قائمة المواضيع :
البسملة جزئيّتها والجهر بها على ضوء الكتاب والسنّة
البسملة
جزئيّتها والجهر بها
البسملة في اللغة والاصطلاح: قول بسم اللّه الرّحمن الرحيم، يقال بَسْمَل بَسْمَلة: إذا قال أو كتب بسم اللّه، يقال: أكثر من البسملة، أي أكثر من قول بسم اللّه.( [3])
البسملة هي سمة المسلمين حيث لا يستفتحون بشي إلاّ بعد ذكر بسم اللّه الرحمن الرّحيم، وهي آية التوحيد وسبب نفر المشركين، يقول سبحانه: ( وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا للرَّحمن قالُوا وَمَا الرحمنُ أنسجُدُ لِما تأمُرنا وَزادَهُمْ نُفُوراً ) .( [4]) وقد كان شعار المشركين في عصر الجاهلية قولهم: «باسمك اللهم» وكانوا يستفتحون بذلك كلامهم. وقد آل الأمر في صلح الحديبية إلى كتابة وثيقة صلح بين الطرفين، أمرَ النبي عليّاً (عليه السلام) أن يكتب : بسم اللّه الرحمن الرحيم، فكتب علي وفق ما أُمِر، فقال سهيل مندوب قريش: لا أعرف هذا ولكن اكتب باسمك اللهم.( [5])
فالبسملة هي الحد الفاصل بين الإسلام والشرك، وبها يميّز المؤمن عن الكافر، ولا ينفك المسلم منها في حِلّه و ترحاله.
البسملة آية قرآنية تشهد عليها المصاحف عبر القرون، وقد كتبت في مفتتح كلّ سورة خلا سورة التوبة، كتبوها كما كتبوا غيرها من سائر الآيات بدون ميز مع اتّفاقهم على أن لا يكتبوا شيئاً من غير القرآن فيه إلاّبميزة بيّنة حرصاً منهم على أن لا يختلط به شي من غيره. ولذلك تراهم ميّزوا عنه أسماء سوره، وعدد آياته، ورموز أجزائه، وأرباعه، وركوعه وسجوده، كتبوها على نحو يعلم أنّها خارجة عن القرآن، وفي الوقت نفسه اتّفقوا على كتابة البسملة مفتتح كلّ سورة كسائر الآيات دون فرق بين الخلف والسلف، ولا تجد قرآناً مخطوطاً من عهد الصحابة إلى يومنا هذا على غير هذا النمط، وهذااتّفاق عملي منهم على أنّ البسملة جزء من المصحف.
غير انّه طرأ الاختلاف بعد رحيل الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) ، والأظهر انّ الاختلاف ظهر في خلافة معاوية بن أبي سفيان أو قبله بقليل، وأمّا ما هي العلّة لطروء هذا الاختلاف، فلعلّ بعض الدواعي له، هو المخالفة لسيرة الإمام علي (عليه السلام) في البسملة حيث أطبق الجميع على أنّ علي بن أبي طالب كان يجهر بها.
قال الرازي: وأمّا انّ علي بن أبي طالب فقد كان يجهر بالتسمية وقد ثبت بالتواتر، وكان يقول: يا مَنْ ذِكْره شَرف للذاكرين.( [6])
وقد تضافرت الروايات عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وأهل بيته وأصحابه، على أنّ كون البسملة جزء من الفاتحة وانّها يجب الجهر بها في الصلوات الجهرية، كما أنّها جزء من كلّ سورة.
وتظهر حقيقة الحال في ضمن فصول.
1
فضل البسملة
قد ورد في فضل البسملة أحاديث كثيرة نقتبس منها القليل:
1. قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : «فُضِّلتُ ببسم اللّه الرحمن الرحيم» وقال: «لم تنزل على أحد غيري سوى ما حكاه اللّه سبحانه من كتاب سليمان».( [7])
2. قال الإمام الباقر (عليه السلام) : «أكرم آية في كتاب اللّه: بسم اللّه الرّحمن الرّحيم».( [8])
3. أخرج الشيخ الطوسي عن عبد اللّه بن يحيى الكاهلي، عن الصادق، عن أبيه (عليهما السلام) قال: «بسم اللّه الرّحمن الرّحيم أقرب إلى اسم اللّه الأعظم من ناظر العين إلى بياضها».( [9])
2
أقوال الفقهاء في جزئيّة البسملة
قد ذكر القرطبي أقوال أئمّة المذاهب الأربعة بوضوح، فقال:
اختلفوا في قراءة بسم اللّه الرحمن الرحيم في افتتاح القراءة في الصلاة.
1. فمنع ذلك مالك في الصلاة المكتوبة ـ جهراً كانت أو سراً ـ لا في استفتاح أُمّ القرآن ولا في غيرها من السور، وأجاز ذلك في النافلة.
2. وقال أبوحنيفة والثوري وأحمد: يقرؤها مع أُمّ القرآن في كلّ ركعة سراً.
3. وقال الشافعي: يقرؤها ولابدّ في الجهر جهراً وفي السرّ سرّاً، وهي عنده آية من فاتحة الكتاب، وبه (كون البسملة آية من فاتحة الكتاب) قال أحمد و أبو ثور وعبيد.
واختلف قول الشافعي هل هي آية من كلّ سورة أم إنّما هي آية من سورة النمل فقط ومن فاتحة الكتاب؟ فرُوي عنه القولان جميعاً.
وسبب الاختلاف من هذا آيل إلى شيئين:
أحدهما: اختلاف الآثار في هذا الباب.
والثاني: اختلافهم هل «بسم اللّه الرحمن الرحيم» آية من فاتحة الكتاب أم لا؟( [10])
وقال الشيخ الطوسي: بسم اللّه الرّحمن الرّحيم آية من كلّ سورة من جميع القرآن، وهي آية من أوّل سورة الحمد.
وقال الشافعي: إنّها آية من أوّل الحمد بلا خلاف بينهم، وفي كونها آية من كلّ سورة قولان:
أحدهما: انّها آية من أوّل كلّ سورة، والآخر: انّها بعض آية من كلّ سورة وإنّما تتمّ مع ما بعدها فتصير آية.
وقال أحمد وإسحاق وأبو ثور وأبو عبيدة وعطاء والزهري وعبد اللّه بن المبارك: إنّها آية من أوّل كلّ سورة حتّى أنّه قال: من ترك بسم اللّه الرّحمن الرّحيم ترك مائة وثلاث عشرة آية.
وقال أبو حنيفة ومالك والأوزاعي وداود: ليست آية من فاتحة الكتاب ولا من سائر السور.
وقال مالك والأوزاعي وداود: يكره أن يقرأها في الصلاة بل يكبّر، ويبتدي بالحمد إلاّ في شهر رمضان، والمستحب أن يأتي بها بين كلّ سورتين تبركاً للفصل، ولا يأتي بها في أوّل الفاتحة.( [11])
وحاصل الأقوال: إنّ مالكاً لا يرى البسملة جزءاً من السور مطلقاً، وأمّا الحنفية والحنابلة فيرونها جزءاً من فاتحة الكتاب لكن يقرأونها سراً. وأمّا الشافعية فيرونها جزءاً من فاتحة الكتاب، ويقرأونها في الجهر جهراً وفي السرّ سرّاً، وأمّا كونها جزءاً من سائر السور ففيه عن الشافعي قولان.
وأمّا الشيعة الإمامية فليس عندهم إلاّقول واحد، وهو انّ البسملة جزء من كلّ سورة، ويجهر بها في الصلوات الجهرية وجوباً وفي الصلوات السرية استحباباً.
وأبعد الأقوال بالنسبة إليهم قول مالك حيث إنّ البسملة عنده ليست آية من القرآن إلاّفي سورة النمل فانّها جزء من آية ويكره قراءتها بصلاة فرض للإمام وغيره قبل الفاتحة أو سورة بعدها.
وأين هذا القول من كلام الإمام الصادق (عليه السلام) حيث قال مندِّداً لمن يترك البسملة في الصلاة ويرى الجهر بها بدعة، فقال:
«ما لهم عمدوا إلى أعظم آية في كتاب اللّه عزّ وجلّ فزعموا انّها بدعة إذا أظهروها، وهي بسم اللّه الرّحمن الرّحيم».( [12])
وتحقيق المقام يقتضي البحث في الأُمور التالية:
الأوّل: هل البسملة جزء من الفاتحة أم لا؟
الثانية: لو افترضنا انّها جزء فهل يجهر بها في الصلوات الجهرية؟
الثالثة: هل البسملة جزء من سائر السور أم لا؟
ونستعرض مورد أدلّة الأقوال مع القضاء الحاسم بإذن اللّه سبحانه.
3
البسملة جزء من الفاتحة
إنّ البسملة جزء من الفاتحة، ويدلّ عليه أُمور نذكرها تباعاً:
الأوّل: ما رواه الشافعي باسناده انّ معاوية قدم المدينة فصلّى بها، ولم يقرأ بسم اللّه الرحمن الرحيم، ولم يكبّر عند الخفض إلى الركوع والسجود، فلما سلّم ناداه المهاجرون والأنصار: يا معاوية، سرقتَ من الصلاة، أين بسم اللّه الرحمن الرحيم؟! وأين التكبير عند الركوع والسجود؟! ثمّ إنّه أعاد الصلاة مع التسمية والتكبير.
قال الشافعي: إنّ معاوية كان سلطاناً عظيم القوة، شديد الشوكة، فلولا انّ الجهر بالتسمية كان كالأمر المتقرر عند كلّ الصحابة من المهاجرين والأنصار، وإلاّلما قدروا على إظهار الإنكار عليه بسبب ترك التسمية.( [13])
ونحن نقول: ولولا انّ التسمية جزء من الفاتحة لما اعترض المهاجرون والأنصار على تركها مضافاً إلى ترك الجهر بها. وهذا الأثر كما يدلّ على جزئيّة التسمية، يدلّ على لزوم الجهر بها، فيستدلّ به في كلا الموردين.
الثاني: روى الشافعي عن مسلم، عن ابن جريج، عن ابن أبي مليكة، عن أُمّ سلمة انّها قالت: قرأ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) فاتحة الكتاب فعدّبسم اللّه الرحمن الرحيم آية ، الحمد للّه ربّ العالمين آية، الرحمن الرحيم آية، مالك يوم الدين آية، اياك نعبد واياك نستعين آية، اهدنا الصراط المستقيم آية، صراط الذين انعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين آية. وهذا نص صريح على الجزئيّة.( [14])
الثالث: أخرج الحاكم عن أُمّ سلمة انّ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) قرأ في الصلاة بسم اللّه الرحمن الرّحيم فعدها آية، الحمد للّه ربّ العالمين آيتين، الرّحمن الرّحيم ثلاث آيات، مالك يوم الدين أربع آيات، وقال: هكذا إيّاك نعبد وإيّاك نستعين، وجمع خمس أصابعه.( [15])
الرابع: أخرج الحاكم عن أُمّ سلمة، قالت: كان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يقرأ بسم اللّه الرّحمن الرّحيم، الحمد للّه ربّ العالمين يقطعها حرفاً حرفاً.
قال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه. وأقرّه على صحّته الذهبي في تلخيصه.( [16])
الخامس: أخرج الحاكم عن نعيم المجمر، قال: كنت وراء أبي هريرة، فقرأ بسم اللّه الرّحمن الرّحيم قرأ بأُمّ القرآن حتّى بلغ ولا الضّالين، قال: آمين. وقال الناس: آمين، ويقول كلّما سجّد: اللّه أكبر، ويقول إذا سلم: والذي نفسي بيده انّي لأشبهكم صلاة برسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) .
قال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه. وقرره الذهبي في تلخيصه.( [17])
السادس: أخرج الحاكم عن قتادة قال: سئل أنس ابن مالك كيف كان قراءة رسول اللّه؟ قال: كانت مدّاً، ثمّ قرأ : بسم اللّه الرّحمن الرّحيم ويمد الرحيم.( [18])
وقرره على ذلك الذهبي في تلخيصه.
السابع: أخرج الحاكم عن ابن جريج، عن أبيه، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس في قوله تعالى: ( وَلَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعاً مِنَ الْمَثاني ) قال: فاتحة الكتاب ( بسم اللّه الرّحمن الرّحيم* الحمد للّه ربّ العالمين ) ، وقرأ السورة. وقال ابن جريج: فقلت لأبي لقد أخبرك سعيد عن ابن عباس انّه قال: بسم اللّه الرحمن الرحيم، آية، قال: نعم. قال الحاكم: هذا حديث صحيح ولم يخرجاه وتمام هذا الباب في كتاب الصلاة.( [19])
الثامن: أخرج الثعلبي باسناده إلى أبي هريرة قال: كنت مع النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في المسجد إذ دخل رجل يصلّي، فافتتح الصلاة، وتعوّذ ثمّ قال: «الحمدللّه ربّ العالمين» فسمع النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال: «يا رجل قطعت على نفسك الصلاة، أما علمت أنّ «بسم اللّه الرحمن الرّحيم» من الحمد؟ فمن تركها فقد ترك آية، ومن ترك آية فقد أفسد عليه صلاته.( [20])
التاسع: أخرج الثعلبي عن علي انّه كان إذا افتتح السورة في الصلاة يقرأ «بسم اللّه الرّحمن الرّحيم» وكان يقول: من ترك قراءتها فقد نقص، وكان يقول: هي تمام السبع المثاني.( [21])
العاشر: أخرج الثعلبي عن طلحة بن عبيد اللّه قال: قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : من ترك «بسم اللّه الرّحمن الرحيم» فقد ترك آية من كتاب اللّه، وقد نزل علىّ فيما عدّ من أُمّ الكتاب «بسم اللّه الرحمن الرحيم».( [22])
الحادي عشر: أخرج الدارقطني ـ وصحّحه ـ والبيهقي في السنن عن أبي هريرة قال: قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : إذا قرأتم «الحمد» فاقرأوا «بسم اللّه الرحمن الرحيم» إنّها أُمّ القرآن، وأُمّ الكتاب، والسبع المثاني، و «بسم اللّه الرحمن الرحيم» إحدى آياتها .( [23])
الثاني عشر: أخرج الطبراني في الأوسط والدارقطني والبيهقي عن نافع، انّ ابن عمر كان إذا افتتح الصلاة يقرأ بـ «بسم اللّه الرحمن الرحيم» في أُمّ القرآن وفي السورة التي تليها، ويذكر أنّه سمع ذلك من رسول اللّه.( [24]) الثالث عشر: أخرج أبو داود والترمذي والدارقطني والبيهقي عن ابن عباس قال: كان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يفتتح صلاته بـ «بسم اللّه الرحمن الرّحيم».( [25])
الرابع عشر: أخرج الدارقطني والبيهقي عن أبي هريرة «انّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كان إذا قرأ ـ و هو يؤم الناس ـ افتتح بـ «بسم اللّه الرّحمن الرحيم» قال أبو هريرة: هي آية من كتاب اللّه، اقرأوا إن شئتم فاتحة القرآن، فانّها الآية السابعة.( [26])
الخامس عشر: أخرج البيهقي في شعب الإيمان عن ابن عمر انّه كان يقرأ في الصلاة «بسم اللّه الرّحمن الرّحيم» فإذا ختم السورة قرأها يقول: ما كتبت في المصحف إلاّ لتقرأ.( [27])
السبع المثاني هي فاتحة الكتاب
قد تضافرت الروايات عن علي وابن مسعود وغيرهما من الصحابة وكثير من التابعين على أنّ المراد من السبع المثاني في قوله سبحانه: ( وَلَقَدْ َآتيناكَ سَبعاً مِن المَثَانِيَ والقُرآنَ العَظِيم ) ( [28]) هذا من جانب، ومن جانب آخر، انّ آياتها لا تبلغ سبعاً إلاّ إذا عُدّ البسملة آية منها، فإليك الكلام في المقامين.
أمّا ما دلّ على المراد من السبع المثاني هو سورة الفاتحة، فهو على قسمين:
ما يفسر السبع المثاني بفاتحة الكتاب من دون تصريح بأنّ البسملة جزء من فاتحة الكتاب.
ما يفسر السبع المثاني بفاتحة الكتاب مع التصريح بأنّ البسملة من آياتها.
أمّا القسم الأوّل فإليك بعض ما وقفنا عليه لا كلّه، لأنّه يوجب الإطناب في الكلام.
1. أخرج الطبري عن عبد خير، عن علي عليه السَّلام قال: «السبع المثاني فاتحة الكتاب».( [29])
2. أخرج الطبري عن ابن سيرين قال: سئل ابن مسعود عن سبع من المثاني، قال: فاتحة الكتاب.( [30])
3. أخرج الطبري عن الحسن في قوله ( وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعاً مِنَ الْمَثَانِي ) قال: هي فاتحة الكتاب.
وأخرج أيضاً عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: فاتحة الكتاب.
4. أخرج الطبري عن أبي فاختة في هذه الآية ( وَلَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعاً مِنَ الْمَثاني والقرآن العظيم ) قال: هي أُمّ الكتاب.( [31])
5. أخرج الطبري عن أبي العالية في قول اللّه: ( وَلَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعاً مِنَ الْمَثاني ) قال: فاتحة الكتاب سبع آيات، قلت لربيع: إنّهم يقولون السبع الطول فقال: لقد أنزلت هذه وما أنزل من الطول شي.
6. أخرج الطبري عن أبي العالية قال: فاتحة الكتاب، قال: وإنّما سمّيت المثاني، لأنّه يثنّى بها كلّما قرأ القرآن قرأها، فقيل لأبي العالية: إنّ الضحاك بن مزاحم يقول: هي السبع الطول، فقال: لقد نزلت هذه السورة سبعاًمن المثاني وما نزل شي من الطول.
7. أخرج الطبري عن عبد اللّه بن عبيد بن عمير قال: السبع من المثاني هي فاتحة الكتاب .
8. أخرج الطبري عن ابن جريج عن ابن مليكة قال: ( وَلَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعاً مِنَ الْمَثاني ) قال: فاتحة الكتاب، وذكر فاتحة الكتاب لنبيّكم (صلى الله عليه وآله وسلم) لم تذكر لنبي قبله.
8. أخرج الطبري عن أبي هريرة، عن أبىّ قال: قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : ألا أُعلّمك سورة ما أنزل في التوراة ولا في الإنجيل ولا في الزبور ولا في القرآن مثلها، قلت: بلى.
قال: انّي لأرجو أن لا تخرج من ذلك الباب حتّى تعلّمها، فقام رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) وقمت معه فجعل يحدثني ويده في يدي، فجعلت أتباطأ كراهية أن يخرج قبل أن يخبرني بها، فلمّا قرب من الباب قلت: يا رسول اللّه السورة التي وعدتني، قال: كيف تقرأ إذا افتتحت الصلاة؟ قال: فقرأ فاتحة الكتاب، قال: هي هي، وهي السبع المثاني التي قال اللّه تعالى: ( وَلَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعاً مِنَ الْمَثاني والقرآن العظيم ) الذي أعطيت.( [32])
وأخرجه الحاكم في «المستدرك» وقال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه.( [33])
10. أخرج الطبري عن أبي هريرة، عن رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: هي أُمّ القرآن وهي فاتحة الكتاب وهي السبع المثاني.( [34]) 11. أخرج الطبري عن أبي هريرة، عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في فاتحة الكتاب، قال: هي فاتحة الكتاب وهي السبع المثاني والقرآن العظيم.( [35])
وأمّا القسم الثاني و هو ما يفسر السبع المثاني بفاتحة الكتاب ويجعل البسملة أوّل آية منها.
12. أخرج ابن جرير وابن المنذر والطبراني وابن مردويه والحاكم ـ وصحّحه ـ والبيهقي في سننه عن ابن عباس انّه سُئل عن السبع المثاني، قال: فاتحة الكتاب استثناها اللّه لأُمّة محمّد، فرفعها في أُمّ الكتاب ، فدخرها لهم حتى أخرجها ولم يعطها أحداً قبله، قيل: فأين الآية السابعة؟ قال: بسم اللّه الرحمن الرحيم .( [36])
13. أخرج الطبري عن سعيد بن جبير في قوله تعالى: ( وَلَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعاً مِنَ الْمَثاني ) قال: فاتحة الكتاب، فقرأها على ست، ثمّ قال: بسم اللّه الرحمن الرحيم، الآية السابعة.
قال سعيد: وقرأها ابن عباس علىَّ كما قرأها عليك، ثمّ قال: الآية السابعة، بسم اللّه الرحمن الرحيم.( [37])
14. أخرج الطبري عن سعيد بن جبير، قال: قال لي ابن عباس: فاستفتح ثمّ قرأ فاتحة الكتاب ثمّ قال: تدري ما هذا ( وَلَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعاً مِنَ الْمَثاني ) .
ولا شهادة في قوله: «فاستفتح ثمّ قرأ فاتحة الكتاب» على خروج البسملة من جوهرها، وذلك لأنّ البسملة لما كانت موجودة في صدر عامة السور فأشار إلى البسملة بقوله: «فاستفتح» ثم أشار إلى سائر آياتها التي تتميز عن سائر السور بقوله: «ثمّ قرأ فاتحة الكتاب».
وبما ذكرنا يفسر الحديث التالي:
15. أخرج الطبري عن أبي سعيد بن المعلى انّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) دعاه وهو يصلّي فصلّى ثمّ أتاه فقال: ما منعك أن تجيبني، قال: إنّي كنت أُصلّي، قال: ألم يقل اللّه ( يا أَيُّها الّذِين آمنُوا اسْتَجِيبُوا للّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذا دَعاكُمْ لِما يُحييكُمْ ) ( [38])، قال: ثمّ قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) لأُعلمنك أعظم سورة في القرآن، فكأنّه بينها أو نسي، فقلت: يا رسول اللّه الذي قلت.
قال : الحمد للّه ربّ العالمين، هي السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أُوتيته.( [39])
16. أخرج الدارقطني والبيهقي عن أبي هريرة «انّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كان إذا قرأ ـ و هو يؤم الناس ـ افتتح بسم اللّه الرحمن الرحيم» قال أبو هريرة: آية من كتاب اللّه، اقرأوا إن شئتم فاتحة الكتاب، فانّها الآية السابعة.( [40])
17. أخرج الدارقطني والبيهقي في السنن بسند صحيح عن عبد خير، قال: سئل علي رضي اللّه عنه عن السبع المثاني، فقال: «الحمد للّه ربّ العالمين » فقيل له: إنّما هي ست آيات! فقال: «بسم اللّه الرّحمن الرّحيم» آية.( [41])
18. أخرج ابن الأنباري في المصاحف عن أُمّ سلمة قالت: قرأ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) ( بسم اللّه الرّحمن الرّحيم * الحمد للّه ربّ العالمين * الرّحمن الرّحيم * مالك يوم الدين * اياك نعبد واياك نستعين * اهدنا الصراط المستقيم * صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين ) وقال: هي سبع يا أُمّ سلمة.( [42])
فاتحة الكتاب سبع آيات مع البسملة
إنّ فاتحة الكتاب آيات سبع إذا قلنا بكون التسمية جزءاً منها ولذلك ترى أنّ المصاحف المعروفة تعد البسملة آية من سورة الفاتحة وإن كان يترك عدّها آية من سائر السور، وعلى ذلك يكون عدد الآيات سبعاً كالشكل التالي:
( بسم اللّه الرّحمن الرحيم(1) الحَمدُ للّه رَبّ العالمين(2) الرّحمن الرَّحيم(3) مالكِ يَوم الدِّين(4) اِيّاكَ نَعْبُدُ وَإِيّاكَ نَسْتَعين(5) اِهدِنا الصِّراط المُسْتَقيم(6) صِراطَ الَّذِينَ أَنعمت عَلَيْهِم غَير المَغضُوب عَلَيْهِمْ وَلا الضّالّين(7) ) .
فترى أنّ كلّ آية جملة تامة، وأمّا من لم يجعل التسمية من السبع فقد جعل ( صراط الّذين أنعمت عليهم ) آية، ( غير المغضوب عليهم ولا الضّالين ) آية أُخرى، ومعنى ذلك جعل المبدل منه آية والبدل آية أُخرى، وهذا ما لا يستسيغه الذوق السليم.
كما أنّ من حاول أن يجعل ( إيّاك نعبد ) آية، ( وإيّاك نستعين ) آية أُخرى فقد سلك مسلكاً وعراً، فإنّ الجملتين كسبيكة واحدة تنص على التوحيد في العبادة والاستعانة فما معنى الفصل بينهما.
هذا بعض ما وقفنا عليه من روايات أهل السنّة الدالة على أنّ البسملة جزء من الفاتحة، ويدلّ عليه أيضاً أمران آخران:
1. ما سيمرّ عليك من أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وأصحابه كانوا يجهرون بالبسملة.
2. ما يدلّ على أنّ البسملة جزء من كلّ سورة.
غير انّه رعاية لنظام البحث فصلنا ما يدلّ على الجهر بالبسملة في قراءة الفاتحة عن ذكر البسملة، كما فصلنا ما يدلّ على أنّ البسملة جزء من كلّ سورة.
روايات أئمّة أهل البيت (عليهم السلام)
أمّا ما روي عن أئمّة أهل البيت (عليهم السلام) فحدِّث عنه ولا حرج، ولنذكر بعض ما روي عنهم (عليهم السلام) :
1. أخرج الشيخ في «التهذيب» عن محمد بن مسلم قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن السبع المثاني والقرآن العظيم، أهي الفاتحة؟ قال: «نعم»، قلت: بسم اللّه الرّحمن الرحيم من السبع؟ قال: نعم، هي أفضلهن.( [43])
2. أخرج الشيخ في «التهذيب» عن عبد اللّه بن يحيى الكاهلي، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) ، عن أبيه قال: «بسم اللّه الرّحمن الرّحيم أقرب إلى اسم اللّه الأعظم من ناظر العين إلى بياضها».( [44])
3. أخرج الكليني عن معاوية بن عمّار، قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) : إذا قمت للصلاة أقرأ بسم اللّه الرّحمن الرحيم في فاتحة الكتاب؟ قال: «نعم».( [45])
4. أخرج الصدوق في «عيون الأخبار» عن الحسن ابن علي العسكري (عليه السلام) ، قال: قيل لأمير المؤمنين (عليه السلام) أخبرنا عن بسم اللّه الرّحمن الرّحيم، أهي من فاتحة الكتاب؟ قال: «نعم، كان رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) يقرأها ويعدها آية، ويقول: فاتحة الكتاب هي السبع المثاني».( [46])
إلى غير ذلك ممّا ورد عن أئمّة أهل البيت (عليهم السلام) في جزئيّة البسملة من الفاتحة.
ويؤيّد ذلك أنّ المأثور المشهور عن رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) قوله: «كلّ أمر ذي بال لا يبدأ ببسم اللّه أقطع، وكلّ أمر ذي بال لا يبدأ فيه ببسم اللّه فهو أبتر أو أجذم».( [47])
ومن المعلوم أنّ القرآن أفضل ما أوحاه اللّه تعالى إلى أنبيائه ورسله وانّ كلّ سورة منه ذات بال وعظمة تحدّى اللّه بها البشر فعجزوا عن أن يأتوا بمثلها، فهل يمكن أن يكون القرآن أقطع؟ تعالى اللّه وتعالى فرقانه الحكيم وتعالت سوره عن ذلك علوّاً كبيراً.
والصلاة هي الفلاح وهي خير العمل كما ينادى به في أعلى المنائر والمنابر ويعرفه البادي والحاضر، لا يوازنها ولا يكايلها شي بعد الإيمان باللّه تعالى وكتبه ورسله واليوم الآخر، فهل يجوز أن يشرعها اللّه تعالى بتراء جذماء؟! انّ هذا لا يجرؤ على القول به برّ ولا فاجر، لكن الأئمّة البررة مالكاًوالأوزاعي وأبا حنيفة رضي اللّه عنهم ذهلوا عن هذه اللوازم، وكلّ مجتهد في الاستنباط من الأدلّة الشرعية معذور ومأجور إن أصاب وإن أخطأ.( [48])
4
التسمية ولزوم الجهر بها
قد أثبت البحث السالف الذكر انّ التسمية جزء من فاتحة الكتاب ومن صميمها، فلا تتم السورة إلاّبقراءتها، وأمّا الجهر بها فحكمه كحكم سائر أجزاء السورة، فلو كانت الصلاة من الصلوات الجهرية يجب الجهر بها ما لم يدلّ دليل على جواز المخافتة، مضافاً إلى أنّه قد تضافرت الروايات على لزوم الجهر بها، ويستفاد ذلك من الروايات التالية:
1. أخرج الحاكم عن أبي هريرة قال: كان رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) يجهر ببسم اللّه الرحمن الرحيم.( [49])
2. أخرج الحاكم عن أنس بن مالك قال: سمعت رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) جهر ببسم اللّه الرحمن الرحيم. وقال: رواة هذا الحديث عن آخرهم ثقات، وأقرّه على ذلك الذهبي في تلخيصه.( [50])
3. أخرج الحاكم في مستدركه عن محمد بن أبي السري العسقلاني ، قال: صليت خلف المعتمر بن سليمان ما، لا أحصي صلاة الصبح والمغرب فكان يجهر ببسم اللّه الرحمن الرحيم قبل فاتحة الكتاب وبعدها، وسمعت المعتمر يقول: ما آلو أن اقتدي بصلاة أبي، وقال أبي: ما آلو أن اقتدى بصلاة أنس بن مالك، وقال أنس ابن مالك: ما آلو أن اقتدي بصلاة رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) .
رواة هذا الحديث عن آخرهم ثقات، وأقرّه على ذلك الذهبي في تلخيصه.( [51])
4. أخرج الحاكم عن حُميد الطويل، عن أنس، قال: صلّيت خلف النبي صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم وخلف أبي بكر وخلف عمر وخلف عثمان وخلف علي كلّهم كانوا يجهرون بقراءة بسم اللّه الرحمن الرحيم ، ثمّ قال:
وقد بقي في الباب عن أمير المؤمنين عثمان و علي، وطلحة بن عبيد اللّه، وجابر بن عبد اللّه، وعبد اللّه بن عمر، والحكم بن عمير الثمالي، والنعمان بن بشير، وسمرة بن جندب، وبريدة الأسلمي، وعائشة بنت الصديق كلّها مخرجة عندي في الباب، تركتها إيثاراً للتخفيف واختصرت منها ما يليق بهذا الباب، وكذلك ذكرت في الباب من جهر ببسم اللّه الرحمن الرحيم من الصحابة والتابعين وأتباعهم.( [52])
وبما انّ الكلام الأخير الذي يدّعي إطباق الأئمة على الجهر بالتسمية في الصلوات يخالف مذهب إمام الذهبي، فغاظ غيظه وادّعى انّ نسبة الجهر إلى هؤلاء كذب محض، ثمّ حلف على صدق مدّعاه مع أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: «البينة على المدّعي واليمين على المنكر» فمن يدّعي الكذب فعليه البيّنة لا الحلف، وإلاّ ففي وسع كلّ من يرى الحديث مخالفاً لهواه وللمذهب الذي نشأ عليه أن يحلف على كذبه.
5. ما رواه الإمام الشافعي في مسنده انّ معاوية قدم المدينة فصلّى بها ولم يقرأ بسم اللّه الرحمن الرحيم، فاعترض عليه المهاجرون والأنصار بقولهم: يا معاوية سرقت منّا الصلاة، أين بسم اللّه الرّحمن الرّحيم؟!
وعلّق عليه الشافعي بقوله: فلولا أنّ الجهر بالتسمية كان كالأمر المتقرر عند كلّ الصحابة من المهاجرين والأنصار، وإلاّ لما قدروا على إظهار الإنكار عليه بسبب ترك التسمية.
6. وأخرجه الحاكم بنحو آخر وقال: إنّ أنس بن مالك قال: صلّى معاوية بالمدينة صلاة فجهر فيها بالقراءة فقرأ فيها بسم اللّه الرحمن الرحيم لأُمّ القرآن ولم يقرأ بسم اللّه الرحمن الرحيم للسورة التي بعدها حتّى قضى تلك القراءة، فلمّا سلّم ناداه من سمع ذلك من المهاجرين والأنصار من كلّ مكان: أسرقت الصلاة أم نسيت؟! فلمّـا صلّى بعد ذلك قرأ بسم اللّه الرّحمن الرّحيم للسورة التي بعد أُمّ القرآن وكبّـر حين يهوي ساجداً.
قال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط مسلم فقد احتج بعبد المجيد بن عبد العزيز وسائر الرواة متفق على عدالتهم، وأقرّه على ذلك الذهبي في تلخيصه.
7. قال الرازي في تفسيره : إنّ البيهقي روى الجهر ببسم اللّه الرّحمن الرحيم في سننه عن عمر بن الخطاب وابن عباس وابن عمر وابن الزبير، ثمّ قال الرازي ما هذا لفظه: وأمّا انّ علي بن أبي طالب كان يجهر بالتسمية فقد ثبت بالتواتر و من اقتدى في دينه بعلي بن أبي طالب فقد اهتدى، قال: والدليل عليه قول رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : اللّهم أدر الحقّ مع علي حيث دار.( [53])
8. أخرج البزار و الدارقطني والبيهقي في «شعب الإيمان» من طريق أبي الطفيل قال سمعت علي بن أبي طالب وعمار يقولان: إنّ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) كان يجهر في المكتوبات بـ «بسم اللّه الرحمن الرحيم» في فاتحة الكتاب.( [54])
9. أخرج الدارقطني عن عائشة انّ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) كان يجهر بـ «بسم اللّه الرّحمن الرّحيم».( [55])
10. أخرج الدارقطني عن النعمان بن بشير قال: قال رسول اللّه: «أمّني جبرئيل (عليه السلام) عند الكعبة فجهر بـ «بسم اللّه الرحمن الرحيم».( [56])
11. أخرج الدارقطني عن علي بن أبي طالب (عليه السلام) قال: كان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يجهر بـ «بسم اللّه الرحمن الرحيم» في السورتين جميعاً.( [57]) 12. أخرج الدارقطني والحاكم والبيهقي عن أبي هريرة، وكان رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) يجهر بـ «بسم اللّه الرّحمن الرّحيم» في الصلاة و زاد البيهقي: «فترك الناس ذلك».( [58])
13. أخرج الدارقطني عن عبد اللّه بن عمر قال: «صلّيت خلف النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وأبي بكر وعمر فكانوا يجهرون بـ «بسم اللّه الرحمن الرحيم».( [59])
14. أخرج الثعلبي عن علي بن زيد بن جدعان انّ العبادلة كانوا يستفتحون القراءة بـ «بسم اللّه الرحمن الرحيم» يجهرون بها: عبد اللّه بن عباس و عبد اللّه بن عمر، و عبد اللّه بن الزبير.( [60])
15. أخرج البيهقي عن الزهري قال: من سنّة الصلاة أن تقرأ بسم اللّه الرّحمن الرّحيم، وانّ أوّل من أسرّ «بسم اللّه الرحمن الرحيم» عمرو بن سعيد بن العاص بالمدينة وكان رجلاً حييّا.( [61])
16. أخرج الدارقطني عن أبي هريرة قال: قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) علّمني جبرئيل الصلاة ، فقام فكبّر لنا ثمّ قرأ «بسم اللّه الرحمن الرحيم» فيما يجهر، في كلّ ركعة .( [62])
17. أخرج الدارقطني عن الحكم بن عمير ـ وكان بدرياً ـ قال: صلّيت خلف النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فجهر في الصلاة بـ «بسم اللّه» و صلاة الليل، وصلاة الفجر وصلاة الجمعة.( [63])
وقد احتجّ الرازي على لزوم الجهر بالتسمية في الصلوات الجهرية بما أوعزنا إليه في صدر البحث من أنّ حكم جزء السورة كحكم كلّها ولا يصحّ التبعيض بين الكل والجزء إلاّ بدليل قاطع، وقد ذكره الرازي باللفظ التالي:
قد دللنا على أنّ التسمية آية من الفاتحة، وإذا ثبت هذا فنقول: الاستقراء دلّ على أنّ السورة الواحدة إمّا أن تكون بتمامها سرية أو جهرية، فأمّا أن يكون بعضها سرياً وبعضها جهرياً فهذا مفقود في جميع السور، وإذا ثبت هذا كان الجهر بالتسمية مشروعاً في القراءة الجهرية.( [64])
أئمّة أهل البيت (عليهم السلام) والجهر بالبسملة
تضافرت الروايات عن أئمّة أهل البيت (عليهم السلام) على الجهر بالبسملة، وكانت سيرة الإمام علي (عليه السلام) والأئمّة (عليهم السلام) بعده على الجهر بها، نقتطف شيئاً ممّا أثر عنهم:
18. أخرج الشيخ أبو الفتوح الرازي في تفسيره باسناده إلى الرضا، عن أبيه، عن الصادق (عليهم السلام) قال: «اجتمع آل محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم) على الجهر ببسم اللّه الرحمن الرحيم».( [65])
19. أخرج علي بن إبراهيم في تفسيره باسناده عن ابن أُذينة قال: قال أبو عبد اللّه (عليه السلام) : «بسم اللّه الرحمن الرحيم» أحقّ ما جهر به وهي الآية التي قال اللّه عزّوجلّ: ( وَإِذا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلى أَدْبارِهِمْ نُفُوراً ) ( [66]) . ( [67])
20. أخرج الصدوق باسناده عن الأعمش عن جعفر بن محمد(عليهما السلام) انّه قال: «والإجهار ببسم اللّه الرحمن الرحيم في الصلاة واجب».( [68])
21. أخرج الصدوق باسناده عن الفضل بن شاذان فيما كتبه الرضا للمأمون في بيان محض الإسلام جاء فيه: «والإجهار ببسم اللّه الرحمن الرحيم في جميع الصلوات سنّة» .( [69])
22. وعن الرضا (عليه السلام) انّه كان يجهر ببسم اللّه الرّحمن الرحيم في جميع صلواته بالليل والنهار.( [70])
23. أخرج الكليني عن صفوان الجمّال قال: صلّيت خلف أبي عبد اللّه (عليه السلام) أيّاماً، فكان إذا كانت صلاة لايجهر فيها، جهر ببسم اللّه الرحمن الرحيم، وكان يجهر في السورتين. ( [71])
24. أخرج العياشي عن خالد المختار قال: سمعت جعفر بن محمد يقول: «ما لهم عمدوا إلى أعظم آية في كتاب اللّه فزعموا انّها بدعة إذا أظهروها، وهي بسم اللّه الرحمن الرحيم».( [72]) 25. أخرج الكليني عن يحيى بن أبي عمران الهمداني قال: كتبت إلى أبي جعفر [ الجواد ] (عليه السلام) : جعلت فداك ما تقول في رجل ابتدأ ببسم اللّه الرحمن الرحيم في صلاته وحده في أُمّ الكتاب فلمّا صار إلى غير أُمّ الكتاب من السورة تركها، فقال العباسي: ليس بذلك بأس؟
فكتب بخطّه: «يعيدها مرّتين على رغم أنفه ـ يعني العباسي ـ».( [73])
ولعلّ فيما ذكر من الروايات غنى وكفاية، لطالب الحقّ ورائد الحقيقة.
5
حجّة المخالف على أنّ التسمية ليست جزءاً
من الفاتحة أو لا يجهر بها
وقد تجلّت الحقيقة بأجلى مظاهرها وظهرت بأوضح الدلائل، انّ البسملة جزء من الفاتحة وانّها يجهر بها في الصلوات الجهرية لزوماً، وهناك روايات غريبة بين ما يدلّ على أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إمّا تركها بتاتاً أو لم يجهربها، لكن مضمون بعضها أوضح دليل على كذبها ووضعها نذكرها تباعاً.
1. أخرج مسلم عن شعبة قال: سمعت قتادة يحدّث عن أنس قال: صلّيت مع رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) وأبي بكر وعمر و عثمان فلم أسمع أحداً منهم يقرأ بسم اللّه الرّحمن الرحيم.
2. وأخرجه أيضاً بسند آخر عن أنس بن مالك انّه قال: صلّيت خلف النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وأبي بكر وعمر وعثمان فكانوا يستفتحون بـ «الحمد للّه ربّ العالمين» لا يذكرون بسم اللّه الرحمن الرحيم في أوّل قراءة ولا في آخرها.( [74])
يلاحظ عليه: بأنّه معارض بما أخرج الحاكم عن أنس بن مالك قال: سمعت رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) جهر ببسم اللّه الرحمن الرحيم.( [75])
فلأجل هذا التعارض لا يمكن الاعتماد عليه.
وقد كفانا الرازي في الإجابة عن الحديثين اللّذين هما العمدة في القول بالترك أو بالسرّ قال:
قال الشيخ أبو حامد الاسفرايني: روي عن أنس في هذا الباب ست روايات، أمّا الحنفية فقد رووا عنه ثلاث روايات: إحداها قوله: صلّيت خلف رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وخلف أبي بكر وعمر وعثمان، فكانوا يستفتحون الصلاة بالحمد للّه ربّ العالمين.
وثانيتها قوله: إنّهم ما كانوا يذكرون بسم اللّه الرحمن الرحيم.
وثالثتها قوله: لم أسمع أحداً منهم قال بسم اللّه الرحمن الرحيم، فهذه الروايات الثلاث تقوي قول الحنفية، وثلاث أُخرى تناقض قولهم:
إحداها: ما ذكرنا أنّ أنساً روى أنّ معاوية لمّا ترك بسم اللّه الرحمن الرحيم في الصلاة أنكر عليه المهاجرون والأنصار، وقد بيّنا أنّ هذا يدلّ على أنّ الجهر بهذه الكلمات كالأمر المتواتر فيما بينهم.
وثانيتها: روى أبو قلابة عن أنس أنّ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) و أبا بكر وعمر كانوا يجهرون ببسم اللّه الرّحمن الرحيم.
وثالثتها: أنّه سئل عن الجهر ببسم اللّه الرحمن الرحيم والإسرار به فقال: لا أدري هذه المسألة. فثبت أنّ الرواية عن أنس في هذه المسألة قد عظم فيها الخبط والاضطراب، فبقيت متعارضة فوجب الرجوع إلى سائر الدلائل.
قال الشافعي: لعلّ المراد من قول أنس كان رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) يستفتح الصلاة بالحمد للّه ربّ العالمين أنّه كان يقدّم هذه السورة في القراءة على غيرها من السور، فقوله : الحمد للّه ربّ العالمين المراد منه تمام هذه، فجعل هذه اللفظة اسماً لهذه السورة.
وأيضاً ففيها تهمة أُخرى، وهي أنّ عليّاً (عليه السلام) كان يبالغ في الجهر بالتسمية، فلما وصلت الدولة إلى بني أُميّة بالغوا في المنع من الجهر، سعياً في إبطال آثار علي (عليه السلام) ، فلعلّ أنساً خاف منهم، فلهذا السبب اضطربت أقواله فيه، ونحن و إن شككنا في شي فانّا لا نشكّ أنّه مهما وقع التعارض بين قول أنس وقول علي بن أبي طالب (عليه السلام) الذي بقى عليه طول عمره، فانّ الأخذ بقول علي أولى، فهذا جواب قاطع في المسألة. 3. أخرج ابن أبي شيبة والترمذي والنسائي وابن ماجة والبيهقي عن عبد اللّه بن مغفل قال: سمعني أبي وأنا أقرأ «بسم اللّه الرّحمن الرّحيم» فقال: أي بُني محدِث؟ صلّيت خلف رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) وأبي بكر، وعمر وعثمان، فلم أسمع أحداً منهم جهر ببسم اللّه الرّحمن الرّحيم.( [76])
وقد أجاب الرازي عن هذا الحديث بقوله: إنّ الجواب بوجوه:
الأوّل: أنّ راوي أخباركم أنس وابن المغفل، وراوي قولنا علي بن أبي طالب (عليه السلام) وابن عباس و ابن عمر و أبو هريرة، وهؤلاء كانوا أكثر علماً و قرباً من رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) من أنس و ابن المغفل.
الثاني: أنّ من المعلوم بالضرورة أنّ النبي (عليه السلام) كان يقدّم الأكابر على الأصاغر، والعلماء على غير العلماء، والأشراف على الأعراب، ولا شكّ أنّ علياً وابن عباس وابن عمر كانوا أعلى حالاً في العلم والشرف وعلوّ الدرجة من أنس و ابن المغفل، والغاية على الظن أنّ علياً وابن عباس وابن عمر كانوا يقفون بالقرب من رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وكان أنس و ابن المغفل يقفان بالبعد منه، وأيضاً أنّه (عليه السلام) ما كان يبالغ في الجهر امتثالاً لقوله تعالى: ( وَلا تَجْهَر بِصَلاَتِكَ ولا تُخافِتْ بِها ) ( [77]) ، وأيضاً فالإنسان أوّل ما يَشْرع في القراءة إنّما يَشْرع فيها بصوت ضعيف ثمّ لا يزال يقوى صوته ساعة فساعة، فهذه أسباب ظاهرة في أن يكون علي و ابن عباس وابن عمر و أبوهريرة سمعوا الجهر بالتسمية من رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) وإنّ أنساً و ابن المغفل ما سمعاه.
الثالث: لعلّ المراد من عدم الجهر في حديث ابن المغفل عدم المبالغة في رفع الصوت، كما قال تعالى: ( وَلا تَجْهَر بِصَلاَتِكَ ولا تُخافِتْ بِها ) .
الرابع: أنّ الدلائل العقلية موافقة لنا، وعمل علي ابن أبي طالب (عليه السلام) معنا، ومن اتّخذ علياً إماماً لدينه فقد استمسك بالعروة الوثقى في دينه ونفسه.
4. ما روي عن أبي هريرة، انّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: يقول اللّه تعالى: قسمت الصلاة بيني و بين عبدي نصفين، فلما قال العبد: الحمد للّه ربّ العالمين، يقول اللّه تعالى: حمدني عبدي، وإذا قال: الرّحمن الرّحيم، يقول اللّه تعالى: أثنى علىَّ عبدي، وإذا قال: مالك يوم الدين، يقول اللّه تعالى: مجّدني عبدي، وإذا قال: إياك نعبد وإياك نستعين يقول اللّه تعالى: هذا بيني و بين عبدي.
والاستدلال بهذا الخبر من وجهين:
الأوّل: انّه عليه الصلاة والسلام لم يذكر التسمية ولو كانت آية من الفاتحة لذكرها.
الثاني: انّه تعالى قال: جعلت الصلاة بيني و بين عبدي نصفين، والمراد من الصلاة، الفاتحة، وهذا التنصيف إنّما يحصل إذا قلنا بأنّ التسمية ليست آية من الفاتحة، لأنّ الفاتحة سبع آيات، فيجب أن يكون فيها للّه ثلاث آيات ونصف، وهي من قوله: ( الحمد للّه ) إلى قوله: ( إيّاك نعبد ) و للعبد ثلاث آيات و نصف وهي من قوله: ( إيّاك نعبد وإيّاك نستعين ) إلى آخر السورة.
أمّا إذا جعلنا «بسم اللّه الرحمن الرحيم» آية من الفاتحة حصل للّه أربع آيات ونصف وللعبد آيتان( [78]) ونصف، وذلك يبطل التنصيف المذكور.( [79])
يلاحظ عليه أوّلاً: بأنّه معارض بخبر ابن عباس مرفوعاً وفيه: قسّمت الصلاة بيني و بين عبدي، فإذا قال العبد: بسم اللّه الرّحمن الرحيم، قال اللّه تعالى: دعاني عبدي إلى آخر الحديث، وقد اشتملت الرواية على البسملة وليست في مرفوعة ابن عباس كلمة نصفين، والتقسيم لا يستدعي المساواة من حيث العدد.
قال الرازي: إنّ لفظ النصف كما يحتمل النصف في عدد الآيات يحتمل النصف في المعنى، قال (عليه السلام) : الفرائض نصف العلم، وسمّـاه بالنصف من حيث إنّه بحث عن أحوال الأموات والموت والحياة قسمان.
وثانياً: انّ أبا هريرة روى عن رسول اللّه الجهر ببسم اللّه الرّحمن الرّحيم وكان هو يجهر بها ويقول: إنّي لأشبهكم صلاة برسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وقد مرّ عليك حديثه في ذلك.( [80])
5. روت عائشة انّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كان يفتتح الصلاة بالتكبير والقراءة بالحمد للّه ربّ العالمين، و هذا يدلّ على أنّ التسمية ليست آية من الفاتحة.
يلاحظ عليه: أنّ عائشة جعلت الحمد للّه ربّ العالمين اسماً لهذه السورة، كما يقال: قرأ فلان ( الحمد للّه الّذي خلق السموات ) والمراد انّه قرأ هذه السورة فكذا هاهنا.
أقول: ما أكثر التعبير عن مجموع السورة بالآية التي وردت في أوّلها فيقال: قرأ فلان سورة ( قُل هُو اللّه أَحد ) أو قرأ سورة ( يسبح للّه ما في السموات ) وما أشبه ذلك، فيكون معنى الحديث انّه كان يفتتح الصلاة بالتكبير وبقراءة هذه السورة التي أوّلها «بسم اللّه الرّحمن الرّحيم...الخ.( [81])
ما يكذّبه التاريخ الصحيح
6. أخرج الطبراني من طريق سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: كان رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : إذا قرأ «بسم اللّه الرحمن الرحيم» هزأ منه المشركون وقالوا: محمد يذكر إله اليمامة، وكان مسيلمة يتسمّى الرحمان، فلمّـا نزلت هذه الآية أمر رسول اللّه أن لايجهر بها.( [82])
وهو نفس ما أخرجه ابن داود عن سعيد بن جبير قال: كان رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) يجهر ببسم اللّه الرّحمن الرّحيم، وكان أهل مكة يسمّون مسيلمة «الرحمن» فقالوا: إنّ محمّداً يدعو إلى إله اليمامة، فأمر رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) بإخفائها فما جهر بها حتّى مات.( [83])
ولكن التاريخ يكذّب الرواية مهما صحّح سندها أو أرسلت إرسالَ المسلّم، لأنّه ما علا أمرُ مسيلمة إلاّفي السنة العاشرة من الهجرة، وأين هو من بدء الهجرة وصدر البعثة؟!
روى الطبري وغيره انّ مسيلمة وفد إلى النبي مع جماعة وأسلم، ولمّا عاد إلى موطنه ادّعى النبوة، والتفّ حوله عصابة من قومه تعصباً، وقد نقل انّ واحداً من أتباعه سأل مسيلمة ذات مرة وقال: من يأتيك؟
قال مسيلمة: رحمان.
قال السائل: أفي نور أم في ظلمة؟
فأجاب: في ظلمة. فقال السائل: أشهد انّك كذّاب وانّ محمّداً صادق، ولكنّ كذّابَ ربيعة أحبّ إلينا من صادق مُضر.( [84])
قال شيخنا «معرفة» في موسوعته الروائية للتفسير :كانت العرب تعرف «الرحمان» وانّه ربّ العالمين ( وَقالُوا لَوْ شاءَ الرَّحْمنُ مَا عَبَدْناهُمْ ) ( [85]) ، ( قَالُوا ما أَنتُم إِلاّبَشرٌ مِثلُنا وَما أَنزلَ الرّحمنُ مِن شَيء ) ( [86]) وقد خاطبهم اللّه سبحانه بهذا الوصف أزيد من خمسين موضعاً، فكيف يا تُرى أنكروا وصفه تعالى بهذا الوصف وزُعِم أنّه مستعار من وصف صاحب اليمامة؟!
وأمّا قوله سبحانه: ( وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا للرَّحْمنِ قالُوا وَمَا الرَّحمنُ أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا وَزَادَهُمْ نُفُوراً ) ( [87])، فليس إنكارهم دليلاً على عدم عرفانهم، فانّ قولهم: ( وَما الرْحمن ) مثل قول فرعون: ( وما رَبُّ
العالَمين ) استهزاء بموضع الكليم في دعوته إلى عبادة اللّه بما انّه إله واحد لا شريك له.
7. أخرج ابن شيبة عن ابن عباس قال: الجهر ببسم اللّه الرحمن الرحيم قراءة الاعراب.( [88])
باللّه عليك هل كان الإمام علي (عليه السلام) الذي اشتهر بأنّه كان يجهر بها في صلواته عامة، من الأعراب؟! وهل الإمام الشافعي و من أخذ عنه أو أخذ منه ، الذين كانوا يجهرون بها في الصلوات الجهرية من الأعراب؟! ( ما لكم كيف تحكمون ) .
8. ونظيره ما أخرجه ابن أبي شيبة عن إبراهيم النخعي قال: جهر الإمام ببسم اللّه الرحمن الرحيم بدعة.( [89])
وقد كانت الأئمة الذين أخذ إبراهيم عنهم الفقه، يجهرون بالتسمية فهل أخذ الفقه من المبدعة؟!
كلّ ذلك يشهد على أنّ عزو هذه الأقاويل إلى أئمّة الحديث والفقه، كذب مفترى.
إلى هنا تمّ الكلام في الأمرين التاليين:
أ . انّ التسمية جزء من الفاتحة.
ب. انّ التسمية يجهر بها في الصلوات الجهرية.
6
البسملة جزء من مفتتح كلّ سورة
قد أوقفك البحث السابق على أنّ التسمية جزء من الفاتحة، وأنّه يجب الجهر بها في الصلوات الجهرية بلا ريب.
بقي الكلام في البحث الثالث وهو انّ التسمية جزء من مفتتح كلّ سورة إلاّ سورة التوبة، ويدلّ على ذلك الأُمور التالية:
الأوّل : انّ الصحابة كافة فالتابعين أجمعين فسائر تابعيهم وتابعي التابعين في كلّ خلف من هذه الأُمّة منذ دوّن القرآن إلى يومنا هذا مجمعون إجماعاً عملياً على كتابة البسملة في مفتتح كلّ سورة خلا براءة. كتبوها كما كتبوا غيرها من سائر الآيات بدون ميزة مع أنّهم كافة متصافقون على أن لا يكتبوا شيئاً من غير القرآن إلاّ بميزة بيّنة حرصاً منهم على أن لا يختلط فيه شي من غيره، ألا تراهم كيف ميّزوا عنه أسماء سوره ورموز أجزائه وأحزابه وأرباعه وأخماسه وأعشاره فوضعوها خارجة عن السور على وجه يعلم منه خروجها عن القرآن احتفاظاً به واحتياطاً عليه، ولعلّك تعلم أنّ الأُمّة قل ما اجتمعت بقضها وقضيضها على أمر كاجتماعها على ذلك، وهذا بمجرده دليل على أنّ بسم اللّه الرّحمن الرّحيم آية مستقلة في مفتتح كلّ سورة رسمها السلف والخلف في مفتتحها.( [90])
الثاني: أخرج الحاكم عن ابن عباس انّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كان إذا جاءه جبرئيل فقرأ بسم اللّه الرّحمن الرّحيم علم أنّها سورة . هذا حديث صحيح الاسناد ولم يخرجاه.( [91])
الثالث: أخرج الحاكم عن ابن عباس(رضي الله عنه) قال: كان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لا يعلم ختم السورة حتّى تنزل بسم اللّه الرّحمن الرّحيم. قال الحاكم هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، وأقرّه على صحّته الذهبي في تلخيص المستدرك.( [92])
الرابع: أخرج الحاكم عن ابن عباس قال: كان المسلمون لا يعلمون انقضاء السورة حتّى تنزل بسم اللّه الرّحمن الرّحيم، فإذا نزلت بسم اللّه الرّحمن الرّحيم علموا أنّ السورة قد انقضت.( [93])
الخامس: روى ابن ضريس عن ابن عباس قال: بسم اللّه الرّحمن الرّحيم آية.( [94])
السادس: أخرج الواحدي عن عبد اللّه بن عمر قال: أنزلت بسم اللّه الرّحمن الرّحيم في كلّ سورة.( [95]) السابع: أخرج الطبراني في الأوسط والدارقطني والبيهقي عن نافع انّ ابن عمر كان إذا افتتح الصلاة يقرأ بـسم اللّه الرّحمن الرّحيم في أُمّ القرآن وفي السورة التي تليها ويذكر انّه سمع ذلك من رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) .( [96])
( وتَمَّت كَلمَةُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلاً لا مُبدِّلَ لِكَلماتهِ وَهُوَ السَّميعُ الْعَلِيم ) .( [97])

[1] .  المائدة: 3 .
[2] .  آل عمران: 103 .
[3] . لسان العرب والمصباح المنير: مادة بسملة.
[4] .  الفرقان: 60 .
[5] .  سيرة ابن هشام:2/ 317.
[6] .  التفسير الكبير:1/ 204.
[7] . كنز العمال:1/655 رقم 2492; تفسير ابن كثير: 1/17; بحارالأنوار: 89/227رقم 4.
[8] .  تفسير العياشي:1/19رقم 4.
[9] . التهذيب:2/289رقم 1159.
[10] . بداية المجتهد:1/ 124.
[11] . الخلاف:1/328، المسألة82 من كتاب الصلاة.
[12] .  تفسير العياشي:1/21، الحديث 16.
[13] . مسند الشافعي: 13، ونقله الرازي بتمامه في تفسيره الكبير:1/204و المستدرك:1/ 233.
[14] . المستدرك:1/ 232.
[15] . المستدرك:1/ 232.
[16] . المستدرك:1/ 232.
[17] .  المستدرك:1/ 232.
[18] . المستدرك:2/ 233.
[19] .  المستدرك:1/551، تفسير سورة الفاتحة.
[20] . الدر المنثور:1/ 21.
[21] .  كنز العمال:2/297 رقم 4049.
[22] . كنزالعمال: 1/556برقم 2494.
[23] .  الدرالمنثور:1/11; السنن الكبرى:2/ 45.
[24] .  المعجم الأوسط:1/257; السنن الكبرى:2/48; مجمع الزوائد:2/ 109.
[25] . الترمذي:1/155، ح245; سنن الدارقطني:1/303; السنن الكبرى:2/ 47.
[26] . السنن الكبرى:2/47; سنن الدارقطني:1/ 305.
[27] . شعب الإيمان:2/439ـ 440، ح 2336.
[28] . الحجر:87 .
[29] . تفسير الطبري:14/ 37.
[30] . تفسير الطبري:14/ 37.
[31] .  تفسير الطبري:14/ 38.
[32] . تفسير الطبري:14/ 40.
[33] . المستدرك:2/ 258.
[34] . تفسير الطبري:14/ 41.
[35] . تفسير الطبري:14/ 41.
[36] . الدر المنثور:5/ 94.
[37] . تفسير الطبري:14/ 38.
[38] . الأنفال: 24.
[39] . تفسير الطبري:14/ 41.
[40] . السنن الكبري:2/47; سنن الدارقطني:1/ 305.
[41] .  سنن الدارقطني:1/311; السنن الكبرى:2/ 45.
[42] . الدر المنثور:1/ 12.
[43] .  التهذيب:2/289، برقم 1157.
[44] .  التهذيب:2/289، برقم 1159.
[45] . الكافي:3/312، الحديث 1.
[46] .  عيون أخبار الرضا:2/ 11.
[47] . التفسير الكبير للرازي:1/ 198.
[48] .  مسائل فقهية:28ـ 29.
[49] .  المستدرك:1/ 232.
[50] . المستدرك:1/ 232.
[51] . المستدرك:1/ 232.
[52] . المستدرك:1/ 232.
[53] . التفسير الكبير:1/ 204.
[54] . سنن الدار قطني:1/302، شعب الإيمان:2/436، الحديث 2322، باب تعظيم القرآن; الدر المنثور:1/21، 22.
[55] . الدرالمنثور:1/ 23.
[56] .  سنن الدارقطني:1/309; الدر المنثور:1/ 22.
[57] . سنن الدارقطني:1/302; الدرالمنثور:1/ 22.
[58] .  مستدرك الحاكم:1/208; السنن الكبرى:2/47; سنن الدارقطني:1/ 306.
[59] . سنن الدارقطني:1/305; الدرالمنثور:1/ 22.
[60] . الدر المنثور:1/ 21.
[61] . الدرالمنثور:1/ 21.
[62] . سنن الدارقطني:1/305; الدر المنثور:1/20، 21.
[63] . سنن الدارقطني:1/308; الدر المنثور:1/22، 23.
[64] . التفسير الكبير:1/ 204.
[65] . روض الجنان:1/50 و الشيخ النوري في المستدرك:4/189 رقم 4456.
[66] . الإسراء: 46.
[67] . تفسير القمّي:1/ 28.
[68] . الخصال:2/604، أبواب المائة فما فوقه، رقم 9.
[69] .  عيون أخبار الرضا :2/122، الباب 35.
[70] . عيون أخبار الرضا:2/181، الباب44 رقم 5.
[71] . الكافي:3/315، الحديث 20.
[72] . تفسير العياشي:1/21، الحديث 16.
[73] .  الكافي:3/313، الحديث 2.
[74] .  صحيح مسلم:2/12 باب حجّة من قال لا يجهر بالبسملة.
[75] . لاحظ ص 36ـ37 الرواية 2و 4.
[76] .  السنن للبيهقي:2/522; الدر المنثور:1/ 29.
[77] . الإسراء: 110.
[78] . كذا في المصدر والصحيح: ثلاث.
[79] . التفسير الكبير:1/ 201.
[80] .  انظر الحديث 12.
[81] . التفسير الكبير:1/ 202.
[82] .  الطبراني في الأوسط:5/89; الدر المنثور:1/ 29.
[83] . الدر المنثور:1/ 29.
[84] . تاريخ الطبري:2/ 508.
[85] . الزخرف: 20.
[86] .  يس:15 .
[87] . الفرقان: 60.
[88] . مصنف ابن أبي شيبة:1/441; الدر المنثور:1/ 29.
[89] .  المصنف:1/448; الدر المنثور:1/ 29ـ 30.
[90] . مسائل فقهية: 28.
[91] . المستدرك:1/ 231.
[92] . المستدرك:1/ 231.
[93] .  المستدرك:1/ 232.
[94] . الدر المنثور:1/ 20.
[95] . الدرالمنثور:1/ 20.
[96] . الدرالمنثور:1/ 22.
[97] . الأنعام: 115.