معيشته:
«يا ذا المن ولا يُمنّ عليه، يا ذا الجلال والإكرام يا ذا الطول، لا إله إلاّ أنت ظهر اللاجين وجار المستجيرين، ومأمن الخائفين إن كنت  كتبتني عندك في أُمّ الكتاب شقياً فامح عني اسم الشقاء واثبتني عندك سعيداً، وإن كنت كتبتني عندك في أُمّ الكتاب محروماً مقتراً على رزقي، فامح حرماني ويسّر رزقي وأثبتني عندك سعيداً موفقاً للخير، فإنّك تقول في كتابك الذي أنزلت (يمحوا اللّه ما يشاء ويثبت وعنده أُم الكتاب) .( [22])
روى الكليني بسنده عن حماد بن عثمان عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) قال: سمعته يقول: «إنّ الدعاء يرد القضاء ينقضه كما يُنقض السلك وقد أُبرم إبراماً».( [23])
وروى الكليني بسند عن أبي الحسن موسى(عليه السلام) : «عليكم  بالدعاء، فانّ الدعاء للّه والطلب إلى اللّه يردّ البلاء وقد قدّر وقضى ولم يبق إلاّ إمضاؤه، فإذا دعي اللّه عز ّوجلّ وسئل صرف البلاء صرفة».( [24])
أثر  الصدقة في تغيير المصير
روى السيوطي في «الدر المنثور» عن علي(عليه السلام) : انّه سأل رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) عن هذه الآية(يمحو اللّه) ؟ فقال له: «لأقرّنّ عينيك بتفسيرها ولأقرّنّ عين أُمّتي بعدي بتفسيرها: الصدقة على وجهها، وبرّ الوالدين، واصطناع المعروف يحوّل الشقاء سعادة،ويزيد في العمر ، ويقي مصارع السوء».( [25])
وكما أنّ للأعمال الصالحة أثراً في المصير وحسن العاقبة، وشمول الرحمة وزيادة العمر وسعة الرزق، كذلك الأعمال الطالحة والسيئات في الأفعال فانّ لها تأثيراً ضد أثر الأعمال الحسنة.
ويدلّ على ذلك من الآيات قوله سبحانه:
(وَضَرَب اللّهُ مَثلاً  قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيها رِزْقُها رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكَان فَكَفَرتْ بِأَنْعُمِ اللّهِ فَأَذَاقَهَا اللّهُ لِبَاسَ الجُوعِ وَالْخَوفِ بِما كانُوا يَصْنَعُونَ) .( [26])
وقال سبحانه: (وَلَقَدْ أَخذْنا آلَ فِرعَونَ بِالسّنِينَ وَنَقْص مِنَ الثَّمرات لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ) .( [27])
2
البداء
في الكتاب العزيز
لقد عرفت أنّه ليس للإنسان مصير واحد لا يُردّ ولا يبُدّل، بل ما كتب وقدّر يتغيّر بصالح الأعمال وطالحها، فليس الإنسان في مقابل التقدير مسيّراً، ولكنّه بعدُ مخيّر في  أن يغيّـر التقدير بصالح أفعاله أو بسيّئاتها.
ومن حسن الحظ انّ الكتاب  يركّز على ذلك ويعرب عن أنّ للّه سبحانه لوحين:
1. لوح المحو والإثبات.
2. أُمّ الكتاب. فما في اللوح الأوّل خاضع للتغيير والتبديل، فليس ما كتب فيه أمراً قطعياً لا يغيّر ولا يتبدّل، قال سبحانه: (وَمَا كَانَ لِرَسُول أَنْ يَأْتِيَ بآية إِلاّ بِإِذْنِ اللّهِ لِكُلِّ أَجَل كِتَابٌ * يَمْحُو اللّهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الكِتابِ) .( [28])
وهذه الآية هي الأصل في البداء في الشريعة الإسلامية، وهانحن ننقل بعض كلمات المحقّقين من المفسّرين حتّى يقف القارئ على المعنى الصحيح للبداء ويعلم أنّه ممّا أصفقت عليه الأُمّة ولا يوجد بينهم أيُّ خلاف في ذلك.
1.  روى الطبري(المتوفّى310هـ) في تفسير الآية عن لفيف من الصحابة والتابعين أنّهم كانوا يدعون اللّه سبحانه بتغيير المصير وإخراجهم من الشقاء ـ  إن كتب عليهم ـ إلى السعادة مثلاً: كان عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) يقول وهو يطوف بالكعبة: اللّهم إن كنت كتبتني في أهل السعادة فأثبتني فيها، وإن كنت كتبتني على الذنب ] الشقاوة [ فامحني وأثبتني في أهل السعادة، فإنّك تمحو ما تشاء وتثبت وعندك أُمّ الكتاب.
وروى نظير هذا الكلام عن  ابن مسعود، وابن عباس، وشقيق وأبي وائل.( [29])
وروى عن ابن زيد أنّه قال في قوله سبحانه: (يمحوا اللّه ما يشاء) بما يُنزِّلُ  على الأنبياء ،ويُثبت ما يشاء مما ينزله إلى الأنبياء وقال وعنده أُمّ الكتاب لايُغيّر ولايُبدَّل.( [30])
2. قال الزمخشرى(المتوفّى 528هـ): ( يمحوا اللّه ما يشاء)   ينسخ ما يستصوب نسخه ويثبت بدله ما يرى المصلحة في إثباته أو ينزله غير منسوخ.( [31])
3. ذكر الطبرسي(470ـ548هـ):  لتفسير الآية وجوهاً متقاربة وقال: « الرابع:  أنّه عامٌّ في كل شيء فيمحو من الرزق ويزيد فيه، ومن الأجل، ويمحو السعادة والشقاوة ويثبتهما.(روي ذلك ) عن عمر بن الخطاب، وابن مسعود وأبي وائل، وقتادة. وأُمّ الكتاب أصل الكتاب الذي أُثبتت فيه الحادثات والكائنات.
وروى أبو قلابَة عن ابن مسعود أنّه كان يقول: اللّهمّ إن كنت كتبتني في الأشقياء فامحنى من الأشقياء...».( [32])
4. قال الرازي(المتوفّى 608هـ): إنّ في هذه الآية قولين:
القول الأوّل: إنّها عامّة في كل شيء كما يقتضيه ظاهر اللفظ، قالوا: إنّ اللّه يمحو من الرزق ويزيد فيه، وكذا القول في الأجل والسعادة والشقاوة والإيمان والكفر، وهو مذهب عمر  و ابن مسعود، والقائلون بهذا القول كانوا يدعون ويتضرّعون إلى اللّه تعالى في أن يجعلهم سعداء لا أشقياء. وهذا التأويل رواه  جابر عن رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) .
والقول الثاني:  إنّ هذه الآية  خاصّة في بعض الأشقياء دون البعض.
ثم قال: فإن قال قائل: ألستم تزعمون إنّ المقادير سابقة قد جفَّ بها القلم وليس الأمر بأنف، فكيف يستقيم مع هذا المعنى، المحو والإثبات؟
قلنا: ذلك المحو والإثبات أيضاً مما جفّ به القلم، فلأنّه لايمحو  إلا ما سبق في علمه وقضائه محوه.( [33])
5. وقال القرطبي (المتوفّى 671 هـ) ـ بعد نقل القولين وإن المحو والإثبات هل يعمّـان جميع الأشياء أو يختصان ببعضها  ـ: مثل هذا لايدرك بالرأي والاجتهاد ، وإنّما يؤخذ توقيفاً فإن صحَّ فالقول به يجب أن يوقف عنده، وإلاّ فتكون الآية عامّة في جميع الأشياء، وهو الأظهر ـ ثم نقل دعاء عمر بن الخطاب  في حال الطواف ودعاء عبداللّه بن مسعود ثم قال: روى في الصحيحين عن أبي هريرة قال: سمعت النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)   يقول: «مَن سرَّه أن يبسط له في رزقهِ ويُنسَأ له في أثره (أجله) فليصل رحمه».( [34])
6. قال ابن كثير (المتوفّـى774هـ) بعد نقل قسم من الروايات: ومعنى هذه الروايات أنّ الأقدار ينسخ اللّه ما يشاء منها ويثبت منها ما يشاء ،وقد يُستأنس لهذا القول بما رواه الإمام  أحمد عن ثوبان قال: قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : « إن ّ الرجل ليُحْرَمُ الرزقَ بالذنب يصيبه ولايرد القَدَرُ إلاّ بالدعاء، ولايزيد في العمر إلا البر». ثم نقل عن ابن عباس: الكتاب كتابان: فكتاب يمحو اللّه منه ما يشاء ويثبت عنده ما يشاء،وعنده أُمّ الكتاب.( [35])
7. روى السيوطي(المتوفّى911هـ) عن ابن عباس في تفسير الآية: هو الرجل يعمل الزمان بطاعة اللّه، ثم يعود لمعصية اللّه فيموت على ضلالة فهو الذي يمحو ، والذي يثبت: الرجل يعمل بمعصية اللّه تعالى  وقد سبق له خير حتى يموت وهو في طاعة اللّه سبحانه وتعالى. ثم نقل ما نقلناه من الدعاء عن لفيف من الصحابة والتابعين.( [36])
8. ذكر الألوسي( المتوفّى1270هـ) عند تفسير الآية قسماً من الآثار الواردة حولها  وقال: أخرج ابن مردويه وابن عساكر عن عليّ ـ كرم اللّه وجهه ـ أنّه سأل رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) عن قوله تعالى: (يمحوا اللّه ما يشاء...) الآية فقال له عليه الصلاة والسلام: «لأقرَّنَّ  عينك بتفسيرها، ولأُقرَّنَّ عين أُمّتي بعدي بتفسيرها: الصدقه على وجهها، وبر الوالدين واصطناع المعروف، محوِّل الشقاء سعادة، ويزيد في العمر، ويقي مصارع السوء». ثم قال: دفع الإشكال عن استلزام ذلك، بتغير علم اللّه سبحانه، ومن شاء فليرجع.( [37])
9. وقال صديق حسن خان(المتوفّى1307هـ) في تفسير الآية: وظاهر النظم القرآني العموم في كل شيء ممّا في الكتاب، فيمحو ما يشاء محوه من شقاوة أو سعادة أو رزق أو عمر أو خير أو شرّ ، ويبدل هذا  بهذا ،ويجعل هذا مكان هذا. لا يُسأل عما يفعل وهم يُسألون وإلى هذا ذهب عمر بن الخطاب وابن مسعود وابن عباس وأبو وائل وقتادة والضحاك وابن جريج وغيرهم...( [38]) 10. وقال القاسمي(المتوفّى1332هـ): تمسك جماعة بظاهر قوله تعالى: ( يمحوا اللّه ما يشاء ويثبت) فقالوا: إنّها عامَّة في كل شيء كما ـ يقتضيه ظاهر اللفظ ـ قالوا : يمحو اللّه من الرزق ويزيد فيه، وكذا  القول في الأجل والسعادة والشقاوة والإيمان والكفر.( [39])
11.وقال المراغي(المتوفّى1371هـ) في تفسير الآية: وقد أُثر عن أئمة السلف أقوال لاتناقض فيها، بل هي داخلة فيما سلف. ثم نقل الأقوال بإجمال.( [40])
وهذه الجمل والكلم الدرّية المضيئة عن الصحابة والتابعين لهم بإحسان، والمفسرين تعرب عن الرأي العام بين المسلمين  في مجال إمكان تغيير المصير بالأعمال الصالحة والطالحة ومنها الدعاء والسؤال، وأنّه ليس كل تقدير حتمياً لايُغيّر ولايبدّل، وإنّ للّه سبحانه لوحين: لوح المحو والإثبات، ولوح «أُمّ الكتاب». والذي لايتطرق التغيير إليه  هو الثاني دون الأوّل ، وإنّ القول بسيادة القدر على اختيار الإنسان في مجال الطاعة  والمعصية، قول بالجبر، الباطل بالعقل والضرورة، ومحكمات الكتاب. ومن جنح إليه لزمه القول بلغوية إرسال الرسل وإنزال الكتب (ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ) .( [41])
3
النزاع في البداء لفظي
لم يزل النزاع  بين الشيعة والسنّة في وصف اللّه سبحانه بالبداء قائماً على قدم وساق، فالشيعة الإمامية تعتبر البداء من صميم الدين بحجّة انّه بمعنى تغيّر المصير بصالح الأعمال وطالحها، وتنكره بمعنى الظهور بعد الخفاء كما سيوافيك; والسنّة ترفض البداء بالمعنى المحال وهو ظهور الشيء بعد الخفاء،  وتكفّر القائل به لاستلزامه نسبة الجهل إلى اللّه سبحانه وتنسبه إلى الشيعة.
ومن الواضح انّ المقبول لدى الشيعة يغاير موضوعاً و محمولاً مع ما هو المرفوض لدى السنّة، فلا يرد مثل ذلك الإيجاب والسلب على مورد واحد، حيث لا نجد بين الأُمّة الإسلامية من ينكر علم اللّه سبحانه وإحاطته بما في الأرض والسماء، كما لا نجد فيهم من ينكر تغير المصير بصالح الأعمال.
فالفريقان يتنازعان ولكنّهما  يتفقان في المعنى الإيجابي، كما  أنّهما  يتّفقان في المعنى السلبي.
وهذا  إن دلّ على شيء فإنّما يدلّ على أنّ المسألة لم تطرح في جوّ هادئ حتّى تقف كلّ طائفة على ما لدى الطائفة الأُخرى من المعنى لهذا الأصل. ونحن ندعو إلى عقد مؤتمر علمي لدراسة هذه المسألة بدقة لإزالة الشكّ والالتباس فيها وفي غيرها  من المسائل المختلف فيها .
نصوص علماء الإمامية في البداء
1. قـال الصـدوق(306ـ381هـ) فـي «باب الاعتقاد بالبداء»: إنّ اليهود قالوا: إنّ اللّه تبارك وتعالى قد فـرغ من الأمر، قلنا: بل هو تعالى «كلّ يوم هو في شـأن» لا يشغله شـأن عن شأن، يحيي ويميت، ويخلق ويرزق ويفعل ما يشاء، وقلنـا: (يَمْحُوا اللّهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ) ( [42]) . ( [43])
2. قال الشيخ المفيد(336ـ413هـ): معنى البداء ما يقوله المسلمون بأجمعهم في النسخ وأمثاله من: الإفقار بعد الإغناء، والإمراض بعد الإعفاء، والإماتة بعد الإحياء، وما يذهب إليه أهل العدل خاصة، من الزيادة  في الآجال والأرزاق والنقصان منها بالأعمال.( [44])
3. قال السيد المرتضى(355ـ 436هـ): البداء في لغة العرب هو الظهور من قوله: «بدا الشيء: إذا ظهر وبان، والمتكلّمون تعرّفوا فيما بينهم أن يسمّوا ما يقتضي هذا البداء باسمه، فقالوا: إذا أمر اللّه تعالى بالشيء في وقت مخصوص على وجه معيّن ومكلّف واحد، ثمّ نهى عنه، فهو بداء، والبداء على ما حدّدناه لا يجوز على اللّه تعالى لأنّه علم بنفسه، ولا يجوز له أن يتجدّد كونه عالماً ، ولا أن يظهر له من المعلومات ما لم يكن ظاهراً.
وقد وردت أخبار آحاد لا توجب علماً، ولا تقتضي قطعاً بإضافة البداء إلى اللّه، وحملها محقّقو أصحابنا على أنّ المراد بلفظة البداء فيها النسخ للشرائع ولا خلاف بين العلماء في جواز النسخ للشرائع.( [45])
ترى أنّ السيد الشريف يتبرّأ من البداء بمعنى ظهور الشيء بعد خفائه، ويفسّر الروايات بمعنى النسخ وهو صحيح، لكن يجب أن يضاف إليه بأنّ النسخ  يستعمل في التشريع والبداء في التكوين.
4. وقال الشيخ الطوسي(385ـ 460هـ): البداء حقيقة في الظهور، ولذلك يقال: بدا لنا سور المدينة، وبدا لنا وجه الرأي و قال اللّه تعالى: (وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئاتُ ما عَمِلُوا) ( [46]) و (وبدا لَههُمْ سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا) .( [47])
فأمّا  إذا أُضيفت هذه اللفظة إلى اللّه تعالى، فمنه ما يجوز إطلاقه عليه ومنه ما لا يجوز; فأمّا ما يجوز  من ذلك، فهو ما إذا أفاد النسخ بعينه، ويكون إطلاق ذلك عليه ضرباً من التوسّع، وعلى هذا الوجه يحمل جميع ما ورد عن الصادقينعليمها السَّلام من الأخبار المتضمّنة لإضافة البداء إلى اللّه، دون ما لا يجوز عليه من حصول العلم بعد أن لم يكن.
ووجه إطلاق ذلك فيه تعالى، هو أنّه إذا كان منه ما يدلّ على النسخ، يظهر به للمكلّفين مالم يكن ظاهراً، ويحصل لهم العلم به بعد أن لم يكن حاصلاً لهم، أطلق على ذلك لفظ البداء.( [48])
ترى أنّ شيخ الطائفة أيضاً يفسّر البداء بالنسخ، ولكن نضيف إلى ما ذكره أنّ النسخ يستعمل في نسخ الحكم والبداء في نسخ التكوين، أعني: تغيير المصير بصالح الأعمال وطالحها .
5. وقال الشيخ أيضاً في كتاب «الغيبة»: إنّه لا يمتنع  أن يكون اللّه تعالى قد وقّت هذا الأمر (الحادثة المعيّنة) في الأوقات التي ذكرت، فلما تجدّد ما تجدّد، تغيّرت المصلحة واقتضت تأخيره إلى وقت آخر ـ إلى أن قال : ـ و على هذا يُتأوّل ما روي في تأخير الأعمار عن أوقاتها و الزيادة فيها عند الدعاء وصلة الأرحام، وما روي في تنقيص الأعمار عن أوقاتها إلى ما قبله عند فعل الظلم وقطع الرحم، وغير ذلك،وهو تعالى و إن كان عالماً بالأمرين، فلا يمتنع أن يكون أحدهما معلوماً بشرط، والآخر بلا  شرط، و هذه الجملة لا خلاف فيها بين أهل العدل، وعلى هذا يتأوّل أيضاً ما روي من أخبارنا المتضمّنة للفظ البداء ويبيّن أنّ معناها النسخ على ما يريده جميع أهل العدل، فيما يجوز فيه النسخ أو تغيّر شروطها، إن كان طريقها الخبر عن الكائنات.( [49])
6. وقال السيّد المحقّق الداماد (... ـ 1041 هـ): البداء منزلته في التكوين منزلة النسخ في التشريع، فما في الأمر التشريعي والأحكام التكليفية فهو نسخ وفي الأمر التكويني والمكوّنات الزمانية بداء، فالنسخ كأنّه بداء تشريعي، والبداء كأنّه نسخ تكويني، ولا بداء في القضاء ولا بالنسبة إلى جناب القدّوس الحق.
ـ إلى أن قال: ـ و كما حقيقة النسخ عند التحقيق انتهاء الحكم التشريعي وانقطاع استمراره، لا رفعه وارتفاعه عن وعاء الواقع، فكذلك حقيقة  البداء انبتات ( [50]) استمرار الأمر التكويني وانتهاء اتصال الإفاضة. ( [51])
7. قال العلاّمة المجلسي(1037ـ1110هـ): إنّ أئمّة أهل البيت(عليهم السلام) بالغوا في  البداء ردّاً على اليهود الذين يقولون: إنّ اللّه قد فرغ من الأمر، وردّاً على النظّام وبعض المعتزلة الذين يقولون: إنّ اللّه خلق الموجودات دفعة واحدة على ما هي عليه وإنّما التقدّم يقع في ظهورها لا في حدوثها ووجودها، فنفت أئمّة أهل البيت ذلك المعنى وأثبتوا انّه تعالى  كلّ يوم في  شأن، في إعدام شيء وإحداث آخر، وإماتة شخص وإحياء آخر، إلى غير ذلك، لئلاّ يترك العباد التضرّع إلى اللّه ومسألته وطاعته والتقرّب إليه ما يصلح أُمور دنياهم وعقباهم، وليرجوا عند التصدّق على الفقراء وصلة الأرحام وبر الوالدين والمعروف والإحسان ما وُعدوا عليها من طول العمر وزيادة الرزق وغير ذلك.( [52])
8. وقال السيد عبد اللّه شبّر(...ـ 1241هـ): للبداء معان، بعضها يجوز عليه، وبعضها يمتنع، وهو بالفتح والمدّ أكثر ما يطلق في اللغة على ظهور الشيء بعد خفائه، وحصول العلم به بعد الجهل، واتّفقت الأُمّة على امتناع  ذلك على اللّه سبحانه إلاّ من لا يعتدّ به، ومن نسب إلى الإماميّة فقد افترى عليهم كذباً، والإمامية براء منه، وقد يطلق على النسخ، وعلى القضاء المجدّد، وعلى مطلق الظهور، وعلى غير ذلك من المعاني. ثمّ استشهد على هـذا بما ورد من أنّ الصدقة والدعاء يغيّران القضاء، إلى غير ذلك ممّا روي في هذا المضمار.( [53])
هذا هو قول علماء الشيعة وأكابرهم، ترى أنّ الجميع يفسّر البداء بما يقارب النسخ الذي اتّفق المسلمون على جوازه،  غير أنّ مجال النسخ هو التشريع ومجاله هو التكوين.
9. كلام الإمام شرف الدين في البداء
وهناك كلامٌ للإمام شرف الدين (1290ـ 1377هـ) قد كشف اللثام عن حقيقة البداء بوجه يقنع كلّ باحث يرتاد الحقيقة، وبما أنّ كلامه فصل حاسم نأتي به تفصيلاً ليقف القارئ على مدى اضطهاد الشيعة، قال: إنّ اللّه قد ينقص من الرزق وقد يزيد فيه، وكذا الأجل والصحّة والمرض والسعادة والشقاء، والمحن والمصائب والإيمان والكفر وسائر الأشياء كما يقتضيه قوله تعالى: (يَمْحُوا اللّهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ) .
وهذا مذهب عمر بن الخطاب وابن مسعود وأبي وائل وقتادة، وقد رواه جابر عن رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وكان كثير من السلف الصالح  يدعون ويتضرّعون إلى اللّه تعالى أن يجعلهم سعداء لا أشقياء، وقد تواتر ذلك عن أئمّتنا في أدعيتهم المأثورة وورد في السنن الكثيرة، أنّ الصدقة على وجهها، وبرّ الوالدين، واصطناع المعروف يحوّل الشقاء، سعادة ويزيد في العمر، وصحّ عن ابن عباس انّه قال: لا ينفع الحذر من القدر ولكنّ اللّه يمحو  بالدعاء ما يشاء من القدر.
هذا هو البداء الذي تقول به الشيعة، تجوّزوا في إطلاق البداء عليه بعلاقة المشابهة، لأنّ اللّه عزّ وجلّ أجرى كثيراً من الأشياء التي ذكرناها على خلاف ما كان يظنّه الناس فأوقعها مخالفة لما تقتضيه الأمارات والدلائل، وكان مآل الأُمور فيها مناقضاً لأوائلها، واللّه عز ّوجلّ هو العالم بمصيرها ومصير الأشياء كلّها، وعلمه بهذا كلّه قديم أزليّ، لكن لمّا كان تقديره لمصير الأُمور يخالف تقديره لأوائلها. كان تقدير المصير  أمراً يشبه «البداء» فاستعار له بعض سلفنا  الصالح هذا اللّفظ مجازاً، أو كأنّ الحكمة قد اقتضت يومئذ هذا التجوّز.
وبهذا ردّ بعض أئمّتنا قول اليهود: إنّ اللّه قدّر في الأزل مقتضيات الأشياء، وفرغ اللّه من كلّ عمل إذا جرت الأشياء على مقتضياته، قال(عليه السلام) : بأنّ  للّه عزّ وجلّ في كلّ يوم قضاءً مجدّداً بحسب مصالح العباد لم يكن ظاهراً لهم، وما بدا للّه في شيء إلاّ كان في علمه الأزلي، فالنزاع في هذه بيننا و بين أهل السنّة لفظيّ لأنّ ما ينكرونه من البداء الذي لا يجوز على اللّه عزّ وجلّ تبرّأ الشيعة منه، وممّن يقول به، براءتها من الشرك باللّه ومن المشركين.
وما يقوله الشيعة من البداء بالمعنى الذي ذكرناه يقول به عامّة المسلمين، وهو مذهب عمر بن الخطّاب وغيره كما سمعت، وبه جاء التنزيل  (يَمْحُوا اللّهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ) ( [54]) ، و (يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالأَرْضِ كُلَّ يَوْم هُوَ فِي شَأْن) ( [55]) ، أي كلّ وقت وحين يُحدث أُموراً ويجدّد أحوالاً من إهلاك وإنجاء وحرمان وإعطاء ، وغير ذلك كما روي عن رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) ، وقد قيل له: ما ذلك الشأن؟ فقال: من شأنه سبحانه وتعالى أن يغفر ذنباً ويفرّج كرباً ويرفع قوماً، ويضع آخرين.
هذا هو الذي تقول به الشيعة وتسمّيه بداءً، وغير الشيعة يقولون به، لكنّهم لا يسمّونه بداءً، فالنزاع في الحقيقة إنّما هو في تسميته بهذا الاسم وعدم تسميته به، ولو عرف غير الشيعة أنّ الشيعة إنّما تُطلِق عليه هذا الاسم مجازاً لا حقيقة، لتبيّن ـ حينئذ ـ لهم أنّه لا نزاع بيننا و بينهم حتّى في اللفظ، لأنّ باب المجاز واسع عند العرب إلى الغاية، و مع هذا كلّه فان أصرّ غيرنا على هذا النزاع اللفظي وأبى التجوّز بإطلاق البداء على ما قلناه، فنحن نازلون على حكمه فليبدل لفظ البداء بما يشاء «وليتّق اللّه ربّه» في أخيه المؤمن «ولا يبخس منه شيئاً» (ولا تَبْخَسُوا النّاسَ أَشياءَهُمْ وَلا تَعْثَوا فِي الأَرضِ مُفْسِدينَ * بَقِيتُ اللّهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنين) ( [56]) . ( [57])
10. كلام المصلح الكبير كاشف الغطاء في البداء
وممّن صرّح بأنّ النزاع بين الشيعة والسنة نزاع لفظي، وأنّ الإيجاب والسلب من الطرفين لا يتوجهان على موضوع واحد، هو العلاّمة المصلح الكبير الشيخ محمد حسين  كاشف الغطاء حيث يقول في كتاب«الدين والإسلام»:
يحسب  عامّة المسلمين (جمع اللّه كلمتهم) أنّ هذه الكلمة (البداء) ممّا انفردت به الإمامية واعتدُّوها شناعة عليهم،  ولو تمحصّت الحقائق واستوضحت المقاصد وزالت أغشيةُ الأوهام التي تحول بين الحقيقة والأفهام لانكسرت السورة وانكبحت الشرّة، ولعرف الجميع أنّهم متّفقون على مقالة واحدة وأنّ النزاع بينهم لم يكن إلاّ لفظياً .
وهكذا أكثر الخلافيات التي تضارب فيها المسلمون، التضاربَ الذي جرّ عليهم الويلات وآل بجمعهم إلى الشتات وصيّرهم بالحالة التي تراها وتسمع بها اليوم، وكلّ تلك المنازعات إلاّ الطفيف قد عملت فيها عوامل الشدّة ونظر الشنآن والحدّة وعدم التروّي والأناة في تبلُّغ المقاصد وتفهُّم المرامي والغايات، حتّى بلغ الأمر إلى أوخم عاقبة وأسود مغبّة، وإلى اللّه المشتكى والرغبةُ في إدالة هذه الحال والنزوع عن تلك الضرايب فإنّه الحريّ بالإجابة إن شاء اللّه.( [58])
فذلكة البحث
هذه بعض نصوص علماء الإمامية ( [59]) قديماً وحديثاً أتينا بها ليقف القارئ على أنّ البداء عقيدة مشتركة بين المسلمين، وإنّما يستوحش منه من يستوحش لأجل عدم وقوفه على معناه، ولتصوّره أنّ المراد هو ظهور الأمر للّه بعد الخفاء عليه . وقد عرفت اتّفاق علمائنا تبعاً للقرآن والسنّة على امتناع إطلاقه على اللّه سبحانه، وإنّما المراد تغيير ما قدِّر بالدعاء والعمل، وهناك كلمات لسائر مشايخنا لم نذكرها وإنّما نشير إلى أسمائهم  فمن أراد الوقوف عليها فليرجع إلى مؤلفاتهم نظراء:
1. ميرزا رفيع النائيني في شرح الكافي، و قد نقله العلاّمة المجلسي في البحار: 4/129.
2. المحدّث الكبير محمد محسن الفيض الكاشاني في علم اليقين:1/177، والوافي:1/507، الباب الخامس.
3. شيخنا المجيز الشيخ آقا بزرگ الطهراني في الذريعة  إلى تصانيف الشيعة:3/51ـ53.
4. المحقّق العلاّمة الشيخ فضل  اللّه الزنجاني في تعليقاته على كتاب «أوائل المقالات»، ص 94.
5. السيد حسين مكي في كتابه«عقيدة الشيعة في الإمام الصادق وسائر الأئمّة».( [60])
إلى غير ذلك من المحقّقين العظام.
4
التفسير الخاطئ للبداء لمشايخ السنّة
قد تعرّفت في صدر البحث على أنّ للبداء  معنى إيجابياً وقد اتّفق عليه الفريقان، ومعنى سلبيّاً، قد نفاه الفريقان بحماس، فكان المتوقّع عدم وجود النقاش والجدال في تلك المسألة كسائر المسائل التي اتّفق الفريقان عليها، ولكن يا للأسف كان  في حياة المسلمين عوامل خاصّة تزرع بذور الخلاف بين الفريقين، وبالتالي لا تحصد الأُمّة منها إلاّ التناحر والدماء، ومن هذه المسائل، مسألة البداء، فنذكر كلمات بعضهم لترى أنّهم يتّبعون  ظاهر حرفية «بدا للّه» ثمّ يشنّعون  على الشيعة ويرمونهم بالأباطيل التي لا أساس لها بزعم انّ مرادهم منه هذا المعنى، منهم:
1. البلخي(المتوفّى 317هـ)
إنّ الشيخ البلخي فسّر البداء من قبل نفسه وافترى على الشيعة ثمّ ردّ عليه، وقد حكى كلامه شيخنا الأكبر شيخ الطائفة الطوسي في تبيانه إذ قال: قال قوم ـ ليس ممّن يعتبرون ولكنّهم من الأُمة على حال ـ انّ الأئمّة المنصوص عليهم ـ بزعمهم ـ مفوض إليهم نسخ القرآن وتدبيره، وتجاوز بعضهم حتّى خرج  من الدين بقوله: إنّ النسخ قد يجوز  على وجه البداء، وهو أن يأمر اللّه عز ّوجلّ عندهم بالشيء ولا يبدو له، ثمّ يبدو له فيغيّره، ولا يريد في وقت أمره به أن يغيّره هو ويبدله وينسخه، لأنّه  عندهم لا يعلم الشيء حتّى يكون، إلاّ ما يقدره فيعلمه علم تقدير، وتعجرفوا فزعموا انّ ما نزل بالمدينة ناسخ لما نزل بمكة.( [61])
هذا كلام البلخي الذي هو من أئمّة المعتزلة.
وكلامه يعرب عن أنّه  تبع ظاهر حرفية البداء  ولم يرجع فيه إلى تأليف شيعي أو رواية مرويّة عن أئمّتهم، ولذلك قال الشيخ الطوسي بعد كلامه:
وأظن انّه عنى بهذا أصحابنا الإمامية، لأنّه ليس في الأُمّة من يقول بالنصّ على الأئمّة(عليهم السلام) سواهم. فإن كان عناهم فجميع ما حكاه عنهم باطل وكذب عليهم، لأنّهم لا يجيزون النسخ على أحد من الأئمّة (عليهم السلام) ، ولا أحد منهم يقول بحدوث العلم.( [62])
2. أبو الحسن الأشعري(260ـ 324هـ)
إنّ  الشيخ أبا الحسن الأشعري تربّى في أحضان الاعتزال طيلة أربعة عقود،  ولكنّه عدل عن الاعتزال والتحق عام 305هـ بركب إمام  الحنابلة أحمد بن حنبل في تفكيره وعقيدته وألّف كتاباً باسم «مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين» وقد ذكر فيه عقائد الشيعة وقال: وكلّ الروافض إلاّ شرذمة قليلة يزعمون انّه يريد الشيء ثمّ يبدو له.
وتبعه محقّق الكتاب وفسّر كلامه وقال: أي يظهر له وجه المصلحة بعد خفائه عليه فيتغيّر رأيه.
ثمّ  ذكر الإمام الأشعري بعد صفحتين قوله: افترقت الرافضة هل الباري يجوز أن يبدو له إذا أراد شيئاً أم لا؟ على ثلاث مقالات ثمّ فسرها.( [63])
إنّ الإمام الأشعري كان يعيش في البصرة وبغداد ويتردد بينهما، والبصرة مرفأ الكلام والمقالات، ولو رجع إلى علماء الشيعة فيها وفي بغداد  لكشفوا  له عن حقيقة البداء.
والعجب انّه ينسب البداء بالمعنى الباطل إلى كلّ الشيعة ثمّ يأتي بخلافه بعد صفحتين ويقول:
والفرقة الثانية منهم يزعمون أنّه لا يجوز وقوع النسخ في الأخبار، وأن يخبر اللّه سبحانه انّ شيئاً يكون ثمّ لا يكون، لأنّ ذلك يوجب التكذيب في أحد الخبرين.
إنّ المتوقّع من شيخ الأشاعرة هو نزاهة القلم ورعاية الأدب، فكان اللائق أن لا يعبّر عن الشيعة بالرافضة، فانّه من أوضح مصاديق قوله سبحانه: (وَلاَ تَنابَزوا بالأَلقَابِ) .( [64])
وأسوأ من ذلك ما ارتكبه المعلّق في تعاليقه من لعن الرافضة وتقبيحهم.
غفر اللّه ذنوب الجميع .
إنّ الشيعة ليسوا إلاّ نفس المسلمين في صدر الإسلام، ويمتازون عمّن سواهم بأنّهم بقوا على وصية الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)   في حقّ أئمّة  أهل البيت(عليهم السلام) أحد الثقلين وعدل القرآن الكريم كما جاء على لسان الصادق الأمين (صلى الله عليه وآله وسلم)   في حديث الثقلين الذي رواه أصحاب الصحاح والسنن( [65])، وتبعهم التابعون منهم إلى يومنا هذا، فلا وجه لتفريقهم عن المسلمين بهذه الكلمات اللاذعة.
3. فخر الدين الرازي (المتوفّى 606 هـ)
إنّ الإمام الرازي كأسلافه تبع ظاهر حرفية لفظ «البداء» ونسبه إلى الشيعة ثمّ ناقشه، بل ردّ عليه بعنف،  مع أنّه كان رازي المولد وكان موطنه معقل الشيعة، ومن مقاربي عصره المفسرّ الكبير أبو الفتوح الرازي مؤلف «روض الجنان في تفسير القرآن» في عشرة أجزاء (المتوفّى حوالي سنة 550هـ)، ومن معاصريه الشيخ محمود الحمصي المتكلّم الكبير الذي يذكر اسمه في تفسيره عند تفسير قوله سبحانه: (أَطيعُوا اللّهَ وَ أَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولىِ الأَمْرِ مِنْكُمْ) .( [66])
ومع  ذلك فقد وضع من عنده للبداء تفسيراً خاطئاً جعله أساساً للردّ على الشيعة وأتى في خاتمة المحصل بما يحكى عن سليمان بن جرير الزيدي أنّه قال: إنّ أئمّة الرافضة وضعوا مقالتين لشيعتهم، لا يظفر معهما أحد عليهم، الأوّل: القول بالبداء، فإذا قالوا: إنّه سيكون لهم قوّة وشوكة ثمّ لا يكون الأمر على ما أخبروه قالوا: بدا اللّه تعالى فيه.( [67])
إنّ المترقّب من فخر الدين الرازي أن لا يصدر إلاّ عن دليل، وهذا التفسير الذي وضعه للبداء ممّا اخترعه خصوم الشيعة، ولا يحتجّ به وقد علمت نصوص  علمائهم.
وأعجب من ذلك تعبيره اللاذع بأنّ أئمّة الشيعة وضعوا مقالتين لشيعتهم، فهل يريد بذلك أئمّة أهل البيت(عليهم السلام) من الباقر والصادق والكاظم والرضا(عليهم السلام) الذين  هم أتقى الناس وأعلاهم شأناً، وأبرأ الناس من الكذب والحيلة والخدعة،  وقد أثنى فخر الدين نفسه على أئمّة الشيعة في كتابه عند تفسير سورة الكوثر  حيث قال:
الكوثر أولاده، لأنّ هذه السورة إمّا نزلت ردّاً على من عابه(عليه السلام) بعدم الأولاد، فالمعنى أنّه يعطيه نسلاً يبقون على مرّ الزمان، فانظر كم قتل من أهل البيت ثمّ العالم ممتلئ منهم، ولم يبق من بني أُمّية في الدنيا أحد يعبأ به، ثمّ انظر كم كان فيهم من الأكابر من العلماء كالباقر والصادق والكاظم والرضا(عليهم السلام) والنفس الزكية وأمثالهم.( [68]) وبذلك يصدق المثل السائر: «لا ذاكرة لكذوب»!!
4. أبو زهرة وهفوته في تفسير البداء
ولعلّ خطأ  البلخي والأشعري والرازي في تفسير البداء ليس بخطير، لأنّ ظروفهم كانت تحكم ضد الشيعة وتعكس  عقائدهم حسب ميول الحكام والخلفاء، ولكن بعد ما انكشفت الحقائق وارتفعت الحواجز وسهل الاطّلاع على عقائد الآخرين لا تُغتفر أيّة زلّة في تفسير عقائد الآخرين.
وهذا هو العلاّمة المفضال الشيخ أبو زهرة المصري خريج  الأزهر والباحث الكبير  في القرن الماضي ( المتوفّى 1396هـ) فقد خـدم المكتبة العربية ببيانه وقلمـه وكتبـه، وخـدماته مشكورة، غير أنّ له ردّاً هادئاً بالنسبـة إلى البـداء فـي عقيدة الشيعة  حيث إنّه نقل نظريّتهم عـن تعليقة المحقّق الزنجاني على كتاب «أوائل المقالات في المذاهب المختارات»( [69]) ، وعلّق عليه بما نذكره بنصّه:
إنّ البداء بمعنى أن ينزل بالناس ما لم يحتسبوا ويقدّروا كالغنى بعد الفقر، والمرض بعد العافية، فهذا موضع اتّفاق بين الشيعة والسنّة ولكنّهم يقولون: من البداء الزيادة في الآجال، والأرزاق والنقصان منها بالأعمال، ولا شكّ أنّ الزيادة في الآجال إن أُريد بالزيادة ما قدّره اللّه تعالى في علمه الأزلي، والزيادة عمّا قدّر، فذلك يقتضي تغيير علم اللّه، وإن أُريد بالزيادة عمّا يتوقّعه الناس فذلك ممّا ينطبق عليه قول اللّه تعالى: (وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللّهِ ما لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُون) .( [70])
وعلى ذلك نقول: إن كان البداء في ما يحتسبه الناس و يقدّرونه فيجيء الأمر على خلاف ما توقّعوا فانّ ذلك موضع  إجماع، وإن كان البداء هو التغيير في المقدور فذلك مالم يقله أحد من أهل السنّة، لأنّه تغيير لعلمه وذلك لا يجوز.( [71])
يلاحظ على ما ذكره : من أنّ ما يدّعيه الشيعة الإمامية من زيادة الآجال والأرزاق والنقصان بالأعمال ممّا لا يتفردون به، فقد عرفت أنّ أهل السنّة قالوا به كما يظهر من الروايات التي رواها أئمّة أهل الحديث ومن كلمات المفسّرين، وقد مرّ قول بعضهم من أنّ قوله سبحانه: (يَمْحُوا اللّهُ ما يَشاءُ ويُثْبتُ) عام وليس بخاص هذا أوّلاً.
وثانياً: أنّ الزيادة في الآجال والأرزاق تغيّر التقدير ولكن لا تحدث التغيّر في علم اللّه، ومنشأ الخلط هو جعل تقديره سبحانه نفس علمه تعالى، وتوهّم انّ التغيير في الأوّل  يوجب التغيير في الثاني،  مع أنّ مركز التغيير هو لوح المحو والإثبات وهو لوح مخلوق للّه لا نعلم كنهه، وأمّا علمه سبحانه  فهو قائم بذاته بل عين ذاته، لا يتغيّر ولا يتبّدل وهو سبحانه حينما يقدّر التقدير الأوّل في كتاب المحو والإثبات يعلم عن مصير ذلك التقدير وانّه  هل يثبت ولا يمحى لتمادي العبد على ما كان عليه، أو انّه يتغيّر بحسب حياة العبد وطروء التغير إلى أفعاله.
ولأجل إيضاح الحقّ نأتي بما ألقيناه في سالف الزمان  في ذلك المجال ونقتبس منه ما يلي:
إنّ العبد الفارغ من الدعاء والعمل الصالح التارك لهما، قُدّر له قصر العمر، وقلّة الرزق;  كما أنّ العبد المقبل على الدعاء والعمل الصالح كتب عليه طول العمر وسعة الرزق، وكلا التقديرين تقدير من اللّه سبحانه.
فلو كان الرجل في أبّان شبابه غير متفرّغ للدعاء والعمل الصالح فهو داخل تحت التقدير الأوّل ، فقد قدر في حقّه قصر العمر ونقصان الأرزاق بشرط البقاء على تلك الحالة.
ولكنّه إذا تحول إلى حالة أُخرى في أُخريات حياته وأقبل على الدعاء والعمل الصالح، انقلب التقدير الأوّل إلى خلافه وضده، فيكتب في حقّه الزيادة في الأجل والرزق وغيرهما.
نعم هو سبحانه يعلم من الأزل أنّ أيَّ عبد يختار أيَّ واحد من التقديرين طول حياته، أو انّ أيّ عبد ينتقل من تقدير إلى تقدير آخر، فليس هاهنا تقدير واحد، وقضاء فارد، لا ينفك عنه الإنسان ولا مناص له منه، وإن كان هناك علم واحد أزلي غير متغيّر.
لا تخصيص في القاعدة العقلية
والعجب من أبي زهرة، حيث يتفاعل مع الشيعة في معنى  البداء في موضع دون موضع آخر، فقال: إنّ البداء بمعنى أن ينزل بالناس ما لم يحتسبوا ويقدروا كالغنى بعد الفقر والمرض بعد العافية، فهذا  موضع اتّفاق بين الشيعة والسنة.
فنسأله أيّ فرق بين تغيير الفقر إلى الغنى والمرض إلى العافية وبين الزيادة في الآجال والأرزاق والنقصان منها بالأعمال، حيث جوّز الأوّل دون الثاني، مع أنّ الجميع في تغيير ما قُدِّر سيّان، حيث كان المقدّر هو الفقر والمرض، فتغيّرا إلى ضدهما، ولو كان التغير في المقدَّر مستلزماً للتغيّر في علمه سبحانه فما هو الفرق بين الموردين، ولماذا تمسّك بالقاعدة العقلية في مورد دون مورد؟
وزان التقديرين وزان الأجلين
وهذا مثل قوله سبحانه:(هُوَ الَّذي خَلَقَكُمْ مِنْ طين ثُمَّ قَضى أَجلاً وَأَجَلٌ مُسَمّىً عِنْدَهُ ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُون) .( [72])
والمراد من الأجل الأوّل، هو القابليّة الطبيعيّة لأفراد النوع الإنساني، والعمر الطبيعي لنوع الإنسان.
وأمّا الأجل المسمّى، فهو الأجل القطعي الذي لا يتجاوزه الفرد، وإليه يشير سبحانه بقوله: (فَإِذا جاءَ أَجلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُون) .( [73])
نعم الأجل المسمّى كثيراً ما ينقص عن الأجل المطلق، فلو جعلنا مقدار الأجل المطلق لطبيعة الإنسان مائة وعشرين سنة، فقلّما يتّفق أن يبلغ الإنسان إلى ذلك الحدّ من العمر، فإنّ هناك  موانع وعراقيل تمنعه ـ في العادة ـ من الوصول إليه.
نعم قلّما يزيد هذا الأجل على الأجل المطلق إذا توفّرت لذلك مقتضيات وقابليّات خارجة عن المتعارف تؤثّر في طول العمر وامتداده.
وعلى كلّ، فكما أنّ وجود الأجلين لا يوجب تغييراً في علم اللّه سبحانه، فهكذا  وجود التقديرين.
وتغيير التقدير الأوّل  بالتقدير الثاني مثل تغيير الأجل المطلق بالأجل المسمّى في ناحيتي الزيادة والنقصان، بل لا معنى للأجلين إلاّ التقديرين.
ثمّ إنّ المراد من تغيير المقدّر هو تغيير المكتوب في لوحي المحو والإثبات، فإنّ للّه سبحانه لوحين:
الأوّل: اللوح المحفوظ الذي لا يتطرّق إليه التغيير، وقد أشار إليه سبحانه بقوله: (ما أَصابَ مِنْ مُصيبَة فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلاّ في كتاب مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرأَها إِنَّ ذلِكَ عَلى اللّهِ يَسيرٌ) .( [74])
الثاني: لوح المحو والإثبات،  فيكتب فيه التقدير الأوّل، وهو وإن كان بظاهره مطلقاً وظاهراً في الاستمرار، إلاّ أنّه مشروط بشروط، فإذا تغيّرت الشروط انتهى أمر التقدير الأوّل، وحان وقت التقدير الثاني، وإلى هذا اللوح أشار سبحانه بقوله: (يَمْحُوا اللّهُ ما يَشاءُ ويُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الكِتابِ) .( [75])
ومثل هذا التغيّر في التقدير لا يمسّ كرامة العلم الإلهي الأزلي أبداً.
أحد أعلام السنّة يصحر بالحقيقة
انّ  الشيخ عبد العزيز البلوشي من أعضاء مجلس الخبراء لكتابة الدستور للجمهورية الإسلامية الإيرانية، اجتمع بي وسألني عن حقيقة البداء، وقد شرحت له مغزى المسألة ، واستمع لما نقوله بهدوء وتفهم، فقال: لو كان البداء بهذا المعنى فهو ممّا يعتقده أهل السنّة أجمع غير أنّكم لا تريدون من البداء هذا، وإنّما تريدون معنى آخر يلازم جهله سبحانه وظهور الحقيقة بعد الخفاء.
ثمّ قال: لو أتيت بكتاب من قدماء الشيعة يتبنّى هذه العقيدة كما شرحتها لصدّقت كلامك وآمنت بالبداء،  فنزلت عند رغبته، وآتيت له كتاب«أوائل المقالات» و «شرح عقائد الصدوق» للعلاّمة الشيخ المفيد، فأخذ الكتاب وطالعه بدقّة وقلّبه ظهراً لبطن، وجاء بعد أيّام قائلاً: لو كان البداء بنفس المعنى الذي فسّره معلم الشيعة الشيخ المفيد، فأهل السنّة قاطبة معه في هذه العقيدة من لدن ضرب الإسلام بجرانه في الأرض.
5
الأثر التربوي للإيمان بالبداء
إذا كان البداء هو تمكّن العبد من تغيير المصير بنواياه الصادقة وأعماله الطاهرة، فهو يبعث الرجاء في نفس العبد ويكون نظيرَ تشريع قبول التوبة والشفاعة وتكفير الصغائر بالاجتناب عن الكبائر، فتشريع الكلّ لأجل بعث الرجاء وإيقاد نوره في قلوب المكلّفين حتّى لا ييأسوا من روح اللّه، ولا يتنكّبُوا عن الصراط المستقيم، بتصوّر انّهم بأعمالهم السابقة صاروا من الأشقياء وكتبت عليهم النار تقديراً حتمياً لا تبديل فيه.
فلو علم الإنسان أنّه سبحانه لم يجفّ قلمُه في لوح المحو والإثبات، وله أن يمحو ما يشاء ويثبت ما يشاء، يُسعِد من يشاء ويُشقي من يشاء، لسعى في إسعاده وإخراجه من ديوان الأشقياء، وتسجيله في قائمة السعداء، إذ ليست مشيئته جزافية غير تابعة لضابطة خاصّة، بل إذا تاب وعمل بالفرائض وتمسّك بالعروة الوثقى يخرج من سلك الأشقياء ويدخل في صنف السعداء وبالعكس،وهكذا كلّ ما قدر في حقّه من الأجل والمرض والفقر والشقاء، يمكن تغييره بالدعاء والصدقة وصلة الرحم وإكرام الوالدين وغير ذلك، فالكلّ لأجل بثّ الأمل في قلب الإنسان، وعلى هذا فالاعتقاد بذلك من ضروريات الكتاب وصريح آياته وأخبار الأئمّة الهداة.
وبهذا يظهر أنّ البداء من المعارف العليا التي اتّفقت عليه كلمة المسلمين وإن غفل عن معناه الجمهور (ولو عرفوه لأذعنوا له).
وأمّا اليهود ـ خذلهم اللّه ـ فقالوا باستحالة تعلّق المشيئة بغير ما جرى عليه القلم، ولأجل ذلك قالوا: يد اللّه مغلولة عن القبض والبسط، والأخذ والإعطاء. وبعبارة أُخرى: أنّ للإنسان  عندهم مصيراً واحداً لا يمكن تغييره ولا تبديله، وأنّه ينال ما قُدِّر له من الخير والشر بلا استثناء.
ولو صحّ ذلك لبطل الدعاء والتضرّع، ولبطل القول بأنّ للأعمال الصالحة وغير الصالحة  ممّا عددناه تأثيراً كبيراً في تغيير مصير الإنسان.
وعلى ضوء هذا البيان نتمكّن من فهم ما جاء في فضيلة البداء وأهميته في الروايات عن أئمّة أهل البيت(عليهم السلام) ، مثل ما روى زرارة عن أحدهما (الباقر أو الصادقعليمها السَّلام): «ما عُبدِ اللّه عز ّوجلّ بشيء مثل البداء».( [76])
ولقد أدرك قوم يونس إمكان تغيير التقدير بالتوبة والعمل الصالح، فلمّـا نزل بهم العذاب مشوا إلى رجل من علمائهم، فقالوا: علّمنا دعاءً ندعُو به لعلّ اللّهَ  يكشفُ عنّا العذابَ، فقال: قولوا: يا حيّ، حينَ لا حيَّ، يا حيّ محيي الموتى، يا حي لا إله إلاّ أنت، قال: فكشف عنهم العذاب.( [77])
ويظهر ممّا رواه السيوطي أنّهم وقفوا بين يدي اللّه سبحانه بحالة تستنزل الرحمة وتدفع النقمة، قال: أخرج أبو الشيخ عن ابن عباس (رضي الله عنه) قال: لما دعا يونس على قومه أوحى اللّه إليه انّ العذاب مُصْبحهم. فقالوا: ما كذب يونس وليُصبحنا العذاب، فتعالوا حتّى نُخرج سخالَ كلّ شيء فنجعلها مع أولادنا فلعلّ اللّه أن يرحمهم. فأخرجوا النساء معهن الولدان، وأخرجوا الإبل معها فَصلانها، وأخرجوا البقر معها عجاجيلها، وأخرجوا الغنم معها سخالها فجعلوه أمامهم، وأقبل العذاب فلما أن رأوه جأروا إلى اللّه ودعوا، وبكت النساء والولدان، ورغت الإبل وفصلانها، وخارت البقر وعجاجيلها، وثغت الغنم وسخالها، فرحمهم اللّه، فصرف عنهم العذاب.( [78])
6
الحوادث التي بدا للّه تبارك وتعالى فيها
تفسير البداء بتغيير المصير بالأعمال الصالحة والطالحة تفسير له في مقام الثبوت. وهناك مصطلح آخر للبداء نعبّر عنه بالبداء في مقام الإثبات وهو انّه ربّما يلهم النبي أو يوحى إليه وقوع شيء ولكنّه لا يقع، وهذا ما يعبّر عنه بأنّه بدا للّه في تلك الحادثة.
أمّا استعمال كلمة «بدا للّه» فسيوافيك انّه مجاز. وقد تبع المسلمون في هذا النوع من الاستعمال سنّةَ النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)   في أبرص وأقرع وأعمى كما مرّ.( [79])
إنّما الكلام في كيفية الإلهام أو الوحي إلى النبي وأخباره للناس وعدم وقوعه، فبيانه:
انّه  ربما تقتضي المصلحةُ اطّلاعَ النبي على المقتضي للشيء دون العلّة التامة لوقوعه، فيخبر استناداً إلى المقتضي مع عدم الوقوف على العلّة التامة التي من أجزائها عدم المانع من تأثير المقتضي.
فإخباره يستند إلى وجود المقتضي للشيء، وأمّا عدم وقوعه فلاستناده إلى وجود المانع من تأثير المقتضي، وها نحن نذكر شيئاً من هذه الإخبارات الواردة في الكتاب والسنّة والتي بدا للّه فيها :
1. حادثة رفع العذاب عن  قوم يونس
أخبر يونسُ قومَه بنزول العذاب ثمّ ترك القوم وكان في وعده صادقاً معتمداً على مقتضي العذاب الذي اطّلع عليه، لكن نزول العذاب كان مشروطاً بعدم المانع،  أعني: التوبة والتضرّع،  إذ مع المانع لا تجتمع العلة التامة للعذاب، قال سبحانه: (فَلَولا كانت قَريةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَها إِيمانُها إِلاّ قَوم يُونُسَ لمّا آمنُوا كَشَفْنا عَنْهُمْ عَذابَ الخِزْيِ فِي الحَياةِ الدُّنيا ومَتَّعناهُمْ إلى حِين) .( [80])
أخرج عبد الرزاق عن طاووس في قوله: (وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرسَلينَ * إِذْ أَبَقَ إِلى الفُلْكِ الْمَشْحُون) ( [81]) قال: قيل ليونس(عليه السلام) : إنّ قومك يأتيهم العذاب يوم كذا وكذا... فلمّا كان يومئذ، خرج يونس(عليه السلام) ففقده قومه، فخرجوا بالصغير والكبير والدواب وكلّ شيء، ثمّ عزلوا الوالدة عن ولدها، والشاة عن ولدها، والناقة والبقرة عن ولدها، فسمعت لهم عجيجاً فأتاهم العذاب حتّى  نظروا إليه ثمّ صرف عنهم فلما لم يصبهم العذاب، ذهب يونس(عليه السلام) مغاضباً فركب في البحر في سفينة مع أناس... الخ.( [82])
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن ابن عباس قال: لمّا بعث اللّه يونس(عليه السلام)   إلى أهل قريته، فردوا عليه ما جاءهم به، فامتنعوا  منه، فلمّا فعلوا  ذلك أوحى اللّه إليه إنّي مرسل عليهم العذاب في يوم كذا وكذا، فأخرج من بين أظهرهم، فأعلم قومه الذي وعد  اللّه من عذابه إيّاهم، فقالوا: ارمقوه فإن  هو خرج من بين أظهركم فهو واللّه كائن ما وعدكم، فلمّا كانت الليلة التي وُعِدُوا العذاب في صبيحتها، أدلج فرآه القوم، فحذروا فخرجوا من القرية إلى براز من أرضهم وفرقوا بين كلّ دابة وولدها، ثمّ عجّوا إلى اللّه وأنابوا  واستقالوا فأقالهم، وانتظر يونس عليه خبر القرية وأهلها، حتّى مرّ مارّ فقال: ما فعل أهل القرية؟ قال:فعلوا أنّ نبيهم لمّا خرج من بين أظهرهم عرفوا أنّه قد صدقهم ما وعدهم من العذاب، فخرجوا من قريتهم إلى براز من الأرض، ثمّ فرقوا بين كلّ ذات ولد وولدها، ثمّ عجُّوا إلى اللّه، وتابوا إليه فقُبِل منهم وأخّر عنهم العذاب.( [83])
2. حادثة الإعراض عن ذبح إسماعيل
قد تضافر في الآثار انّ رؤية الأنبياء رؤيا صادقة وربّما يكون وحياً.( [84]) وقد رأى إبراهيم في منامه انّه يذبح إسماعيل، وأعلم ابنه بذلك، ليكون أهون عليه، وليختبر صبره وجلده وعزمه على طاعة اللّه وطاعة أبيه، يقول سبحانه: (فَبَشَّرناهُ بِغُلام حَليم * فَلَمّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعيَ قالَ يا بُنَيَّ إِنّي أَرى فِي المَنامِ أَنّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ ماذا تَرى قالَ يا أَبَتِ افْعَلْ ما تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللّهُ مِنْ الصّابِرين) .( [85])
فقوله: (أَنّي أَذْبَحُك) يحكي عن حقيقة ثابتة وواقعية مسلّمة، وهو أمر اللّه لإبراهيم بذبح ولده أوّلاً، وتحقّق ذلك في عالم الوجود ثانياً، وكأنّ قوله سبحانه: (إِنّي أَرى فِي المَنامِ أَنّي أَذْبَحُك) يكشف عن أمرين:
1. الأمر بذبح الولد وهو أمر تشريعي.
2. الكناية عن تحقّق ذلك في الواقع الخارجي.
فقد أخبر إبراهيم(عليه السلام) بذلك، بطريق من طرق الوحي، وأخبر هو ولده بذلك، ومع ذلك كلّه لم يتحقّق ونُسخ نسخاً تشريعياً، كما لم يتحقّق ذبح إبراهيم إسماعيل في الخارج فكان نسخاً تكوينياً. ويحكي عن كلا الأمرين قوله سبحانه: (وَفَدَيْناهُ بِذبح عَظيم) .( [86])
وسيوافيك انّ اخبار الأنبياء عن حوادث مستقبلية مع عدم وقوعها لا يستلزم كذبهم ولا يمسّ كرامتهم بشيء، وذلك لدلالة القرائن على وجود المقتضي للحوادث وإنّما لم يقع لأجل موانع حالت بين المقتضي وتأثيره.
ثمّ إنّه سبحانه يحكي لنا عزمَ إبراهيم لذبح ولده، وانّ الوالد والولد سلّما ما أُمرا به، ووضع إبراهيم وجهه للأرض (وتلّه للجبين) فلمّا أخذ الشفرة وأراد أن يذبحه، نودي مِن خلفه  أن يا إبراهيمُ قد صدّقتَ الرؤيا وخرجتَ من الاختبار مرفوع الرأس، قال سبحانه:
(فَلَمّا أَسلَما وَتلَّهُ لِلْجَبِين * وَنادَيْناهُ أَنْ يا ابراهيمُ * قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤيا إِنّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * إِنَّ هذا لَهُوَ الْبَلاءُ الْمُِبينُ * وَفَدَيْناهُ بِذِبح عَظيم * وَتَرَكْنا عَليهِ فِي الآخِرينَ * سَلامٌ عَلى إِبْراهيمَ * كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنينَ * إِنَّهُ مِنْ عِبادنَا الْمُؤْمِنينَ) .( [87])
3. حادثة إكمال ميقات موسى (عليه السلام)
ذكر  المفسّرون انّه سبحانه واعد موسى ثلاثين ليلة، فصامها موسى(عليه السلام) وطواها، فلمّا تمّ الميقات استاك بلحاء شجرة فأمره اللّه تعالى أن يُكْمل بعشر، يقول سبحانه: (وَواعَدْنا مُوسى ثَلاثينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْناها بِعَشْر فَتَمَّ مِيقاتُ رَبّهِ أَرْبَعينَ لَيْلَةً وَقالَ مُوسى لأخيهِ هارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصلِحْ وَلا تَتَّبِعْ سَبِيلَ المُفسِدين) .( [88])
إنّه سبحانه لمّا واعد موسى ثلاثين ليلة، كلّم بما وعده اللّه سبحانه قومه الذين صحبوه إلى الميقات، فلمّا طوى موسى(عليه السلام) ثلاثين ليلة أمر بإكمال بأربعين ليلة.
أخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في تفسير الآية: انّ موسى قال لقومه: انّ ربّي وعدني ثلاثين ليلة أن ألقاه وأخلف هارون فيكم، فلمّا فصل موسى إلى ربّه زاده اللّه عشراً، فكانت فتنتهم في العشر التي زاده اللّه.( [89])
فكان هناك إخباران:
الأوّل بأنّه يمكث في الميقات ثلاثين ليلة، ثمّ نسخه خبر آخر بأنّه يمكث أربعين ليلة، وكان موسى صادقاً في كلا الأخبارين، حيث كان الخبر الأوّل مستنداً إلى جهات يقتضي إقامة ثلاثين ليلة،  لولا طروء ملاك آخر يقتضي أن يكون الوقوف أزيد من ثلاثين.
هذه جملة الحوادث التي تنبّأ أنبياء اللّه بوقوعها في الذكر الحكيم إلاّ أنّها لم تقع، وهذا ما يعبّر عنه بأنّه بدا للّه فيها.
وسيوافيك  وجه استعمال لفظة «بدا» في المقام  وكيفية نسبته إلى اللّه.
حوادث بدا للّه تعالى فيها في الأحاديث
المتتبع في الآثار والروايات يجد نظائر هذه الحوادث فيها، ونذكر نزراً قليلاً منها:
1. مر يهوديّ بالنبي(صلى الله عليه وآله وسلم)   فقال: السام عليك، فقال النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) له: «وعليك»، فقال أصحابه: انما سلّم عليك بالموت، فقال: الموت عليك؟ فقال النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) : «وكذلك رددت»، ثمّ قال النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) لأصحابه:«إنّ هذا اليهودي يعضّه أسود في قفاه فيقتله». قال: فذهب اليهودي فاحتطب حطباً كثيراً فاحتمله، ثمّ لم يلبث أن انصرف.
فقال له رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم)   «ضعه»، فوضع الحطب فإذا أسود في جوف الحطب عاض على عود، فقال(صلى الله عليه وآله وسلم) : «يا يهوديّ ما عملت اليوم؟» قال: ما عملت عملاً إلاّ حطبي هذا حملته فجئت به، وكان معي كعكتان فأكلت واحدة وتصدّقت بواحدة على مسكين، فقال رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) : «بها دفع اللّه عنه»، وقال : «إنّ الصدقة تدفع ميتة السوء عن الإنسان».( [90])
2. انّ المسيح مرّ بقوم مجلبين، فقال: ما لهؤلاء؟ قيل: يا روح اللّه فلانة بنت فلانة تُهدى إلى فلان في ليلته هذه، فقال: يُجلَبُون اليوم ويَبكوُن غداً، فقال قائل منهم: ولم يا رسول اللّه؟ قال: لأنّ صاحبتهم ميتة في ليلتها هذه، فلما أصبحوا وجدوها على حالها، ليس بها شيء، فقالوا : يا روح اللّه إنّ التي اخبرتَنا أمس انّها ميتة لم تمت، فدخل المسيح دارها فقال: ما صنعت ليلتك هذه؟ قالت: لم أصنع شيئاً إلاّ وكنت أصنعه فيما مضى، انّه كان يعترينا سائل في كلّ ليلة جمعة فننيله ما يقوته إلى مثلها. فقال المسيح: تنحّ عن مجلسك فإذا تحت ثيابها أفعى مثل جذعة، عاضّ على ذنبه، فقال(عليه السلام) : بما صنعت، صرف عنك هذا.( [91])
أقول: إنّ الأخبارات الصادرة من الأنبياء لأجل اتّصالهم باللوح الثاني الذي في معرض التغيّر والتبدّل كثيرة مبثوثة في الكتب، فيخبرون لمصالح حسب ما يقتضي المقتضي مع احتمال تغيّرها حسب توفّر الشروط وعدمها أو الموانع وعدمها. وفي هذا المجال يقول العلاّمة المجلسي في عالم الإثبات:
اعلم أنّ  الآيات والأخبار تدلّ على أنّ اللّه خلق لوحين أثبت فيها ما يحدث في الكائنات:
أحدهما: اللوح المحفوظ الذي لا تغيّر فيه أصلاً و هو مطابق لعلمه تعالى.
والآخر: لوح المحو والإثبات، فيثبت فيه شيئاً ثمّ يمحوه، لحكم كثيرة لا تخفى على أُولي الألباب.
7
شبهات وحلول
تثار حول البداء شبهات عديدة تطلب لنفسها الإجابة، ونحن بدورنا نذكر المهم منها:
الأُولى: استحالة إطلاق البداء على اللّه سبحانه
إنّ البداء في اللغة هو الظهور بعد الخفاء، وهو يلازم العلم بعد الجهل، واللّه سبحانه عالم بكلّ شيء قبل الخلقة ومعها وبعدها فكيف يقال بدا للّه في هذه الحادثة؟
والجواب: انّ هذه الشبهة صارت ذريعة لإنكار البداء حتّى بالمعنى الصحيح، غير انّا نُلفت نظر القارئ الكريم إلى أنّ النزاع ليس  في إطلاق لفظ «البداء» على اللّه، وإنّما النزاع في المسمّى، فسواء أصحت تسميته بالبداء أم لم تصحّ، فالبداء عبارة عن تغيير المصير بالعمل الصالح والطالح، فلو كان إطلاق البداء عليه غير صحيح  عند شخص فليسمّه  بلفظ آخر، على أنّ إطلاقه على اللّه صحيح لإحدى الجهات التالية أو جميعها:
1. انّ الشيعة الإمامية اقتفوا أثر النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)   في إطلاق البداء على اللّه سبحانه حيث جاء في حديث الأقرع والأبرص والأعمى قوله(صلى الله عليه وآله وسلم) : (بدا  للّه عزّ وجلّ أن يبتليهم)( [92]) وقد قال سبحانه: (لَقَد كانَ لَكُمْ في رَسُولِ اللّهِ أُسْوَةٌ حَسَنةٌ لِمَنْ كانَ يَرْجُوا اللّهَ وَاليَومَ الآخِر وذَكَرَ اللّهَ كَثِيراً) .( [93])
2. انّ وصفه سبحانه بهذا الوصف من باب المشاكلة، وهو باب واسع في كلام العرب، فانّه سبحانه في مجالات خاصة يعبّر عن فعل نفسه  بما يعبّر به الناس عن فعل أنفسهم، وما ذلك إلاّ لأجل المشاكلة الظاهرية، وقد صرّح بها القرآن الكريم في مواضع عديدة،  نذكر منها:
يقول سبحانه: (إِنَّ الْمُنافِقينَ يُخادِعُونَ اللّهَ وَهُوَ خادِعُهُم) .( [94])
ويقول تعالى: (وَمَكَرَوُا وَمَكَرَ اللّهُ وَاللّهُ خَيْرُ الماكِرين) .( [95])
وقال عزّ من قائل: (وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللّه وَاللّهُ خَيْرُ الماكِرين) .( [96])
وقال  عزّ اسمه :(وَقِيلَ الْيَومَ نَنْساكُمْ كَما نَسِيتُمْ لِقاءَ يَومِكُمْ هذا) .( [97])
وقال عزّ وجلّ: (فَاليَوم نَنساهُمْ كَما نَسُوا لِقاءَ يَومِهِمْ هذا) .( [98])
إذ لا شكّ انّه سبحانه لا يخدع ولا يمكر ولا ينسى،  لأنّها  من صفات الإنسان الضعيف، ولكنّه سبحانه وصف أفعاله بما وصف به أفعال الإنسان من باب المشاكلة، والجميع كناية عن  إبطال خدعتهم ومكرهم وحرمانهم من مغفرة اللّه سبحانه وبالتالي عن جنّته ونعيمها.
وعلى ضوء ذلك فلا غرو في أن نعبّر عن فعله بما نعبّر عن أفعالنا، إذا كان التعبير مقروناً  بالقرينة الدالّة على المراد،  فإذا ظهر الشيء بعد الخفاء، فبما انّه بداء بالنسبة إلينا نوصف فعله  سبحانه به أيضاً وفقاً للمشاكلة، وإلاّ فهو ـ في الحقيقة ـ بداء من اللّه للناس، ولكنّه يتوسّع كما يتوسّع  في غيره من الألفاظ، ويقال بدا للّه تمشّياً مع ما في حسبان الناس وأذهانهم وقياس أمره سبحانه بأمرهم، ولا غرو في ذلك إذا كانت هناك قرينة على المجاز والمشاكلة.
3. انّ اللام هنا بمعنى «من» فقوله: «بدا للّه» أي بدا من اللّه للناس، يقول العرب: قد بدا لفلان عمل صحيح أو بدا له كلام فصيح، كما يقولون  بدا من فلان كذا، فيجعلون اللام مقام «من»، فقولهم: بدا للّه أي بدا من اللّه سبحانه.( [99])
فعلى ضوء هذه الجهات   يصحّ إطلاق البداء على اللّه سبحانه ووصفه به، حتّى لو قلنا بتوقيفية الأسماء والصفات وما ينسب إليه تعالى من الأفعال، لوروده في الحديث النبوي الآنف الذكر.
الثانية: استلزام البداء في مقام الإثبات الكذب
قد عرفت أنّ للبداء مجالين: مقام الثبوت ومقام الإثبات، والمراد من الثاني كما تقدّم هو إخبار النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)   عن حادثة وعدم وقوعها لانتفاء شرطها، فحينئذ تطرح الشبهة التالية بأنّه إذا أخبر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)   ولم يتحقّق ما أخبر به  يلزم حينها  كذبه وزوال الاعتماد على قوله.
والجواب: إنّ مصدر خبر النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)   إمّا الوحي كما هو الحال في الإخبار عن أمره سبحانه بذبح إسماعيل أو نزول العذاب على قوم  يونس، أو اتّصال النبي بلوح المحو والإثبات، أو الألواح التي يكتب فيها الحوادث الثابتة والمتغيّرة، فربّما يكتب فيها الموت بالنظر إلى مقتضياته فيتّصل به النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) فيطلع على موته مع أنّه كان مشروطاً بشرط لم يتحقّق.
غير أنّ هذا النوع من الإخبار لا يستلزم كذب النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) ، وذلك لدلالة القرائن على صدق النبي، وهو وجود المقتضي للحادثة وانّها  لم تقع لأجل فقدان الشرط، مثلاً:
إنّه سبحانه ـ بعد ما نسخ ذبح إسماعيل  ـ أمر إبراهيم بالفداء عنه بذبح عظيم وقال: (وَفَدَيْناهُ بِذبح عَظيم) ( [100]) ، ففي هذه الفدية دليل على صدق ما أخبر به النبي من الرؤيا، وقد كانت هناك مصلحة للأمر بالذبح، غير أنّه نسخ لمصلحة فيه.
ونظير هذا قصة يونس حيث أخبر عن العذاب وقد تقدّم أنّ القوم رأوا  طلائعه، فقال لهم عالمهم: افزعوا  إلى  اللّه فلعلّ اللّه يرحمكم، ويرد العذاب عنكم، فاخرجوا إلى المفازة، وفرّقوا بين النساء والأولاد وبين سائر الحيوان وأولادها ثمّ إبكوا وادعوا، ففعلوا فصرف عنهم العذاب.( [101]) وقد مضى في قصة المسيح انّه أخبر بهلاك العروس ولم يقع، لكنّه برهن على صحّة إخباره بقوله لها: «تنحّي عن مجلسك» فإذا تحت ثيابها أفعى مثل جذعة عاض على ذنبه، فقال(عليه السلام) : «بما صنعت  صرف عنك هذا».( [102])
كما أنّ  في إخبار النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)   بهلاك اليهودي كان مقروناً بمشاهدة الأسود في جوف الحطب عاض على عود.
وبالجملة: إنّ تنبّؤات الأنبياء والأولياء بوقوع حوادث مستقبلية تتحقّق غالباً، وعند ما تتخلّف يكون الإخبار مقروناً بأمارات دالّة على صدقه كما تقدّم.
الثالثة: استلزام البداء للتشكيك في مطلق ما أخبر
إذا كان إخبار النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) خاضعاً للبداء فلا يبقى أيُّ اعتماد بتنبّؤات الأنبياء والأولياء، فإذا أخبر المسيح بمجيء نبي بعده اسمه أحمد، أو أخبر النبي عن كونه خاتم الأنبياء، أو عن ظهور المهدي في آخر الزمان، وكان الجميع خاضعاً للبداء والتغيير فلا يبقى وثوق بما أخبر.
والجواب: انّ البداء إنّما يتعلّق بموارد جزئية وحوادث خاصّة، كما عرفت من ذبح إسماعيل ونزول البلاء على قوم يونس وموت العروس واليهودي بالأسود، فهذا القسم من التنبؤات تقتضي المصلحة وقوع البداء فيها، وهي أُمور نادرة بالنسبة  إلى ما جاء به الأنبياء من السنن والقضايا والسياسات، فلا يورث البداء في مورد أو موارد لا تتعدى عن عدد الأصابع، شكاً وترديداً فيما أخبر به الأنبياء أو جاءوا به من الأحكام،  وإن شئت التفصيل فنذكر بعض ما لا يتطرّق إليه البداء فنقول:
1. السنن الكونية لاتخضع للبداء
إنّ للّه سبحانه تبارك وتعالى سنناً كونية غير محددة بزمان ومكان، وهي ثابتة لا تخضع للبداء، لأنّها سنة، والسنّة بطبعها تقتضي الشمول والعموم وتأبى  التخصيص والتبعيض، قال اللّه سبحـانه:(وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللّهِ تَبديلاً) ( [103]) وإليك نزراً من هذه السنن.
1. يقول سبحانه حاكياً عن شيخ الأنبياء نوح (فَقُلتُ استَغْفِروا ربّكم إِنَّه كانَ غفّاراً * يُرسِلِ السَّماء عَلَيْكُمْ مِدراراً * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَموال وَبَنينَ وَيَجْعَل لَكُمْ جَنّات وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهاراً) .( [104])
فهل يتصوّر طروء البداء إلى هذه السنن الكونية التي لا تقصر عن السنن الطبيعية؟ كلا و لا.
2. يقول سبحانه: (وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُم لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأزيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذابي لَشديد) .( [105])
فالآية تتكفّل ببيان سنّتين إلهيّتين: ايجابية وسلبية.
فلا يتطرق إليهما البداء ولا النسخ.
3. يقول سبحانه: (وَمَنْ يَتَّقِ اللّهَ يَجْعَل لَهُ مَخْرَجاً * وَيَرزُقهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِب) .( [106])
4. ويقول عزّ وجلّ:(وَلَقَدْ كَتَبْنا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكرِ أنَّ الأَرْضَ يَرِثُها عِبادِي الصّالِحُون) .( [107])
فهذه السنن قد أخذ اللّه على ذمته أن تكون ثابتة في عامّة الأجيال والأزمان لا تخضع للتغيّر لمنافاته للسنّة الإلهية.
2. التنبّؤ بالنبوّة والإمامة لا يخضع للبداء
قد  تقتضي المصلحة تنبّؤ  النبي بنبيّ لاحق بعده كما تنبّأ عيسى(عليه السلام) بظهور  نبيّ بعده اسمه أحمد، يقول سبحانه حاكياً عن المسيح: (وَإِذْ قالَ عِيسى ابنُ مَريمَ يا بَنِي إِسرائيلَ إنّي رَسُولُ اللّهِ إِليكُمْ مُصَدِّقاً لِما بَيْن يَدَيَّ مِنَ التَّوراةِ وَمُبَشِّراً بِرَسُول يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسمُهُ أَحْمَد فَلَمّا جاءَهُمْ بِالبَيِّنات قالُوا هذا سِحْرٌ مُبين) .( [108])
فهذا النوع من التنبّؤ لا يخضع للبداء، لأنّه على طرف النقيض من مصالح النبوّة، إذ معنى ذلك إيجاد الفوضى عند ظهور النبيّ اللاحق. وقس على هذين المورد، ما ورد عنه(صلى الله عليه وآله وسلم) حول المهدي وظهوره وبسطه العدل والقسط. وبذلك يعلم أنّ ما يخضع للبداء في مقام الإثبات أُمور نادرة تتعلّق بأُمور خارجة عن النظام التشريعي والعقائدي ونسبتها إلى غيرها كنسبة الواحد إلى  الأُلوف، فلا يُورِث البداء في مثل تلك الأُمور  أيّ شك وترديد في تنبّؤات الأنبياء.
أضف إلى ذلك انّه يشترط في صحّة البداء وقوعه في حياة المخبر، كما هو الحال في قصة الخليل ويونس والمسيح والنبي(صلى الله عليه وآله وسلم) ، وعلى ذلك فما أخبر به النبي والوصي يحدد احتمال ظهور الخلاف بحياتهم، فإذا انقضت آجالهم فلا يبقى أيّ موضوع للبداء.
فنخرج بالحصيلة التالية: انّ كلّ ما ورد في القرآن والسنّة والآثار بعد رحيل النبيّ من الأخبار أُمور محتومة لا يتطرّق إليها البداء.
الرابعة: البداء ومسألة جفّ القلم
إذا كان  البداء بمعنى تغيير المصير بالأعمال الصالحة والطالحة فهو لا يجتمع مع ما روي عن النبي من أنّه قال لأبي هريرة: «جفّ القلم بما أنت لاق» ( [109])، فانّ الحديث يعرب عن تماميّة الأُمور والفراغ عن الأمر دون أي تجديد في المصير بالعمل وغيره.
أقول: إذا كان الميزان  في  صحّة العقيدة هو تطابقها مع كتاب اللّه العزيز والسنّة النبويّة المتضافرة أو المتواترة فيجب أن نعتمد عليهما  لا على أخبار الآحاد وإنْ رواها الإمام البخاري في صحيحه، وقد عرفت دلالة الكتاب العزيز على انّه سبحانه (كُلَّ يَوم هُوَ في شَأْن) .( [110]) وقال سبحانه: (يَمْحُوا اللّهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الكِتاب) . ( [111])
إلى غير ذلك من الآيات الصحيحة في تمكّن الإنسان من تغيير ما قدّر.
وأمّا ما رواه أبو هريرة فلو أخذنا  بحديثه فيُحمل على ما قدر في أُمّ الكتاب وفي علمه الذاتي سبحانه لا ما قُدِّر في لوح المحو والإثبات وفي مقام علمه الفعلي. ويؤيّد ما ذكرنا ما رواه البخاري في باب أسماه «العمل بالخواتيم» ، وقد ورد  في أحاديث الباب قوله(صلى الله عليه وآله وسلم) :وإنّما الأعمال بالخواتيم.( [112])
فإذا كانت العبرة بخواتيم الأعمال، فمعنى ذلك انّ المصير يتغيّر، ولو كان ما قدر ثابتاً كانت العبرة بالأوائل لا بالخواتيم.
إنّ القول بجفاف القلم وانّ  اللّه سبحانه فرغ من الأمر عقيدة  مستوردة، انتحلتها اليهود كما أشار إليها  سبحانه في القرآن الكريم بقوله: (قالَتِ اليَهُود يَدُ اللّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِما قَالُوا بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ يُنْفِقُ  كَيْفَ يَشاء)( [113]) ،والآية وإن وردت في مورد الإنفاق،ولكن العبرة بعموم اللفظ((يد اللّه مغلولة) ) دون خصوص المورد، كما هو الحال في عامّة الآيات  الواردة في سبب خاص.
يقول العلاّمة محمد هادي معرفة: إنّ ذكر الإنفاق كيف يشاء في ذيل الآية جاء بياناً لأحد مصاديق بسط يده تعالى وشمول قدرته، وليس ناظراً إلى الانحصار فيه، ولعلّ ذكر ذلك كان بسبب ما واجه المسلمين في إبّان أمرهم من الضيق وعدم التوفّر في تهيئة التجهيز الكافي والحصول على الإمكانات اللازمة، فأخذت اليهود في الطعن عليهم بأنّ ذلك هو المقدّر لهم، وليس بوسعه تعالى أن يفسح لهم المجال أو يوسع عليهم في المعاش.( [114])
وفي رواية أئمّة أهل البيت(عليهم السلام)   تصريح  بأنّ الفراغ من الأمر عقيدة اليهود، قال الإمام علي بن موسى الرضا(عليه السلام) لسليمان بن حفص المروزي، متكلّم خراسان وقد استعظم مسألة البداء في التكوين: «أحسبك ضاهيت  اليهود في هذا الباب» قال: أعوذ باللّه من ذلك، وما قالت اليهود؟ قال: «قالت اليهود: (يَد اللّه مَغْلُولة) يعنون انّ اللّه قد فرغ من الأمر فليس يحدث شيئاً».( [115])
وروى الصدوق باسناده إلى إسحاق بن عمّار، عمّن سمعه ،عن الصادق(عليه السلام) انّه قال في الآية الشريفة: لم يعنوا انّه هكذا(أي مكتوف اليد) لكنّهم قالوا: قد فرغ من الأمر فلا يزيد ولا ينقص. فقال اللّه جلّ جلاله  تكذيباً لقولهم: (غُلَّت أَيديهِمْ وَلعنُوا بِما قالُوا بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشاء) ألم تسمع اللّه عزّ وجلّ يقول: (يَمْحُوا اللّهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الكِتاب) .( [116])
وممّن صرّح بما ذكرنا الراغب الاصفهاني في مفرداته، قال: قيل: إنّهم لمّا سمعوا انّ اللّه قد قضى كلّ شيء قالوا: إذاً يد اللّه  مغلولة، أي في حكم المقيد لكونها فارغة.( [117])
إنّ يهود عصر الرسالة استنكروا  تحويل القبلة من القدس إلى الكعبة، وما  هذا إلاّ لاعتقادهم بالفراغ عن التكوين والتشريع.
وبهذا فسّره الجبائي قوله سبحانه: (وَللّهِ الْمَشْرِقُ وَالمَغْرِبُ فَأَيْنما تُولُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللّهِ إِنَّ اللّهَ واسِعٌ عَليم) .( [118]) وبهذا الشأن نزل قوله سبحانه: (ما نَنْسَخْ مِنْ آية أَوْ نُنْسِها نَأْتِ بِخَيْر مِنْها أَوْ مِثْلها أَلَمْ تعلَمْ أَنَّ اللّهَ عَلى كُلِّ شَيء قَدير) .( [119])
وممّا يشهد على أنّ القول بالفراغ عن الأمر وجفاف القلم من العقائد المستوردة هو ما عليه اليهود في عامّة القرون من أنّه سبحانه بعد ما فرغ من خلق السماوات والأرض خلال الستة أيام، استراح في اليوم السابع وهو يوم السبت جاء في سفر التكوين: فأكملت السماوات والأرض وكلّ جندها، وفرغ اللّه في اليوم السابع من عمله الذي عمله فاستراح في اليوم السابع من جميع عمله الذي عمل.( [120])
يقول سبحانه ردّاً على تلك العقيدة: (وَلَقَدْ خَلَقْنا السَّمواتِ وَالأَرضَ وَما بَيْنَهُما في سِتَّةِ أَيّام وَما مَسَّنا مِنْ لُغُوب) .( [121]) واللغب في اللغة بمعنى التعب والإعياء وما يقرب منه.
أخي العزيز
هذا هو البداء، وهذا هو معناه في الكتاب والسنّة، وتلك هي آثاره البنّاءة في شخصية الإنسان.
وهو من صميم الدين، ولا يلازمه نسبة الجهل إلى اللّه تعالى.
ولو قدحت في ذهنك شبهة، فأعد قراءة الرسالة بوعي وإمعان حتّى تزول  الشبهة، وتقف على الجواب في ثنايا الرسالة، بفضل من اللّه.
تمت الرسالة بيد كاتبها جعفر السبحاني
ظهيرة يوم الأربعاء الحادي عشر من
ذي قعدة الحرام يوم ميلاد  الإمام
الطاهر  علي بن موسى الرضا
عليه وعلى آبائه الصلاة و السلام
وآخر دعوانا أن الحمد للّه ربّ العالمين

[1] -الجاثية: 33.
[2] -يوسف: 35.
[3] -البخاري: الصحيح4/172، كتاب الأنبياء، باب حديث أبرص وأعمى وأقرع في بني إسرائيل.
[4] -آل عمران: 5.
[5] -إبراهيم: 38.
[6] -الحديد: 22.
[7] -المائدة: 64.
[8] -فاطر: 1.
[9] -فاطر: 11.
[10] -الأعراف: 96.
[11] - نوح:10ـ 12.
[12] -الرعد: 11.
[13] -الأنفال: 53.
[14] -الطلاق:2ـ 3.
[15] -إبراهيم: 7.
[16] -الأنبياء: 76.
[17] -الأنبياء:83ـ 84.
[18] -الصافات:143ـ 146.
[19] -الزمر: 30.
[20] -الأنبياء: 105.
[21] -الدر المنثور:4/661
[22] -الدر المنثور:4/ 661.
[23] -الكافي:2/169، باب انّ الدعاء يردّ البلاء والقضاء، الحديث 1.
[24] -الكافي:2/470، باب انّ الدعاء يرد البلاء، الحديث 8.
[25] -الدر المنثور:4/ 661.
[26] -النحل: 112.
[27] -الأعراف: 130.
[28] -الرعد:38ـ 39.
[29] -الطبري: التفسير (جامع البيان ): 13 /112ـ 114.
[30] -الطبري: التفسير(جامع البيان): 13 /112ـ 114.
[31] -الكشاف:2/ 169.
[32] - مجمع البيان:6/ 398.
[33] -تفسير الرازي:10/64ـ 65.
[34] - الجامع لأحكام القرآن: 5/ 329.
[35] - ابن كثير: التفسير 2/ 520.
[36] -الدر المنثور 4/ 660. لاحظ ما نقله في المقام من المأثورات كلّها تحكي عن تغيير التقدير بالأعمال والأفعال.
[37] -روح المعاني13/ 111.
[38] - فتح البيان5/ 171.
[39] -محاسن التأويل: 9/ 372.
[40] - تفسير المراغي :5/ 155.
[41] -ص: 27.
[42] -الرعد: 39.
[43] -عقائد الإمامية، المطبوع في ذيل شرح الباب الحادي عشر: 73.
[44] -أوائل المقالات:53، باب القول في البداء والمشيئة.
[45] -رسائل الشريف المرتضى، مسألة5، ص 117، المسألة الرازيّة. وقد نقل العلاّمة المجلسي خلاصة نظرية السيد في بحار الأنوار:4/129، ومرآة العقول:2/131 حيث قال: الرابع ما ذكره السيد المرتضى.
[46] -الجاثية: 33.
[47] -الزمر:47ـ 48.
[48] -عدة الأُصول:2/ 29. ولاحظ كتاب الغيبة للشيخ الطوسي، ص 263.
[49] -الغيبة للشيخ الطوسي، ص 262ـ 264، طبعة النجف.
[50] - انقطاع.
[51] -نبراس الضياء، ص 56
[52] - بحار الأنوار:4/ 130.
[53] -مصابيح الأنوار:1/ 33.
[54] -الرعد: 39.
[55] -الرحمن: 29.
[56] -هود:85ـ 86.
[57] -أجوبة مسائل جار اللّه: 101ـ 103.
[58] - الدين والإسلام:1/168ـ 169.
[59] - وقد تركنا ذكر كثير من النصوص في هذا المجال لخوف الاطالة.
[60] -الإمام الصادق (عليه السلام) :47ـ48، ط دار الأندلس، بيروت.
[61] -التبيان:1/13ـ 14، ط النجف عام 1376.
[62] -التبيان:1/13ـ 14.
[63] -لاحظ مقالات الإسلاميين:107، 109، 119.
[64] -الحجرات: 11.
[65] -راجع صحيح الترمذي:5/328 ح3874; مسند أحمد:5/182و 189; المستدرك على الصحيحين للحاكم:3/148، و غيرها كثير.
[66] -مفاتيح الغيب:10/ 145. والآية 59 من سورة النساء.
[67] -تلخيص المحصّل: 421.
[68] -مفاتيح الغيب:31/ 124.
[69] -لاحظ ص 94 ترى فيها نصّه.
[70] -الزمر: 47.
[71] -الإمام الصادق (عليه السلام) : 238ـ 239.
[72] -الأنعام: 2.
[73] -النحل: 61.
[74] -الحديد: 22.
[75] -الرعد: 39.
[76] -البحار:4/107، باب البداء، الحديث 19.
[77] -تفسير ابن كثير:3/ 530.
[78] -الدر المنثور:4/ 393.
[79] -راجع ص 6ـ8 من هذه الرسالة.
[80] -يونس: 98.
[81] -الصافات:139ـ 140.
[82] -الدر المنثور:7/ 121.
[83] -الدر المنثور:7/ 122.
[84] -الدر المنثور:5/280 .
[85] -الصافات:101ـ 102.
[86] -الصافات: 107.
[87] -الصافات:103ـ 111.
[88] -الأعراف: 142.
[89] -الدر المنثور:3/ 335.
[90] -بحار الأنوار:4/ 121.
[91] -بحار الأنوار:4/ 94.
[92] - تقدم تخريجه: انظر ص 6ـ8 من هذه الرسالة.
[93] -الأحزاب: 21.
[94] -النساء: 142.
[95] -آل عمران: 54.
[96] -الأنفال: 30.
[97] -الجاثية: 34.
[98] -الأعراف: 51.
[99] -أوائل المقالات: 53.
[100] -الصافات: 107.
[101] -مجمع البيان:3/ 153.
[102] - تقدم تخريجه.
[103] -الأحزاب: 62.
[104] -نوح:10ـ 12.
[105] -إبراهيم: 7.
[106] -الطلاق:2ـ 3.
[107] -الأنبياء: 105.
[108] -الصف: 6.
[109] - صحيح البخاري:4/230، كتاب القدر، الحديث 6596.
[110] -الرحمن: 29.
[111] -الرعد: 39.
[112] -نفس المصدر: برقم 6607.
[113] -المائدة: 64.
[114] - شبهات وردود: 361.
[115] -عيون أخبار الرضا:1/145، باب 13 ، رقم 1.
[116] - توحيد الصدوق:167، باب 25، رقم 1.
[117] -المفردات: 363.
[118] -البقرة:115، لاحظ مجمع البيان:1/ 191.
[119] -البقرة: 106.
[120] - سفر التكوين: الاصحاح:2/ 1.
[121] -ق: 38.