قائمة المواضيع :
المسح على الخفّين على ضوء الكتاب والسنّة
المسح على الخفّين
اختياراً
في الحضر والسفر
حُكي عن كثير من الصحابة والتابعين جواز المسح على الخفّين، في الحضر والسفر اختياراً من دون ضرورة تقتضيه، وانّ المكلّف مخيّر بمباشرة الرجلين بالغسل، والخفّين بالمسح، مع اتّفاقهم على عدم جواز المسح على الرجلين مكان الغسل اختياراً واضطراراً.
غير انّ لفيفاً من الصحابة وأئمّة أهل البيت قاطبة، أنكروا جواز المسح على الخفّين، أشدّ الإنكار كما ستوافيك كلماتهم وفي مقدّمتهم:
1. الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) . 2. حبر الأُمّة عبد اللّه بن عباس.
3. أُمّ المؤمنين عائشة.
4. عبد اللّه بن عمر، وإن حكي عنه العدول أيضاً.
5. الإمام مالك على إحدى الروايتين، فقد أنكر جواز المسح على الخفّين في آخر أيّامه.
قال الرازي: وأمّا مالك فإحدى الروايتين عنه انّه أنكر جواز المسح على الخفّين، ولا نزاع انّه كان في علم الحديث كالشمس الطالعة فلولا انّه عرف فيه ضعفاً وإلاّلما قال ذلك، والرواية الثانية عن مالك انّه ما أباح المسح على الخفّين للمقيم وأباحه للمسافر مهما شاء من غير تقدير فيه.( [3])
وروى النووي في «المجموع» عن مالك ست روايات ،إحداها: لا يجوز المسح، الثانية : يجوز ولكنّه يكره، الثالثة: يجوز أبداً وهي الأشهر عنه والأرجح عند أصحابه، الرابعة: يجوز مؤقتاً، الخامسة: يجوز للمسافر دون الحاضر،السادسة: عكسه.( [4])
6. أبو بكر محمد بن داود الظاهري، وهو ابن داود الذي ينسب إليه المذهب الظاهري.( [5])
هذا هو موقف الصحابة والتابعين وإمام الظاهريّة في المسألة، والمهم هو دراسة الأدلّة، فانّ الإجماع غير محقّق في المسألة وقد عرفت وجود الاختلاف بينهم،و قبل أن ندخل في صلب الموضوع نرى من الأجدر أن نشير إلى نكتة مهمة في المقام.
إنّ الاختلاف في الرأي إنّما يكون سائغاً إذا كان نتيجةَ الاجتهاد في فهم الأدلّة، كاختلاف المصلّين في غسل الأرجل ومسحهما، لأجل الاختلاف في عطف ( أرجلكم ) في قوله سبحانه: ( وامْسَحُوا
بِرُءُوسكم وأَرجلكم اِلى الكَعبين ) ـ حيث اختلفوا ـ في أنّها هل هي معطوفة على ( برءُوسكم ) فلابد من مسحهما أو على «الوجوه والأيدي» المذكورتين في الجملة السابقة فلابد من غسلهما؟ فبذلك صار المسلمون على طائفتين مختلفتين في حكم الأرجل.
وهذا النوع من الاختلاف إنّما يتصوّر فيما إذا كان في المسألة دليل من الكتاب والسنّة قابل للاجتهاد وبالتالي قابل للاختلاف في الاستظهار، وأمّا إذا لم يكن فيها أىُّ دليل لفظي، غير ادّعاء رؤية عمل النبي وانّه كان يمسح على الخفّين فالاختلاف في مثلها عجيب جدّاً، لأنّه (صلى الله عليه وآله وسلم) كان يتوضّأ أمام الناس، ليله ونهاره وكان الناس يتسابقون بالتبرّك بماء وضوئه، ومع ذلك صارت الصحابة بعد رحيله على صنفين، بين مثبت للمسح على الخفّين مطلقاً، و ناف كذلك، ومفصل بين الحضر والسفر، مع أنّ الطائفة النافية كانوا هم الذين يلازمونه طيلة حياته، في إقامته وظعنه كعلي وعائشةوكانوا يعدّون شعاراً بالنسبة إليه (صلى الله عليه وآله وسلم) لا دثاراً.
وعلى كلّ تقدير فالمتّبع هو الدليل، وإليك دراسة أدلّة النافين، فقد احتجّوا بالكتاب والسنّة واتّفاق أئمّة أهل البيت .
1. الاحتجاج بالكتاب العزيز
قال سبحانه: ( وامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْن ) .( [6])
فظاهر الآية فرض مباشرة الأرجل نفسها والمسح على الخفّين ليس مسحاً على الأرجل، والآية في سورة المائدة المشتملة على آية الوضوء، وهي آخر سورة نزلت على النبي كما نصّت عليه أُمّ المؤمنين عائشة .
روى الحاكم عن جبير بن نفير، قال: حججت فدخلت على عائشة (رض) وقالت لي: يا جبير تقرأ المائدة؟ فقلت: نعم، قالت: أما إنّها آخر سورة نزلت، فما وجدتم فيها من حلال فاستحلّوه، وما وجدتم من حرام فحرّموه.
ثمّ قال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرّجاه.
ونقل أيضاً عن عبد اللّه بن عمرو، انّ آخر سورة نزلت، سورة المائدة. وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، وأقرّه الذهبي وصححه.( [7])
وعلى هذا فليس لنا العدول عمّا في هذه السورة من الأحكام إلاّ بدليل قطعي يصحّ نسخ الكتاب به إذا قيل بجوازه في الحضر أو السفر اختياراً ولو مدة قصيرة.
قال الرازي:أجمع المفسرون على أنّ هذه السورة (المائدة) لا منسوخ فيها ألبتة إلاّ قوله تعالى: ( يا أَيُّها الّذين آمَنُوا لا تحلّوا شَعائر اللّه ) فإنّ بعضهم قال هذه الآية منسوخة، وإذا كان كذلك امتنع القول بأنّ وجوب( [8]) غسل الرجلين منسوخ .
ثمّ إنّ خبر المسح على الخفّين بتقدير انّه كان متقدّماً على نزول الآية، كان خبر الواحد منسوخاً بالقرآن، ولو كان بالعكس كان خبر الواحد ناسخاً للقرآن.( [9]) ولا يُنسخ القرآن بخبر الواحد مهما بلغ من الصحة.
2. الاحتجاج بالسنّة
روى البيهقي عن ابن عمر قال: توضّأ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) مرّة مرّة ثمّ قال: هذا وضوء من لا تقبل له صلاة إلاّ به، ثمّ توضّأ مرّتين مرّتين ثمّ قال: هذا وضوء من يضاعف له الأجر مرتين، ثمّ توضّأ ثلاثاً ثلاثاً ثمّ قال: هذا وضوئي ووضوء المرسلين من قبلي.( [10]) ولا شكّ انّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) باشر الفعل بالرجلين دون الخف، لأنّه لو أوقع الفعل على الخفّين لم يحصل الإجزاء إلاّ به وذلك منفي اتفاقاً، وعلى ضوء ذلك فمن توضّأ ومسح على الخفّين لا تقبل صلاته حسب تصريح الرسول.
3. إجماع أئمة أهل البيت (عليهم السلام)
اتّفق أئمّة أهل البيت عليهم السَّلام على المنع. وقد تضافرت الروايات عنهم، نذكر منها ما يلي:
1. روى الشيخ الطوسي في «التهذيب» بسند صحيح عن زرارة بن أعين، عن أبي جعفر (عليه السلام) ، قال: قلت له: في مسح الخفّين تقية؟ فقال: «ثلاثة لا أتّقي فيهنّ أحداً: شرب المسكر، ومسح الخفّين، ومتعة الحجّ».( [11])
2. روى الشيخ الطوسي بسنده عن أبي الورد قال: قلت لأبي جعفر (عليه السلام) : إنّ أبا ظبيان حدّثني أنّه ـ رأى علياً (عليه السلام) ـ أراق الماء ثمّ مسح على الخفّين فقال: «كذب أبو ظبيان، أما بلغك قول علي (عليه السلام) فيكم سبق الكتابُ الخفّين». فقلت: فهل فيهما رخصة؟ فقال: «لا، إلاّ من عدوّ تقية، أو ثلج تخاف على رجليك».( [12])
3. روى الشيخ الطوسي عن زرارة، عن أبي جعفر الباقر (عليه السلام) قال: سمعته يقول: جمع عمر بن الخطاب أصحاب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وفيهم علىّ (عليه السلام) ، فقال: ما تقولون في المسح على الخفّين؟ فقام المغيرة بن شعبة فقال: رأيت رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) يمسح الخفّين. فقال علي (عليه السلام) : «قبل المائدة أو بعدها؟» فقال: لا أدري. فقال علي (عليه السلام) : «سبق الكتابُ الخفّين. إنّما أنزلت المائدة قبل أن يقبض بشهرين أو ثلاثة».( [13])
4. روى الصدوق باسناده عن ثابت الثمالي، عن حبابة الوالبية في حديث عن أمير المؤمنين (عليه السلام) قالت سمعته يقول: «إنّا أهل بيت لا نمسح على الخفّين، فمن كان من شيعتنا فليقتد بنا وليستنّ بسنتنا. ( [14])
وقال في مكان آخر: ـ ولم يعرف للنبىّ (صلى الله عليه وآله وسلم) خفّ إلاّ خفّ أهداه له النجاشي وكان موضع ظهر القدمين منه مشقوقاً، فمسح النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) على رجليه وعليه خفّاه، فقال الناس: إنّه مسح على خفّيه».( [15])
5. روى الصدوق باسناده عن الأعمش، عن جعفر بن محمد (عليه السلام) قال: هذه شرائع الدين لمن أراد أن يتمسّك بها، وأراد اللّه هداه: إسباغ الوضوء كما أمر اللّه في كتابه الناطق، غسل الوجه واليدين إلى المرفقين، ومسح الرأس والقدمين إلى الكعبين مرّة مرّة ومرّتان جائز، ولا ينقض الوضوء إلاّ البول والريح والنوم والغائط والجنابة، ومن مسح على الخفّين فقد خالف اللّه ورسوله وكتابه، ووضوؤه لم يتمّ، وصلاته غير مجزية...».( [16])
6. ما تضافر عن علي (عليه السلام) أنّه كان يحتج على القائل بالجواز، بأنّ الكتاب سبق المسح على الخفّين.( [17])
ما يدعم القول بالمنع
إنّ هناك وجوهاً تدعم القول بالمنع نذكرها تباعاً:
7. ما روي عن ابن عباس (رضي الله عنه) قال: سلوا هؤلاء الذين يروون المسح هل مسح رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) بعد نزول المائدة؟ واللّه ما مسح رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) بعد نزول المائدة، ولئن أمسح على ظهر عنز في الصلاة أحب إلىّ من أن أمسح على الخفّين.( [18]) 8. وما روي عن عائشة أنّها قالت: لئن تقطع قدماي أحبّ إلىّ من أن أمسح على خفّين.( [19])
نعم نقل غير واحد انّ علياً وعائشة رجعا عن القول بالمنع، إلى القول بالجواز.
غير انّ قولهم بالمنع ثابت عند الجميع ورجوعهم عمّا قالا، خبر واحد لا يصح الاعتماد عليه في المقام.
على أنّ الإمام عليّاً وعائشة كانا مع النبي ليله ونهاره،فكيف يمكن أن يقال: خفى عليهما كيفية وضوء النبي فأفتيا بالمنع ولمّا تبيّن الحق، عدلا عن قولهما؟!
9. انّ الأخذ بالجواز لو كان متأخّراً عن نزول المائدة كان ناسخاً للقرآن الكريم، والقرآن لا ينسخ بخبر الواحد، وقد اتّفق الأُصوليون إلاّ من شذّ على ما ذكرنا، فلا محالة يكون الحديث معارضاً للقرآن الكريم وقد روي عنه (صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه قال: «إذا روي لكم عني حديث فأعرضوه على كتاب اللّه، فإن وافقه فاقبلوه وإلاّ فردّوه».( [20])
10. اتّفق فقهاء السنّة على أنّ مسح البشرة لا يغني عن الغسل، فالقول بأنّ المسح على الخفّين يغني عن غسل الرجلين أمر عجيب يخالف العقل الصريح.
11. الاختلاف الشديد بين الفقهاء في الجواز وعدمه يوجب سقوط الروايات المجوزة والمانعة فلا محيص من الرجوع إلى ظاهر كتاب اللّه.
12. انّ المسح على الخفّين اختياراً مكان الغسل أو المسح لو كان أمراً مشروعاً، لعرفه الصحابة كلّهم ولم يقع بينهم نزاع و لبلغ مبلغ التواتر مع انّا نرى أنّ النزاع كان بينهم على قدم وساق.
كلّ ذلك يدلّ على عدم الجواز، وعلى فرض ثبوت المسح على الخفّين من النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فيمكن الجمع بينه و بين الآية الكريمة بالوجهين التاليين: أ. أنّ النبىّ الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) مسح على الخفّين في فترة خاصة قبل نزول آية الوضوء في سورة المائدة، والكتاب نسخ ما أثر عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وبهذا يمكن الجمع بين جواز المسح على الخفّين، ولزوم مباشرة الرجلين، وما روي عن علي (عليه السلام) متضافراً بأنّه سبق الكتاب الخفّين يشير إلى ذلك، وأنّ المسح على الخفّين كان رخصة من النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في فترة من الزمان، غير أنّ الكتاب نسخ هذه الرخصة.
ب. انّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) مسح على خفّ أهداه له النجاشي وكان موضع ظهر القدم منه مشقوقاً غير مانع عن مسح البشرة، فمسح النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) على رجليه وعليه خفّاه، فقال الناس: إنّه (صلى الله عليه وآله وسلم) مسح على خفّيه، من دون التفات إلى أنّه لم يمسح على نفس الخفّ بل على الرجلين تحت الخفّ.( [21])
وبما ذكرنا من الوجهين يمكن الجمع بين ما نقل من النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) من أنّه مسح على الخفّين وما يستفاد من الكتاب مـن لـزوم مباشرة الرجلين و ما عليه أئمّة أهل البيت(عليهم السلام) ولفيف من الصحابة وعلى رأسهم الإمام علـي بن أبي طالب (عليه السلام) الذي عرفه النبـي (صلى الله عليه وآله وسلم) بقـوله: «علىٌّ مـع الحقّ والحقّ مع علي لا يفترقان حتّى يردا علىّ الحوض».( [22])
والذي قال الإمام الرازي في حقّه في مسألة الجهر بالبسملة ـ حيث كان علي يرى لزوم الجهر بالبسملة في الصلاة الجهريةـ : ومن اتخّذ عليّاً إماماً لدينه فقد استمسك بالعروة الوثقى في دينه ونفسه.( [23])
إلى هنا تمت دراسة أدلّة القائلين بالمنع، فهلمّ معي ندرس أدلّة القائلين بالجواز.
أدلّة القائلين بجواز المسح
قد تعرفت على أدلّة القائلين بالمنع، فهلمّ معي ندرس أدلّة القائلين بالجواز، وهي عبارة عن عدّة روايات:
الأوّل: رواية جرير بن عبد اللّه البجلي
احتجّ القائلون بالجواز بما رواه مسلم في صحيحه عن جرير ( بن عبد اللّه البجلي) و روي عن إبراهيم الأدهم أنّه قال: ماسمعت في المسح على الخفّين أحسن من حديث جرير.( [24])
فأخرج مسلم عن الأعمش، عن إبراهيم، عن همام قال: بال جرير ثمّ توضّأ ومسح على خفّيه، فقيل: تفعل هذا قال: نعم، رأيت رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) بال ثمّ توضأ ومسح على خفّيه.
قال الأعمش، قال إبراهيم: كان يعجبهم هذا الحديث، لأنّ إسلام جرير كان بعد نزول المائدة.
وقد فسر النووي وجه إعجابهم بقوله: إنّ اللّه تعالى قال في سورة المائدة: ( فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى
الْمَرافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ ) فلو كان إسلام جرير متقدّماً على نزول المائدة، لاحتمل كون حديثه في مسح الخف منسوخاً ب آية المائدة، فلمّا كان إسلامه متأخّراً علمنا أنّ حديثه يُعمل به، وهو مبين انّ المراد ب آية المائدة غير صاحب الخف، والسنّة مخصِّصة للآية، واللّه أعلم.( [25])
يلاحظ عليه : أوّلاً: بأنّه خبر واحد لا يُنسخ الكتاب به، فانّ للكتاب العزيز مكانة عظيمة لا يجاريه شي سوى السنة المتواترة أو الخبر المحفوف بالقرائن المفيدة للعلم لا الخبر الواحد فضلاً عن حديث يتعجّب راويه عن عمل جرير، فلو كان شيئاً شائعاً بين المسلمين لما تعجّب منه.
وثانياً: أنّ الاحتجاج به فرع أن يكون إسلام جرير بعد نزول المائدة وهو غير ثابت، بل الثابت خلافه حيث أسلم قبله . قال ابن حجر العسقلاني: جزم ابن عبد البر انّ جريراً أسلم قبل وفاة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بأربعين يوماً، وهو غلط، ففي الصحيحين عنه انّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال له: استنصت الناس في حجة الوداع، وجزم الواقدي بأنّه وفد على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في شهر رمضان سنة عشر وانّ بعثه إلى ذي الخلصة كان بعد ذلك وانّه وافى مع النبي حجّة الوداع من عامه ـ إلى أن قال:ـ إنّ الشعبي حدّث عن جرير انّه قال لنا رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : إنّ أخاكم النجاشي قد مات ، أخرجه الطبراني فهذا يدلّ على أنّ إسلام جرير كان قبل سنة عشر، لأنّ النجاشي مات قبل ذلك.( [26])
أقول: إنّ النجاشي قد توفي في حياة النبي في شهر رجب سنة تسع من الهجرة.
قال الذهبي: قال النبي للناس: إنّ أخاً لكم قدمات بأرض الحبشة، فخرج بهم إلى الصحراء وصفّهم صفوفاً، ثمّ صلّى عليه، فنقل بعض العلماء انّ ذلك كان في شهر رجب سنة تسع من الهجرة.( [27])
ونقل في الموسوعة العربية العالمية انّه توفّي في عام تسع من الهجرة يعادل 630ميلادية.( [28])
وعلى ضوء هذا فلا يصحّ الاحتجاج بخبر جرير، لأنّه من المحتمل جدّاً أن يكون عمل النبي قبل نزول المائدة بكثير، فنسخته سورة المائدة كما قال علي (عليه السلام) : سبق الكتاب الخفّين .
ولو احتملنا انّ إسلامه كان بعد سورة المائدة، فهو خبر واحد لا ينسخ به الكتاب فانّ للكتاب، منزلة عظيمة لا يعادلها شي.
الثاني: رواية المغيرة بن شعبة
أخرج مسلم بسنده عن الأسود بن هلال، عن المغيرة بن شعبة قال: بينا أنا مع رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) ذات ليلة إذ نزل فقضى حاجته، ثمّ جاء فصببت عليه من إداوَة كان معي، فتوضّأ ومسح على خفّيه.
وقد أخرجه بطرق أُخرى كلّها تنتهي إلى المغيرة بن شعبة.( [29])
يلاحظ على الرواية: أوّلاً: أنّ المغيرة بن شعبة لا يحتج بحديثه لسوابقه النكراء قبل إسلامه وبعده على الرغم من انّ له في الصحيحين اثني عشر حديثاً، ويكفي في ذلك ما نتلوه عليك من جريمته المروِّعة على قومه.
1. روى المؤرّخون: وَفَد المغيرة مع نفر من بني مالك على المقوقس فأهدى لهم ما أهدى، فلمّا خرجوا من عنده أقبلت بنو مالك يشترون هدايا لأهلهم فخرجوا وحملوا معهم الخمر.
يقول المغيرة: كنّا نشرب الخمر فأجمعتُ على قتلهم فتمارضت، وعصبت رأسي، فوضعوا شرابهم، فقلت: رأسي يُصدَّع ولكنّي أُسقيكم فلم ينكروا، فجعلت أُسرف لهم، وأترع لهم جميعاً الكأس، فيشربون ولا يدرون حتى ناموا سكراً، فوثبتُ وقتلتهم جميعاًوأخذت ما معهم، فقدمت على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فوجدته جالساً في المسجد مع أصحابه وعلىَّ ثياب سفر، فسلمت، قال أبو بكر: أمن مصر أقبلتم؟ قلت: نعم، قال: ما فعل المالكيون؟ قلت: قتلتُهم، وأخذت أسلابهم، وجئت بها إلى رسول اللّه ليخمسها، فقال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) : «أمّا إسلامك فنقبله ولا آخذ من أموالهم شيئاً، لأنّ هذا غدر ولا خير في الغدر» فأخذني ما قرب ومابعد.
قلت: إنّما قتلتهم وأنا على دين قومي، ثمّ أسلمت الساعة.
قال: «فانّ الإسلام يجبُّ ما كان قبله».
وكان قتل منهم ثلاثة عشر.( [30]) هذه جريمته النكراء في عهد الجاهلية وتكشف عن خبث باطنه وطينته حيث قتل ثلاثة عشر شخصاً من أرحامه طمعاً في أموالهم، والإسلام وإن كان يجبّ ما قبله من حيث الحكم التكليفي، إلاّ أنّه لا يغيّر خبث سريرة الإنسان الذي شبّ عليه إلاّ بالعكوف على باب التوبة والانقطاع إلى الاعمال الحسنة والتداوم عليها والتي تنمُّ عن تبدّل حاله وإيقاظ ضميره.
هذه صحيفة حياته السوداء قبل الإسلام، وأمّا بعده فلم تختلف كثيراً، ويشهد على ذلك الأُمور التالية:
2. أخرج الذهبي عن عبد اللّه بن ظالم قال: كان المغيرة ينال في خطبته من علي، وأقام خطباء ينالون منه، وذكر الحديث في العشرة المشهود لهم بالجنة لسعيد بن زيد.( [31])
3. انّ معاوية وضع قوماً من الصحابة وقوماً من التابعين على رواية أخبار قبيحة في علي (عليه السلام) تقتضي الطعن فيه والبراءة منه، وجعل على ذلك جُعلاً يرغب في مثله، فاختلقوا ما أرضوه، منهم المغيرة بن شعبة.( [32])
4. أخرج أحمد في مسنده عن قطبة بن مالك قال: نال المغيرة بن شعبة من علي، فقال زيد بن أرقم: قد علمت أنّ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) كان ينهى عن سبّ الموتى فلم تسبّ عليّاً وقد مات.( [33])
5. وقد أخرج أيضاً في مسنده أحاديث نيله من أمير المؤمنين (عليه السلام) في خطبته واعتراض سعيد بن زيد عليه.( [34])
6. قال ابن الجوزي : قال: قدمت الخطباء إلى المغيرة بن شعبة بالكوفة، فقام صعصعة بن صوحان فتكلّم، فقال المغيرة: أرجوه فأقيموه على المصطبة فليلعن علياً، فقال: لعن اللّه من لعن اللّه ولعن علي بن أبي طالب، فأخبره بذلك، فقال: أُقسم باللّه لتقيِّدنه، فخرج، فقال: انّ هذا يأبى إلاّ علي بن أبي طالب فالعنوه لعنه اللّه، فقال المغيرة: أخرجوه أخرج اللّه نفسه.( [35])
إنّ سوابقه تحكي على أنّه كان داهية يستغل دهاءه لنيل م آربه بأي قيمة كانت وإن انتهت على حساب الإسلام.
7. روى الذهبي أنّ معاوية دعا عمرو بن العاص بالكوفة، فقال: أعنِّي على الكوفة، قال: كيف بمصر؟ قال: استعمل عليها ابنك عبد اللّه بن عمرو، قال: فنعم فبينا هم على ذلك جاء المغيرة بن شعبة ـ وكان معتزلاً بالطائف ـ فناجاه معاوية، فقال المغيرة: تؤمِّر عَمراً على الكوفة، وابنه على مصر وتكون كالقاعد بين لحيي الأسد، قال: ما ترى؟ قال: أنا أكفيك الكوفة، قال: فافعل. فقال معاوية لعمرو حين أصبح إنّي قد رأيت كذا، ففهم عمرو، فقال: ألا أدلّك على أمير الكوفة؟ قال: بلى، قال: المغيرة، واستغن برأيه وقوته عن المكيدة، واعزله عن المال، قد كان قبلك عمر و عثمان فعلا ذلك قال: نِعْمَ ما رأيتَ، فدخل عليه المغيرة، فقال: إنّي كنت أمّرتك على الجند والأرض، ثمّ ذكرت سنّة عمر وعثمان قبلي، قال: قد قبلت.( [36])
وكفت سنّة عمر وعثمان في حقّه في الدلالة على مدى ما كان يتمتّع الرجل به من الأمانة والورع في حقوق المسلمين وأموالهم!!
8. والذي يشهد على موبقات الرجل وانّه لم يتغير عمّا كان عليه في عصر الجاهلية انّه اتُّهم بالزنا وهو أمير الكوفة في عصر الخليفة عمر بن الخطاب وشهد عليه شهود أربعة، منهم: أبو بكرة ونافع وشبل فشهدوا على أنّهم رأوه يولجه ويخرجه ويلج ولوج المِرْوَد في المكحلة فلمّا حاول رابع الشهود وهو زياد بن أبيه حاول الخليفة أن يدرأ عنه الحد للشبهة فخاطبه بقوله: إنّي لأرى رجلاً لم يخز اللّه على لسانه رجلاً من المهاجرين، فقال له الخليفة: أرايته يدخله كالميل في المكحلة؟ فقال: لا، ولكنّي رأيت مجلساً قبيحاً وسمعت نَفَسَاً عالياً ورأيته متبطّنها ( [37])... وبذلك درأ عنه الحدّ بالشبهة.
فهذه مكانة الرجل بين المسلمين، أفيمكن أن يقبل حديث ذلك الرجل في أمر عبادي يمارسه المسلمون في نهارهم وليلهم؟!
وثانياً: نفترض انّه رجل يحتج بحديثه وانّ الإسلام جبّ ما قبله، ولكنّه من أين ثبت انّ فعل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كان بعد نزول المائدة؟ إذ من المحتمل أن يكون قبله بكثير، وقد أسلم الرجل قبل صلح الحديبية الذي كان في العام السادس، ويؤيد ذلك ما رواه الذهبي عن أبي إدريس قال: قدم المغيرة بن شعبة دمشق فسألته، قال: وضّأت رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) في غزوة تبوك فمسح على خفّيه.( [38])
الثالث : دراسة سائر الروايات
قد روى غير واحد من المحدّثين فعل النبي في السفر أو في السفر والحضر وأنّه مسح على الخفّين، والغالب عليها هو نقل فعل النبي من دون أن يذكر فيها لفظه وأنّه أمر بالمسح على الخفّين، وعلى فرض أنّه أمر لفظاً بالمسح على الخفين لم تعيّن ظروف العمل، وقد جمع أبو بكر البيهقي عامّة الروايات في السنن، فنذكر قسماً كبيراً ممّا رواه:
1. عن سعد بن أبي وقّاص أنّ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) مسح على الخفّين.
2. عن حذيفة قال: مشى رسول اللّه إلى سباطة قوم فبال قائماً، ثمّ دعا بماء فجئته بماء فتوضّأ ومسح على خفّيه. وقال: رواه البخاري في الصحيح عن آدم بن أبي أياس، ورواه مسلم من وجه آخر عن الأعمش.
وكفى في ضعف هذه الرواية أنّه نسب إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ما لا يليق بمنزلته ومكانته ولا يرتكبه إلاّ الأراذل من الناس.
كيف يمكن أن ينسب إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) انّه بال قائماً مع أنّ المروي عن ابن مسعود انّه قال: من الجفاء أن تبول وأنت قائم، وكان سعد بن إبراهيم لا يجيز شهادة من بال قائماً.
قالت عائشة: من حدّثكم انّ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) كان يبول قائماً فلا تصدّقوه، ما كان يبول إلاّ قاعداً.
ثمّ إنّ ابن قدامة بعدما نقل هذا حاول أن يصحّح الحديث بقوله: ولعلّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فَعَل ذلك لتبيين الجواز ولم يفعله إلاّمرة واحدة، ويحتمل انّه في موضع لا يتمكّن من الجلوس فيه.( [39])
وما ذكر من الوجه الأوّل مردود بأنّ في إمكان الرسول أن يبيّن جواز المسح على الخفين بكلامه لا بفعله الذي يعد من صفات غير المبالين بأحكام الشريعة.
قد أخرج ابن ماجة في سننه عن عمر قال: رآني رسول اللّه أبول قائماً، فقال: يا عمر لا تبل قائماً.( [40])
مضافاً إلى أنّ ظاهر الحديث أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لم يتطهّر من البول فلابدّ من القول بالحذف والتقدير في جمل الحديث ، وعلى فرض الصحّة فهو ينقل فعل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) من دون أن يوقِّت ظروفه فلا يكون حجّة في مقابل القرآن الكريم. ولعلّه كان قبل نزول آية الوضوء.و به تظهر حال رواية سعد بن أبي وقاص حيث لم تعيّن ظرف العمل وانّه هل كان قبل نزول المائدة أو بعدها؟
3. عن جعفر بن أُميّة بن الضمري، عن أبيه: رأيت رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) مسح على عمامته وخفّيه، والكلام في هذا الحديث هو نفس الكلام في الحديثين السابقين.
4. عن كعب بن عجرة قال: حدّثني بلال قال : رأيت رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) توضّأ ومسح على الخفّين والخمار.
5. عن سليمان بن بريدة، عن أبيه، قال: رأيت رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) توضّأ مرّة مرّة ومسح على الخفّين، وصلّى الصلوات كلّها بوضوء واحد. فقال له عمر: صنعتَ شيئاً ما كنتَ تصنعه. فقال: عمداً فعلته يا عمر.
أقول: قد قام رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) بفعله هذا يوم الفتح قبل نزول سورة المائدة بشهادة رواية بريدة حيث قال: صلّى رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) يوم الفتح خمس صلوات بوضوء واحد ومسح على خفّيه. فقال له عمر: إنّي رأيتك صنعتَ شيئاً لم تصنعه قال: عمداً صنعته.
6. روى المقدام بن شريح قال: سألت عائشة عن المسح على الخفّين؟ فقالت: إيت علياً فانّه أعلم بذلك منّي، فأتيت عليّاً فسألته عن المسح، فقال: كان رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) يأمرنا أن يمسح المقيم يوماً وليلة والمسافر ثلاثاً.
ولا يصحّ الاحتجاج به وبنظيره ما لم يثبت ظرف العمل وانّ فعل النبي كان بعد نزول سورة المائدة.( [41])
تساؤلات
حول مسألة المسح على الخفّين
ثمّ إنّ هناك تساؤلات حول هذه المسألة نطرحها على صعيد البحث والدراسة، ولعلّ الفقيه المفتي بجواز المسح على الخفّين في عصرنا هذا يجد لها أجوبة:
1. لا شكّ أنّ الوضوء وإن كان عبادة وشرطاً في صحّة الصلاة ولكنّه في الوقت نفسه تطهير للمتوضّأ يقول سبحانه في ذيل آية الوضوء: ( وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُون ) ( [42]) .
فإذا كان الوضوء كالغسل والتيمّم سبباً للتطهير فهو فرع مباشرة الرجلين لا الخفّين والنعلين ولا الجوربين، فانّ المسح عليها لا يستتبع طهارة إن لم يؤثر في انفعال اليد بالأوساخ التي على الخفّين أو النعلين أو الجوربين. فتجويزه في الحضر والسفر اختياراً مؤقتاً أو غير مؤقت على خلاف النظافة التي دعا إليها الإسلام في غير واحد من تعاليمه.
2. إنّ المسح على الخفّين مسألة فقهية فرعية اختلف فيها الصحابة والتابعون، وقد اشتهر عن علي و ابن عباس وعائشة وأئمة أهل البيت قاطبة وغيرهم المنع عنه، وكان الإمام (عليه السلام) وتلميذه حبر الأُمّة يستدلاّن بأنّ آية الوضوء نسخت هذا، ومع هذا فلا يتجاوز الاختلاف فيه عن الاختلاف في الحكم الفرعي، وما أكثر الخلاف في الأحكام الفرعية; ومع ذلك نرى أنّ شهاب الدّين أحمد بن محمد القسطلاني ينقل في شرحه على صحيح البخاري عن الكرخي أنّه قال: أخاف الكفر على من لا يرى المسح على الخفّين، وليس [ المسح ] بمنسوخ، لحديث مغيرة في غزوة تبوك وهي آخر غزواته (صلى الله عليه وآله وسلم) والمائدة نزلت قبلها في غزوة المريسيع، فأين النسخ للمسح.( [43])
ولا يخفى ما في كلامه من الوهن .
أمّا أوّلاً: فانّ ما ذكره لا يخلو من المغالاة في القول، إذ أي ملازمة بين عدم تجويز المسح على الخفّين والخروج عن حظيرة الإسلام وليس في المسألة إلاّ خبر واحد كخبر المغيرة، غير المفيد علماً ولا قطعاً.
واتّهام المخالف بالكفر سيئة موبقة، وقد قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : «إذا كّفر الرجل أخاه فقد باء بها أحدهما».( [44])
وثانياً: أنّ المائدة نزلت قبل رحيله (صلى الله عليه وآله وسلم) بثلاثة أشهر أو أقلّ، وأمّا غزوة المريسيع، فقد كانت في شهر شعبان من العام السادس من الهجرة، وقيل قبله.( [45]) نعم نزل فيها آية التيمّم وهي قوله سبحانه: ( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى حَتّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلا جُنُباً إِلاّ عابِري سَبيل حَتَّى تَغْتَسِلُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَر أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّساءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللّهَ كانَ عَفُوّاً غَفُوراً ) .( [46])
3. وممّا يشهد على أنّ النزاع بين الصحابة والتابعين في مسألة المسح على الخفّين كان على قدم وساق انّ بعض من يروي المسح على الخفّين عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يعمل بخلافه. روى البيهقي عن عبد الرحمن بن أبي بكرة، عن أبيه أنّ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) سئل عن المسح على الخفّين فقال: للمسافر ثلاثة أيام ولياليهنّ وللمقيم يوم وليلة، وكان أبي (أبو بكرة) ينزع خفّيه ويغسل رجليه.( [47])
ولما كان ذيل الحديث يوجد وهناً فيما يرويه عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) حيث إنّ عمله كان على خلاف روايته، حاول غير واحد من المحدّثين تصحيحه .( [48])
4.إنّ الظاهر من غير واحد من الروايات التي نقلها البيهقي في سننه أنّه يجوز المسح على الخفّين في السفر والحضر جميعاً، وقد عقد باباً بهذا العنوان: «باب مسح النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) على الخفّين في السفر والحضر»، وقد عرفت رواية حذيفة وأُسامة انّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) مسح على الخفّين وهو في المدينة، ومعنى ذلك أنّه يجوز أن يختار المكلّف طيلة عمره المسح على الخفّين، وأنّ غسل الرجلين مختصّ بمن لم يلبس الخفّين، وهذا شي لا ترتضيه روح الفقه ولا سيرة المتشرّعة ولا حكمة الوضوء.
وإن كنت في شكّ من ذلك، فإليك فتاوى الفقهاء في هذا الصدد: يرى جمهور الفقهاء الحنفيّة والشافعيّة والحنابلة، توقيت مدّة المسح على الخفّين بيوم وليلة في الحضر وثلاثة أيّام للمسافر، ولكن المالكية تجوّز المسح على الخفّين في الحضر والسفر من غير توقيت بزمان، فلا ينزعهما إلاّ بموجب الغسل ويندب للمكلّف نزعهما في كلّ أُسبوع مرّة يوم الجمعة ولو لم يرد الغسل لها،ونزعهما مرّة في كلّ اسبوع في مثل اليوم الذي لبسهما فيه، فإذا نزعهما لسبب أو لغيره وجب غسل الرجلين.
واستدلّوا بما رواه ابن أبي عمارة، قال: قلت: يا رسول اللّه: أمسح على الخفّين؟ قال: نعم، قلت: يوماً؟ قال: و يومين، قلت: وثلاثة؟ قال: نعم وما شئت.( [49])
5. انّ الشي الغريب حقّاً هو انّ الفقهاء لم يجوّزوا المسح بماء الوضوء على الرجلين مباشرة لا في الحضر ولا في السفر، ومع ذلك جوّزوا المسح على الخفّين على الرغم من أنّ الخفين لا صلة لها بالمتوضّي سوى انّهما وعاءان للرِجْلين.
6. ثمّ هناك من يتصوّر انّ الحكمة في جواز المسح على الخفّين، التيسير والتخفيف عن المكلّفين الذين يشق عليهم نزع الخف وغسل الرجلين في أوقات الشتاء والبرد الشديد، وفي السفر وما يصاحبه من الاستعجال ومواصلة السفر.( [50])
وما ذكر من الحكمة ـ لو صحت ـ يوجب اختصاص المسح على الخفّين بموارد الحرج والضرورة، وأين هذا من الإفتاء به دون تقييد؟!
7. وأظنّ أنّ الإصرار على بقاء حكم المسح على الخفّين كان لأجل مخالفة الإمام علي (عليه السلام) حيث كان هو وبيته يجاهرون بالمنع من المسح على الخفّين، وقد أعطى المجوّزون المسألة أكثر ممّا تستحقّ، قال أبو بكر بن المنذر: روينا عن الحسن البصري، حدثني سبعون من أصحاب رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه (صلى الله عليه وآله وسلم) كان يمسح على الخفّين ، قال: وروينا عن ابن المبارك قال: ليس في المسح على الخفّين اختلاف. هو جائز قال جماعات من السلف نحو هذا.( [51])
كما ذكر البيهقي أسماء حوالي عشرين صحابياً جوّزوا المسح على الخفّين منهم: عمر بن الخطاب وسعد ابن أبي وقاص وعبد اللّه بن مسعود و حذيفة بن اليمان وأبو أيوب الأنصاري وأبو موسى الأشعري وعمّـار بن ياسر و جابر بن عبداللّه وعمرو بن العاص وأنس بن مالك وسهل بن سعد وأبي مسعود الأنصاري والمغيرة بن شعبة والبراء بن عازب وأبي سعيد الخدري وجابر بن سمرة وأبو أمامة الباهلي وعبد اللّه بن الحارث بن جزر و أبو زيد الأنصاري.( [52]) والعجب انّهم عطفوا عليّاً (عليه السلام) وابن عباس على هؤلاء لمزيد الثقة بالجواز.
فروع المسألة
ثمّ إنّ القائلين بجواز المسح على الخفّين اختلفوا فيما يرجع إليه من فروع اختلافاً شديداً فاختلفوا في المواضع التالية:
1. تحديد المحل: فاختلفوا فيه فقال قوم: إنّ الواجب من ذلك مسح أعلى الخف وإنّ مسح الباطن ـ أعني: أسفل الخف ـ مستحب، ومالك أحد من رأى هذا، والشافعي; ومنهم من أوجب مسح ظهورهما وبطونهما ،وهو مذهب ابن نافع من أصحاب مالك.
ومنهم من أوجب مسح الظهور فقط ولم يستحب مسح البطون، وهو مذهب أبي حنيفة وداود و سفيان وجماعة; وشذّ أشهب: فقال: إنّ الواجب مسح الباطن أو الأعلى، أيّهما مسح، وسبب اختلافهم تعارض الآثار الواردة في ذلك وتشبيه المسح بالغسل.
2. نوع محل المسح فانّ القائلين به اتّفقوا على جواز المسح على الخفّين واختلفوا في المسح على الجوربين، فأجاز ذلك قوم ومنعه قوم، وممّن منع ذلك: مالك والشافعي وأبو حنيفة، وممّن أجاز ذلك: أبو يوسف و محمد صاحبا أبي حنيفة وسفيان الثوري، وسبب اختلافهم في صحّة الآثار الواردة عنه (صلى الله عليه وآله وسلم) ، انّه مسح على الجوربين والنعلين، واختلافهم أيضاً في هل يقاس على الخف غيره، أم هي عبادة لا يقاس عليها ولا يتعدّى بها محلّها؟
3. صفة الخفّ فانّهم اتّفقوا على جواز المسح على الخفّ الصحيح واختلفوا في المخْرَق، فقال مالك وأصحابه: يمسح عليه إذا كان الخرق يسيراً، وحدّد أبو حنيفة بما يكره الظاهر منه أقلّ من ثلاثة أصابع، وقال قوم بجواز المسح على الخفّ المنخرق مادام يسمّى خفّاً، وإن تفاحش خرقه، وممّن روي عنه ذلك الثوري، ومنع الشافعي أن يكون في مقدّم الخف خرق يظهر منه القدم، ولو يسيراً في أحد القولين عنه. ثمّ ذكر سبب اختلافهم.
4. التوقيت فانّ الفقهاء اختلفوا فيه، فرأى مالك انّ ذلك غير مؤقت وإنّ لابس الخفّين يمسح عليها مالم ينزعهما أو تصيبه جنابة، وذهب أبو حنيفة والشافعي إلى أنّ ذلك مؤقت. والسبب في اختلافهم اختلاف الآثار في ذلك.
5. شرط المسح على الخفين هو أن تكون الرِجْلان طاهرتين بطُهر الوضوء وذلك شي مجمع عليه إلاّخلافاً شاذاً. وقد روي عن ابن القاسم عن مالك، ذكره ابن لبابة في المنتخب وإنّما قال به الأكثر لثبوته في حديث المغيرة وغيره إذا أراد أن ينزع الخف عنه فقال (عليه السلام) : دعهما فإنّي ادخلتهما وهما طاهرتان،والمخالف حمل هذه الطهارة على الطهارة اللغوية. 6. الاختلاف في نواقض هذه الطهارة فانّهم أجمعوا على أنّها نواقض الوضوء بعينها واختلفوا هل نزع الخف ناقض لهذه الطهارة أم لا؟ فقال قوم : إن نَزَعه وغسل قدميه فطهارته باقية، وإن لم يغسلهما وصلّى أعاد الصلاة بعد غسل قدميه، وممّن قال بذلك مالك وأصحابه والشافعي وأبو حنيفة ـ إلى أن قال ـ وقال قوم: طهارته باقية حتى يحدث حدثاً ينقض الوضوء وليس عليه غسل، وممّن قال بهذا القول داود و ابن أبي ليلى وقال الحسن بن حي: إذا نزع خُفّيه فقد بطلت طهارته.( [53])
وهذه الاختلافات في الفروع مبنية على القول بجواز المسح على اختيار، فإذا بطل الأصل يكون الكلام في الفروع أمراً لغواً لاطائل تحته وإن أطنب القائلون بالجواز الكلام فيها.

[1] .  المائدة: 3 .
[2] .  آل عمران: 103 .
[3] .  التفسير الكبير للرازي:11/ 163.
[4] . المجموع: 1/ 500.
[5] .  المجموع: 1/ 500.
[6] .  المائدة: 6.
[7] .  مستدرك الحاكم:2/311 .
[8] .  يريد الوجوب التعيّني لمن له خفّ.
[9] .  تفسير الرازي:11/ 163.
[10] .  السنن الكبرى: 1/80، باب فضل التكرار في الوضوء; ورواه ابن ماجة في سننه:1/ 419. ولاحظ أحكام القرآن للجصاص:3/ 351.
[11] .  التهذيب:1/362، الحديث 1093.
[12] .  التهذيب:1/362، الحديث 1092.
[13] .  التهذيب:1/361، الحديث 1091.
[14] . الفقيه:4/298ح 898.
[15] .  الفقيه:1/48، الحديث 10 من أحاديث حدّ الوضوء.ولاحظ سنن البيهقي:1/282 ففيها ما يؤيد مضمون ذلك الحديث.
[16] .  الوسائل:1/279، الحديث18 من الباب 15 من أبواب الوضوء.
[17] .  سنن البيهقي: 1/272; عمدة القارئ:3/97; نيل الأوطار:1/ 223.
[18] .  المبسوط للسرخسي: 1/98; تفسير الرازي:11/163 و في لفظ الرازي: لأمسح على جلد حمار.
[19] .  المبسوط:1/ 98.
[20] .  التفسير الكبير للرازي:11/ 163.
[21] .  لاحظ ص 13، رقم 4.
[22] .  تاريخ بغداد:14/321، و مجمع الزوائد:7/ 232.
[23] .  التفسير الكبير للرازي:1/ 207.
[24] .  شرح صحيح مسلم للنووي:3/164ـ165،الحديث 72.
[25] .  المصدر السابق:3/ 168.
[26] .  الإصابة:1/234، ترجمة جرير، برقم 1136.
[27] .  سير اعلام النبلاء:1/443 برقم 86.
[28] .  الموسوعة العربية العالمية:25/ 220.
[29] .  شرح صحيح مسلم للنووي:3/171، برقم 76 ولاحظ رقم 75 و 77 و 78 و 80.
[30] .  سير اعلام النبلاء:3/25، رقم الترجمة 7.
[31] .  سير اعلام النبلاء:3/31، رقم الترجمة 7.
[32] .  شرح نهج البلاغة ابن أبي الحديد:1/ 358.
[33] .  مسند أحمد:4/ 369.
[34] . المسند:1/ 188.
[35] .  كتاب الأذكياء لابن الجوزي:142، طبع دار الفكر.
[36] .  سير اعلام النبلاء:3/30، رقم الترجمة 7.
[37] .  سير اعلام النبلاء:3/28، رقم الترجمة7; الأغاني:14/146; تاريخ الطبري:4/207; الكامل:2/228،إلى غير ذلك من المصادر المتوفرة.
[38] .  سير اعلام النبلاء:3/ 22.
[39] .  المغني:1/ 156.
[40] .  سنن ابن ماجة: 1/112، برقم 309.
[41] .  لاحظ في الوقوف على هذه المأثورات: السنن الكبرى للبيهقي:1/270ـ 277.
[42] . المائدة: 6.
[43] .  في المصدر مكان أين : فأمن، راجع: إرشاد الساري:1/ 278.
[44] .  صحيح مسلم:1/56، كتاب الإيمان باب من قال لأخيه يا كافر.
[45] . السيرة النبوية لابن هشام:2/ 289.
[46] .  النساء: 43.
[47] .  السنن الكبرى:1/ 276.
[48] .  الشرح الصغير:1/152، 153، 158; جواهر الإكليل:1/24، ولاحظ الموسوعة الفقهية الكويتية، ج37، مادة « مسح » .
[49] .  كتاب المجموع شرح المهذّب للنووي:1/ 505.
[50] .  الموسوعة الفقهية: 37/ 262.
[51] .  المجموع :1/ 501.
[52] .  سنن البيهقي:1/ 272.
[53] .  بداية المجتهد:1/18ـ23 بتلخيص.