قائمة المواضيع :
الجمع بين الصلاتين على ضوء الكتاب والسنّة
الجمع بين الصلاتين
اعلم أنّ للجمع بين الصلاتين صوراً مختلفة:
1. الجمع بين الصلاتين في المزدلفة وعرفة.
2. الجمع بين الصلاتين في السفر.
3. الجمع بين الصلاتين في الحضر لأجل الأعذار كالمطر والوحل.
4. الجمع بين الصلاتين في الحضر اختياراً بلا عذر.
فالذي يعدّ من أحكام السفر هو الصورتان الأُوليان دون الصورتين الأخيرتين، وقد اتّفقت كلمة الفقهاء على الجمع في المزدلفة وعرفة واختلفت في غيرهما، فها نحن نأخذ كلّ واحدة بالبحث مع ذكر الأقوال والمصادر بوجه موجز.
1
الجمع بين الصلاتين في المزدلفة وعرفة
اتّفقت كلمة الفقهاء على رجحان الجمع بين الصلاتين في المزدلفة وعرفة من غير خلاف بينهم، قال القرطبي: أجمعوا على أنّ الجمع بين الظهر والعصر في وقت الظهر بعرفة وبين المغرب والعشاء بالمزدلفة أيضاً في وقت العشاء سنّة أيضاً، وإنّما اختلفوا في الجمع في غير هذين المكانين.( [3])
وقال ابن قدامة: قال الحسن وابن سيرين وأصحاب الرأي لا يجوز الجمع إلاّفي يوم عرفة بعرفة وليلة المزدلفة بها.( [4])
أخرج مسلم عن جابر بن عبداللّه انّ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) مكث تسع سنين لم يحج ثمّ أذن في الناس في العاشرة انّ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) حاجّ، فقدم المدينة بشر كثير كلّهم يلتمس أن يأتمّ برسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) ويعمل مثل عمله ـ إلى أن قال: ـ حتّى أتى عرفة فوجد القبة قد ضربت له بنمرة، فنزل بها حتى إذا زاغت الشمس أمر بالقصواء فرحلت له فأتى بطن الوادي وخطب الناس ـ إلى أن قال:ـ ثمّ أذّن ثمّ أقام فصلّى الظهر، ثمّ أقام فصلّى العصر ولم يصل بينهما شيئاً ـ إلى أن قال: ـ حتّى أتى المزدلفة فصلى بها المغرب والعشاء بأذان واحد وإقامتين ولم يسبح بينهما شيئاً.( [5])
وبما انّ المسألة مورد اتّفاق بين المسلمين نقتصر على هذا المقدار.
2
الجمع بين الصلاتين في السفر
ذهب معظم الفقهاء غير الحسن والنخعي وأبي حنيفة وصاحبيه إلى جواز الجمع بين الصلاتين في السفر، فيجوز عند الجمهور غير هؤلاء، الجمعُ بين الظهر والعصر تقديماً في وقت الأُولى وتأخيراً في وقت الثانية، وبين المغرب والعشاء تقديماً وتأخيراً أيضاً، فالصلوات التي تجمع هي : الظهر والعصر، المغرب والعشاء في وقت إحداهما، ويسمّى الجمع في وقت الصلوات الأُولى جمع التقديم، والجمع في وقت الصلوات الثانية جمع التأخير. وقد ذكر الشوكاني الأقوال بالنحو التالي:
1. ذهب إلى جواز الجمع في السفر مطلقاً تقديماً وتأخيراً، كثير من الصحابة والتابعين، ومن الفقهاء: الثوري والشافعي وأحمد وإسحاق والشهبي. 2. وقال قوم: لا يجوز الجمع مطلقاً إلاّ بعرفة ومزدلفة. وهو قول الحسن والنخعي وأبي حنيفة وصاحبـيه.
3. وقال الليث: وهو المشهور عن مالك انّ الجمع يختص بمن جدّ به السير.
4. وقال ابن حبيب: يختص بالسائر.
5. وقال الأوزاعي: إنّ الجمع في السفر يختصّ بمن له عذر.
6. وقال أحمد: واختاره ابن حزم، وهو مروي عن مالك انّه يجوز جمع التأخير دون التقديم.
هذه هي الأقوال الستة:
فإذا كانت المسألة على وجه الإجمال مورد اتّفاق الجمهور إلاّ من عرفت، فلابدّ من البحث في مقامين:
1. هل الجمع مختصّ بمن جدّ به السير؟
2. هل الجواز يختصّ بجمع التأخير ولا يعمّ التقديم؟
أمّا المقام الأوّل فنقول:
إنّ الأخبار الحاكية لفعل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) على صنفين:
صنف يصرح بأنّه (صلى الله عليه وآله وسلم) يجمع إذا جدّ به السير أو أعجله السير في السفر.
1. أخرج مسلم عن نافع، عن ابن عمر انّ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) كان إذا جدّ به السير جمع بين المغرب والعشاء.( [6])
2. أخرج مسلم عن سالم ،عن أبيه: رأيت رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) يجمع بين المغرب والعشاء إذا جدَّ به السير.( [7])
3. أخرج مسلم عن سالم بن عبد اللّه انّ أباه قال: رأيت رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) إذا أعجله السير في السفر يؤخّر صلاة المغرب حتّى يجمع بينها وبين صلاة العشاء.( [8])
4. أخرج مسلم عن أنس، عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إذا عجَّل عليه السفر يؤخّر الظهر إلى أوّل وقت العصر فيجمع بينهما، ويؤخّر المغرب حتّى يجمع بينها وبين العشاء حين يغيب الشفق.( [9])
وصنف آخر يحكي فعل رسول اللّه بلا قيد (إذا جدّ به السير).
1. أخرج مسلم عن أنس بن مالك قال: كان رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) إذا ارتحل قبل أن تزيغ الشمس أخَّر الظهر إلى وقت العصر ثمّ نزل فجمع بينهما، فإن زاغت الشمس قبل أن يرتحل صلّى الظهر ثمّ ركب.( [10])
2. أخرج مسلم عن أنس قال: كان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إذا أراد أن يجمع بين الصلاتين في السفر أخّر الظهر حتّى يدخل أوّل وقت العصر ثمّ يجمع بينهما.( [11]) 3. أخرج أبو داود والترمذي عن معاذ بن جبل: انّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كان في غزوة تبوك إذا ارتحل قبل أن تزيغ الشمس أخّر الظهر حتّى يجمعها إلى العصر يصلّيهما جميعاً، وإذا ارتحل بعد زيغ الشمس صلّى الظهر والعصر جميعاً ثمّ سار، وكان إذا ارتحل قبل المغرب أخّر المغرب حتّى يصلّيها مع العشاء، وكان إذا ارتحل بعد المغرب عجّل العشاء فصلاّها مع المغرب.( [12])
4. أخرج أحمد في مسنده عن ابن عباس (رضي الله عنه) عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كان في السفر إذا زاغت الشمس في منزله جمع بين الظهر والعصر قبل أن يركب، فإذا لم تزغ له في منزله، سار حتّى إذا حانت العصر نزل فجمع بين الظهر والعصر، وإذا حانت له المغرب في منزله جمع بينها و بين العشاء، وإذا لم تحن في منزله ركب حتى إذا كانت العشاء نزل فجمع بينهما.( [13])
وقال الشوكاني بعد نقله الرواية عن مسند أحمد: ورواه الشافعي في مسنده بنحوه وقال فيه: وإذا سار قبل أن تزول الشمس أخّر الظهر حتّى يجمع بينها و بين العصر في وقت العصر.( [14])
أقول: إنّ مقتضى القاعدة هو حمل المطلق على المقيد وتقييد الروايات المطلقة بما في المقيدة، حتّى أنّ أنس بن مالك نقل فعل النبي تارة على وجه الإطلاق، وأُخرى على وجه التقييد.( [15])
أضف إلى ذلك: أنّ الروايات الحاكية لفعل الرسول دليل لبّي لا لسان له، و مـا كـان هـذا شـأنه لا ينعقد فيـه الإطلاق، لأنّ الإطلاق شأن اللفظ، وليس هناك للرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) لفظ بل صدر منه عمل، نقله الراوي ولعلّ عمله كان مقارناً لما جدّ به السير ولم يذكره الراوي لعدم احتمال دخله في الحكم.
وعلى ضوء هذا لا يجمع إلاّ إذا جدّ به السير. ولعلّه إلى هذا يشير ابن رشد: والجمع إنّما نقل فعلاً فقط.( [16])
والذي يمكن أن يدعم القول الآخر (عدم الاشتراط) هو انّ القيد الوارد في الروايات (إذا جدّ به السير) من القيود الغالبيّة التي تفقد المفهوم نظير قوله سبحانه: ( وَرَبائِبُكُم اللاتي في حُجُوركم مِنْ نساءِكُمْ اللاّتي دَخَلْتُمْ بهن ) ( [17]) فان الربيبة محرمة، سواء أكانت في حُجر الرجل أم لا، لكن الغالب انّ المرأة إذا تزوّجت اصطحبت ابنتها معها إلى بيت الزوج الثاني.ولأجل ذلك حكموا على حرمة الربيبة مطلقاً، سواء كانت في حجر الزوج أو لا.
3
الجمع بين الصلاتين في الحضر لأجل العذر
المشهور هو جواز الجمع بين المغرب والعشاء لعذر خلافاً للحنفية حيث لم يجوّزوا الجمع مطلقاً إلاّ في الحج بعرفة والمزدلفة.
وأمّا القائلون بالجمع فقد اختلفوا من وجوه:
الأوّل: هل يختص الجواز بالمطر، أو يعمّه وغيره؟
الثاني: هل يختص الجواز بالمغرب والعشاء، أو يعمّ الظهر والعصر؟
الثالث: هل يختص الجواز بجمع التقديم أو يعمّ جمع التأخير؟( [18])
وإليك نقل كلماتهم في الوجوه الثلاثة. أمّا الأوّل، فالظاهر من الشافعية هو اختصاص الجواز بالمطر.
قال الشيرازي: يجوز الجمع بين الصلاتين في المطر، وأمّا الوحل والريح والظلمة والمرض فلا يجوز الجمع لأجلها.( [19])
وقال ابن رشد: أمّا الجمع في الحضر لعذر المطر فأجازه الشافعي ـ إلى أن قال: ـ وأمّا الجمع في الحضر للمريض، فأمّا مالكاً أباحه له إذا خاف أن يغمى عليه أو كان به بطن، ومنع ذلك الشافعي.( [20])
وقال في الشرح الكبير: وهل يجوز ذلك ـ وراء المطر ـ لأجل الوحل والريح الشديدة الباردة، أو لمن يصلّـي في بيته أو في مسجد طريقه تحت ساباط على وجهين.( [21])
وأمّا الثاني، أي هل يختص الجواز بالمغرب والعشاء أو يعمّ الظهرين؟
فقال ابن رشد: وأمّا الجمع في الحضر لعذر المطر فأجازه الشافعي ليلاً كان أو نهاراً، ومنعه مالك في النهار وأجازه في الليل.( [22])
وقال النووي: قال الشافعي والأصحاب يجوز الجمع بين الظهر والعصر و بين المغرب والعشاء في المطر، وحكى إمام الحرمين قولاً إنّه يجوز بين المغرب والعشاء في وقت المغرب ولا يجوز بين الظهر والعصر، وهو مذهب مالك،و قال المزني: لا يجوز مطلقاً. والمذهب الأوّل هو المعروف من نصوص الشافعي قديماً وجديداً.( [23])
وأمّا الثالث، أي اختصاص الجواز بجمع التقديم دون جمع التأخير.
فقال الشيرازي: يجوز الجمع بين الصلاتين في المطر في الوقت الأولة منهما، وهل يجوز أن يجمعهما في وقت الثانية؟ فيه قولان:
قال ] الشافعي [  في «الإملاء»: يجوز، لأنّه عذر يجوز الجمع به في وقت الأُولى فجاز الجمع في وقت الثانية كالجمع في السفر.
وقال في «الأُمّ»: لا يجوز، لأنّه إذا أخّر ربما انقطع المطر فجمع من غير عذر.( [24])
هذا إجمال الأقوال في النقاط الثلاث، ولهم اختلافات في مواضع أُخر لا حاجة لذكرها.
إذا عرفت ذلك، فالمهمّ هو وجود الدليل على جواز الجمع في الحضر لعذر.
وقد استدلّوا بحديثين:
1. ما دلّ على جواز الجمع في الحضر على وجه الإطلاق حيث حملوه على صورة المطر أو صورة العذر المطلق.
أخرج البخاري عن ابن عباس (رضي الله عنه) انّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) صلّى بالمدينة سبعاً و ثمانياً الظهر والعصر، المغرب والعشاء.( [25])
قال ابن رشد: وأمّا الجمع في الحضر لغير عذر، فانّ مالكاً وأكثر الفقهاء لايجيزونه وأجاز ذلك جماعة من أهل الظاهر وأشهب من أصحاب مالك، وسبب اختلافهم اختلافهم في مفهوم حديث ابن عباس، فمنهم من تأوّله على أنّه كان في مطر كما قال مالك، و منهم من أخذ بعمومه مطلقاً.
2. ما رواه ابن عباس (رضي الله عنه) انّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) جمع بين الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء بالمدينة من غير خوف ولا سفر ولا مطر، قيل لابن عباس: ما أراد بذلك، قال: أراد أن لا يحرج أُمّته.( [26])
فظاهر الحديث يعطي انّ الجمع في المطر كان أمراً مسلماً، ولذلك حاول ابن عباس أن يبيّن بأنّ هذا الجمع لم يكن لغاية المطر أو سائر الاعذار، بل عفواً لغاية عدم إحراج أُمّته.
فلو جاز الجمع في الحضر لأجل العذر يكون الجمع في السفر اختياراً من أحكام السفر، لأنّ المسافر يجمع فيه بين الصلاتين بلا عذر وأمّا الحاضر فإنّما يجمع لعذر أو غيره. وأمّا إذا قلنا بالجواز في الحضر اختياراً كما سيوافيك فلا يكون الجمع بين الصلاتين من أحكام السفر.
إلى هنا تم الكلام في الصورة الثالثة، بقي الكلام في الصورة الرابعة .
4
الجمع بين الصلاتين في الحضر اختياراً
اتّفقت الإمامية على أنّه يجوز الجمع بين الصلاتين في الحضر اختياراً وإن كان التفريق أفضل.
يقول الشيخ الطوسي: يجوز الجمع بين الصلاتين، بين الظهر والعصر وبين المغرب وعشاء الآخرة، في السفر والحضر وعلى كلّ حال، ولا فرق بين أن يجمع بينهما في وقت الأولة منهما أو وقت الثانية، لأنّ الوقت مشترك بعد الزوال وبعد المغرب على ما بيّناه.( [27])
إنّ الجمع بين الصلاتين على مذهب الإمامية ليس بمعنى إتيان الصلاة في غير وقتها الشرعي، بل المراد الإتيان في غير وقت الفضيلة، وإليك تفصيل المذهب.
قالت الإمامية ـ تبعاً للنصوص الواردة عن أئمّة أهل البيت (عليهم السلام) ـ إنّه إذا زالت الشمس دخل الوقتان ـ أي وقت الظهر والعصر ـ إلاّ أنّ صلاة الظهر يُؤتى بها قبل العصر، وعلى ذلك فالوقت بين الظهر والغروب وقت مشترك بين الصلاتين، غير انّه يختص مقدار أربع ركعات من الزوال بالظهر ومقدار أربع ركعات من الآخر للعصر وما بينهما وقت مشترك، فلو صلّى الظهر والعصر في أي جزء من بين الزوال والغروب فقد أتى بهما في وقتهما، وذلك لأنّ الوقت مشترك بينهما، غير انّه يختص بالظهر مقدار أربع ركعات من أوّل الوقت ولا يصحّ فيه العصر ويختص بالعصر بمقدار أربع ركعات من آخر الوقت ولا يصحّ إتيان الظهر فيه.
هذا هو واقع المذهب، ولأجل ذلك فالجامع بين الصلاتين في غير الوقت المختص به آت بالفريضة في وقتها فصلاته أداء لا قضاءً.
ومع ذلك فلكلّ من الصلاتين ـ وراء وقت الاجزاء ـ وقت فضيلة.
فوقت فضيلة الظهر من الزوال إلى بلوغ ظل الشاخص الحادث بعد الانعدام أو بعد الانتهاء مثله، ووقت فضيلة العصر من المثل إلى المثلين عند المشهور.
وبذلك يعلم وقت المغرب والعشاء، فإذا غربت الشمس دخل الوقتان إلى نصف الليل، ويختص المغرب بأوّله بمقدار أدائه والعشاء ب آخره كذلك وما بينهما وقت مشترك، ومع ذلك انّ لكلّ من الصلاتين وقت فضيلة، فوقت فضيلة صلاة المغرب من المغرب إلى ذهاب الشفق وهي الحمرة المغربية، ووقت فضيلة العشاء من ذهاب الشفق إلى ثلث الليل.( [28]) وأكثر من يستغرب جمع الشيعة الإمامية بين الصلاتين لأجل انّه يتصور انّ الجامع يصلّي إحدى الصلاتين في غير وقتها، ولكنّه غرب عن باله أنّه يأتي بالصلاة في غير وقت الفضيلة ولكنّه يأتي بها في وقت الإجزاء، ولا غرو أن يكون للصلاة أوقاتاً ثلاثة.
أ. وقت الاختصاص كما في أربع ركعات من أوّل الوقت وآخره، أو ثلاث ركعات بعد المغرب وأربع ركعات قبل نصف الليل.
ب. وقت الفضيلة، وقد عرفت تفصيله في الظهرين والعشائين.
ج. وقت الإجزاء، وهو مطلق ما بين الحدّين إلاّ ما يختصّ بإحدى الصلاتين، فيكون وقت الإجزاء أعمّ من وقت الفضيلة وخارجه.
وقد تضافرت الروايات عن أئمّة أهل البيت انّه إذا زالت الشمس دخل الوقتان إلاّأنّ هذه قبل هذه. روى الصدوق باسناده عن زرارة، عن أبي جعفر(عليه السلام) قال: «إذا زالت الشمس دخل الوقتان: الظهر والعصر، وإذا غابت الشمس دخل الوقتان: المغرب والعشاء الآخرة».( [29])
روى الشيخ الطوسي باسناده عن عبيد بن زرارة قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن وقت الظهر والعصر؟ فقال: «إذا زالت الشمس دخل وقت الظهر والعصر، إلاّ انّ هذه قبل هذه ثمّ أنت في وقت منهما جميعاً حتى تغيب الشمس».( [30])
والروايات بهذا المضمون متوافرة اقتصرنا على هذا المقدار.
فإذا كانت الصلوات تتمتع بأوقات ثلاثة كما بيّناه يتبيّن انّ الجمع ليس بأمر مشكل وإنّما يفوت به فضيلة الوقت لا أصل الوقت، ولأجل ذلك ورد عن أئمّة أهل البيت أنّ التفريق أفضل من الجمع، فنذكر في المقام بعض ما يصرح بجواز الجمع تيمّناً وتبرّكاً، وإلاّ فالمسألة من ضروريات الفقه الإمامي.
1. روى الصدوق باسناده عن عبد اللّه بن سنان، عن الصادق (عليه السلام) انّ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) جمع بين الظهر والعصر بأذان وإقامتين، وجمع بين المغرب والعشاء في الحضر من غير علّة بأذان واحد وإقامتين».( [31])
2. وروى أيضاً باسناده عن إسحاق بن عمّار، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «إنّ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) صلّى الظهر والعصر في مكان واحد من غير علة ولا سبب، فقال له عمر ـ وكان أجرأ القوم عليه ـ: أحدث في الصلاة شي؟ قال: لا ولكن أردت أن أوسع على أُمّتي».( [32]) 3. أخرج الكليني باسناده عن زرارة، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «صلّى رسول اللّه بالناس الظهر والعصر حين زالت الشمس في جماعة من غير علّة، وصلّى بهم المغرب والعشاء الآخرة قبل سقوط الشفق من غير علّة في جماعة، وإنّما فعل رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) ليتسع الوقت على أُمّته».( [33])
إلى غير ذلك من الروايات المتوفرة التي جمعها الشيخ الحر العاملي في وسائل الشيعة.( [34])
إلى هنا تبيّن نظرية الشيعة في الجمع بين الصلاتين.
***
التنويع في الوقت في فقه السنّة
وربما يتصوّر من لا خبرة له أنّ هذا التنويع في الوقت من خصائص الفقه الإمامي، فانّ تنويع الوقت إلى أوقات ثلاثة يوجد في كلا الفقهين وإن كان بينهما اختلاف في الكمية.
قال النووي في شرح المهذب: فرع: للظهر ثلاثة أوقات: وقت فضيلة، ووقت اختيار، ووقت عذر. فوقت الفضيلة أوّله، ووقت الاختيار ما بعد وقت الفضيلة، إلى آخر الوقت، ووقت العذر وقت العصر في حقّ من يجمع بسفر أو مطر.
ثمّ قال: وقال القاضي حسين: لها أربعة أوقات: وقت فضيلة، ووقت اختيار، ووقت جواز، ووقت عذر. فوقت الفضيلة إذا صار ظل الشي مثل ربعه، والاختيار إذا صار مثل نصفه، والجواز إذا صار ظله مثله وهو آخر الوقت، والعذر وقت العصر لمن جمع بسفر أو مطر.( [35])
من يوافق الإمامية بعض الموافقة
كما أنّ هناك من يقول ببعض ما ذهبت إليه الإمامية، نقله النووي وقال: قال عطاء وطاووس: إذا صار ظل الشي مثله دخل وقت العصر وما بعده وقت للظهر والعصر على سبيل الاشتراك حتى تغرب الشمس.
فهذا القول يخص صيرورة ظل الشي مثله للظهر، ثمّ يجعل الباقي مشتركاً بينهما حتى تغرب الشمس، وهو قريب ممّا ذهب إليه الإمامية.
وقال مالك : إذا صار ظله مثله فهو آخر وقت الظهر وأوّل وقت العصر بالاشتراك، فإذا زاد على المثل زيادة بيّنة خرج وقت الظهر.( [36])
وهذا القول يجعل قسماً من الوقت ـ أعني: بعد صيرورة الظل مثله ـ إلى زيادة الظل عنه زيادة بيّنة وقتاً مشتركاً بين الظهر والعصر.
ثمّ نقل عنه أيضاً انّ وقت الظهر يمتد إلى غروب الشمس. ( [37]) إلى غير ذلك من الأقوال التي فيها نوع موافقة للفقه الإمامي.
من يوافق الإمامية تمام الموافقة من السنّة
والجمع بين الصلاتين اختياراً وإن كان من ضروريات الفقه الإمامي، وليست الإماميّة متفردة فيه بل وافقهم لفيف من فقهاء السنّة.
قال ابن رشد: وأمّا الجمع في الحضر لغير عذر فإن مالكاً وأكثر الفقهاء لا يجيزونه، وأجاز ذلك جماعة من أهل الظاهر، وأشهب من أصحاب مالك.
وسبب اختلافهم، اختلافهم في مفهوم حديث ابن عباس، فمنهم من تأوّله على أنّه كان من سفر.
ومنهم من أخذ بعمومه مطلقاً، وقد خرّج مسلم زيادة في حديثه وهو قوله: من غير خوف ولا سفر ولا مطر، و بهذا تمسّك أهل الظاهر.( [38])
قال النووي: فرع في مذاهبهم من الجمع بلا خوف ولا سفر،ولا مطر ولا مرض، مذهبنا (الشافعي) ومذهب أبي حنيفة ومالك وأحمد والجمهور انّه لا يجوز، وحكى ابن المنذر عن طائفة جوازه بلا سبب، قال: وجوّزه ابن سيرين لحاجة أو ما لم يتّخذه عادة.( [39])
وعلى كل تقدير فالمهم هو الدليل لا الأقوال، فإن وافقت الدليل فهو، وإلاّفالمرجع هو الدليل.
الكتاب والجمع بين الصلاتين
قال سبحانه: ( أقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرآنَ الْفَجْرِ كانَ مَشْهُوداً ) .( [40]) إنّ الآية متكفّلة لبيان أوقات الصلوات الخمسة، فلو قلنا بأنّ المراد من غسق الليل هو انتصافه، فيكون ما بين الدلوك وغسق الليل أوقاتاً للصلوات الأربع، غير أنّ الدليل دلّ على خروج وقت الظهرين بغروب الشمس، فيكون ما بين الدلوك والغروب وقتاً مشتركاً للظهرين كما يكون ما بين الغروب وغسق الليل وقتاً مشتركاً للمغرب والعشاء.
وربما يفسر الغسق بغروب الشمس، فعندئذ تتكفل الآية لبيان وقت الظهرين وصلاة الفجر دون المغرب والعشاء، والمعروف هو التفسير الأوّل.
قال الطبرسي: وفي الآية دلالة على أنّ وقت صلاة الظهر موسّع إلى آخر النهار، لأنّ اللّه سبحانه جعل من دلوك الشمس الذي هو الزوال إلى غسق الليل وقتاً للصلوات الأربع إلاّ انّ الظهر والعصر اشتركا في الوقت من الزوال إلى الغروب، والمغرب والعشاء الآخرة اشتركا في الوقت من الغروب إلى الغسق وأفرد صلاة الفجر بالذكر في قوله: ( وَقُرآن الفجر ) ففي الآية بيان وجوب الصلوات الخمس وبيان أوقاتها.( [41])
وما ذكرناه هو الذي نصّ عليه الإمام الباقر (عليه السلام) حيث قال : «قال اللّه تعالى لنبيّه (صلى الله عليه وآله وسلم) ( أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل ) ، أربع صلوات سمّاهن اللّه وبيّنهن ووقّتهن، وغسق الليل هو انتصافه، ثمّ قال تبارك وتعالى: ( وقرآن الفجر إنّ قرآن الفجر كان مشهوداً ) فهذه الخامسة».( [42])
وقال الصادق (عليه السلام) : «منها صلاتان أوّل وقتهما من زوال الشمس إلاّأنّ هذه قبل هذه، ومنها صلاتان أوّل وقتهما من غروب الشمس إلى انتصاف الليل إلاّأنّ هذه قبل هذه».( [43]) وقال القرطبي: وقد ذهب قوم إلى أنّ صلاة الظهر يتمادى وقتها من الزوال إلى الغروب، لأنّ اللّه سبحانه علّق وجوبها على الدلوك وهذا دلوك كلّه; قاله الأوزاعي وأبو حنيفة في تفصيل، وأشار إليه مالك والشافعي في حالة الضرورة.( [44])
وقال الرازي: إن فسرنا الغسق بظهور أوّل الظلمة ـ وحكاه عن ابن عبّاس وعطاء والنضر بن شمّيل ـ كان الغسقُ عبارة عن أوّل المغرب، وعلى هذا التقدير يكون المذكور في الآية ثلاثة أوقات: وقت الزوال، ووقت أوّل المغرب، ووقت الفجر.
قال: وهذا يقتضي أن يكون الزوال وقتاً للظهر والعصر فيكون هذا الوقت مشتركاً بين هاتين الصلاتين، وأن يكون أوّل المغرب وقتاً للمغرب والعشاء فيكون هذا الوقت مشتركاً أيضاً بين هاتين الصلاتين، فهذا يقتضي جواز الجمع بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء مطلقاً، إلاّ أنّه دلّ الدليل على أنّ الجمع في الحضر من غير عذر لا يجوز، فوجَبَ أن يكون الجمع جائزاً لعذر السفر وعند المطر وغيره.( [45])
وما حقّقه الرازي في المقام، حقّ ليس وراءه شي، لكن عدوله عنه، بحجّة «انّ الجمع في السفر من غير عذر لا يجوز لوجود الدليل» رجم بالغيب، إذ أىّ دليل قام على عدم الجواز بلا عذر، فهل الدليل هو الكتاب؟ والكتاب حسب تحقيقه يدلّ على الجواز، أو السنّة وسيوافيك تضافر النصوص على الجواز، أو الإجماع فليس عدم الجواز موضع إجماع وقد عرفت القول بالجواز أيضاً من أهل السنّة، مضافاً إلى إطباق أئمّة أهل البيت (عليهم السلام) على الجواز; وليس وراء الكتاب والسنّة والإجماع حجّة، كما ليس وراء عبادان قرية.( [46])
السنّة والجمع بين الصلاتين في الحضر اختياراً
قد تضافرت الروايات عن الصادع بالحق على جواز الجمع بين الصلاتين في الحضر اختياراً رواها أصحاب الصحاح والسنن والمسانيد، فلنقدم ما رواه مسلم بالسند والمتن ثمّ نذكر ما نقله غيره.
1. حدّثنا يحيى بن يحيى قال: قرأت على مالك، عن الزبير، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: صلّى رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) الظهر والعصر جميعاً والمغرب والعشاء جميعاً في غير خوف ولا سفر.
2. وحدّثنا أحمد بن يونس وعون بن سلام جميعاًعن زهير، قال ابن يونس: حدّثنا زهير ،حدّثنا أبو الزبير، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: صلّى رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) الظهر والعصر جميعاً بالمدينة في غير خوف ولا سفر. قال أبو الزبير: فسألت سعيداً: لِمَ فعل ذلك؟ فقال: سألت ابن عباس كما سألتني فقال: أراد أن لا يحرج أحداً من أُمّته.
3. وحدّثنا أبو بكر بن أبي شيبة وأبو كريب قالا: حدّثنا أبو معاوية; وحدّثنا أبو كريب وأبو سعيد الأشج ـ واللفظ لأبي كريب ـ قالا: حدّثنا وكيع كلاهما عن الأعمش، عن حبيب بن أبي ثابت، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: جمع رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء بالمدينة في غير خوف ولا مطر «في حديث وكيع» قال: قلت لابن عباس: لِمَ فعل ذلك؟ قال: كي لا يُحرج أُمّته. وفي حديث أبي معاوية قيل لابن عباس: ما أراد إلى ذلك؟ قال: أراد أن لا يحرج أُمّته.
4. وحدّثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدّثنا سفيان بن عيينة، عن عمرو، عن جابر بن زيد، عن ابن عباس قال: صلّيت مع النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ثمانياً ًجميعاً وسبعاً جميعاً، قلت: يا أبا الشعثاء أظنه أخّر الظهر وعجّل العصر وأخّر المغرب وعجّل العشاء، قال: وأنا أظن ذاك.( [47])
ما ظنه ـ لو رجع إلى الجمع الصوري كما سيوافيك ـ لا يغني من الحقّ شيئاً، وسيوافيك الكلام فيه.
5. حدّثنا أبو الربيع الزهراني، حدّثنا حماد بن زيد، عن عمرو بن دينار، عن جابر بن زيد، عن ابن عبّاس أنّ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) صلّى بالمدينة سبعاً وثمانياً ( [48]) الظهر والعصر والمغرب والعشاء. 6. وحدّثني أبو الربيع الزهراني، حدّثنا حماد، عن الزبير بن الخريت، عن عبد اللّه بن شقيق قال: خطبنا ابن عباس يوماً بعد العصر حتّى غربت الشمس وبدت النجوم، وجعل الناس يقولون: الصلاة الصلاة قال: فجاءه رجل من بني تميم لا يفتر ولا ينثني: الصلاة الصلاة، فقال ابن عباس: أتعلّمني بالسنّة لا أُمَّ لك، ثمّ قال: رأيت رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) جمع بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء. قال عبد اللّه بن شقيق: فحاك في صدري من ذلك شي فأتيت أبا هريرة فسألته، فصدّق مقالته.
7. وحدّثنا ابن أبي عمر، حدّثنا وكيع، حدّثنا عمران بن حدير، عن عبد اللّه بن شقيق العقيلي قال: قال رجل لابن عباس:الصلاة ، فسكت; ثمّ قال: الصلاة، فسكت; ثمّ قال: الصلاة، فسكت، ثمّ قال: لا أُمّ لك أتعلّمنا بالصلاة وكنّا نجمع بين الصلاتين على عهد رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) .( [49])
هذا ما نقله مسلم في صحيحه، وإليك ما نقله غيره.
8. أخرج البخاري عن ابن عباس: انّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) صلّى بالمدينة سبعاً وثمانياً: الظهر والعصر، والمغرب والعشاء، فقال أيوب : لعلّه في ليلة مطيرة؟ قال: عسى.( [50])
9. أخرج البخاري عن جابر بن زيد ،عن ابن عباس قال: صلّى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) سبعاً جميعاً وثمانياً جميعاً.( [51])
10. أخرج البخاري بإرسال عن ابن عمر وأبي أيّوب وابن عباس، صلّى النبىّ (صلى الله عليه وآله وسلم) المغرب والعشاء.( [52])
11. أخرج الترمذي عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: جمع رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) بين الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء بالمدينة من غير خوف ولا مطر، قال: فقيل لابن عباس: ما أراد بذلك؟ قال: أراد أن لايحرج أُمّته.
قال الترمذي بعد نقل الحديث: حديث ابن عباس قد روي عنه من غير وجه، رواه جابر بن زيد وسعيد بن جبير وعبد اللّه بن شقيق العقيلي.( [53])
12. أخرج الإمام أحمد عن قتادة قال:سمعت جابر ابن زيد، عن ابن عباس قال: جمع رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء بالمدينة في غير خوف ولا مطر، قيل لابن عباس: وما أراد لغير ذلك؟ قال: أراد ألاّ يحرج أُمّته.( [54])
13. أخرج الإمام أحمد عن سفيان، قال عمر: وأخبرني جابر بن زيد انّه سمع ابن عباس يقول: صلّيت مع رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) ثمانياً جميعاً وسبعاً جميعاً، قلت له: يا أبا الشعثاء أظنّه أخّر الظهر وعجل العصر، وأخّر المغرب وعجّل العشاء، قال: وأظن ذلك.( [55])
14. أخرج الإمام أحمد عن عبد اللّه بن شقيق، قال: خطبنا ابن عباس يوماً بعد العصر حتّى غربت الشمس وبدت النجوم وعلق الناس ينادونه الصلاة وفي القوم رجل من بني تميم فجعل يقول: الصلاة الصلاة، فغضب، قال: أتعلّمني بالسنّة شهدت رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) جمع بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء، قال عبد اللّه: فوجدت في نفسي من ذلك شيئا فلقيت أبا هريرة فسألته فوافقه.( [56])
15. أخرج مالك عن سعيد بن جبير، عن عبد اللّه ابن عباس انّه قال: صلّى رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) الظهر والعصر جميعاً والمغرب والعشاء جميعاً في غير خوف ولا سفر.( [57])
16. أخرج أبو داود عن سعيد بن جبير، عن عبد اللّه بن عباس، قال: صلّى رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) الظهر والعصر جميعاً، والمغرب والعشاء جميعاً في غير خوف ولا سفر.
قال مالك: أرى ذلك كان في مطر.( [58])
17. أخرج أبو داود عن جابر بن زيد، عن ابن عباس، قال: صلّى بنا رسول اللّه بالمدينة ثمانياً وسبعاً الظهر والعصر، والمغرب والعشاء.
قال أبو داود: ورواه صالح مولى التوأمة، عن ابن عباس قال: في غير مطر.( [59])
18. أخرج النسائي عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: صلّى رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) الظهر والعصر جميعاً والمغرب والعشاء جميعاً من غير خوف ولا سفر.( [60])
19. أخرج النسائي عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس انّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كان يصلّي بالمدينة يجمع بين الصلاتين بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء من غير خوف ولا مطر، قيل له: لِمَ ؟قال: لئلاّ يكون على أُمّته حرج.( [61]) 20. أخرج النسائي عن أبي الشعثاء، عن ابن عباس قال: صلّيت وراء رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) ثمانياً جميعاً وسبعاً جميعاً.( [62])
21. أخرج النسائي عن جابر بن زيد، عن ابن عباس انّه صلّى بالبصرة الأُولى والعصر ليس بينهما شي، والمغرب والعشاء ليس بينهما شي فعل ذلك من شغل، وزعم ابن عباس انّه صلّى مع رسول اللّه بالمدينة ، الأُولى والعصر ثمان سجدات ليس بينهما شي.( [63])
22. أخرج الحافظ عبد الرزاق عن داود بن قيس، عن صالح مولى التوأمة انّه سمع ابن عباس يقول: جمع رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء بالمدينة في غير سفر ولا مطر، قال قلت لابن عباس: لم تراه فعل ذلك؟ قال: أراه للتوسعة على أُمّته.( [64])
23. أخرج عبد الرزاق عن ابن عباس قال: جمع رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) بين الظهر والعصر، بالمدينة في غير سفر ولا خوف، قال: قلت لابن عباس: ولِمَ تراه فعل ذلك؟ قال: أراد أن لا يحرج أحداً من أُمّته.( [65])
24. أخرج عبد الرزاق عن عمرو بن دينار انّ أبا الشعثاء أخبره انّ ابن عباس أخبره، قال: صلّيت وراء رسول اللّه ثمانياً جميعاً وسبعاً جميعاً بالمدينة، قال ابن جريج، فقلت لأبي الشعثاء: أنّـي لأظن النبي أخّر من الظهر قليلاً وقدّم من العصر قليلاً، قال أبو الشعثاء: وأنا أظن ذلك.( [66])
قلت: ما ظنّه ابن جريج وصدّقه أبو الشعثاء ظن لا يغني من الحقّ شيئاً، وحاصله: انّ الجمع كان صورياً لاحقيقياً. وسيوافيك ضعف هذا الحمل وانّ الجمع الصوري يوجب الإحراج أكثر من التفريق فانّ معرفة أواخر الوقت من الصلاة الأُولى وأوائله من الصلاة الثانية أشكل من الجمع.
25. أخرج عبد الرزاق عن عمرو بن شعيب، عن عبد اللّه بن عمر قال: جمع لنا رسول اللّه مقيماً غير مسافر بين الظهر والعصر فقال رجل لابن عمر: لِمَ ترى النبي فعل ذلك؟ قال: لأن لا يُحرج أُمّته إن جمع رجل.( [67])
26. أخرج الطحاوي في «معاني الآثار» بسنده عن جابر بن عبد اللّه قال: جمع رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء في المدينة للرخص من غير خوف ولا علّة.( [68])
27. أخرج الحافظ أبو نعيم أحمد بن عبد اللّه الاصفهاني (المتوفّى عام 430هـ) عن جابر بن زيد انّ ابن عباس جمع بين الظهر والعصر، وزعم انّه صلّى مع رسول اللّه بالمدينة الظهر والعصر.( [69])
28. أخرج أبو نعيم عن عمرو بن دينار قال: سمعت أبا الشعثاء يقول: قال ابن عباس (رضي الله عنه) : صلّى رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) ثماني ركعات جميعاً وسبع ركعات جميعاً من غير مرض ولا علّة.( [70])
29. أخرج البزار في مسنده عن أبي هريرة قال: جمع رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) بين الصلاتين في المدينة من غير خوف.( [71])
30. أخرج الطبراني في الأوسط والكبير بسنده عن عبد اللّه بن مسعود قال: جمع رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) ـ يعني بالمدينة ـ بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء، فقيل له في ذلك، فقال: صنعت ذلك لئلاّ تحرج أُمّتي.( [72])
هذه ثلاثون حديثاً جمعناها من الصحاح والسنن والمسانيد، وبسطنا الكلام في النقل، ليقف القارئ على أنّها أحاديث اعتنى بنقلها حفّاظ المحدّثين وأكابرهم ولا يمكن لأحد أن يتناكرها أو يرفضها، وهناك روايات مبثوثة في كتب الحديث أعرضنا عن ذكرها لأجل الاختصار.( [73])
وهذه الأسانيد المتوفرة تنتهي إلى الأشخاص التالية أسماؤهم:
1. عبد اللّه بن عباس حبر الأُمّة.
2. عبد اللّه بن عمر.
3. أبو أيّوب الأنصاري مضيف النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) .
4. أبو هريرة الدوسي.
5. جابر بن عبد اللّه الأنصاري. 6. عبد اللّه بن مسعود.
تبريرات لرفض الجمع بين الصلاتين
والروايات صريحة في أنّ الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) جمع بالمدينة بين الصلاتين من غير خوف ولا مطر ولا علّة، جمع لبيان جواز الجمع ومشروعيته لئلاّ يتوهّم متوهّم بأنّ التفريق فريضة لما كان (صلى الله عليه وآله وسلم) يستمر على التوقيت والإتيان في وقت الفضيلة، ولكنّه بعمله أثبت انّ الجمع جائز وإن كان التوقيت أفضل.
ولما كان مضمون الروايات مخالفاً للمذاهب الفقهية الرائجة حاول غير واحد من المحدّثين وأهل الفتيا إخضاع الروايات على فتوى الأئمّة مكان أخذها مقياساً لتمييز الحقّ عن الباطل، فترك كثير منهم العمل بهذه الروايات، غير انّ لفيفاً منهم عملوا بها وأفتوا على ضوئها، ذكر أسماءهم ابن رشد في «بداية المجتهد» والنووي في «المجموع» على ما مرّ، وإليك الأعذار التي التجأ إليها المخالف وهي أوهن من بيت العنكبوت. 1. ترك الجمهور العمل بها
إنّ ممّا يؤخذ على هذه الروايات ترك الجمهور للعمل بها، وهو يوجب سقوط الاستدلال بها.
يقول الترمذي بعد ذكر أحاديث الجمع: والعمل على هذا عند أهل العلم: أن لا يجمع بين الصلاتين إلاّ في السفر أو بعرفة.( [74])
وقد ردّ عليه غير واحد من المحقّقين .
أ. يقول النووي: هذه الروايات الثابتة في مسلم كما تراها وللعلماء فيها تأويلات ومذاهب، وقد قال الترمذي في آخر كتابه: ليس في كتابي حديث أجمعت الأُمّة على ترك العمل به إلاّ حديث ابن عباس في الجمع بالمدينة من غير خوف ولا مطر. وحديث قتل شارب الخمر في المرة الرابعة.( [75]) وهذا الذي قاله الترمذي في حديث شارب الخمر هو كما قاله فهو حديث منسوخ دلّ الإجماع على نسخه، وأمّا حديث ابن عباس فلم يجمعوا على ترك العمل به بل لهم أقوال، ثمّ ذكر بعض التأويلات التي نشير إليها.( [76])
ب. وقال الشوكاني رداً على الترمذي: ولا يخفاك انّ الحديث صحيح، وترك الجمهور للعمل به لا يقدح في صحته ولا يوجب سقوط الاستدلال به، وقد أخذ به بعض أهل العلم كما سلف وإن كان ظاهر كلام الترمذي انّه لم يأخذ به ولكن قد أثبت ذلك غيره، والمثبت مقدّم.( [77])
ج. وقال الآلوسي: مذهب جماعة من الأئمة جواز الجمع في الحضر للحاجة لمن لا يتخذ عادة; وهو قول ابن سيرين، وأشهب من أصحاب مالك، وحكاه الخطابي عن القفال الشاشي الكبير من أصحاب الإمام الشافعي، وعن أبي إسحاق المروزي وعن جماعة من أصحاب الحديث، واختاره ابن المنذر، ويؤيده ظاهر ما صحّ عن ابن عباس، ورواه مسلم أيضاً، انّه لما قال: جمع رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء بالمدينة في غير خوف ولا مطر: قيل له: لِمَ فعل ذلك؟ فقال: أراد أن لا يحرج أحداً من أُمّته.
وهو من الحرج بمعنى المشقة فلم يعلّله بمرض ولا غيره.
ويعلم ممّا ذكرنا أنّ قول الترمذي في آخر كتابه: ليس في كتابي حديث أجمعت الأُمّة على ترك العمل به إلاّ حديث ابن عباس في الجمع بالمدينة من غير خوف ولا مطر وحديث قتل شارب الخمر في المرة الرابعة، ناشئ من عدم التتبع، نعم ما قاله في الحديث الثاني صحيح فقد صرحوا بأنّه حديث منسوخ دلّ الإجماع على نسخه.( [78]) د. وبهذه النقود ظهر انّه ليس هناك إعراض عن العمل بهذه الأحاديث، ولعلّ عدم إفتاء الجمهور بمضمون هذه الأحاديث هو كون التوقيت والتفريق أحوط.
لكن هذا الاحتياط يخالف مع احتياط آخر، وهو انّ التفريق في أعصارنا هذا أدى بكثير من أهل الأشغال إلى ترك الصلاة ـ كما شاهدناه عياناً ـ بخلاف الجمع فانّه أقرب إلى المحافظة على أدائها، وبهذا ينقلب الاحتياط إلى ضده، ويكون الأحوط للفقهاء أن يفتوا العامة بالجمع وأن ييسّروا ولا يعسّروا ـ ( يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُريدُ بِكُمُ الْعُسْر ) ( [79]) ( وَمَا جَعَل عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَج ) ( [80]) والدليل على جواز الجمع مطلقاً موجود والحمد للّه سنة صحيحة صريحة كما سمعت بل كتاباً محكماً مبيّناً.( [81])
2. الحديث لا ينص على جمع التقديم والتأخير
قال القاضي شرف الدين الحسين بن محمد المغربي في كتابه «البدر التمام في شرح بلوغ المرام»: إنّ حديث ابن عباس لا يصح الاحتجاج به، لأنّه غير معيِّـن لجمع التقديم والتأخير كما هو ظاهر رواية مسلم وتعيين واحد منها تحكم، فوجب العدول إلى ما هو واجب من البقاء على العموم في حديث الأوقات للمعذور و غيره وتخصيص المسافر بثبوت المخصص.( [82])
يلاحظ عليه: أنّ ابن عباس لم ينقل كيفية الجمع لوضوحها فانّ الجمع في الحضر كالجمع في السفر، فكما أنّه يجوز في السفر بكلتا الصورتين جمع التقديم وجمع التأخير كما مرّ التنصيص به فيما سبق.( [83]) فكذلك في الحضر، وسكوت ابن عباس وعدم سؤال الرواة عن الكيفية يعرب عن أنّهم فهموا من كلامه عدم الخصوصية لواحدة من الصورتين وإلاّ كان عليهم السؤال ثانياً من أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) جمع على نحو جمع التقديم أو جمع التأخير.
ويؤيد ذلك وحدة التعليل في كلام ابن عباس في الموردين.
أخرج مسلم عن ابن عباس انّ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) جمع بين الصلاة في سفرة سافرها في غزوة تبوك فجمع بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء، قال سعيد: فقلت لابن عباس: ما حمله على ذلك؟ قال: أراد أن لا يحرج أُمّته.( [84])
ويؤيد الإطلاق وعدم الفرق بين الصورتين هو عموم العلة وهو عدم الإحراج على الأُمّة ورفع الحرج منه، فالإحراج في الالتزام بالتفريق بين الصلاتين ورفعه يحصل بكلّ واحدة من الصورتين، سواء أكانت جمع تقديم أو جمع تفريق.
أضف إلى ذلك انّ ابن عباس عمل بالحديث بصورة جمع التأخير، فقد مرّ انّ ابن عباس خطب يوماً بعد العصر حتّى غربت الشمس وبدت النجوم وجعل الناس يقولون: الصلاة الصلاة، فجاء رجل من بني تميم لا يفتر ولا ينثني ويقول: الصلاة الصلاة،فقال ابن عباس: أتعلّمني بالسنّة لا أُمّ لك إلى آخر ما مرّ من الحديث.
ولعمر القارئ انّ المخالف لمّا وقف أمام هذه الروايات الهائلة الدالة على تجويز الجمع مقابل التفريق ورأى أنّ فقه الجمهور على الخلاف، عمد إلى التشكيك بها، ولذلك أتى بهذه الشبهة وهي أشبه بسؤال بني إسرائيل موسى بن عمران عن سن البقرة ولونها .( [85])
3. كان الجمع بين الصلاتين جمعاً صورياً
إنّ غير واحد ممّن تعرض لحلّ هذه الأحاديث التجأ إلى أنّ الجمع لم يكن جمعاً حقيقياً كما في الجمع في السفر، بل كان جمعاً صورياً، بمعنى انّه (صلى الله عليه وآله وسلم) أخّر الظهر إلى حد بقي من وقتها مقدار أربع ركعات فصلّى الظهر وبإتمامها دخل وقت العصر وصلّى العصر فكان جمعاً بين الصلاتين مع أنّ كلّ واحدة من الصلاتين أُتي بها في وقتها. وهذا هـو الظاهر في غير واحد من شراح الحديث، وإليـك كلماتهم.
1. قال النووي: ومنهم من تأوّله على تأخير الأُولى إلى آخر وقتها فصلاّها فيه فلمّا فرغ منها دخلت الثانية فصلاّها فصارت صلاته صورة جمع.
ثمّ رده وقال: وهذا أيضاً ضعيف أو باطل، لأنّه مخالف للظاهر مخالفة لا تُحتمل، وفعل ابن عباس الـذي ذكرناه حين خطب، واستدلاله بالحديث لتصويب فعلـه وتصديق أبي هريرة له وعدم إنكـاره، صريـح في ردّ هذا التأويل.( [86])
وكان على النووي أن يـرد عليـه بما ذكرنـاه، وهـو انّ الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) جمـع بين الصـلاتين بغـية رفـع الحـرج عن الأُمّة، والجمـع بالنحو المذكور أكثر حرجاً من التفريق.
قال ابن قدامة: إنّ الجمع رخصة، فلو كان على ما ذكروه لكان أشد ضيقاً وأعظم حرجاً من الإتيان بكلّ صلاة في وقتها، لأنّ الإتيان بكلّ صلاة في وقتها أوسع من مراعاة طرفي الوقتين بحيث لا يبقى من وقت الأُولى إلاّقدر فعلها.
ثمّ لو كان الجمع هكذا، لجاز الجمع بين العصر و المغرب، والعشاء والصبح ولا خلاف بين الأُمّة في تحريم ذلك والعمل بالخبر على الوجه السابق إلى الفهم منه أولى من هذا التكلّف.( [87])
كما أنّ المقدسي في الشرح الكبير( [88]) ردّ على هذا التأويل بنفس ما ذكره ابن قدامة، واللفظ في كلا الكتابين واحد ولذلك اقتصرنا بلفظ ابن قدامة.
نعم انّهما ردّا بما نقلناه عنهما على من فسّر جواز الجمع بين الصلاتين للمسافر بالجمع الصوري، ولمّا كان ملاك الجمع في كلا المقامين (المسافر والحاضر) واحداً، وهو رفع الحرج والمشقة عن الأُمّة، وكان الجمع الصوري مُحرجاً على نحو أشد، أثبتنا كلامهما في المقام أيضاً.
ولأجل ما ذكرنا حمل الخطّابي الجمع في الرواية على الجمع الحقيقي دون الصوري، فقال:
ظاهر اسم «الجمع» عرفاً لا يقع على من أخّر الظهر حتّى صلاّها في آخر وقتها وعجّل العصر فصلاّها في أوّل وقتها، لأنّ هذا قد صلّى كلّ صلاة منهما في وقتها الخاصّ بها.
قال: وإنّما الجمع المعروف بينهما أن تكون الصلاتان معاً في وقت إحداهما، ألا ترى أنّ الجمع بعرفة بينهما ومزدلفة كذلك.( [89])
أدلّة الشوكاني على أنّ الجمع كان صوريّاً
ثمّ إنّ الشوكاني ممّن يؤيّد تفسير الجمع بالجمع الصوري، وأيّده بوجوه ثلاثة:
الأوّل: ما أخرجه مالك في الموطّأ والبخاري وأبو داود والنسائي عن ابن مسعود، قال: ما رأيت رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) صلّى صلاة لغير ميقاتها إلاّ صلاتين جمع بين المغرب والعشاء بالمزدلفة وصلّى الفجر يومئذ قبل ميقاتها. قال الشوكاني: نفى ابن مسعود مطلقَ الجمع وحصره في جمع المزدلفة، مع أنّه ممّن روى حديث الجمع بالمدينة كما تقدّم، وهو يدلّ على أنّ الجمع الواقع بالمدينة جمع صوري، ولو كان جمعاً حقيقياً لتعارض روايتاه والجمع ما أمكن المسير إليه هو الواجب.( [90])
يلاحظ عليه أوّلاً: أنّه لايحتجّ به ،لأنّه حصر الجمع في المزدلفة مع تضافر الروايات على أنّه (صلى الله عليه وآله وسلم) جمع في المزدلفة وعرفة، فالحديث متروك الظاهر لا يعرّج عليه، ولا يصحّ قرينة على المراد من الجمع في روايات المقام.
وثانياً: انّ ابن مسعود نفسه روى جمع الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) بين الصلاتين في المدينة وقال: جمع رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء فقيل له في ذلك، فقال: صنعت ذلك لئلاّ تحرج أُمّتي.( [91]) وقد عرفت أنّ الجمع الصوري أشدّ حرجاً من الجمع الحقيقي، فانّ معرفة أواخر الأوقات وأوائلها على وجه الضبط كان مشكلاً في الأعصار السابقة، فلا محيص من تفسير الجمع بالجمع الحقيقي، وهذا دليل على أنّ رواية الحصر في المزدلفة متروكة لا يحتجّ بها.
الثاني: ما أخرجه ابن جرير عن ابن عمر قال: خرج علينا رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) فكان يؤخّر الظهر ويعجّل العصر فيجمع بينهما، ويؤخر المغرب ويعجّل العشاء فيجمع بينهما، وهذا هو الجمع الصوري.( [92])
يلاحظ عليه: أنّ الحديث وإن كان مشعراً بالجمع الصوري ولكنّه لا يؤخذ به، وذلك لإجمال المراد منه، فإن أراد أنّ النبىّ (صلى الله عليه وآله وسلم) فعل ذلك في السفر، فقد تقدّم أنّ جمع الرسول بين الصلاتين في السفر، كان جمعاً حقيقياً.
روى مسلم عن أنس بن مالك أنّه قال: كان رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) إذا ارتحل قبل أن تزيغ الشمس أخّر الظهر إلى وقت العصر، ثمّ نزل فجمع بينهما.( [93])
وفي رواية أُخرى عنه: أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إذا عجّل عليه السفر يؤخر الظهر إلى أوّل وقت العصر فيجمع بينهما ، ويؤخّر المغرب حتى يجمع بينها وبين العشاء حتّى يغيب الشفق.( [94])
وإن أراد أنّ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) جمع بين الصلاتين بالجمع الصوري في الحضر، فقد عرفت تضافر الروايات على الجمع الحقيقي، حيث إنّ حديث ابن عباس وغيره صريح فيه وقرينة على حمل سائر الروايات على الحقيقي فلا يمكن أن يطرح حديث حبر الأُمّة وعمله بحديث مجمل لابن عمر.
الثالث: ما أخرجه النسائي عن ابن عباس: صلّيت مع النبي الظهر والعصر جميعاً والمغرب والعشاء جميعاً، «أخّر الظهر وعجّل العصر وأخّر المغرب وعجّل العشاء»، وهذا ابن عباس راوي حديث الباب قد صرّح بأنّ ما رواه من الجمع المذكور هو الجمع الصوري.( [95])
يلاحظ عليه: بأنّ التفسير ـ أعني قوله: أخّر الظهر وعجّل العصر وأخّر المغرب وعجّل العشاء ـ ليس من ابن عباس، بل من جابر بن زيد، بقرينة ما أخرجه الإمام أحمد عن جابر بن زيد أنّه سمع ابن عباس يقول: صلّيت مع رسول اللّه ثمانياً جميعاً وسبعاً جميعاً، قلت له :يا أبا الشعثاء أظنّه أخّر الظهر وعجّل العصر وأخّر المغرب وعجّل العشاء قال: وأنا أظن ذلك.( [96])
وهذا دليل واضح على أنّ التفسير من أبي الشعثاء وأضرابه، وما أوّلوه إلاّ لأنّهم اعتادوا على التوقيت والتفريق بين الصلوات، فزعموا أنّ التوقيت فرض لا يُترك، ولمّا وقفوا على هذه الروايات الهائلة تحيّروا في مفاد الرواية واتخذ كلّ منهم مهرباً، وفسّـره أبو الشعثاء بالجمع الصوري.
4. كان الجمع لعذر المطر
هذا هو التأويل الثالث الذي لجأ إليه من لم يجوز الجمع بين الصلاتين في الحضر اختياراً.
قال النووي: منهم من تأوّله على أنّه جمع بعذر المطر، وهذا مشهور عن جماعة من الكبار المتقدّمين، ثمّ رد عليه بأنّه ضعيف بالرواية الأُخرى من غير خوف ولا مطر.( [97])
إنّ السبب لهذا النوع من التأويل هو تطبيق الرواية على فتوى الجمهور وإلاّ فالروايات صريحة في أنّ هذا الجمع كان بلا عذر ولو استقرأت نصوص الروايات التي نقلناها عن ابن عباس وغيره لوقفت على أنّ الجمع لم يكن لعذر بل كان لأجل رفع الحرج عن الأُمة.
ففي بعضها: في غير خوف ولا سفر(لاحظ الرواية رقم 1، 2، 15، 16، 18 و23).
وفي بعض آخر: في غير خوف ولا مطر(لاحظ الرواية برقم3، 4، 11، 12و 19).
وفي بعضها : في غير سفر ولا مطر(لاحظ الرواية 22).
وفي بعضها: من غير خوف ولا علة(لاحظ الرواية26).
وفي بعضها: من غير مرض ولا علة(لاحظ الرواية28).
أضف إلى ذلك التعليل الوارد في الروايات الذي يرد هذا الاحتمال بوضوح، وإليك نصها:
فقد عُلّل في بعض الروايات بقوله:(أراد ان لا يُحرج أحداً من أُمّته)(لاحظ الرواية برقم 2و3 و 11و 12و 23). و في بعض آخر: لئلا يكون على أُمته حرج(لاحظ الرواية 19).
وفي بعض آخر: أراه للتوسعة على أُمّته(لاحظ الرواية22).
وفي بعض آخر :لأن لا يحرج أُمّته ان جمع رجل (لاحظ الرواية 25).
وفي بعض آخر: لئلا تحرج أُمّتي(لاحظ الرواية30).
فالناظر في هذه الروايات يذعن بأنّ الجمع لم يكن لعذر المطر والسفر والخوف ولا لعلة أُخرى وانّ الصادع بالحق جمع بين الصلاتين في المدينة ـ بلا أىّ عذر ـ بأمر من اللّه سبحانه ليتسع الأمر على أُمّته ولئلا يتوهم متوهم ان التوقيت فرض لا يمكن التخلّف عنه بل هو فضيلة لا تنكر، ومع ذلك لكلّ واحد من آحاد الأُمّة الجمع بين الصلاتين بلا توقيت.
5. كان الجمع للغيم في السماء
ومنهم من تأوّله على أنّه كان غيم فصلى الظهر ثمّ انكشف الغيم وبان انّ وقت العصر دخل فصلاها.
وهذا الاحتمال من الوهن بمكان وكفى في وهنه ما ذكره النووي حيث قال: إنّه و إن كان فيه أدنى احتمال في الظهر والعصر ولكن لا احتمال فيه في المغرب والعشاء مع أنّ الجمع لم يكن مختصاً بالظهرين بل جمع بين المغرب والعشاء حتّى انّ ابن عباس أخّر المغرب إلى وقت العشاء.( [98])
أضف إلى ذلك انّه لو كان الجمع في هذه الحالة كان على الرواة التصريح بذلك أفيحتمل انّ حبر الأُمة غفل عن القيد أو تذكر ولم ينقل وهكذا غيره نظراء أبي هريرة وعبد اللّه بن عمر و عبد اللّه بن مسعود.
6. كان الجمع لمرض
وقد أوّله بعض من لا يروقه الجمع بين الصلاتين وقال بأنّ الرواية محمولة على الجمع بعذر المرض أو نحوه، نقله النووي عن أحمد بن حنبل والقاضي حسين من الشافعية واختاره الخطابي والتولي والروياني من الشافعية. واختاره النووي وقال: وهو المختار في تأويله لظاهر الحديث ولفعل ابن عباس وموافقة أبي هريرة، ولأنّ المشقة فيه أشدّ من المطر.( [99])
يلاحظ عليه: بأنّه أيضاً كسائر التأويلات في الوهن والسقوط، وقد ورد في بعض الروايات من غير خوف ولا علة، وفي البعض الآخر من غير مرض ولا علّة.
والذي يبطل ذلك هو انّ ابن عباس جمع بين المغرب والعشاء ولم يكن هناك مرض ولا مريض، بل كان يخطب الناس وطال كلامه حتى مضى وقت الفضيلة للمغرب فصلّى المغرب مع العشاء في وقت واحد.
على أنّه لو كان التأخير للمرض، فيجوز لخصوص المريض لا لمن لم يكن مريضاً مع أنّ النبي جمع بين الصلاتين مع عامة أصحابه، واحتمال انّ المرض عمّ الجميع بعيد غاية البعد.( [100])
وبما ذكرنا صرّح الحافظ ابن حجر العسقلاني فقال: لو كان جمعه (صلى الله عليه وآله وسلم) بين الصلاتين لعارض المرض لما صلّى معه إلاّ من به نحو ذلك العذر، والظاهر أنّه صلّى بأصحابه، وقد صرّح بذلك ابن عباس في روايته.( [101])
وهذا هو الخطابي يحكي في معالمه عن ابن المنذر انّه قال: ولا معنى لحمل الأمر فيه على عذر من الأعذار، لأنّ ابن عباس قد أخبر بالعلة فيه وهو قوله: «أراد أن لا تحرج أُمّتُه» وحكي عن ابن سيرين انّه كان لا يرى بأساً أن يجمع بين الصلاتين إذا كانت حاجة أو شـي ما لم يتّخذه عادة.( [102])
وقال المحقّق لسنن الترمذي بعد نقل كلام الخطابي : وهذا هو الصحيح الذي يؤخذ من الحديث، وأمّا التأوّل بالمرض أو العذر أو غيره فانّه تكلّف لا دليل عليه، وفي الأخذ بهذا رفع كثير من الحرج عن أُناس قد تضطرهم أعمالهم أو ظروف قاهرة إلى الجمع بين الصلاتين ويتأثّمون من ذلك ويتحرّجون وفي هذا ترفيه لهم وإعانة على الطاعة ما لم يتّخذه عادة كما قال ابن سيرين.( [103])
وما ذكره هو الحقّ ولكنّه تضييق أيضاً لما وسّعه النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ، فحصر الجمع بمن له حاجة مع أنّ النبي بإذن من اللّه وسّع على وجه الإطلاق سواء أكانت هناك علة أو لا.
نعم لا شكّ انّ التوقيت أفضل ومن أتى بكلّ صلاة في وقتها (وقت الفضيلة) أفضل من إتيانها في الوقت المشترك، ومع ذلك فمجال الإتيان في الشريعة أوسع.
7. كان الجمع لأحد الأعذار المبهمة
لما كان تعيين العذر المسوِّغ للجمع، أمراً مشكلاً سلك بعضهم مسلك الإبهام والإجمال وانّ الجمع كان لأحد الأعذار المسوِّغة، من دون تعيين.
وممّن عرّج على هذا الاحتمال مفتي السعودية السابق عبد العزيز بن باز في تعليقة مختصرة له على «فتح الباري بشرح صحيح البخاري» فهو لمّا ضعّف مختار ابن حجر في تفسير الجمع (الجمع الصوري) بقوله هذا الجمع ضعيف، قال:
الصواب حمل الحديث المذكور على أنّه (صلى الله عليه وآله وسلم) جمع بين الصلوات المذكورة لمشقّة عارضة ذلك اليوم من مرض غالب أو برد شديد أو وحل ونحو ذلك، ويدلّ على ذلك قول ابن عباس، لمّا سئل عن علّة هذا الجمع، قال: لئلاّ يحرج أُمّته ثمّ استحسن هذا الجمع وقال: وهو جواب عظيم سديد شاف.( [104])
يلاحظ عليه: أنّ هذا الجمع كالجمع الذي ضعّفه في الضعف والوهن سواء، وذلك لأنّه يخالف رواية ابـن عباس وعمله، فانّـه جمـع بيـن الصلاتين في البصرة مـن دون أن يكون هناك مرض غالب أو برد شديد أو وحـل.
أضف إلى ذلك إطلاق التعليل، أعني: رفع الحرج عن الأُمّة، فانّ الحرج لا يختصّ بصور الأعذار، بل يعمّ إلزام الناس بالتفريق بين الصلوات على وجه الإيجاب عبر الحياة.
إنّ لابن الصدّيق في تأليفه المنيف المسمّى بـ «إزالة الحظر عمّن جمع بين الصلاتين في الحضر» هنا كلاماً لابأس بإيراده هنا: قال: إنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) صرّح بأنّه فعل ذلك ليرفع الحرج عن أُمّته وبيّن لهم جواز الجمع إذا احتاجوا إليه. فحمله على المطر بعد هذا التصريح من النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) والصحابة الذين رووه، تعسف ظاهر، بل تكذيب للرواة ومعارضة للّه والرسول، لأنّه لو فعل ذلك للمطر لما صرّح النبىّ (صلى الله عليه وآله وسلم) بخلافه، ولما عدل الرواة عن التعليل به، إلى التعليل بنفي الحرج، كما رووا عنه (صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه كان يأمر المنادي أن ينادي في الليلة المطيرة: «ألا صلّوا في الرحال» ولم يذكروا ذلك في الجمع فكيف وقد صرّحوا بنفي المطر؟!
وأضاف أيضاً وقال: إنّ ابن عباس الراوي لهذا الحديث أخّر الصلاة وجمع لأجل انشغاله بالخطبة، ثمّ احتجّ بجمع النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ولا يجوز أن يحتجّ بجمع النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) للمطر ـ و هو عذر بيّن ظاهر ـ على الجمع لمجرّد الخطبة أو الدرس الذي في إمكانه أن يقطعه للصلاة ثمّ يعود إليه أو ينتهي منه عند وقت الصلاة ولا يلحقه فيه ضرر ولا مشقة كما يلحق الإنسان في الخروج في حالة المطر والوحل.( [105])
حصيلة الكلام: انّ هذا التشريع من الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) بأمر من اللّه سبحانه أضفى للشريعة مرونة قابلة للتطبيق على مرّ العصور وعلى كافة أصعدة الحياة المتطورة مهما تطورت.
فمن ألقى نظرة فاحصة على الحياة المتطورة في الغرب الصناعي يقف على أنّ التفريق بين الصلاتين ـ خصوصاً الظهر والعصر ـ أمر شاق على المسلمين خاصة العمال والموظفين بنحو ينتهي الأمر، إمّا إلى تحمل المشقة الكبيرة، أو ترك الصلاة من رأس، وربما ينجر الأمر إلى الإعراض عن الفريضة.
إنّ لفقهاء السنّة الواعين أن يأخذوا بنظر الاعتبار السماحة التي نادى بها الإسلام، في اجتهاداتهم، والسعة التي جاءت بها الأخبار في حساباتهم، وأن يعلنوا للملأ بصراحة انّ الجمع بين الظهرين والعشائين أمر مسموح به موافق للشريعة وإن كان التوقيت أفضل، فمن فرّق فله فضل التوقيت، ومن جمع فقد أدّى الفريضة.
أسئلة وأجوبة
ثمّ إنّ من لم يجوّز الجمع بين الصلاتين، اعترض على الاحتجاج برواية ابن عباس وغيره بوجوه نذكرها مع تحليلها.
الأوّل: الجمع وحديث «حنش»
أخبار الجمع يعارضها ما أخرجه الترمذي عن حنش، عن عكرمة، عن ابن عباس، عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: من جمع بين الصلاتين من غير عذر فقد أتى باباً من أبواب الكبائر.( [106])
أقول: كفى في ضعفه انّ في سنده حَنَش، وهو لقب حسين بن قيس الرحبي الواسطي وهو ضعيف للغاية.
قال أحمد: متروك، وقال البخاري: أحاديثه منكرة ولا يكتب حديثه.
وقال أبو زرعة وابن معين: ضعيف، وقال النسائي: ليس بثقة.
وقال مرة: متروك. وقال السعدي: أحاديثه منكرة جداً، وقال الدارقطني: متروك وعدّ الذهبي من مناكيره هذا الحديث.( [107])
وقال العقيلي في حديثه: «من جمع بين صلاتين فقد أتى باباً من الكبائر» لا يُتابع عليه ولا يعرف إلاّ به، ولا أصل له، وقد صحّ عن ابن عباس انّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) جمع بين الظهر والعصر.( [108])
أضف إلى ذلك انّ في سنده أيضاً عِكْرمة، وهوضعيف لا يحتج بحديثه.
الثاني: الجمع وحديث ليلة التعريس
وربّما تتوهّم المعارضة بين ما دلّ على جواز الجمع بين الصلاتين جمعاً حقيقياً وما رواه مسلم من حديث ليلة التعريس نقله الآلوسي في تفسيره عن ابن الهمام بقوله: قال ابن الهمام: إنّ حديث ابن عباس معارض بما في مسلم في حديث ليلة التعريس أنّه (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: ليس في النوم تفريط وإنّما التفريط في اليقظة أن يؤخّر الصلاة حتّى يدخل وقت صلاة أُخرى».
قال الآلوسي بعد نقل كلام ابن الهمام: وللبحث في ذلك مجالٌ.( [109])
وفي الاستدلال ـ كما ذكره الآلوسي ـ مجال للبحث بل للرّدّ.
أوّلاً: إنّ حديث التعريس لا يشمل جمع التقديم، بل يختصّ بجمع التأخير حيث قال: «يؤخّر الصلاة حتّى يدخل وقت صلاة أُخرى».
ثانياً: إنّ فعل ابن عباس (رضي اللّه عنه) حاك عن أنّ جمع النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بين الصلاتين كان جمع تأخير على ما رواه مسلم كما مرّ، وفيه: خطبنا ابن عباس يوماً بعد العصر حتّى غربت الشمس وبدت النجوم وجعل الناس يقولون: الصلاة الصلاة، قال: فجاءه رجل من بني تميم لا يفتر ولا ينثني: الصلاة الصلاة، فقال ابن عباس: أتعلّمني بالسنة لا أُمّ لك، ثمّ قال: رأيت رسول اللّه جمع الظهر والعصر والمغرب والعشاء، فقال عبد اللّه بن شقيق: فحاك في صدري من ذلك شي فأتيت أبا هريرة، فسألته فصدّق مقالته».( [110])
فأي الحديثين أولى بالأخذ؟
والحديث محمول على تأخير صلاة العشاء حتّى يدخل وقت صلاة الفجر ويؤيّده ورود الرواية في ليلة التعريس الّتي ينشغل فيها الإنسان بأُمور حتى يدخل وقت صلاة الفجر.
الثالث: حديث حبيب بن أبي ثابت لا يحتجّ به
إنّ الرواية الثالثة التي أخرجها مسلم، ورد في سندها حبيب بن أبي ثابت قال في حقّه الخطابي في معالم السّنن: هذا حديث لا يقول به أكثر الفقهاء، واسناده جيّد إلاّ ما تكلّموا من أمر حبيب.( [111])
يلاحظ عليه: بأنّ ما ذكره من أنّ الحديث لا يقول بـه أكثر الفقهاء حق، ولكن يقول به كثير من الفقهاء ومـن يؤخذ عنه الفتوى وقد مرّت أسماؤهم، وأمّا عدم أخذ الأكثر به فقد عرفت أنّ الوجه في عدم الأخذ إمّا لكون التفريق موافقاً للاحتياط أو كونه مخالفاً لما استمرّ عليه النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) .
امّا الاحتياط فقد مرّ أنّ الإفتاء بلزوم التفريق في ظروفنا هذه على خلاف الاحتياط، لأنّه ربما ينتهي الأمر بسببه إلى ترك الصلاة رأساً.
وأمّا فعل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فقد عرفت أنّه جمع أيضاً، ليفهم الأُمّة على أنّ استمراره على التفريق سنّة مؤكّدة وليست بفرض.
وأمّا ما ذكر من أنّهم تكلّموا في حبيب بن أبي ثابت، فهو يخالف ما ذكره الذهبي في «ميزان الاعتدال»، حيث قال: احتجّ به كلّ من أفراد الصحاح بلا تردّد وقال: وثّقه يحيى بن معين وجماعة.( [112])
على أنّ الرواية في أحد الصحيحين اللّذين اتّفق الجمهور على صحّة أحاديثهما والعمل بما ورد فيهما.
وآخر دعوانا
أن الحمدللّه ربّ العالمين

[1] .  المائدة: 3 .
[2] .  آل عمران: 103 .
[3] . بداية المجتهد:1/170، تحت عنوان الفصل الثاني في الجمع .
[4] . المغني: 2/ 112.
[5] . صحيح مسلم:4/39ـ42، باب حجّة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) .
[6] . صحيح مسلم:2/150 باب جواز الجمع بين الصلاتين في السفر من كتاب الصلاة.
[7] .  صحيح مسلم:2/150 باب جواز الجمع بين الصلاتين في السفر من كتاب الصلاة.
[8] . صحيح مسلم:2/150 باب جواز الجمع بين الصلاتين في السفر من كتاب الصلاة.
[9] . صحيح مسلم:2/151، باب جواز الجمع بين الصلاتين في السفر من كتاب الصلاة.
[10] .  صحيح مسلم:2/151، باب جواز الجمع بين الصلاتين في السفر من كتاب الصلاة.
[11] . صحيح مسلم:2/151، باب جواز الجمع بين الصلاتين في السفر من كتاب الصلاة.
[12] . سنن أبي داود:2/8 كتاب الصلاة، باب الجمع بين الصلاتين،الحديث 1220.
[13] . مسند أحمد بن حنبل:5/241; سنن أبي داود:2/18، كتاب الصلاة،باب الجمع بين الصلاتين ، الحديث 1220.
[14] . نيل الأوطار:3/ 213.
[15] . بداية المجتهد:1/173، وفي طبعة أُخرى محقّقة:2/ 374.
[16] . بداية المجتهد:1/173، وفي طبعة أُخرى محقّقة:2/ 374.
[17] . النساء: 23.
[18] . نعم ما ذكرناه هو رؤوس الاختلاف، وأمّا فروعها فكثيرة لا حاجة للتعرّض إليها.
[19] . المجموع: 4/258، قسم المتن.
[20] . بداية المجتهد:1/173ـ 174، في موضعين.
[21] .  المغني:2/118، قسم الذيل.
[22] . بداية المجتهد:1/ 173.
[23] . المجموع: 4/ 260.
[24] . المجموع:4/ 258.
[25] . ستوافيـك مصـادر هـذه الروايات في الصورة الرابعة من صـور الجمع.
[26] .  ستوافيك مصادر هذه الروايات في الصورة الرابعة من صور الجمع.
[27] . الخلاف:1/588، المسألة 351 وسيوافيك ما بينه في أوقات الصلوات.
[28] . لاحظ العروة الوثقى:171، فصل في أوقات اليومية.
[29] . الفقيه:1/140، وأورده أيضاً في الحديث 1 من الباب17 من هذه الأبواب.
[30] . التهذيب:2/ 26.
[31] . الفقيه:1/186برقم 886.
[32] . علل الشرائع:321، الباب 11.
[33] . الكافي:3/286، الحديث 1.
[34] . الوسائل: 4/220ـ 223، الباب 32 من أبواب المواقيت.
[35] . المجموع:3/ 27.
[36] . المجموع:3/ 24.
[37] .  المجموع:3/ 27.
[38] . بداية المجتهد:2/374، الطبعة المحققّة.
[39] . المجموع:4/ 264.
[40] .  الإسراء: 78.
[41] . مجمع البيان:3/ 434.
[42] . نور الثقلين : 3/200، الحديث 370.
[43] . نور الثقلين:3/202، الحديث 377.
[44] . الجامع لأحكام القرآن:1/ 304.
[45] . التفسير الكبير:21/ 27.
[46] . وكم للإمام الرازي من مواقف مشرقة في تحقيق ما هو الحقّ ، الذي هو الأحقّ بالاتّباع لكنّه عدل عنه لوجوه واهية. لاحظ ما حقّقه حول مسح الرجلين في تفسير قوله سبحانه: (وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم إلى الكعبين) ، وما ذكره حول المراد من قوله (وأولي الأَمر منكم) في تفسير قوله تعالى: (أَطيعُوا اللّه وأَطيعُوا الرَسول وأُولي الأَمْر مِنْكم) وغيرهما.
[47] . فعل ذلك رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) بالمدينة بقرينة الحديث الخامس.
[48] . لف ونشر غير مرتب، والمرتب منه: ثمانياً وسبعاً.
[49] . شرح صحيح مسلم للنووي:5/213ـ 218، باب الجمع بين الصلاتين في الحضر ومع أنّ العنوان خاص بالحضر نقل فيه ثلاث روايات جاء فيها الجمع بين الصلاتين في السفر تركنا نقلها. ولعلّه نقلها في هذا الباب إيعازاً بأنّ كيفية الجمع في الحضر مثلها في السفر كما سيوافيك بيانه.
[50] .  صحيح البخاري:1/110، باب تأخير الظهر إلى العصر من كتاب الصلاة.
[51] . صحيح البخاري:1/113، باب وقت المغرب من كتاب الصلاة.
[52] . صحيح البخاري:1/113، باب ذكر العشاء والعتمة.
[53] . سنن الترمذي:1/354، رقم الحديث 187، باب ما جاء في الجمع في الحضر. ثمّ إنّ محقّق الكتاب أشار في الهامش إلى الوجوه التي روي بها هذا الحديث عن ابن عباس فلاحظ.كما أنّ للترمذي تفسيراً مرفوضاً بالنسبة إلى هذا الحديث سيوافيك في محلّه.
[54] . مسند أحمد:1/ 223.
[55] . مسند أحمد:1/221 وما ظنه ان أراد به الجمع الصوري كما سيوافيك فهو ليس بحجّة حتى للظان، والظن لا يغني عن الحقّ شيئاً.
[56] . مسند أحمد:1/ 251.
[57] . موطأ مالك:1/144، باب الجمع بين الصلاتين في الحضر والسفر، الحديث 4.
[58] . سنن أبي داود:2/6، الحديث1210، باب الجمع بين الصلاتين. وسيوافيك الكلام في تفسير مالك للحديث.
[59] . المصدر السابق، الحديث 1214.
[60] .  سنن النسائي:1/290، باب الجمع بين الصلاتين في الحضر.
[61] . سنن النسائي:1/290، باب الجمع بين الصلاتين في الحضر.
[62] . سنن النسائي:1/290، باب الجمع بين الصلاتين في الحضر.
[63] . سنن النسائي:1/286، باب الوقت الذي يجمع فيه المقيم والمراد من ثمان سجدات ثمان ركعات.
[64] . مصنف عبد الرزاق:2/555ـ556، الحديث 4434، 4435.
[65] . مصنف عبد الرزاق:2/555ـ556، الحديث 4434، 4435.
[66] . مصنف عبد الرزاق:2/556، الحديث 4436.
[67] . مصنّف عبد الرزاق:2/556، الحديث 4437.
[68] . معاني الآثار:1/ 161.
[69] . حلية الأولياء:3/90 باب جابر بن زيد.
[70] . حلية الأولياء:3/90 باب جابر بن زيد.
[71] . مسند البزار:1/283، الحديث رقم 421.
[72] . المعجم الكبير:10/269، الحديث 10525.
[73] . لاحظ المعجم الأوسط:2/94 وكنز العمال:8/246ـ 251، برقم 22764و 22767و 22771، 22774، 22777، 22778.
[74] . سنن الترمذي:1/ 354.
[75] . لاحظ العلل:2/331 و 4/ 384.
[76] . شرح صحيح مسلم للنووي:5/ 224.
[77] . نيل الأوطار للشوكاني:3/218 تحت باب جمع المقيم في مطر أو غيره.
[78] . روح المعاني:15/133ـ 134 في تفسير الآية ( أَقم الصلاة لدلوك الشمس ) .
[79] . البقرة: 185.
[80] .  الحج: 78.
[81] . مسائل فقهية للإمام شرف الدين: 9.
[82] . حكاه السيد محمد بن إسماعيل الصنعاني المعروف بالأمير في كتابه سبل السلام:2/ 43.
[83] .  لاحظ الرواية 3و4 في فصل الجمع بين الصلاتين في السفر من الصنف الثاني.
[84] . شرح صحيح مسلم للنووي:5/224، باب الجمع بين الصلاتين، ح 51.
[85] .  سورة البقرة:67ـ 71.
[86] . شرح صحيح مسلم:5/ 225.
[87] . المغني:2/113ـ 114، ذكره في نقد كلام من حمل الجمع بين الصلاتين في السفر، ولما كان المناط واحداً نقلناه في المقام.
[88] . الشرح الكبير في ذيل المغني:2/ 115.
[89] . معالم السنن:2/52، ح1163، عون المعبود:1/ 468.
[90] . نيل الأوطار من أحاديث سيد الأخيار:3/ 217. وفي المصدر « المصير » مكان « المسير » .
[91] .  لاحظ الرواية برقم 30.
[92] . نيل الأوطار:3/ 217.
[93] .  شرح صحيح مسلم، ج5، باب جواز الجمع بين الصلاتين في السفر، برقم46 و 48.
[94] . شرح صحيح مسلم، ج5، باب جواز الجمع بين الصلاتين في السفر، برقم46 و 48.
[95] . نيل الأوطار:3/ 216.
[96] . مسند أحمد:1/ 221.
[97] . شرح صحيح مسلم للنووي:5/ 225.
[98] . شرح صحيح مسلم:5/ 225.
[99] .  شرح صحيح مسلم للنووي:5/ 226.
[100] .  لاحظ نيل الأوطار للشوكاني:3/ 216.
[101] .  فتح الباري:2/ 24.
[102] . معالم السنن:1/ 265.
[103] . سنن الترمذي:1/358، قسم التعليقة بقلم أحمد محمد شاكر.
[104] . فتح الباري بشرح صحيح البخاري:2/24، بتعاليق عبد العزيز بن باز.
[105] . إزالة الحظر عمّن جمع بين الصلاتين في الحضر:116ـ 120.
[106] .  سنن الترمذي:1/ 356.
[107] . ميزان الاعتدال:1/546، الترجمة رقم 2043.
[108] . تهذيب التهذيب:1/ 538.
[109] . روح المعاني: 15 / 134 في تفسير آية (أَقِمِ الصَّلاة لِدُلُوكِ الشَّمس) .
[110] . لاحظ الرواية برقم 6.
[111] . معالم السنن:2/55، رقم 1167.
[112] . ميزان الاعتدال : 1 / 451 برقم 1690.