قائمة المواضيع :
الوصية للوارث
الوصية للوارث إذا لم تتجاوز الثلث
اتّفقت المذاهب الخمسة على أنّ الوصية التبرّعيّة تنفذ في مقدار الثلث فقط، مع وجود الوارث سواء صدرت في المرض أم في الصحّة، وما زاد عن الثلث يفتقر إلى إجازة الورثة. وإن كان الأفضل في بعض المذاهب أن لا يستوعب الثلث بالوصية. ( [3])
وأمّا في مقدار الثلث فتنفّذ وصيته عند الإمامية في الأقرب والأجنبي، ومن غير فرق في الأقرب، بين الوارث وغيره. وأمّا المذاهب الأربعة فأجازت الوصية للأقرب بشرط أن لا يكون وارثاً، وأمّا الوارث فلا تجوز الوصية له سواء كان بمقدار الثلث أم أقل أم أكثر ، إلاّ بإجازة الورثة. قال السيد المرتضى: وممّا ظنّ انفراد الإمامية به، ما ذهبوا إليه من أنّ الوصية للوارث جائزة، وليس للوارث (غير الموصى له) ردّها. وقد  وافقهم في هذا المذهب بعض الفقهاء( [4]) وإن كان الجمهور والغالب، على خلافه .( [5])
وقال الشيخ الطوسي: تصحّ الوصية للوارث مثل الابن والأبوين. وخالف جميع الفقهاء في ذلك وقالوا: لا وصية للوارث.( [6])
وقال الخرقي في متن المغني: «ولا وصية لوارث إلاّ أن يجيز الورثة ذلك». وقال ابن قدامة في شرحه: إنّ الإنسان إذا أوصى لوارثه بوصية فلم يجزها سائر الورثة، لم تصح، بغير خلاف بين العلماء. قال ابن المنذر وابن عبد البرّ : أجمع أهل العلم على هذا، وجاءت الأخبار عن رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) بذلك فروى أبو أُمامة قال: سمعت رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول: «إنّ اللّه قد أعطى كل ذي حقّ حقّه فلا وصية لوارث» رواه أبو داود وابن ماجة والترمذي، ولأنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) منع من عطية بعض ولده  وتفضيل بعضهم على بعض في حال الصحّة وقوّة الملك وإمكان تلافي العدل بينهم بإعطاء الذي لم يعطه فيما بعد ذلك، لما فيه من إيقاع العداوة والحسد بينهم، ففي حال موته أو مرضه وضعف ملكه وتعلّق الحقوق به وتعذّر تلافي العدل بينهم أولى وأحرى، وإن أجازها جازت في قول الجمهور من العلماء.( [7])
وحاصل الكلام: انّ فقهاء السنّة يشترطون لنفاذ الوصية أن لا يكون الموصى له وارثاً للموصي عند موت الموصي إذا كان هناك  وارث آخر لم يجز الوصية، فإن أجاز بقية الورثة الوصية للوارث نفذت الوصية، فتكون الوصية للوارث موقوفة على إجازة بقية الورثة أخذاً بقوله (صلى الله عليه وآله وسلم) : «لا تجوز وصية لوارث إلاّ أن يشاء الورثة»، وقوله: «لا وصية لوارث إلاّ  أن يجيز الورثة». ثمّ إنّ القوم بدل أن يعرضوا المسألة على الكتاب أخذوا بالتفلسف ونحت الحكمة للمسألة كما عرفت في كلام ابن قدامة حيث قال: «لما فيه من ايقاع العداوة والحسد بينهم».
وقال بعضهم: لما في إيثار بعض الورثة من غير رضا الآخرين ما يؤدي إلى الشقاق والنزاع وقطع الرحم وإثارة البغضاء والحسد بين الورثة.
لكن هؤلاء غفلوا عن أنّ ما ذكروه من الوجه ليس كلياً، بل ولا غالبياً، إذ ربما يكون بعض الورثة أولى ببعض الميراث من غيرهم، كما إذا كان المورث صاحب كتاب مخطوط أو مطبوع  لا يستفيد منه إلاّ الوارث الطالب دون الآخرين المشتغلين بالتجارة،  فهل الإيصاء عندئذ  يوجب البغضاء؟
وربما يكون الموصى له عاجزاً مقعداً مستحقاً للإيصاء فهل يثير الإيصاء في المقام البغضاء والحسد، ولأجل ذلك  نرى أنّ قانون  الوصية في مصر أخذ برأي الشيعة الإمامية في سنة 1946م،فأجاز الوصية للوارث في حدود الثلث من غير إجازة الورثة، نعم التزم القانون السوري برأي الجمهور و هي انّ الوصية لا تنفذ إلاّ إذا أجازها الورثة.
ومع أنّ الكتب الفقهية للمذاهب الأربعة تنفي جواز الوصية للوارث، إلاّ إذا أجاز الورثة، حتى أنّ بعضهم يقول بأنّ الوصية باطلة وإن أجازها سائر الورثة إلاّ  أن يعطوه عطية مبتدأة ( [8]) ـ ومع هذا التصريح ـ ينقل الشيخ محمد جواد مغنية:  ما زال عمل المحاكم الشرعية السنّية في لبنان على عدم صحّة الوصية للوارث، ومنذ سنوات قدّم قضاتها مشروعاً إلى الحكومة يجيز الوصية للوارث ورغبوا إليها في تبنّيه.( [9])
يلاحظ على ما ذكره ابن قدامة من الحكمة: أنّها لا تقاوم الذكر الحكيم،  واتّفاق أئمّة أهل البيت، ولو صحّت لزم تحريم تفضيل بعضهم على بعض في الحياة في البر والإحسان، لأنّ ذلك يدعو إلى الحسد والبغضاء مع أنّه لا خلاف في جوازه، وما نقل عن النبي من النهي، فهو محمول على التنزيه لا التحريم إذ لم يقل أحد بحرمة التفضيل في الحياة.  وسيوافيك الكلام فيما تصور من الحكمة.
والأُوْلى عرض المسألة على الكتاب والسنّة، أمّا الكتاب فيكفي في جواز الوصية قوله سبحانه: ( كُتِبَ عَلَيْكُمْ إذا حَضَـرَ أحَدَكُمُ المَوتُ إنْ تَرَكَ خيراً الوَصِيَّةُ لِلوالِدَينِ والأقْرَبِينَ بِالمَعروفِ حَقّاً عَلَـى المُتَّقِينَ ) .( [10])
المراد من حضور الموت: ظهور أماراته من المرض والهرم وغيره، ولم يرد إذا عاين ملك الموت، لأنّ تلك الحالة تشغل الإنسان عن الوصيّة، وأيضاً يجب أن يراعى جانب المعروف في مقدار الوصية والموصى له، فمن يملك المال الكثير إذا أوصى بدرهم فلم يوص بالمعروف، كما أنّ الإيصاء للغني دون الفقير خارج عن المعروف، فانّ المعروف هو العدل الذي لا ينكر، ولا حيف فيه ولا جور.
والآية صريحة في الوصية للوالدين، ولا وارث أقرب للإنسان من والديه، وقد خصّهما بالذكر لأولويّتهما بالوصية ثم عمّم الموضوع وقال: ( والأقربين ) ليعمّ كل قريب، وارثاً كان أم لا.
وهذا صريح الكتاب ولا يصح رفع اليد عنه إلاّ بدليل قاطع مثله،  وقد أجاب القائلون بعدم الجواز عن الاستدلال بالآية بوجهين:
1. آية الوصية منسوخة بآية المواريث
قالوا: إنّها منسوخة بآية المواريث، فعن ابن عباس والحسن: نسخت الوصية للوالدين بالفرض في سورة النساء( [11])، وتثبت للأقربين الذين لا يرثون، وهو مذهب الشافعي وأكثر المالكيين، وجماعة من أهل العلم.
ومنهم من يأبى كونها منسوخة، وقال: بأنّها محكمة ظاهرها العموم ومعناها الخصوص في الوالدين اللَّذين لا يرثان كالكافرين والعبدين، وفي القرابة غير الورثة. ( [12])
ومرجع الوجه الأوّل: إلى نسخ جواز الايصاء في الوالدين وانّه لا يوصى لهما مطلقاً وارثين كانا أو ممنوعين من الإرث لأجل الكفر والرق، وتقييد جواز الإيصاء للأقربين بما إذا كانا غير وارثين.
ومرجع الوجه الثاني: إلى تقييدين، تقييد جواز الايصاء للوالدين بما إذا كانا ممنوعين من الإرث، وتقييد جواز الايصاء بالأقربين بما مرّ في الوجه الأوّل.
وقال الجصاص في تفسير الآية: نسختها آية الفرائض.
1. قال ابن جريج عن مجاهد: كان الميراث للولد والوصية للوالدين والأقربين. فهي منسوخة. ( [13])
2.وقالت طائفة أُخرى: قد كانت الوصية واجبة للوالدين والأقربين فنسخت عمّن يرث، وجعلت للوالدين والأقربين الذين لا يرثون .( [14])
وعلى الوجه الأوّل فآية الوصية منسوخة بالمعنى الحقيقي، وعلى الثاني مخصّصة حيث أخرج الوارث منهما وأبقى غير الوارث، لكن لازم كون الوصية واجبة وبقاء الأقربين تحت العموم، وجوب الوصية لغير الوارث منهما. وهو كما ترى.
تجد نظير هذه الكلمات في كتب التفسير والفقه لأهل السنّة ونعلّق عليها بوجهين:
الأوّل:  إنّ السابر في كتب القوم يقف على أنّ الذي حملهم على ادّعاء النسخ والتخصيص في الآية هو رواية أبي أُمامة أو عمر بن خارجة وأنّه سمع رسول اللّه يقول في خطبته ـ عام حجة الوداعـ: ألا أنّ اللّه قد أعطى كلّ ذي حقّ حقّه فلا وصية لوارث. ( [15]) ولولا هذه الرواية لما خطر في بال أحد بأنّ آية المواريث ناسخة لآية الوصية، إذ لا تنافي بينهما قيد شعرة حتى تكون إحداهما ناسخة أو مخصّصة، إذا لا منافاة أن يكتب سبحانه على الإنسان فرضاً أو ندباً أن يوصي للوالدين والأقربين بشيء، لا يتجاوز الثلث، وفي الوقت نفسه يُورِّث الوالدين والأقربين على النظام المعروف في الفقه. والذي يوضح ذلك: هو أنّ الميراث، في طول الوصيّة، ولا يصح للمتأخّر أن يعارض المتقدّم ، وأنّ الورّاث يرثون بعد إخراج الدين والوصية، قال سبحانه: ( مِنْ بعَدِ وصيّة يُوصِي بها أو دَين )   ( [16]) وفي ثلاثة موارد أُخرى : ( من بعد وَصيّة يوصين ...توصون... يُوصي بها أو دين ) ( [17]) ، فلا موضوع للنسخ ولا للتخصيص.
وقد تفطّن القرطبي لبعض ما ذكرنا وقال: ولولا هذا الحديث لأمكن الجمع بين الآيتين بأن يأخذوا المال عن المورِّث بالوصية، وبالميراث إن لم يوص، أو ما بقى بعد الوصية، لكن منع من ذلك هذا الحديث والإجماع. ( [18])
أقول: أمّا الإجماع ، فغير متحقّق، وكيف يكون كذلك مع أنّ أئمة أهل البيت ـ كما سيوافيكـ اتّفقوا على جوازه وكذلك فقهاء الإمامية طوال القرون وهم ثلث المسلمين، وبعض السلف كما يحدّث عنه صاحب المنار،  وأمّا الحديث فسيوافيك ضعفه، وأنّه على فرض الصحّة سنداً،  قابل للتأويل والحمل على ما زاد الإيصاء عن الثلث.
الثاني: إنّ ادّعاء النسخ أو التخصيص في الآية،  بآية المواريث، متوقّف على تأخّر الثانية عن الأُولى وأنّى للقائل بهما إثباته؟! بل لسان آية الوصية بما فيها من التأكيد لأجل الإتيان بلفظ  ( كُتِبَ ) وتوصيفه بكونه حقّاً على المؤمنين يأبى عن كونه حكماً مؤقتاً لا يدوم إلاّ شهراً أو شهوراً.
قال الإمام عبده: إنّه لا دليل على أنّ آية المواريث نزلت بعد آية الوصية هنا فانّ السياق ينافي النسخ، فانّ اللّه تعالى إذا  شرّع للناس حكماً وعلم أنّه مؤقت وأنّه سينسخه بعد زمن قريب، فانّه لا يؤكّده ولا يوثّقه بمثل ما أكّد به أمر الوصية هنا من كونه حقّاً على المتّقين ومن وعيد لمن بدّله.
ثم قال: وبإمكان الجمع بين الآيتين إذا قلنا إنّ الوصيّة في آية المواريث مخصوصة بغير الوارث بأن يخصّ القريب هنا بالممنوع من الإرث ولو بسبب اختلاف الدين، فإذا أسلم الكافر وحضرته الوفاة ووالداه كافران، فله أن يوصي لهما بما يؤلّف به قلوبهما.  ( [19])
ولا يخفى ما في صدر كلامه من الإتقان لولا ما تنازل في آخره وحاول الجمع بين الآيتين بتخصيص جواز الوصية لمن لا يرثان من الوالدين لسبب كالقتل والكفر والسرقة، إذ لقائل أن يسأل الإمام أنّه إذا كان المراد من الوالدين والأقربين في آية الوصية هم الممنوعين من الوراثة، فما معنى هذا التأكيد والعناية البارزة في الآية مع ندرة المصداق أو قلّته بالنسبة إلى غير الممنوعين، أوَ ليس هذا أشبه بالتخصيص المستهجن فلا محيص عن القول بعموم الآية، لكلّ والد ووالدة، والأقربين ممنوعين كانوا أم غيرهم.
وأمّا ما يثيرون حول الإيصاء  للوالدين من كونه سبباً لظهور العداء، فقد مرّ جوابه في صدر البحث، وهنا نزيد ما ذكره ذلك الإمام بقوله:
وجوّز بعض السلف الوصية للوارث نفسه بأن يخصّ بها من يراه أحوج من الورثة كأن يكون بعضهم غنياً والبعض الآخر فقيراً. مثال ذلك أن يطلّق أبوه أُمّه وهو غنيّ، ولا عائل لها إلاّ ولدها، ويرى أنّ ما يصيبها من التركة لا يكفيها، ومثله أن يكون بعض ولده أو إخوته ـ إن لم يكن له ولد ـ عاجزاً عن الكسب فنحن نرى أنّ الحكيم الخبير اللطيف بعباده ، الذي وضع الشريعة والأحكام لمصلحة خلقه، لا يحكم أن يساوي الغني الفقير. والقادر على الكسب من يعجزه عنه، فإذا كان قد وضع أحكام المواريث العادلة على أساس التساوي بين الطبقات باعتبار أنّهم سواسية في الحاجة كما أنّهم سواء في القرابة، فلا غرو أن يجعل أمر الوصيّة مقدّماً على أمر الإرث ... ويجعل الوالدين والأقربين في آية أُخرى أولى بالوصيّة لهم من غيرهم لعلمه سبحانه وتعالى بما يكون من التفاوت بينهم في الحاجة أحياناً، فقد قال في آيات الإرث في سورة النساء: ( مِنْ بعَدِ وَصيَّة يُوصِي بِها أو دَين )   فأطلق أمر الوصية وقال في آية الوصية هنا ما هو تفصيل لتلك .
لقد بان الحق ممّا ذكرنا وانّ الذكر الحكيم أعطى للإنسان حقّ الإيصاء للوالدين لمصالح هو أعرف بها، على حدّ لا يتجاوز الثلث، وليكون إيصاؤه أيضاً على حدّ المعروف.
ويؤيّده إطلاق قوله سبحانه في ذيل آية المواريث قال سبحانه: ( وأُولُوا الأرحام بَعضُهم أوْلى بِبَعض في كِتابِ اللّهِ منَ المؤمنينَ والمهاجرينَ إلاّ أن تَفعلوا إلى أوليائِكُمْ مَعروفاً كانَ ذلكَ في الكتابِ مَسطُورا ) ( [20]) . ويريد من الذيل الإحسان في الحياة والوصية عند الموت فانّه جا ( [21]) ئز.  وإطلاقه يعمّ الوارث وغيره.
واللّه سبحانه هو العالم بمصالح العباد، فتارة يخصّ بعض الورّاث ببعض التركة عن طريق تنفيذ الوصية ما لم تتجاوز الثلث، وأُخرى يوصي لغير الوارث بشيء منها، يقول سبحانه: ( وإذا حَضَـرَ القِسمَةَ أُوْلُوا القُرْبَـى وَاليَتمَى والمَساكينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلاً مَعْرُوفاً ) .( [22])  والمراد من ذوي القربى الأخ للميت الشقيق وهو لايرث، وكذلك العم والخال والعمّة والخالة ويعدّون من ذوي القربى للوارث، الذي لا يرثون معه وقد يسري إلى نفوسهم الحسد فينبغي التودّد إليهم، واستمالتهم بإعطائهم شيئاً من ذلك الموروث، بحسب ما يليق بهم ولو بصفة الهبة أو الهدية....( [23])
2. آية الوصية منسوخة بالسنّة
قد عرفت مدى صحّة نسخ الآية بآية المواريث فهلمّ معي ندرس منسوخية الآية بالسنّة التي رواها أصحاب السنن ولم يروها الشيخان: البخاري ومسلم في صحيحيهما، وإليك ما نقل سنداً و متناً.
روى الترمذي في باب: ما جاء لا وصية لوارث:
1. حدثنا علي بن حجر وهنّاد قالا: حدثنا إسماعيل بن عياش، حدثنا شرحبيل بن مسلم الخولاني، عن أبي أُمامة الباهلي قال : سمعت رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)   يقول في خطبته عام حجة الوداع: إنّ اللّه قد أعطى لكلّ ذي حقّ حقّه فلا وصية لوارث، الولد للفراش وللعاهر الحجر ...
2. حدثنا قتيبة، حدثنا أبو عوانة، عن قتادة، عن شهر بن حوشب، عن عبد الرحمان بن غنم، عن عمرو بن خارجة: أنّ النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)   خطب على ناقته وأنا تحت جِرانها وهي تقصع بجرّتها ( [24]) وإنّ نعامها يسيل بين كتفي فسمعته يقـول: إنّ اللّه أعطى كـلّ ذي حقّ حقّـه، ولا وصية لوارث والولد للفراش وللعاهر الحجر ....( [25])
وفي الاسناد: من لا يحتجّ به.
1. إسماعيل بن عياش
قال الخطيب: عن يحيى بن معين يقول: أمّا روايته عن أهل الحجاز فإنّ كتابه ضاع، فخلط في حفظه عنهم.
وقال محمد بن عثمان بن أبي شيبة، عن علي بن المديني: كان يوثق فيما روى عن أصحابه أهل الشام فأمّا من روى عن غير أهل الشام ففيه ضعف.
وقال عمر بن علي: كان عبد الرحمان بن المهدي: لا يحدّث عن إسماعيل بن عياش. ( [26])
وقال ابن منظور: وقال مضر بن محمد الأسدي، عن يحيى: إذا حدّث عن الشاميين وذكر الخبر فحديثه مستقيم، فإذا حدّث عن الحجازيين والعراقيين خلط ما شاء. ( [27])
وقال الحافظ جمال الدين المزّي: قال عبد اللّه بن أحمد بن حنبل: سئل أبي عن إسماعيل بن عياش فقال: نظرت في كتابه عن يحيى بن سعيد أحاديث صحاح، وفي «المصنّف» أحاديث مضطربة.
وقال عثمان بن سعيد الدارمي عن دحيم: إسماعيل بن عياش في الشاميّين غاية، وخلط عن المدنيّين. وقال أحمد بن أبي الحواري:  سمعت وكيعاً يقول: قدم علينا إسماعيل بن عياش فأخذ منّي أطرافاً لاسماعيل بن أبي خالد، فرأيته يُخلِّط في أخذه.
وقال إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني: ما أشبه حديثه بثياب سابور يُرقّم على الثوب المائة، وأقلّ شرائه دون عشرة. قال: كان من أروى الناس عن الكذابين.
وقال أبو إسحاق الفزاري في حقّه:  ذاك رجل لا يدري ما يخرج من رأسه.( [28])
ونقل الترمذي بعد ذكر الحديث عن أبي إسحاق الفزاري: ولا تأخذوا عن إسماعيل بن عياش ما حدّث عن الثقات ولا عن غير الثقات.( [29])
2. شرحبيل بن مسلم الخولاني الشامي
قال ابن معين: ضعيف واختُتِنَ في ولاية عبد الملك بن مروان ، ووثّقه الآخرون.( [30])
3. شهر بن حوشب
تابعي توفّي حدود عام 100.
قال النسائي: ليس بالقوي. ( [31])
وقال يحيى بن أبي بكر الكرماني عن أبيه: كان شهر بن حوشب على بيت المال فأخذ خريطة فيها دراهم، فقال القائل:
لقد باع شهر دينه بخريطة  *** فمن يأمن القرّاء بعدك يا شهرُ  ( [32])
وقال جمال الدين المزّي: قال شبابة بن سوّار عن شعبة: ولقد لقيت شهراً فلم أعتد به. وقال عمرو بن علي: كان يحيى لا يُحدِّث عن شهر بن حوشب. وقال أيضاً: سألت ابن عون عن حديث هلال بن أبي زينب عن شهر ... فقال: ما يُصنع بشهر إنَّ شعبة نزك شهراً. فقال النضر: نزكوه. أي طعنوا فيه.
وقال إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني: أحاديثه لا تشبـه حديث الناس. وقال موسى بن هارون: ضعيف . وقال علي بن المديني: كان يحيى بن سعيد لا يحدّث عن شهر، وقال يعقوب بن شيبة: ... على أنّ بعضهم قد طعن فيه. ( [33])
3. روى أبو داود: حدثنا عبد الوهاب بن نجدة، ثنا ابن عياش، عن شرحبيل بن مسلم: سمعت أبا أُمامة: سمعت رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم)   يقول: «إنّ اللّه قد أعطى كلّ ذي حقّ حقّه فلا وصية لوارث».( [34])
والاسناد مشتمل على إسماعيل بن عياش وشرحبيل بن مسلم وقد عرفت حالهما. فلاحظ. 4. روى النسائي: أخبرنا قتيبة بن سعيد، قال: حدثنا أبو عوانة عن قتادة عن شهر بن حوشب، عن عبد الرحمان بن غنم، عن عمرو بن خارجة قال: خطب رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)   فقال: إنّ اللّه قد أعطى كلّ ذي حقّ حقّه، ولا وصية لوارث.
5. أخبرنا إسماعيل بن مسعود، قال: حدّثنا خالد، قال: حدثنا شعبة، قال: حدّثنا قتادة عن شهر بن حوشب، أنّ ابن غنم ذكر أنّ ابن خارجة ذكر له أنّه شهد رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)   يخطب الناس على راحلته، وإنّها لتقصع بجرّتها وإنّ نعامها ليسيل. فقال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)   في خطبته: إنّ اللّه قد قسّم لكل إنسان قسمة من الميراث، فلا تجوز لوارث وصية.
فالإسنادان مشتملان على شهر بن حوشب، وقد تعرّفت عليه.
6.  أخبرنا عتبة بن عبد اللّه المروزي قال: أنبأنا عبد اللّه بن المبارك، قال: أنبأنا إسماعيل بن أبي خالد ، عن قتادة، عن عمرو بن خارجة قال: قال رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) : «إنّ اللّه عزّ اسمه قد أعطى كلّ ذي حقّ حقّه، ولا وصيّة لوارث». ( [35])
وقد اشتمل الإسناد على قتادة بن دعامة بن قتادة:  أبو الخطاب البصري (61ـ117هـ) الذي ورد في حقّه عن حنظلة بن أبي سفيان: كنت أرى طاووساً إذا أتاه قتادة يسأله يفرّ منه، قال: وكان قتادة يتّهم بالقَدَر.
وقال علي بن المديني: قلت ليحيى بن سعيد:  إنّ عبد الرحمان يقول: اترك كلّ من كان رأساً في بدعة يدعو إليها. قال: كيف تصنع بقتادة...؟ ثم قال يحيى: إنْ تَرَكَ هذا الضرب، تَرَكَ ناساً كثيراً.
وقال الحاكم في علوم الحديث: لم يسمع قتادة من صحابي غير أنس.
وقال أبو داود: حدّث قتادة عن ثلاثين رجلاً لم يسمع منهم.( [36]) 7. روى ابن ماجة: حدّثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا يزيد بن هارون: أنبأنا سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن شهر بن حوشب، عن عبد الرحمان بن غنم، عن عمرو بن خارجة: أنّ النبيّ خطبهم وهو على راحلته، وإنّ راحلته لتقصع بجرّتها، وإنّ لُغامَها ليسيل بين كتفيَّ، قال: إنّ اللّه قسّم لكلّ وارث نصيبه من الميراث، فلا يجوز لوارث وصية، والولد للفراش ...
الإسناد مشتمل على شهر بن حوشب، وقد مرّ الكلام فيه.
8. حدثنا هشام بن عمّـار ، ثنا إسماعيل بن عياش، ثنا شرحبيل بن مسلم الخولاني: سمعت أبا أُمامة الباهلي يقول: سمعت رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول في خطبته، عام حجّة الوداع : إنّ اللّه قد أعطى كلّ ذي حقّ حقّه، فلا وصية لوارث.
وفي الاسناد إسماعيل بن عياش، وقد عرفت حاله.
9. حدثنا هشام بن عمّـار، ثنا محمد بن شعيب بن شابور، ثنا عبد الرحمن ابن يزيد بن جابر، عن سعيد بن أبي سعيد، أنّه حدّثه عن أنس بن مالك قال: إنّي لتحت ناقة رسول اللّه، يسيل عليَّ  نعامها، فسمعته يقول: إنّ اللّه قد أعطى كلّ ذي حقّ حقّه ألا لا وصية لوارث.( [37])
وفي السند، من لا يحتج به:
1.عبد الرحمن بن يزيد بن جابر الأزدي، أبو عتبة الشامي (المتوفّى عام153هـ).
قال الفلاس: ضعيف الحديث ... روى عن أهل الكوفة أحاديث مناكير.( [38])
2. سعيد بن أبي سعيد، واسمه كيسان المقبري أبو سعد المدني (المتوفّى عام125هـ).
قال يعقوب بن شيبة: قد كان تغيّـر واختلط قبل موته يقال بأربع سنين، وقال الواقدي: اختلط قبل موته بأربع سنين، وقال ابن حبّان في «الثقات»: اختلط قبل موته بأربع سنين.( [39]) 10.  روى الدارقطني: نا أبو بكر النيسابوري، نا يوسف بن سعيد، نا حجاج، عن جريج، عن عطاء عن ابن عباس قال: قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : لا تجوز الوصية لوارث إلاّ أن يشاء الورثة.
وفي الاسناد عطاء بن أبي مسلم الخراساني (50  ـ 135 هـ).
قال الدارقطني: لم يلق ابن عباس.
وقال أبو داود: ولم يدرك ابن عباس ولم يره.
البخاري قد ذكر عطاء الخراساني في الضعفاء... والبخاري لم يخرج له شيئاً.
وقال ابن حبّان: كان رديء الحفظ يخطئ ولا يعلم، فبطل الاحتجاج به.( [40])
وقال البيهقي: عطاء هذا هو الخراساني لم يدرك ابن عباس ولم يره. قاله أبو داود السجستاني وغيره، وقد روى من وجه آخر عن عكرمة عن ابن عباس.( [41])
11. نا علي بن إبراهيم بن عيسى، نا أحمد بن محمد الماسرجسي، نا عمرو ابن زرارة، نا زياد بن عبد اللّه ، نا إسماعيل بن مسلم، عن الحسن، عن عمرو بن خارجة قال: قال رسول اللّه: لا وصية لوارث إلاّ أن يجيز الورثة.
ولو صحّ الاسناد، فهو محمول على ما إذا زاد عن الثلث كما سيأتي نقله.
12. نا عبيد اللّه بن عبد الصمد بن المهتدي، نا محمد بن عمرو بن خالد، نا أبي ، عن يونس بن راشد، عن عطاء الخراساني، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: قال رسول اللّه: «لا يجوز لوارث وصية إلاّ أن يشاء الورثة». ( [42])
ولا أظنّ أن فقيهاً يحتجّ بحديث في سنده:
عكرمة البربري:  أبو عبد اللّه المدني، مولى ابن عباس: وقد عرّفه أهل الرجال بما يلي: قال ابن لهيعة: عن أبي الأسود: كان عكرمة  قليل العقل خفيفاً، كان قد سمع الحديث من رجلين، وكان إذا سئل حدّث به عن رجل يسأل عنه بعد ذلك، فيحدّث به عن الآخر، فكانوا يقولون: ما أكذبه.
وقال يحيى بن معين: إنّما لم يذكر مالك بن أنس عكرمة، لأنّ عكرمة كان ينتحل رأي الصفرية (طائفة من الخوارج) وقال عطاء: كان إباضياً.
وقال أبو خلف الخزاز، عن يحيى البكاء: سمعت ابن عمر يقول لنافع: اتّق اللّه ويحك يا نافع ولا تكذب عليّ كما كذب عكرمة على ابن عباس.
وعن سعيد بن المسيب أنّه كان يقول لغلامه: لا تكذب عليّ كما يكذب عكرمة على ابن عباس.
وعن عطاء الخراساني: قلت لسعيد بن المسيب: إنّ عكرمة يزعم أنّ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) تزوّج ميمونة وهو محرم، فقال: كذب مخبثان.
وقال سعيد بن جبير : كذب عكرمة. وقال وهيب بن خالد عن يحيى بن سعيد الأنصاري: كان كذّاباً.
وكان مالك لا يرى عكرمة ثقة ويأمر أن لا يؤخذ عنه.
وقال حنبل بن إسحاق عن أحمد بن حنبل : ... وعكرمة مضطرب الحديث يختلف عنه.
وقال ابن علية: ذكره أيوب فقال: قليل العقل.
وقال الحاكم: أبو أحمد احتجّ بحديثه الأئمّة القدماء لكن بعض المتأخرين أخرج حديثه من حيز الصحاح. ( [43])
13. نا أحمد بن كامل، نا عبيد بن كثير ، نا عباد بن يعقوب، نا نوح بن دراج، عن أبان بن تغلب، عن جعفر بن محمد، عن أبيه قال: قال رسول اللّه: لا وصية لوارث ولا إقرار بدين.
وفي الاسناد من لا يحتجّ به أهل السنّة، وهونوح بن دراج (المتوفّى عام 182هـ) والحديث نقل محرّفاً. فقد تضافر عن جعفر بن محمد، صحّة الوصية للوارث إلاّ إذا تجاوز عن الثلث، فانّه إضرار  بالورثة ويؤيّده ذيل الحديث «ولا إقرار بدين» والإقرار بالدين، والإيصاء فوق الثلث مظنّة الإضرار بالورثة.
14.  نا أحمد بن زياد، نا عبد الرحمان بن مرزوق، نا عبد الوهاب، نا سعيد، عن قتادة، عن شهر بن حوشب، عن عبد الرحمن بن غنم، عن عمرو بن خارجة قال: خطبنا رسول اللّه بمنى فقال: إنّ اللّه عزّ وجلّ قد قسّم لكلّ إنسان نصيبه من الميراث، فلا يجوز لوارث وصية إلاّ من الثلث.
قال: ونا سعيد بن مطر، عن شهر، عن عمرو بن خارجة عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)   مثله. ( [44])
والسند مشتمل على شهر بن حوشب، والمتن يؤيد مقالة الإمامية حيث قال: فلا يجوز لوارث وصية إلاّ من الثلث.
15. روى الدارمي: حدثنا مسلم بن إبراهيم، ثنا هشام الدستوائي، ثنا قتادة، عن شهر بن حوشب، عن عبد الرحمن بن غنم، عن عمرو بن خارجة، قال: كنت تحت ناقة النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)   وهي تقصع بجرّتها ونعامها  وينوص بين كتفي، سمعته يقول: ألا إنّ اللّه قد أعطى كلّ ذي حقّ حقّه فلا يجوز وصية لوارث.( [45])
وفي الاسناد شهر بن حوشب وكفى به ضعفاً.
16.  روى البيهقي بأسانيد مختلفة، لا تخلو من ضعف.
فالأوّل مقطوع برواية عطاء عن ابن عباس، وقد عرفت عدم إدراكه له، وعطاء هذا هو عطاء الخراساني.
والثاني مشتمل على رواية: عطاء عن عكرمة عن ابن عباس، وقد عرفت حال الرجلين.
والثالث أيضاً مثل الثاني.
والرابع مشتمل على الربيع بن سليمان،  الذي كان يوصف بغفلة شديدة، وعن الشافعي أنّه ليس بثبت وإنّما أخذ أكثر الكتب من آل البويطي بعد موت البويطي. ( [46])
وعلى سفيان بن عيينة (المتوفّى عام 198) قال محمد بن عبد اللّه بن عمّـار : سمعت يحيى بن سعيد يقول: اشهدوا أنّ سفيان بن عيينة اختلط سنة 197، فمن سمع في هذه السنة وبعدها، سماعه لا شيء. ( [47])
وعلى مجاهد بن جبر المكّي المولود في خلافة عمر (المتوفّى عام 100هـ)  فمضافاً إلى أنّ الرواية مقطوعة فقد ورد في حقّه: مجاهد معلوم التدليس، فعنعنته لا تفيد الوصل. ( [48])
والخامس مشتمل على ابن عياش وشرحبيل بن مسلم، وقد تعرّفت عليهما.
والسادس مشتمل على شهر  بن حوشب.
والسابع مشتمل على حماد بن سلمة عن قتادة، والسند إمّا مقطوع أو موصول بواسطة شهر بن حوشب بقرينة الرواية السابقة.
والثامن مشتمل على إسماعيل بن مسلم، وهو مردّد بين العبدي (أبو محمد البصري) والمكي (أبو إسحاق البصري) الذي ضعّفه جمال الدين المزّي بقوله: قال عمرو بن علي: كان يحيى وعبد الرحمن لا يحدّثان عن إسماعيل المكي.
وقال أبو طالب: قال أحمد بن حنبل: إسماعيل بن مسلم المكي منكر الحديث.
وقال عباس الدوري عن يحيى بن معين: إسماعيل بن مسلم المكي ليس بشيء. وكذلك قال عثمان بن سعيد الدارمي وأبو يعلى الموصلي عن يحيى.
وعن علي بن المديني: إسماعيل بن مسلم المكي لا يكتب حديثه ... وكان ضعيفاً في الحديث ... يكثر الخلط.
وقال أبو زرعة: هو بصري سكن مكة، ضعيف الحديث.
وقال النسائي:... متروك الحديث. وقال في موضع آخر: ليس بثقة. ( [49])
والتاسع مشتمل على عبد الرحمن بن يزيد بن جابر الأزدي، وسعيد بن أبي سعيد، وقد تعرّفت عليهما.
والعاشر مشتمل على سفيان بن عيينة وقد تعرّفت عليه; وعلى طاووس بن كيسان اليماني، وهو تابعي لم يدرك النبيّ، و إنّما ينقل ما ينقل عن ابن عباس. ( [50])
17. روى الحافظ سعيد بن منصور المكي (المتوفّى 227) في سننه هذا الحديث بأسانيد مختلفة.
فالأوّل ـ مضافاً إلى أنّه مقطوع بمجاهد ـ: مشتمل على سفيان بن عيينة.
والثاني: مقطوع بعمرو بن دينار (المتوفّى حدود عام 125هـ) ومشتمل على سفيان بن عيينة.
والثالث: مشتمل على إسماعيل بن عياش وشرحبيل بن مسلم. والرابع: مشتمل على شهر بن حوشب.
والخامس: مشتمل على سفيان بن عيينة وهشام بن حجر المكي الذي ضعّفه يحيى بن معين، وعن غيره أنّه يضرب على حديثه، وعن أبي داود أنّه ضرب الحدّ بمكة. ( [51])
18. روى عبد الرزاق بن همام الصنعاني (176ـ 211هـ) بسند ينتهي إلى شهر بن حوشب عن عمرو بن خارجة، قال: سمعت رسول اللّه يقول:لا وصية لوارث. ( [52]) وقد تعرفت على حال «شهر».
ملاحظات على نسخ الآية بالسنّة
ويلاحظ على هذه الإجابة ـ أي نسخ الكتاب بهذه الروايات ـ بوجوه:
1. الكتاب العزيز، قطعي السند، وصريح الدلالة في المقام. وظاهر الآية كون الحكم أمراً أبدياً وأنّه مكتوب على المؤمنين، وهو حقّ على المتّقين، أفيصح نسخه أو تخصيصه برواية لم يسلم سند منها عن خلل ونقاش فرواتها: مخلّط، من أروى الناس عن الكذابين، لا يرى ما يخرج من رأسه،  إلى ضعيف أُختُتِنَ في كبر سنِّه، إلى بائع دينه بخريطة، إلى مسنِد ولم ير المسند إليه، إلى محدود أُجري عليه الحد  في مكة، إلى خارجيّ يُضرب به المثل، إلى، إلى، إلى.... ( [53])
ولو قلنا بجواز نسخ الكتاب فانّما نقول به إذا كان الناسخ، دلالة قرآنية أو سنّة قاطعة.
2. كيف يمكن الاعتماد على رواية، تدّعي أنّ النبي الأكرم خطب في محتشد كبير لم ينقل لنا التاريخ له مثيلاً في حياة النبي إلاّ في وقعة الغدير، وقال: إنّه لا وصية لوارث، ولم يسمعه أحد من الصحابة إلاّ أعرابي مثل عمرو بن خارجة الذي ليس له رواية عن رسول اللّه سوى هذه ( [54]) ، أو شخص آخر كأبي أُمامة الباهلي وهذا ما يورث الاطمئنان على وجود الخلل فيها سنداً أو دلالة.
3. لو سلم أنّ الحديث قابل للاحتجاج، لكنّه لا يعادله ولا يقاوم ما تواتر عن أئمّة أهل البيت من جواز الوصية للوارث. فهذا هو محمد بن مسلم أحد فقهاء القرن الثاني، من تلاميذ أبي جعفر الباقر(عليه السلام) يقول: سألت أبا جعفر عن الوصية للوارث؟ فقال: «تجوز»، ثم تلا هذه الآية : ( إنْ تَركَ خَيراً الوصية للوالدين والأقربين )   .( [55])
وهذا أبو بصير المرادي شيخ الشيعة في عصر الصادق(عليه السلام) يروي عنه أنّه سأله عن الوصية للوارث؟ فقال: تجوز. ( [56])
4. أنّ التعارض فرع عدم وجود الجمع الدلالي بين نصّ الكتاب والحديث، إذ من المحتمل جداً  أنّ الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) ذكر قيداً لكلامه، ولم يسمعه الراوي أو سمعه، وغفل عن نقله، أو نقله ولم يصل إلينا وهو أنّه مثلاً قال: «ولا تجوز وصية للوارث» إذا زاد عن الثلث أو بأكثر منه، كما ورد كذلك من طرقنا، وطرق أهل السنّة. وقد عرفت: أنّ الدارقطني نقله عن الرسول الأكرم بهذا القيد. ( [57]) وقد ورد من طرقنا عن النبي الأكرم  أنّه قال في خطبة الوداع: «أيّها الناس إنّ اللّه قد قسّم لكلّ وارث نصيبه من الميراث، ولا تجوز وصية لوارث بأكثر من الثلث» .( [58])
وبعد هذه الملاحظات لا يبقى أيّ وثوق بالرواية المنقولة بالصورة الموجودة في كتب السنن.
أضف إلى ذلك: أنّ الإسلام دين الفطرة، ورسالته خاتمة الرسالات، فكيف يصحّ أن  يسد باب الإيصاء للوارث، مع أنّه ربّما تمسّ الحاجة إلى الإيصاء للوارث، بعيداً  عن الجور والحيف، من دون أن يثير عداء الباقين وحسد الآخرين كما إذا كان طفلاً، أو مريضاً، أو معوّقاً أو طالب علم، لا يتسنّى له التحصيل إلاّ بعون آخرين. كل ذلك يدعو فقهاء المذاهب في الأمصار،  إلى دراسة المسألة من الأصل عسى أن يتبدّل المختلف إلى المؤتلف والخلاف إلى الوفاق بفضله وكرمه سبحانه.
قد عرفت أنّ مصدر الحكم  عند القوم هو الروايات التي تعرفت على ضعفها ومقدار دلالتها، وربّما يستدلّ بوجه غريب: انّ المال حينئذ صار للورثة ، فحكم الموصي فيما استحقوه بالميراث باطل، لقول رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : «إنّ دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام» فليس لهم إجازة الباطل، لكن إن أحبوا أن ينفذوا الوصية من مالهم باختيارهم، فلهم التنفيذ،ولهم حينئذ أن يجعلوا الأجر لمن شاءوا.
يلاحظ عليه: ما هو الدليل لقوله: «المال حينئذ صار للورثة فحكم الموصي فيما استحقّوه بالميراث باطل.
فإن كان الدليل هو الرواية، أعني قوله: «لاوصية لوارث» فقد عرفت ضعف الرواية وانّها لا تقاوم الذكر لحكيم أوّلاً، وإمكان الجمع بينهما ثانياً.
وإن كان الدليل قول رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : « إنّ دماءكم وأولادكم وأعراضكم عليكم حرام» كما هو الظاهر من ذيل كلامه ففيه انّه لم يدل دليل على أنّ الموصى به ملك للورثة ينتقل منهم إلى الموصى له، بل ظاهر الآية انّ المنقول من التركة إلى الوارث مخصص بغير الدين والوصية، فمقدار الدين وما أوصى به لا ينتقلان إلى الورثة حتّى ينتقلا  إلى الموصى له، بل المنقول إليهم مضيق من أوّل الأمر بغير الدين والوصية، ويدلّ عليه قوله سبحانه في موردين:
أ. ( فلكم الربع مما تركن من بعد وصية يوصين بها أو دين ) .
ب. ( ولهن الثمن ممّا تركتم من بعد وصية توصون بها أو دين ) .

[1] -المائدة: 3 .
[2] -آل عمران: 103 .
[3] -المغني: 6/ 78.
[4] - سيوافيك التصريح به من صاحب المنار أيضاً.
[5] -الانتصار: 308.
[6] -الخلاف: 2  كتاب الوصية 1.
[7] - المغني: 6/79ـ 80.
[8] - المصدر نفسه.
[9] - الفقه على المذاهب الخمسة: 465.
[10] -البقرة: 180.
[11] - ( ولأبويه لكل واحد منهما السدس ممّا ترك إن كان له ولد ... ) النساء: الآية 11.
[12] - الجامع لأحكام القرآن: 2/262ـ 263.  
[13] -سنن الدارمي: 2/419 مرسلاً عن قتادة.
[14] - أحكام القرآن: 1/ 164.
[15] - سيوافيك نصّه وسنده.
[16] - النساء: 11.
[17] - النساء: 12.
[18] -الجامع لأحكام القرآن: 1/ 263.
[19] -تفسير المنار: 2/136ـ 137.
[20] -الأحزاب: 7.
[21] - الجامع لأحكام القرآن: 14/ 126.
[22] -النساء: 8.
[23] - تفسير المنار: 2/ 394.
[24] - « الجران » : هو من العنق ما بين المذبح إلى المنحر. و « تقصع بجرّتها » : أراد شدة المضغ وضمّ بعض الأسنان على بعض، وقيل: قصع الجرّة: خروجها من الجوف إلى الشدق. النهاية.
[25] -سنن الترمذي: 4/ 433، باب ما جاء لا وصية لوارث، الحديث 2120ـ 2121.
[26] -تاريخ بغداد: 6/226ـ 227.
[27] -  مختصر تاريخ دمشق:4/ 376.
[28] -  تهذيب الكمال:   3/175ـ 178.
[29] -سنن الترمذي: 4/433، الحديث 2120.
[30] -تهذيب الكمال:12/431برقم 1721.
[31] -الضعفاء والمتروكين: 134 برقم 310.
[32] - تهذيب التهذيب: 4/286، برقم 570.
[33] -  تهذيب الكمال:  12/ 581.
[34] -سنن أبي داود:3 / 114،  باب ما جاء في الوصية للوارث، برقم 2870.
[35] -سنن النسائي:  6/207،  كتاب الوصايا، باب إبطال الوصية للوارث. الحديث بأسناده الثلاثة ينتهي إلى عمرو بن خارجة الذي قال البزار في حقّه: إنّه لا نعلم له عن النبي إلاّ هذا الحديث.
[36] -تهذيب التهذيب:   8/319; تهذيب الكمال:   23/ 509.
[37] -سنن ابن ماجة:  2/ 905،  كتاب الوصايا، باب لا وصية لوارث،  الأحاديث2712ـ 2714.
[38] -تهذيب التهذيب: 6/266 برقم 581.
[39] - المصدر نفسه:  4/34 برقم 61.
[40] -المصدر نفسه: 7/190 برقم 395.
[41] - السنن الكبرى: 6/ 264.
[42] -سنن  الدار قطني:  4/152 « الوصايا » الحديث 10 و 11.
[43] -تهذيب التهذيب:  7/234 رقم 476.
[44] -سنن الدارقطني:  4/152 « الوصايا »   الحديث 12 و 13.
[45] -سنن الدارمي:  2/419،  باب الوصية للوارث.
[46] -تهذيب التهذيب : 3 / 213 برقم 473.
[47] - تهذيب الكمال: 11/ 196.
[48] - تهذيب التهذيب: 10/40 برقم 68.
[49] - تهذيب الكمال: 3/ 198 برقم 483.
[50] -سنن البيهقي:   6/264ـ 265.
[51] -تهذيب التهذيب: 11/32 برقم 74.
[52] -المصنف:  9/70 برقم 16376.
[53] -لاحظ ما نقلناه عن أئمة الرجال في حق رواة الحديث ونقلته.
[54] -الاصابة: 2/527 ;تهذيب الكمال: 21/599;  الثقات: 3/ 271.
[55] -وسائل الشيعة: 13، الباب 15 من أبواب أحكام الوصايا، الحديث2و3، وفيه ثلاثة عشر حديثاً تصرِّح بجواز الوصية للوارث.
[56] -وسائل الشيعة: 13، الباب 15 من أبواب أحكام الوصايا، الحديث2و3، وفيه ثلاثة عشر حديثاً تصرِّح بجواز الوصية للوارث.
[57] -لاحظ الرقم 14 ممّا سلف وفيه: فلا يجوز لوارث وصية إلاّ من الثلث.
[58] - تحف العقول: 34.