قائمة المواضيع :
التقيّة مفهومها، حدّها، دليلها
التقيّة
من المفاهيم الإسلامية السامية
تُعدّ التقية من المفاهيم الإسلامية الأصيلة، المنسجمة مع حكم العقل، وروح الإسلام، ومرونة الشريعة المقدسة وسماحتها، وضرورات العمل الإسلامي، وقد وردت في القرآن الكريم، وأكّدتها السنة الشريفة، وآمن بمشروعيتها علماء المسلمين.
ولا ريب في أنّ الشيعة ـ و بحكم الظروف العصيبة التي حاقت بهم على امتداد فترات تاريخية  طويلة ـ اشتهروا بالعمل بالتقية، واللّياذ بظلها كلما اشتدت عليهم وطأة القهر والظلم.
وقد سعى الصائدون في الماء العكر من حُكّام الجور والمغرضين والمتعصّبين إلى استغلال هذا الأمر، وذرّ الرماد في العيون من خلال إيجاد تصوّرات وأوهام باطلة، وغرسها في أذهان الناس، بدعوى أنّ التقية عند الشيعة ضرب من النفاق والخداع والتموية، وأنّها تجعل منهم منظّمة سرية غايتها الالتفاف على الإسلام وتشويه صورته وتهديم أركانه.
إنّ العمل بالتقية والاحتراز عن الإفصاح عن المبادئ والأفكار لا يعنيان أبداً أنّ للشيعة أسراراً وطلاسم يتداولونها بينهم، ولا يتيحون للآخرين فرصة الاطلاع عليها ومعرفتها،ولا يعنيان أيضاً أنّ لهم نوايا عدوانية ضدّ الإسلام وأهله، وإنّما يتعلّق الأمر كلّه بإرهاب فكري وسياسي مُورس ضدهم، وجرائم وحشية ارتكبت بحقهم، ألجاتهم إلى اتخاذ التكتّم والاحتراز أسلوباً لصيانة النفوس والأعراض والمحافظة عليها. ونحن إذا نظرنا إليهم في بعض العهود التي استطاعوا  أن يتنفسوا فيها نسائم الحرية، نجد كيف أنّهم بادروا وبنشاط إلى نشر أفكارهم وآرائهم وبثّ مبادئهم وتعاليمهم، وكيف أنّهم ساهموا  ـ مع إخوانهم من سائر المذاهب والطوائف ـ في صنع حضارة الإسلام الخالدة.
وإذا كان الانصاف يدعو إلى تبرير موقف ضحايا القمع والاستبداد بالالتجاء إلى حمى  التقية لضمان السلامة والتوقّي من الشر المستطير... وإذا كان الضمير الحي يدعو إلى مواساة هؤلاء المظلومين الذين تُحصى عليهم أنفاسهم ويعانون أفانين الضغط والإكراه، وأشكال التضييق والمحاربة، فإنّ شيئاً من هذا ولا ذاك لم يحصل، بل حصل العكس، إذ عمد الكثير من أهل السنّة والجماعة ـ و مع الأسف ـ إلى الإغضاء عن الجزّارين أو معاضدتهم، وإلى التنديد بالضحايا والتشهير بهم!!
وأخيراً،  نحن نعتقد أنّ العمل بالتقية أمر لا مفرّ منه، وأنّ مجانبتها تماماً وفـي كلّ الأحوال والعصـور أمـر لا واقع ولا حقيقـة لـه. وأنت إذا رميت ببصرك إلـى بعض الشعوب التي تحكمها أنظمة قمعية استبدادية، لوجدت أنّها ـ و فيها من هم مـن أهـل السنـّة ـ تتجنّب الإعلان  عـن آرائها وأهـدافها جهـرةً، و تسكت عمّا يُمارس بين ظهرانيها من أعمال منافية للإسلام، وما ذلك إلاّ خوفاً من البطش والقتل والأذى الذي سيصيبها لو أنّها نطقت بما يخالف إرادة المستبدين.
وهذه الرسالة المتواضعة، ستميط الستر عن وجه الحقيقة وتثبت ، انّ التقية ثمرة البيئة التي صودرت فيها الحريات، ولو كان هناك لومٌ وانتقاد، فالأجدر أن نتوجه بهما إلى من حمل المستضعفين على التقية، لا أنفسهم.
وستتضح للقارئ في غضون هذه الرسالة، انّ التقيّة من المفاهيم القرآنية التي وردت في أكثر من موضع في القرآن الكريم، وفي تلك الآيات إشارات واضحة إلى الموارد التي يلجأ فيها المؤمن إلى استخدام هذا المسلك الشرعي خلال حياته أثناء الظروف العصيبة، ليصون بها نفسه وعرضه وماله، أو نفسَ من يمتُّ إليه بصلة وعرضَه ومالَه، كما استعملها مؤمن آل فرعون لصيانة الكليم عن القتل والتنكيل( [3]) ولاذ بها عمّـار عندما أُخذ وأُسِر و هُدِّد بالقتل ( [4]) ، إلى غير ذلك من الموارد الواردة في الكتاب والسنّة، فمن المحتّم علينا أن نتعرّف عليها، مفهوماً (لغة و اصطلاحاً)، و تاريخاً وغايةً ودليلاً وحدّاً، حتى نتجنَّب الافراط والتفريط في مقام القضاء والتطبيق.
وتحقيق المسألة  يتم ببيان أُمور:
1
التقية لغة
التقية اسم مصدر لـ«إتقى يتقي» و أصل اتقى: إوتقى فقلبت الواو ياءً للكسرة قبلها، ثمّ أُبدلت تاءً وادغمت وقد تكرر ذكر الاتقاء في الحديث ومنه  حديث علي: «كنّا إذا احمّر البأس اتقينا برسول اللّه»، أي جعلناه وقاية لنا من العدو.( [5])
وقد أخذ «اتقى» من وقي الشيء، يقيه إذا صانه، قال اللّه تعالى: ( فَوقاهُ اللّهُ سيّئاتِ ما مَكَرُوا ) ( [6]) أي حماه منهم  فلم يضرّه مكرهم.
وربما تستعمل مكان التقية لفظة «التُّقاة» قال سبحانه: ( لا يَتّخِذِ المُؤمِنُونَ الكافرينَ أولِياءَ مِنْ دُونِ المؤمِنينَ ومَن يَفْعَلْ ذلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللّهِ في شيْء إلاّ أن تَتَّقُوا مِنْهُم تُقاة ) .( [7])
قرأ الأكثر «تقاة» إلاّ يعقوب فقرأ «تقيّة» وكلاهما مصدر لفعل اتقى«فتقاة، أصله «وقية» أبدلت الواو تاءً كما أبدلوها في تُجاة وتكاة وانقلبت الياء الفاً لتحركها وانفتاح ما قبلها، وهو مصدر على وزن فُعل كتؤدد وتخمة.( [8])
2
التقية اصطلاحاً
التقية كما عرّفها  السرخسي هي  أن يقي الإنسان نفسه بما يظهره وإن كان ما يضمر خلافه.( [9])
وقال ابن حجر: التقية: الحذر من إظهار ما في النفس من معتقد وغيره للغير.( [10])
وعرفها صاحب المنار بأنّها ما يقال أو يفعل مخالفاً للحقّ لأجل توقّي الضرر.( [11])
وعرفها الشيخ محمد أبو زهرة بأنّها أن يخفي الشخص ما يعتقد دفعاً للأذى.( [12]) والتعريف الثالث أشمل من الرابع لاختصاص الأخير بالعقيدة وعمومية الآخر لها وللفعل.
وأمّا الشيعة فقد عرّفها الشيخ المفيد بقوله: التقية كتمان الحقّ وستر الاعتقاد فيه، ومكاتمة المخالفين وترك مظاهرتهم بما يعقب ضرراً في الدين أو الدنيا.
وفُرض ذلك، إذا علم بالضرورة أو قوي في الظن، فمتى لم يعلم ضرراً بإظهار الحقّ ولا قوي في الظن ذلك لم يجب فرض التقية.( [13])
وعرفها الشيخ الأنصاري بقوله: التحفّظ عن ضرر الغير بموافقته في قول أو فعل مخالف للحقّ.( [14])
3
التقية تاريخيَّاً
ربما  يتصوّر لأول وهلة انّ للتقية مبدأً تاريخياً ظهر في المجتمع الإنساني، ولكن هذا التصور يجانب الحقّ، فظاهرةُ التقية زامنت وجود الإنسان على هذا الكوكب يوم برز بين البشر القويّ و الضعيف، وصادر الأوّل حريات الثاني ولم يسمح له بإبداء ما  يضمره عن طريق القول والفعل.
فظهور التقية في المجتمع البشري إذن، كان تعبيراً عن مصادرة الحريات، وسلاحاً لم يجد الضعيف بدّاً من الجوء إليه للدفاع عن نفسه وعرضه وماله.
1. التقيّة في عصر الكليم
وأظهر مورد تبنّاه القرآن الكريم في هذا الصدد هو مؤمن آل فرعون، يقول اللّه تعالى:
( وَقالَ رَجُلٌ مُؤمِنٌ مِنْ آلِ فِرعَوْنَ يكْتُمُ إِيمانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً أَن يَقُولَ رَبّي اللّهُ وقَدْ جاءَكُمْ بِالبَيِّنات مِنْ رَبِّكُمْ وَإِن يَكُ كاذِباً فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِن يَكُ صادِقاً يُصِبكُمْ بَعْضُ الّذِي يَعِدُكُم إِنَّ اللّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذّاب ) .( [15])
وكانت عاقبة أمره أن( فَوقاهُ اللّه سيّئاتِ ما مَكَرُوا وحَاقَ بآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ العَذاب ) .( [16])
وما كان ذلك إلاّ لأنّه بتعميته، استطاع أن ينجّي  نبيَّ اللّه من القتل كما يحكيه سبحانه عنه ويقول: ( قالَ يا مُوسى إِنَّ المَلأَ يَأتمِرُونَ بِكَ لَيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنّي لَكَ مِنَ النّاصِحِين ) .( [17])
نقل الثعلبي عن السدي و مقاتل انّ مؤمن آل فرعون كان ابن عم فرعون و هو الذي أخبر اللّه تعالى عنه فقال: ( وجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أقْصَى المَدِينَةِ يَسْعَى ) .( [18]) وقال آخرون: كان إسرائيلياً، ومجاز الآية:« وقال رجل مؤمن يكتم إيمانه من آل فرعونْ، واختلفوا أيضاً في اسمه.
فقال ابن عباس وأكثر العلماء: اسمه حزبيل.
وقال وهب بن منبه: اسمه حزيقال.
وقال ابن إسحاق: خبرل.( [19])
2. التقية في عصر الرسول
هناك حوادث تاريخية تدلّ  على شرعية التقية في عصر الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) نكتفي بهذين النموذجين:
1. يقول سبحانه: ( مَنْ كَفَرَ بِاللّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمانِهِ إِلاّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِّنٌ بِالإِيمان ) .( [20])
قال المفسرون: قد نزلت الآية في جماعة أُكْرِهُوا على الكفر، وهم عمّار و أبوه ياسر وأُمّه سُميّة، و قُتل الأبوان لأنّهما لم يُظهرا الكفر ولم ينالا من النبي، وأعطاهم عمّارُ ما أرادوا منه فأطلقوه، ثمّ أخبر  بذلك رسول اللّه، وانتشر خبره بين المسلمين، فقال قوم: كفر عمار، فقال الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) : «كلاّ انّ عماراً ملئ إيماناً من قرنه إلى قدمه، واختلط الإيمان بلحمه ودمه».
وفي ذلك  نزلت الآية السابقة، وكان عمّار يبكي، فجعل رسول اللّه يَمْسَحَ عينيه ، ويقول:« إن عادُوا لك فعُد لهم بما قلت».( [21])
2. أخرج ابن أبي شيبة عن الحسن، انّ مسيلمة الكذاب أخذ رجلين من أصحاب رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) فقال لأحدهما:
أتشهد  انّ محمّداً رسول اللّه؟ قال: نعم، قال: أفتشهد أنّي رسول اللّه؟ قال: نعم، ثمّ دعا بالآخر فقال: أتشهد أنّ محمّداً رسول اللّه؟ قال: نعم، فقال له: أفتشهد انّي رسول اللّه؟ قال: إنّي أصمّ. قالها ثلاثاً، كل ذلك يجيبه بمثل الأوّل، فضرب عُنقُه، فبلغ ذلك رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال: أمّا ذلك المقتول فقد مضى على صدقه ويقينه، وأخذ بفضله، فهنيئاً له.
وأمّا الآخر فقبلَ رخصة اللّه فلا تبعةَ عليه.( [22])
3. التقية بعد رحيل الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)
قد استغل الأمويُّون مسألة القضاء والقدر وركّزوا على أنّ كلّ ما يجري في المجتمع الإسلامي بقضاء و قدر من اللّه سبحانه وليس  لأحد فيه الاختيار ولا الاعتراض، وعلى ذلك فالفقر المدقع السائد بين أكثر المسلمين تقدير من اللّه، والترف الذي يعيشه الأمويون، والظلم الذي يُلحقونه بالمسلمين تقدير من اللّه.
ولما كانت تلك المزعمة مخالفة لضرورة الدين وبعثة الأنبياء، قام غير واحد بوجه هذه الفكرة، وسكت كثيرون خوفاً من بطش الأمويين، فكتموا عقيدتهم وسلكوا مسلك التقيّة.
1. هذا هو ابن سعد يروي عن الحسن البصري بانّه كان يخالف الأمويين في القدر بالمعنى الذي تتبنّاه السلطة آنذاك فلما خوّفه بعض أصدقائه من السلطان، وعد أن لا يعود.
روى ابن سعد في طبقاته عن أيوب قال: نازلت الحسن  في القدر غير مرة حتّى خوّفته من السلطان، فقال: لا أعود بعد اليوم.( [23])
2. كتب المأمون إلى إسحاق بن إبراهيم رئيس الشرطة في بغداد أن يُشخص إليه سبعة نفر من المحدثين منهم:
1. محمد بن سعد كاتب الواقدي، 2. أبو مسلم، مستملي يزيد بن هارون، 3. يحيى بن معين، 4. زهير بن حرب أبو خثيمة، 5. إسماعيل بن داود، 6. إسماعيل بن أبي مسعود، 7. أحمد بن الدورقي فامتحنهم المأمون وسألهم عن خلق القرآن، فأجابوا جميعاً انّ القرآن مخلوق فأشخصهم إلى مدينة السلام، وأحضرهم إسحاق بن إبراهيم داره فشهّر أمرهم وقولهم بحضرة الفقهاء والمشايخ من أهل الحديث فأقرّوا بمثل ما أجابوا به المأمون فخلّى سبيلهم. وقد فعل إسحاق بن إبراهيم ذلك بأمر المأمون.
يذكر أن الرأي الذي كان سائداً بين المحدّثين هو قدم القرآن أو عدم حدوثه ولكنّهم اتّقوا واعترفوا بخلق القرآن، و هذا هو نفس التقية التي يعمل بها الشيعة، وقد مارسها المحدِّثون في عصر المأمون.
وهناك رسالة أُخرى للمأمون إلى إسحاق بن إبراهيم رئيس الشرطة، وممّا جاء فيها: وليس يَرى أمير المؤمنين لمن قال بهذه المقالة(القرآن ليس بمخلوق) حظاً في الدين ولا نصيباً من الإيمان....
فلما جاءت الرسالة إلى إسحاق بن إبراهيم أحضر لفيفاً من المحدّثين ربما يبلغ عددهم إلى 26 فقرأ عليهم رسالة المأمون مرتين حتّى فهموها ثمّ انّ إسحاق دعا بهم رجلاً رجلاً فأجاب القوم كلّهم واعترفوا بانّ القرآن مخلوق إلاّ أربعة نفر منهم: أحمد بن حنبل، وسجادة، والقواريري، ومحمد بن نوح المضروب، فأمر بهم إسحاق بن إبراهيم فشُدُّوا في الحديد، فلما كان من الغد دعا بهم جميعاً يساقون في الحديد فأعاد عليهم المحنة فأجابه سجادة إلى أنّ القرآن  مخلوق فأمر بإطلاق قيده وخلّى سبيله وأصرّ الآخرون على قولهم.
فلما كان من بعد الغد عاودهم أيضاً فأعاد عليهم القول، فأجاب القواريري بأنّ القرآن مخلوق فأمر بإطلاق قيده وخلّى سبيله، وأصرّ أحمد بن حنبل و محمد بن نوح على قولهما ولم يرجعا فشدّا جميعاً في الحديد ووُجِّها إلى طرسوس وكتب معهما كتاباً بإشخاصهما.
ثمّ لما اعتُرض على الراجعين عن عقيدتهم، برّرّوا عملهم بعمل عمار بن ياسر حيث أكره على الشرك وقلبه مطمئن بالإيمان.( [24])
كلّ ذلك يدلّ على انّ التقية أصل مشروع التزم بها المسلمون عند الشعور بالضعف أمام السلطة الغاشمة. وبذلك يظهر انّ اتهام الشيعة بتفرّدها بالقول بالتقية يضادُّ الذكر الحكيم والسنة النبوية وسيرة المسلمين عبر التاريخ.
إنّ التقية سلاح الضعيف، سلاح من صُودرتْ حقوقه وحرّياته من قبل سلطة غاشمة، قاهرة، لا تُبدي أية مرونة في مواقفها، وهذا هو حكم العقل وهو دفع الضرر عن النفس والنفيس بإظهار الموافقة لساناً وعملاً حتّى يرتفع الضرر ثمّ يعود الإنسان إلى ما كان عليه.
ومثل هذا لا يمكن أن يختص بفرقة دون أُخرى.
4
محنة الشيعة
في عصر الأمويين والعباسيين
اشتهرت الشيعة بالتقيّة أكثر من سائر الفرق، ولكونهم أكثر من غيرهم من حيث  التعرّض للضغط، ومصادرة الحريّات، بالظنّة، والتشريد وقتل تحت كلّ حجر ومدر.
إنّ الذي دفع بالشيعة إلى التقية بين إخوانهم وأبناء دينهم إنّما هو الخوف من السلطات الغاشمة، فلو لم يكن هناك في غابر القـرون ـ من عصر الأمويين ثمّ العباسيين والعثمانيين ـ أيُّ ضغط على الشيعة، ولم تكن بلادهم وعُقر دارهم مخضّبة بدمائهم (والتاريخ خير شاهد على ذلك)، لأصبح من المعقول أن تَنْسى الشيعة كلمة التقية وأن تحذفها من قاموس حياتها، ولكن ـ ياللأسف ـ إنّ كثيراً من إخوانهم كانوا أداة طيّعة بيد الأمويين والعباسيين الذين كانوا يرون في مذهب الشيعة خطراً على مناصبهم، فكانوا يؤلِّبون العامة من أهل السنّة على الشيعة يقتلونهم ويضطهدونهم وينكلون بهم، ولذا ونتيجة لتلك الظروف الصعبة، لم يكن للشيعة، بل لكل من يملك شيئاً من العقل وسيلة إلاّ اللجوء إلى التقية أو رفع اليد عن المبادئ المقدّسة التي هي أغلى عنده من نفسه وماله.
والشواهد على ذلك أكثر من أن تُحصى أو أن تعدَّ، إلاّ أنّا سنستعرض جانباً مختصراً منها: فمن ذلك ما كتبه معاوية بن أبي سفيان باستباحة دماء الشيعة أينما كانوا وكيفما كانوا، وإليك نص ما ذكرته المصادر عن هذه الواقعة لتدرك محنة الشيعة:
محنة الشيعة في العصر الأموي
روى أبو الحسن علي بن محمّد بن أبي سيف المدائني في كتاب «الأحداث» قال: كتب معاوية نسخة واحدة إلى عُمّاله بعد عام الجماعة: أن برئت الذمة ممن روى شيئاً من فضل أبي تراب وأهل بيته، فقامت الخطباء في كل كورة، وعلى كل منبر، يلعنون علياً ويتبرأون منه ويقعون فيه وفي أهل بيته، وكان أشد الناس بلاء حينئذ أهل الكوفة، لكثرة مَن بها من شيعة علي(عليه السلام) فاستعمل عليها زياد بن سمية، وضم إليه البصرة، فكان يتتبّع الشيعة وهو بهم عارف، لأنّه كان منهم أيام علي(عليه السلام) ، فقتلهم تحت كل حجر ومدر، وأخافهم، وقطع الأيدي والأرجل، وسَمَلَ العيون، وصلبهم على جذوع النخل، وطردهم وشرَّدهم عن العراق، فلم يبق بها معروف منهم، وكتب معاوية إلى عمّـاله في جميع الآفاق: ألاّ يجيزوا لأحد من شيعة علي وأهل بيته شهادة.
ثمّ كتب إلى عمّاله نسخة واحدة إلى جميع البلدان: انظروا من قامت عليه البيّنة أنّه يحبّ علياً وأهل بيته، فامحوه من الديوان، وأسقطوا عطاءه ورزقه، وشفع ذلك بنسخة أُخرى: مَن اتهمتموه بموالاة هؤلاء القوم، فنكّلوا به، واهدموا داره. فلم يكن البلاء أشد ولا أكثر منه بالعراق، ولا سيّما بالكوفة حتّى أنّ الرجل من شيعة علي(عليه السلام) ليأتيه من يثق به، فيدخل بيته، فيُلقي إليه سرّه، ويخاف من خادمه ومملوكه، ولايحدّثه حتى يأخذ عليه الأيمان الغليظة، ليكتمنَّ عليه.
وأضاف ابن أبي الحديد: فلم يزل الأمر كذلك حتى مات الحسن بن علي(عليهما السلام) ، فازداد البلاء والفتنة، فلم يبق أحد من هذا القبيل إلاّ وهو خائف على دمه، أو طـريد في الأرض.
ثمّ تفاقم الأمر بعد قتل الحسين(عليه السلام) ، وولي عبد الملك بن مروان، فاشتد على الشيعة، وولّـى عليهم الحجاج بن يوسف، فتقرَّب إليه أهل النسك والصلاح والدين ببغض علي وموالاة أعدائه، وموالاة من يدعي من الناس أنّهم أيضاً أعداؤه، فأكثروا في الرواية في فضلهم وسوابقهم ومناقبهم، وأكثروا من البغض من علي(عليه السلام) وعيبه، والطعن فيه، والشنآن له، حتى أنّ إنساناً وقف للحجاج ـ ويقال إنّه جد الأصمعي عبد الملك بن قريب ـ فصاح به: أيّها الأمير إنّ أهلي عقوني فسمّوني علياً، وإنّي فقير وبائس وأنا إلى صلة الأمير محتاج، فتضاحك له الحجاج، وقال: للطف ما توسّلتَ به، قد ولّيتك موضع كذا.( [25])
واستمر الحزب الأموي في الإرهاب وسفك الدماء على امتداد مراحل وجوده في السلطة، حيث سجّل لنا التاريخ حوادث أُخرى تحكي أبشع صور الإرهاب والاستخفاف بقيم الحق والعدل أيام عبد الملك بن مروان وقتله سعيد بن جبير. وقد جاء في كتاب  عبد الملك  بن مروان الذي ولّى فيه خالد بن عبد اللّه القسري:
أمّا بعد، فانّي ولّيت عليكم خالد بن عبد اللّه القسري، فاسمعوا له وأطيعوا، ولا يجعلن امرؤ على نفسه  سبيلاً، فإنّما هو القتل لا غير، وقد برئت الذمة من رجل آوى سعيد بن جبير، والسلام. ثمّ التفت إليهم خالد، وقال: والذي نحلف به، ونحجُّ إليه، لا أجده في دار أحد إلاّ قتلته وهدمت داره ودار كلّ من جاوره واستبحت حرمته،وقد أجلّت  لكم فيه ثلاثة أيّام.( [26]) ثمّ يُلقى القبض على سعيد بن جبير الذي كان من طلائع الموالين لآل البيت النبوي، ويُسلَّم إلى الحجاج السفّاح الشهير في تاريخ الإسلام الذي قتل عشرات الآلاف من معارضي السلطة، فيقتله.
وهذا هو الإمام الباقر(عليه السلام) يصف بيئته والمجتمع الذي كان يعيش فيه حيث قال لبعض أصحابه: يا فلان، ما لقينا من ظلم قريش إيانا، وتظاهرهم علينا، وما لقي شيعتنا ومحبونا من الناس... ـ إلى أن قال ـ ثمّ لم نزل ـ أهلَ البيت ـ نُستذل ونُستضام، ونُقصى ونُمتهن، ونُحرم ونُقتل، ونخاف ولا نأمن على دمائنا ودماء أوليائنا، ووجد الكاذبون الجاحدون، لكذبهم وجحودهم موضعاً يتقربون به إلى أوليائهم، وقضاة السوء وعمال السوء في كلّ بلدة، فحدثوهم بالأحاديث الموضوعة المكذوبة ورووا عنّا ما لم  نقله وما لم نفعله، ليبغّضونا إلى الناس، وكان عُظم ذلك وكبره زمن معاوية بعد موت الحسن(عليه السلام) فقتلت شيعتنا بكلّ بلدة، وقطعت الأيدي و الأرجل على الظنة، وكان من يذكر بحبنا والانقطاع إلينا سُجن أو نُهب ماله، أو هدمت داره، ثمّ لم يزل البلاء يشتد ويزداد إلى زمان عبيد اللّه بن زياد قاتل الحسين(عليه السلام) ثمّ جاء الحجاج فقتلهم كلّ قتلة وأخذهم بكلّ ظنة وتهمة، حتّى انّ الرجل ليقال له زنديق أو كافر أحبّ إليه من أن يقال شيعة علي.( [27])
محنة الشيعة في العصر العباسي
لقد مارست السلطة العباسية سياسة البطش والقتل والتشريد كنظيرتها السلطة الأموية بل كانت أكثر بطشاً وتنكيلاً ، وهذا هو أبو الفرج الاصفهاني يقول في حقّ المتوكل:
كان المتوكل شديد الوطأة على آل أبي طالب، غليظاً في جماعتهم، شديد الغيظ والحقد عليهم، وسوء الظن والتهمة لهم... واستعمل على المدينة ومكة عمر بن الفرج الرخجي، فمنع آل أبي طالب من التعرض لمسألة الناس ومنع الناس من البرّ بهم، وكان لا يبلغه انّ أحداً أبرّ أحداً  منهم بشيء، وإن قل إلاّ أنهكه عقوبة، واثقله غرماً، حتّى كان القميص يكون بين جماعة من العلويات يصلّين فيه واحدة بعد واحدة ثمّ يرقعنه، ويجلسن على مغازلهن عواري حاسرات.( [28])
هكذا شاء أميرالمؤمنين المتوكل على اللّه، أن تقبع العلويات في بيوتهن عاريات يتبادلن القميص  المرقع عند الصلاة، وان تختال الفاجرات العاهرات بالحلي وحلل الديباج بين الاماء والعبيد... لقد أرسل الرشيد إلى بنات الرسول من يسلب الثياب عن أبدانهن، أمّا المتوكّل فقد شدد و ضيق عليهن، حتّى ألجأهن إلى العري، وهكذا تتطور الفلسفات والمناهج مع الزمن على أيدي القرشيين العرب أبناء الأمجاد والأشراف!
لقد تفرق العلويون أيام المتوكل، فمنهم من توارى فمات في حال تواريه كأحمد بن عيسى الحسين و عبد اللّه بن موسى الحسيني، و منهم من ثار على القهر والجور كمحمد بن صالح و محمد بن جعفر.
ولم يكتف المتوكل بالتنكيل بالأحياء، حتّى اعتدى على قبور الأموات فهدم قبر الحسين(عليه السلام) وما  حوله من المنازل والدور، ومنَع الناس من زيارته ونادى مناديه من وجدناه عند قبر الحسين(عليه السلام) حبسناه في المطبق ـ سجن تحت الأرض ـ فقال الشاعر:
تاللّه إن كانت أمية قد أتت  *** قتل ابن بنت نبيها مظلوماً
فلقد أتاه بنو أبيه مثلها  *** هذا لعمرك قبره مهدوماً
أسفوا على أن لا يكونوا شايعوا *** في قتله فتَتّبعوه رميماً ( [29]) نعم كانت التقية بين الشيعة تزداد تارة وتتضاءل أُخرى، حسب قوّة الضغط وضآلته، فشتّان بين عصر المأمون الذي يجيز مادحي أهل البيت، ويكرم العلويين، وبين عصر المتوكل الذي يقطع لسان ذاكرهم بفضيلة.
فهذا ابن السكيت أحد أعلام الأدب في زمن المتوكل، وقد اختاره معلّماً لولديه فسأله يوماً: أيّهما أحبُّ إليك ابناي هذان أم الحسن والحسين؟ قال ابن السكيت: واللّه إنّ قنبر خادم علي(عليه السلام) خير منك ومن ابنيك. فقال المتوكل: سلّوا لسانه من قفاه، ففعلوا ذلك به فمات. ولما مات سيَّـر المتوكل لولده يوسف عشرة آلاف درهم وقال: هذه دية والدك!! ( [30])
وهذا ابن الرومي الشاعر العبقري يقول في قصيدته التي يرثي بها يحيى بن عمر بن الحسين بن زيد بن علي:
أكلّ أوان للنبيّ محمّد *** قتيل زكيّ بالدماء مضرَّجُ
بني المصطفى كم يأكل الناس شلوكم *** لبلواكم عمّـا قليل مفرِّجُ
أبعد المكنّى بالحسين شهيدكم *** تضيء مصابيح السماء فتسرجُ ( [31])
وكان العباسيون أشدّ كرهاً للعلـوييـن مـن الأموييـن، وأعظم بغضاً فأمعنوا فيهم قتلاً وحـرقاً واضطهاداً وتعذيبـاً، فهذا هو المنصور  يُحمل إليه من المدينة كلّ من كـان فيهـا مـن العلويين مقيـدين بالسلاسل والأغلال، ولما وصلوا إليه حبسهم في سجن مظلم لا يعرف فيه ليل من نهار، و كـان إذا مات أحدهم تُرك معهم و أخيراً أمر بهدم السجن عليهم، وفي ذلك يقول أحد شعراء الشيعة:
واللّه ما فعلت أمية فيهم *** معشار ما فعلت بنو العباس
وقال آخر:
يا ليت جور بني مروان دام لنا *** وليت عدل بني العباس في النار( [32])
وقال أبو فراس:
ما نال منهم بنو حرب وإن عظمت *** تلك الجرائم إلاّ دون نيلكم
وقال الشريف الرضي:
ألا ليس فعل الأولين وإن علا *** على قبح فعل الآخرين بزائد
وقال الشيخ الطوسي الذي كان يعيش في عصر ازدهار الخلافة العباسية، وهو يصف حال الشيعة :
لم تلق فرقة ولا بُلي أهل مذهب بما بُليت به الشيعة، حتّى إنّا  لانكاد نعرف زماناً تقدّم سلمت فيه الشيعة من الخوف و لزوم التقية، ولا حالاً عريت فيه من قصد السلطان وعصبيته وميله وانحرافه.( [33])
هذه  لمحة خاطفة لمحنة الشيعة في العصر العباسي وقد دام الأمر على هذه الوتيرة في العصور المتأخرة لاسيما في عصر الأيوبيين والعثمانيين.
محنة الشيعة في العصرين: الأيوبي والعثماني
ما  إن انتزع صلاح الدين الأيوبي  الملك من الفاطميين حتّى قام بعزل القضاة الشيعة واستناب عنهم قضاة شافعيـة، وأبطل من الأذان«حي على خير العمـل» وتظاهر الناس بمذهب مالك والشافعي،  واختفى مذهب التشيـع إلى أن نسي من مصر، و كان يحمل الناس على التسنن وعقيدة الأشعري، ومن خالف ضربت عنقه، وأمر أن لاتقبل شهادة أحد ولا يقـدم للخطابة ولا للتدريس إلاّ إذا كان مقلـداً لأحد المـذاهب الأربعة، قـال الخفاجي في كتابـه «الأزهـر في ألف عام» ( [34]) ما نصه:  فقد غالى الأيوبيون في القضاء على كلّ أثر للشيعة.
وأمّا في العصر العثماني فقد تولى السلطان سليم زعامة السنة واستحصل على فتوى من شيوخ السوء بأنّ الشيعة خارجون على الدين يجب قتلهم ولذلك أمر بقتل كلّ من كان معروفاً بالتشيع داخل بلاده.
وبهذا الأمر قُتل في الاناضول وحدها أربعون ألفاً وقيل سبعون، لا لشيء إلاّ لأنّهم شيعة. وجاء في «الفصول المهمة» للسيد شرف الدين انّ الشيخ نوح الحنفي أفتى بكفر الشيعة ووجوب قتلهم، فقتل من جراء هذه الفتوى عشرات الألوف من شيعة حلب حتّى لم يبق فيها شيعي واحد وكان التشيّع فيها راسخاً و منتشراً منذ كانت حلب عاصمة الدولة الحمدانية، وقد نشأ في حلب منذ القديم العديد من كبار العلماء وأئمة الفقه كبني زهرة وآل أبي جرادة وغيرهم ممن جاء ذكرهم في كتب السير والتراجم خاصة كتاب «أمل الآمل».( [35])
وقتل العثمانيون الشهيد الثاني المشهور بفضله وورعه وكتبه العلمية الجليلة  التي يدرس بعضها حتّى اليوم في جامعة النجف وقم، وفعل الجزار والي  عكا بجبل عامل ما فَعل الحجاج في العراق.
وانتهب الجزار أموال العامليين ومكتباتهم، وكان في مكتبة آل خاتون خمسة آلاف مجلد و بقيت أفران عكا توقد أسبوعاً كاملاً من كتب العامليين، ولم يسلم من ظلم الجزار إلاّ من استطاع الفرار، وفي عهده هاجر علماء جبل عامل مشردين في الأقطار، ومن هؤلاء الشاعر الشيعي إبراهيم يحيى  الذي هرب إلى دمشق، و في نفسه لوعة وحسرة، وذكرى فظائع  الجزار لا تفارقه بحال وقد صورها وهو شاهد عيان في قصائد تدمي الأفئدة والقلوب منها قصيدة طويلة ، يقول فيها:
يعز علينا أن نروح ومصرنا *** لفرعون مغنى، يصطفيه ومغنم
منازل أهل العدل منهم خليّة *** وفيها لأهل الجور جيش عرمرم
هذه لمحة خاطفة  لمحنة الشيعة في العصر العثماني، وعلى الرغم من  شيوع  الحرية في عصرنا الراهن فلم تزل الشيعة في أكثر نقاط العالم تمارس التقيه، وإلاّ يضيق عليها الخناق.
يقول  العلاّمة السيّد هبة الدين الشهرستاني: إنّ التقية شعار كلّ ضعيف مسلوب الحرية. إنّ الشيعة قد اشتهرت بالتقية أكثر من غيرها لأنّها مُنيت باستمرار الضغط عليها أكثر من أية أُمّة أُخرى، فكانت مسلوبة الحرية في عهد الدولة الأموية كلّه، وفي عهد العباسيين على طوله، وفي أكثر أيام الدولة العثمانية، ولأجله استشعروا بشعار التقية أكثر من أيّ قوم، ولما كانت الشيعة، تختلف عن الطوائف المخالفة لها في قسم مهم من الاعتقادات في أُصول الدين وفي كثير من الأحكام الفقهيّة، والمخالفة تستجلب بالطبع رقابة وتصدقه التجارب، لذلك أضحت شيعة الأئمّة من آل البيت مضطرّة في أكثر الأحيان إلى كتمان ما تختص به من عادة أو عقيدة أو فتوى أو كتاب أو غير ذلك، تبتغي بهذا الكتمان، صيانةَ النفس والنفيس، والمحافظة على الوداد والاخوة مع سائر اخوانهم المسلمين، لئلاّ تنشق عصا الطاعة، ولكي لا يحسّ الكفّار بوجود اختلاف ما في المجتمع الإسلامي فيوسع الخلاف بين الأُمّة المحمدية.
لهذه الغايات النزيهة كانت الشيعة تستعمل التقية وتحافظ على وفاقها في الظواهر مع الطوائف الا ُخرى، متبعة في ذلك سيرة الأئمّة من آل محمد وأحكامهم الصارمة حول وجوب التقية من قبيل: «التقية ديني ودين آبائي»، إذ أنّ دين اللّه يمشي على سنّة التقية لمسلوبي الحرية، دلّت على ذلك آيات من القرآن العظيم. ( [36])
روي عن صادق آل البيت (عليهم السلام) في الأثر الصحيح:
«التقية ديني ودين آبائي» . لقد كانت التقية شعاراً لآل البيت(عليهم السلام) دفعاً للضرر عنهم، وعنأتباعهم، وحقناً لدمائهم، واستصلاحاً لحال المسلمين، وجمعاً لكلمتهم، ولمّاًلشعثهم، وما زالت سمة تُعرف بها الإمامية دون غيرها من الطوائف والأُمم.وكل إنسان إذا أحسّ بالخطر على نفسه، أو ماله بسبب نشر معتقده، أوالتظاهر به لا بد أن يتكتم ويتقي مواضع الخطر. وهذا أمر تقتضيه فطرة العقول.
من المعلوم أنّ الإمامية وأئمّتهم لاقوا من ضروب المحن، وصنوف الضيق على حرياتهم في جميع العهود ما لم تلاقه أية طائفة، أو أُمّة أُخرى، فاضطروا في أكثر عهودهم إلى استعمال التقية في تعاملهم مع المخالفين لهم، وترك مظاهرتهم، وستر عقائدهم، وأعمالهم المختصة بهم عنهم، لما كان يعقب ذلك من الضرر في الدنيا.
ولهذا السبب امتازوا بالتقية وعرفوا بها دون سواهـم.( [37])
حصيلة البحث
فحصيلة البحث انّ أوساط الشيعة شهدت مجازر  بشعه على  يد السلطات الغاشمة، فقتل الآلاف منهم، وأمّا من بقي منهم على قيد الحياة فقد تعرض إلى شتى صنوف التنكيل والارهاب والتخويف، والحقّ يقال: انّ من الأُمور العجيبة أن يبقى لهذه الطائفة باقية رغم كلّ ذلك الظلم الكبير والقتل الذريع بل العجب العجاب أن تجد هذه الطائفة قد ازدادت قوة وعدة وأقامت دولاً وشيّدت حضارات وبرز منها الكثير من العلماء والمفكرين.
فلو كان الأخ السني يرى التقية أمراً محرماً فليعمل  على رفع الضغط عن أخيه الشيعي وأن لا يضيق عليه في الحرية التي سمح بها الإسلام لأبنائه، وليعذره في عقيدته وعمله كما عذَرَ أُناساً كثيرين خالفوا الكتاب والسنّة وأراقوا الدماء ونهبوا الديار فكيف بطائفة تدين بدينه وتتفق معه في كثير من معتقداته، وإذا كان  معاوية وأبناء بيته والعباسيون كلّهم عنده مجتهدين في بطشهم وإراقة دماء مخالفيهم فماذا يمنعه عن إعذار الشيعة باعتبارهم مجتهدين.
وإذا كانوا يقولون ـ و ذاك هو العجيب ـ انّ الخروج على الإمام  علي(عليه السلام)   غير مضرّ بعدالة الخارجين والثائرين عليه، وفي مقدمتهم طلحة والزبير وأُمّ المؤمنين عائشة، وإنّ إثارة الفتن في صفّين ـ التي انتهت إلى قتل كثير من الصحابة والتابعين وإراقة دماء الآلاف من العراقيين والشاميين ـ لا تنقص شيئاً من ورع المحاربين!! وهم بعد ذلك مجتهدون معذورون لهم ثواب من اجتهد وأخطأ، فَلِمَ لا يتعامل مع الشيعة ضمن هذا الفهم ولايذهب إلى أنّهم معذورون ومثابون!!
5
الغاية من تشريع التقية
الغاية من التقية: هي صيانة النفس والعرض والمال، وذلك في ظروف قاهرة لا يستطيع فيها المؤمن أن يعلن عن موقفه الحق صريحاً خوفاً من أن تترتّب على ذلك مضار وتهلكة من قوى ظالمة غاشمة  تمارس الارهابَ، والتشريد والنفي، والقتل والتنكيل، ومصادرة الأموال، وسلب الحقوق الحقة، وعندئذ لا يجد صاحبُ العقيدة ـ الذي يرى نفسه محقاً ـ محيصاً عن إبطانها، والتظاهر بما يوافق هوى الحاكم وتوجّهاته حتى يسلم من الاضطهاد والتنكيل والقتل، إلى أن يُحدِث اللّه أمراً.
إنّ التقية سلاح الضعيف في مقابل القوي الغاشم، سلاح من يُبتلى بمن لا يحترم دمه وعرضه وماله، لا لشيء إلاّ لأنّه لا يتفق معه في بعض المبادئ والأفكار.
إنّما يمارس التقية من يعيش في بيئة صودرت فيها الحرية في القول والعمل، والرأي والعقيدة فلا ينجو المخالف إلاّ بالصمت والسكوت مُرغماً أو بالتظاهر بما يوافق هوى السلطة وأفكارها، أو قد يلجأ إليها البعض كوسيلة لابد منها من أجل اغاثة الملهوف المضطهد والمستضعف الذي لا حول له ولا قوة، فيتظاهر بالعمل إلى جانب الحكومة الظالمة وصولاً إلى ذلك كما كان عليه مؤمن آل فرعون الذي حكاه سبحانه في الذكر الحكيم.
إنّ أكثر من يَعيبُ التقية على مستعملها، يتصوّر أو يصوِّر أنّ الغاية منها هو تشكيل جماعات سرية هدفها الهدم والتخريب، كما هو المعروف من الباطنيين والأحزاب الإلحادية السرية، وهو تصوّر خاطئ ذهب إليه أُولئك جهلاً أو عمداً دون أن يرتكزوا في رأيهم هذا على دليل ما أو حجة مقنعة، فأين ما ذكرناه من هذا الذي يُذكر، ولو لم تستبد الظروف القاهرة والأحكام المتعسفة بهذه الجموع المستضعفة من المؤمنين لما كانوا عمدوا إلى التقية، ولما تحمّلوا عبء إخفاء معتقداتهم ولَدَعوا الناس إليها علناً ودون تردّد.
أين العمل الدفاعي بصورة بدائية من الأعمال التي يرتكبها أصحاب الجماعات السرية للإطاحة بالسلطة وامتطاء منصّة الحكم؟ وهي أعمال كلها تخطيطات مدبّرة لغايات ساقطة.
وهؤلاء هم الذين يحملون شعار «الغايات تبرّر الوسائل» فكل قبيح عقلي أو ممنوع شرعي يستباح عندهم لغاية الوصول إلى المقاصد المشؤومة.
إنّ القول بالتشابه بين هؤلاء وبين من يتخذ التقية غطاءً، وسلاحاً دفاعياً ليسلم من شر الغير، حتى لا يُقْتَل ولا يُستأصل، ولا تُنهب داره وماله، إلى أن يُحدث اللّه أمراً، من قبيل عطف المبائن على مثله.
إنّ المسلمين القاطنين في الاتحاد السوفيتي السابق قد لاقوا من المصائب والمحن ما لا يمكن للعقول أن تحتملها ولا أن تتصورها، فإنّ الشيوعيّين طيلة تسلّطهم على المناطق الإسلامية قلبوا لهم ظهر المِجَنّ، فصادروا أموالهم وأراضيهم، ومساكنهم، ومساجدهم، ومدارسهم، وأحرقوا مكتباتهم، وقتلوا كثيراً منهم قتلاً ذريعاً ووحشياً، فلم ينج منهم إلاّ من اتقاهم بشيء من التظاهر بالمرونة، وإخفاء المراسيم الدينية، والعمل على إقامة الصلاة في البيوت إلى أن نجّاهم اللّه سبحانه بانحلال تلك القوة الكافرة، فبرز المسلمون إلى الساحة من جديد، فملكوا أرضهم وديارهم، وأخذوا يستعيدون مجدهم وكرامتهم شيئاً فشيئاً، وما هذا إلاّ ثمرة من ثمار التقية المشروعة التي أباحها اللّه تعالى لعباده بفضله وكرمه سبحانه على المستضعفين.
فإذا كان هذا معنى التقية ومفهومها، وكانت هذه غايتَها وهدفَها، فهي أمر فطريّ، يسوق الإنسان إليها قبل كل شيء عقلُه ولبُّه، وتدعوه إليها فطرته، ولأجل ذلك يلوذ بها كل من ابتُلي بالملوك والساسة الذين لا يحترمون شيئاً سوى رأيهم وفكرتهم ومطامعهم وسلطتهم ولا يترددون عن التنكيل بكل من يعارضهم في ذلك، من غير فرق بين المسلم ـ شيعياً كان أم سنيّاً ـ وغيره، ومن هنا تظهر جدوى التقية وعمق فائدتها.
ولأجل دعم هذا الأصل الحيويّ، ندرس دليله من القرآن والسنّة.
6
التقية في الكتاب العزيز
شرّعت التقية بنص القرآن الكريم، حيث وردت فيها جملة من الآيات الكريمة( [38]) سنحاول استعراضها في الصفحات التالية:
الآية الأُولى:
قال سبحانه: ( مَنْ كَفَرَ بِاللّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإيمَـانِ وَلَـكِن مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرَاً فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ) .( [39]) ترى أنّه سبحانه يجوّز إظهار الكفر كرهاً ومجاراةً للكافرين خوفاً منهم، بشرط أن يكون القلب مطمئناً بالإيمان، وصرّح بذلك لفيف من المفسرين القدامى والجُدد، سنحاول أن نستعرض كلمات البعض منهم تجنّباً عن الإطالة والاسهاب، ولمن يبتغي المزيد فعليه مراجعة كتب التفسير المختلفة:
1. قال الطبرسي: قد نزلت الآية في جماعة أُكرهوا على الكفر، وهم عمّـار وأبوه ياسر وأُمّه سمية، وقُتلَ الأبوان لأنّهما لم يظهرا الكفر ولم ينالا من النبيّ، وأعطاهم عمّـار ما أرادوا منه، فأطلقوه، ثمّ أخبر عمّـار بذلك رسول اللّه، وانتشر خبره بين المسلمين، فقال قوم: كفر عمّـار، فقال الرسول: «كلاّ إنّ عمّـاراً مُلئ إيماناً من قرنه إلى قدمه، واختلط الإيمان بلحمه ودمه».
وفي ذلك نزلت الآية السابقة، وكان عمّـار يبكي، فجعل رسول اللّه يمسح عينيه ويقول: «إن عادوا لك فعد لهم بما قلت».( [40]) 2. وقال الزمخشري: روي أنّ أُناساً من أهل مكّة فُتِنُوا فارتدّوا عن الإسلام بعد دخولهم فيه، وكان فيهم من أُكره وأجرى كلمة الكفر على لسانه وهو معتقد للإيمان، منهم عمّـار بن ياسر وأبواه: ياسر وسمية، وصهيب وبلال وخبّاب.
أمّا عمّـار فأعطاهم ما أرادوا بلسانه مكرهاً .... ( [41])
3. وقال الحافظ ابن ماجة: والايتاء: معناه الاعطاء أن وافقوا المشركين على ما أرادوا منهم تقية، والتقية في مثل هذه الحال جائزة، لقوله تعالى: ( إلاّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَـانِ ) . ( [42])
4. وقال القرطبي: قال الحسن: التقية جائزة للإنسان إلى يوم القيامة ـ ثمّ قال: ـ أجمع أهل العلم على أنّ من أُكره على الكفر حتّى خشى على نفسه القتل إنّه لا إثم عليه إن كفر وقلبه مطمئن بالإيمان ولا تَبين منه زوجته ولا يُحكم عليه بالكفر، هذا قول مالك والكوفيين والشافعي. ( [43])
5. قال الخازن: التقية لا تكون إلاّ مع خوف القتل مع سلامة النيّة، قال اللّه تعالى: ( إلاّ من أُكره وقلبه مطمئن بالإيمان ) ثمّ هذه التقية رخصة.( [44])
6. قال الخطيب الشربيني: ( إلاّ من أُكره ) أي على التلفّظ به ( وقلبه مطمئن بالإيمان ) فلا شيء عليه لأنّ محل الإيمان هو القلب.( [45])
7. وقال إسماعيل حقّي: ( إلاّ من أُكره ) أُجبر على ذلك اللفظ بأمر يخاف على نفسه أو عضو من أعضائه ... لأنّ الكفر اعتقاد، والإكراه على القول دون الاعتقاد، والمعنى: «ولكن المكره على الكفر باللسان»، ( وقلبه مطمئن بالإيمان ) لا تتغير عقيدته، وفيه دليل على أنّ الإيمان المنجي المعتبر عند اللّه، هو التصديق بالقلب. ( [46])

الآية الثانية:
قال سبحانه: ( لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِ الْمؤْمِنِينَ وَمَن يَفْعَل ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللّهِ فِـي شَـيْء إلاَّ أَن تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللّهُ نَفْسَهُ وَإِلى اللّهِ الْمصيرُ ) . ( [47])
وكلمات المفسّـرين حول الآية تغنينا عن أي توضيح:
1. قال الطبري: ( إلاّ أن تتقوا منهم تقاة ) : قال أبو العالية: التقية باللسان، وليس بالعمل، حُدّثت عن الحسين قال: سمعت أبا معاذ قال: أخبرنا عبيد قال: سمعت الضحّاك يقول في قوله تعالى: ( إلاّ أن تتّقوا منهم تقاة ) قال: التقيّة باللسان من حُمِلَ على أمر يتكلّم به وهو للّه معصية فتكلم مخافة نفسه ( وقلبه مطمئن بالإيمان ) فلا إثم عليه، إنّما التقية باللسان. ( [48])
2. وقال الزمخشري في تفسير قوله تعالى: ( إلاّ أن تتّقوا منهم تقاة ) : رخّص لهم في موالاتهم إذا خافوهم، والمراد بتلك الموالاة: مخالفة ومعاشرة ظاهرة، والقلب مطمئن بالعداوة والبغضاء وانتظار زوال المانع.( [49])
3. قال الرازي في تفسير قوله تعالى: ( إلاّ أن تتّقوا منهم تقاة ) : المسألة الرابعة: اعلم: أنّ للتقية أحكاماً كثيرة، ونحن نذكر بعضها:
ألف: إنّ التقيّة إنّما تكون إذا كان الرجل في قوم كفّار، ويخاف منهم على نفسه، وماله، فيداريهم باللسان، وذلك بأن لا يظهر العداوة باللسان، بل يجوز أيضاً أن يظهر الكلام الموهم للمحبة والموالاة، ولكن بشرط أن يضمر خلافه وأن يعرض في كل ما يقول، فإنّ للتقيّة تأثيرها في الظاهر لا في أحوال القلوب.
ب: التقيّة جائزة لصون النفس، وهل هي جائزة: لصون المال؟ يحتمل أن يحكم فيها بالجواز، لقوله (صلى الله عليه وآله وسلم) : «حرمة مال المسلم كحرمة دمه»، ولقوله(صلى الله عليه وآله وسلم) : «من قتل دون ماله فهو شهيد».( [50]) 4. وقال النسفي: ( إلاّ أن تتّقوا منهم تقاة ) إلاّ أن تخافوا جهتهم أمراً يجب اتّقاؤه، أي ألاّ يكون للكافر عليك سلطان فتخافه على نفسك ومالك فحينئذ يجوز لك اظهار الموالاة وإبطان المعاداة.( [51])
5. وقال الآلوسي: وفي الآية دليل على مشروعية التقية وعرَّفوها بمحافظة النفس أو العرض أو المال من شر الأعداء. والعدو قسمان:
الأوّل: من كانت عداوته مبنية على اختلاف الدين، كالكافر والمسلم.
الثاني: من كانت عداوته مبنية على أغراض دنيوية، كالمال والمتاع والملك والامارة. ( [52])
6. وقال جمال الدين القاسمي: ومن هذه الآية: ( إلاّ أن تتّقوا منهم تقاة ) استنبط الأئمّة مشروعية التقية عند الخوف، وقد نقل الإجماع على جوازها عند ذلك الإمام مرتضى اليماني في كتابه (إيثار الحق على الخلق).( [53])
7. وفسّـر المراغي قوله تعالى: ( إلاّ أن تتّقوا منهم تقاة ) بقوله: أي انّ ترك موالاة المؤمنين للكافرين حتم لازم في كل حال إلاّ في حال الخوف من شيء تتّقونه منهم، فلكم حينئذ أن تتّقوهم بقدر ما يتقى ذلك الشيء، إذ القاعدة الشرعية: «إنّ درء المفاسد مقدّم على جلب المصالح».
وإذا جازت موالاتهم لاتّقاء الضرر فأولى أن تجوز لمنفعة المسلمين، إذاً فلا مانع من أن تحالف دولة إسلامية دولة غير مسلمة، لفائدة تعود إلى الأُولى، إمّا بدفع ضرر أو جلب منفعة، وليس لها أن تواليها في شيء يضر المسلمين، ولا تختص هذه الموالاة بحال الضعف، بل هي جائزة في كل وقت.
وقد استنبط العلماء من هذه الآية جواز التقية بأن يقول الإنسان أو يفعل ما يخالف الحق، لأجل التوقّي من ضرر يعود من الأعداء إلى النفس، أو العرض، أو المال. فمن نطق بكلمة الكفر مكرهاً وقاية لنفسه من الهلاك، وقلبه مطمئن بالإيمان، لا يكون كافراً بل يُعذر كما فعل عمّـار بن ياسر حين أكرهته قريش على الكفر فوافقها مكرهاً وقلبه مطمئن بالإيمان، وفيه نزلت الآية:
( مَنْ كَفَرَ بِاللّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإيمان ) .( [54])
هذه الجمل الوافية والعبارات المستفيضة لا تدع لقائل مقالاً إلاّ أن يحكم بشرعية التقيّة بالمعنى الذي عرفته، بل قد لا يجد أحد مفسّـراً أو فقيهاً وقف على مفهومها وغايتها، وهو يتردد في الحكم بجوازها، كما أنّك ـ أخي القارئ ـ لا تجد إنساناً واعياً لا يستعملها في ظروف عصيبة، ما لم تترتّب عليها مفسدة عظيمة، كما سيوافيك بيانها عند البحث عن حدودها.
وإنّما المعارض لجوازها أو المغالط في مشروعيتها، فإنّما يفسّـرها بالتقية الرائجة بين أصحاب التنظيمات السرية والمذاهب الهدّامة كالباطنية وأمثالهم، إلاّ أنّ المسلمين جميعاً بريئون من هذه التقية الهدّامة لكل فضيلة رابية.
الآية الثالثة:
قوله سبحانه: ( وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ ءَالِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً أَنْ يَقُولَ رَبِّـيَ اللّهُ وَقَدْ جَآءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِن رَبِّكُمْ وَإِن يَكُ كَاذِباً فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِنْ يَكُ صَادِقَاً يُصِبْكُم بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ إِنَّ اللّهَ لاَ يهدِي مَنْ هُوَ مُسْـرِفٌ كَذَّابٌ ) .( [55])
وكانت عاقبة أمره أن:( فَوَقَاهُ اللّهُ سِيِّئَاتِ مَا مَكَرُواْ وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ ) .( [56])
وما كان ذلك إلاّ لأنّه بتقيّته استطاع أن ينجي نبيّ اللّه من الموت: ( قَالَ يَامُوسَى إِنَّ الملأ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ ) .( [57])
وهذه الآيات تدل على جواز التقية لإنقاذ المؤمن من شرّ عدوّه الكافر.
7
التقيّة في السنّة النبويّة
دلّت الروايات على أنّ  الوجوب والحرمة ترتفع عند طروء الاضطرار، الذي تعدّ التقية من مصاديقه وأوضح دليل على ذلك هو حديث الرفع الذي رواه الفريقان.
1. روى الصدوق بسند صحيح في خصاله عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) قال: قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : «رفع عن أُمّتي تسعة: الخطأ، والنسيان، وما أُكرهوا  عليه، وما لا يطيقون، وما لا يعلمون، وما اضطروا إليه، والحسد، والطيرة، والتفكّر في الوسوسة في الخلق ما لم ينطق بشفة».( [58])
إنّ للحديث دوراً في مبحث البراءة والاشتغال في علم الأُصول، وقد فصلنا الكلام حوله في بحوثنا الأُصولية .( [59]) وعلى كلّ تقدير فالحديث صريح في أنّ الاضطرار يبيح المحظور.
2. روى الكليني بسند صحيح عن زرارة، عن أبي جعفر(عليه السلام) ، قال: «التقية في كلّ ضرورة، وصاحبها أعلم بها حين تنزل به».( [60])
3. روى الكليني عن محمد بن مسلم و زرارة قالوا: سمعنا أبا جعفر(عليه السلام) يقول: «التقية في كلّ شيء يضطر إليه ابن آدم فقد أحلّه اللّه له».( [61])
4. وعن الإمام الصادق(عليه السلام) انّه قال:«وكلّ شيء يعمل المؤمن بينهم لمكان التقية ممّا لا يؤدي إلى الفساد في الدين فانّه جائز».( [62])
5. وعنه(عليه السلام)   انّه  قال: «ولا حنث ولا كفّارة على من حلف تقية يدفع بذلك ظلماً عن نفسه».( [63]) 6. وعنه(عليه السلام) قال:  «وانّ التقية لأوسع ممّا بين السماء والأرض».( [64])
إلى غير ذلك من الروايات الواردة في  هذا الموضوع.
ولك أن تضيف إلى ذلك الاستدلال بالآيات التي رخصت عند الاضطرار، فال تعالى: ( فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغَ ولاَ عَاد فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ) ( [65]) ومورد الآية وإن كان الاضطرار لأجل الجوع، ولكن الموضوع هو الاضطرار، سواء أكان العامل داخلياً كاضطراره إلى أكل الميتة، أو خارجياً قاهراً مُلْزِماً على العمل بالخلاف على نحو لو لم يفعله لأدّى إلى إلحاق الضرر بنفسه ونفيسه.
التقية في كلمات العلماء
1. قال ابن عباس: التقيّة باللسان والقلب مطمئن بالإيمان ولا يبسط يده للقتل.( [66]) 2. قال الحسن البصري: التقية جائزة للمؤمن إلى يوم القيامة إلاّ في قتل النفس.( [67])
3. وقال الرازي: تجوز التقية لصون المال على الأصح كما يجوز صون النفس.( [68])
4. وقال السيوطي: يجوز أكل الميتة في المخمصة وإساغة اللقمة في الخمر، والتلفظ بكلمة الكفر، ولو عمّ الحرام قطراً بحيث لا يوجد فيه حلال إلاّ نادراً فانّه يجوز استعمال ما يحتاج إليه.( [69])
وقد أنكر الشاطبي على الخوارج إنكارهم التقية في القول والفعل، وعدّها من جملة مخالفاتهم للكليات الشرعية أصلية أو عملية.( [70])
5. وقال الطوسي: والتقية عندنا واجبة عند الخوف على النفس، وقد روي رخصة في جواز  الإفصاح بالحق عنده.( [71])
6. وقال العلاّمة الطباطبائي: الكتاب والسنّة  متطابقان في جوازها  في الجملة، والاعتبار العقلي يؤيده، إذ لا بغية للدين ولا همَّ لشارعه إلاّ ظهور الحقّ وحياته، وربما يترتّب  على التقية و المجاراة مع أعداء الدين ومخالفي  الحقّ حفظ مصلحة الدين وحياة الحق ما لا يترتب على تركها وإنكار ذلك مكابرة وتعسف.( [72])
مجال التقية هو الأُمور الشخصية
عُرِفَتِ الشيعة بالتقية وأنّهم يتّقون في أقوالهم وأفعالهم، فصار ذلك مبدأ لوهم عَلِقَ بأذهان بعض السطحيين والمغالطين، فقالوا: بما أنّ التقية من مبادئ التشيّع فلا يصح الاعتماد على كلّ ما يقولون ويكتبون وينشرون، إذ من المحتمل جداً أن تكون هذه الكتب دعايات والواقع عندهم غيرها. هذا ما نسمعه منهم مرّة بعد مرّة، ويكرّره الكاتب الباكستاني «إحسان إلهي ظهير» في كتبه السقيمة التي يتحامل بها على الشيعة.
ولكن نلفت نظر القارئ الكريم إلى أنّ مجال التقية إنّما هو في حدود القضايا الشخصية الجزئية عند وجود الخوف على النفس والنفيس، فإذا دلّت القرائن على أنّ في إظهار العقيدة أو تطبيق العمل على مذهب أهل البيت ما يُلحق بالمؤمن  الضرر، يُصبح هذا المورد من مواردها، ويحكم العقل والشرع بلزوم الاتقاء حتى يصون بذلك نفسه ونفيسه عن الخطر. وأمّا الأُمور الكلّية الخارجة عن إطار الخوف فلا تتصوّر فيها التقية، والكتب المنتشرة من جانب الشيعة داخلة في هذا النوع الأخير، إذ لا خوف هناك حتى يكتب خلاف ما يعتقد، حيث ليس هناك  أيُّ مُلْزم للكتابة أصلاً في هذه الأحوال فله أن يسكت ولا يكتب شيئاً.
فما يدعيه هؤلاء أنّ هذه الكتب دعايات لا واقعيات ناشئ عن قلّة معرفتهم بحقيقة التقية عند الشيعة.
والحاصل: أنّ الشيعة إنّما كانت تتّقي في عصر لم تكن لهم دولة تحميهم، ولا قدرة ولا منعة تدفع عنهم الأخطار. وأمّا هذه الأعصار فلا مسوّغ ولا مبرّر للتقية إلاّ في موارد  جزئيّة خاصة.
إنّ الشيعة كما ذكرنا لم تلجأ إلى التقية إلاّ بعد أن اضطرّت إلى ذلك، وهو حق لا أعتقد أنّ  أحداً  ينظر إلى الا ُمور بلبّه لا بعواطفه يخالفها فيه، إلاّ أنّ من الأُمور المسلّمة في تاريخ التشيّع،  كثرة التقية على مستوى الفتاوى، وأمّا على المستوى العمليّ فالشيعة من أكثر الناس تضحية، وبوسع كل باحث أن يرجع إلى مواقف رجال الشيعة مع معاوية وغيره من الحكّام الأمويين، والحكام العباسيين، أمثال حجر بن عدي، وميثم التمار، ورشيد الهجري، وكميل بن زياد، ومئات من غيرهم، وكمواقف العلويين على امتداد التاريخ وثوراتهم المتتالية و قد مرّ تفصيله في بعض الفصول.
8
أقسام التقية
تنقسم التقية حسب انقسام الأحكام إلى خمسة،  والمهم هو الإشارة إلى الأقسام الثلاثة:
1. التقية الواجبة: وهي ما كانت لدفع الخوف على نفس أو عرض محترمين، أو ضرر لا يتحمل  عن نفسه أو غيره من المؤمنين.
2. التقية المندوبة: وهي  ما كانت لدفع ما يرجح دفعه من ضرر يسير يتحمّل عادة، سواء تعلق بنفسه أو بغيره.
3. التقية المحرمة وهي ما يترتّب عليها مفسدة أعظم، كهدم الدين وخفاء الحقيقة على الأجيال الآتية، وتسلّط الأعداء على شؤون المسلمين وحرماتهم ومعابدهم، ولأجل ذلك ترى أنّ كثيراً من أكابر الشيعة رفضوا التقية في بعض الأحيان وقدّموا أنفسهم وأرواحهم أضاحي من أجل الدين، فللتقية مواضع معينة، كما أنّ للقسم المحرم منها مواضع خاصة أيضاً.
إنّ التقية في جوهرها كتم ما يحذر من إظهاره حتى يزول الخطر، فهي أفضل السبل للخلاص من البطش، ولكن ذلك لا يعني أنّ الشيعي جبان خائر العزيمة، خائف متردّد الخطوات يملأ حناياه الذل، كلاّ إنّ للتقية حدوداً لا تتعداها، فكما هي واجبة في حين، هي حرام في حين آخر، فالتقية أمام الحاكم الجائر كيزيد بن معاوية مثلاً محرّمة، إذ فيها الذل والهوان ونسيان المُثُل والرجوع إلى الوراء، فليست التقية في جوازها ومنعها تابعة للقوّة والضعف، وإنّما تحددها جوازاً ومنعاً مصالح الإسلام والمسلمين.
إنّ للإمام الخميني (قدس سره) كلاماً في المقام ننقله بنصّه حتى يقف القارئ على أنّ للتقية أحكاماً خاصة وربّما تحرم لمصالح عالية. قال  (قدس سره) :
تحرم التقية في بعض المحرّمات والواجبات التي تمثّل في نظر الشارع والمتشرّعة مكانة بالغة، مثل هدم الكعبة، والمشاهد المشرّفة، والرد على الإسلام والقرآن والتفسير بما يفسد المذهب ويطابق الإلحاد وغيرها من عظائم المحرّمات، ولا تعمّها أدلة التقية ولا الاضطرار ولا الإكراه.
وتدلّ على ذلك معتبرة مسعدة بن صدقة وفيها: «فكلّ شيء يعمل المؤمن بينهم لمكان التقية ممّا لا يؤدي إلى الفساد في الدين فإنّه جائز». ( [73])
ومن هذا الباب ما إذا كان المتقي ممن له شأن وأهمية في نظر الخلق، بحيث يكون ارتكابه لبعض المحرّمات تقية أو تركه لبعض الواجبات كذلك مما يعد موهناً للمذهب وهاتكاً لحرمه، كما لو أُكره على شرب المسكر والزنا مثلاً، فإنّ جواز التقية في مثله متمسّكاً بحكومة دليل الرفع( [74]) وأدلّة التقية مشكل بل ممنوع، وأولى من ذلك كلّه في عدم جواز التقية،  ما لو كان أصل من أُصول الإسلام أو المذهب أو ضروري من ضروريات الدين في معرض الزوال والهدم والتغيير، كما لو أراد المنحرفون الطغاة تغيير أحكام الإرث والطلاق والصلاة والحج وغيرها من أُصول الأحكام فضلاً عن أُصول الدين أو المذهب، فإنّ التقية في مثلها غير جائزة، ضرورة أنّ تشريعها لبقاء المذهب وحفظ الا ُصول وجمع شتات المسلمين لإقامة الدين وأُصوله، فإذا بلغ الأمر إلى هدمها فلا تجوز التقية، وهو مع وضوحه يظهر من الموثقة المتقدمة.( [75])
وعلى ضوء ما تقدّم، نخرج بالنتائج التالية:
1. إنّ التقية أصل قرآني مدعم بالسنّة النبوية، وقد عمل بها في عصر الرسالة من ابتلي من الصحابة، لصيانة نفسه، فلم يعارضه الرسول، بل أيّده بالنص القرآني كما في قضية عمّـار بن ياسر، حيث أمره (صلى الله عليه وآله وسلم) بالعودة إذا عادوا.
2.  انّ التقيّة ليست بمعنى تشكيل جماعات سرية لغاية التخريب و الهدم، وهذا لا يمتّ إلى التقية بصلة. 3. اتّفق المفسّرون عند التعرّض لتفسير الآيات الواردة في التقية على ما ذهبت إليه الشيعة من إباحتها للتقية.
4. تنقسم التقية حسب انقسام الأحكام إلى أقسام خمسة، فبينما هي واجبة في موضع، تجدْها محرّمة في موضع آخر.
5. إنّ مجال التقية لا يتجاوز القضايا الشخصية، وهي فيما إذا كان الخوف قائماً، وأمّا إذا ارتفع الخوف والضغط، فلا مجال للتقية.
وفي ختام  هذا البحث نقول:
نفترض أنّ التقية جريمة يرتكبها المتقي لصيانة دمه وعرضه وماله، ولكنّها في الحقيقة ترجع إلى السبب الذي يفرض التقيّة على الشيعي المسلم ويدفعه إلى أن يتظاهر بشيء من القول والفعل الذي لا يعتقد به، فعلى من يعيب التقية للمسلم المضطهد، أن يسمح له بالحرية في مجال الحياة ويتركه بحاله، وأقصى ما يصح في منطق العقل، أن يسأله عن دليل عقيدته ومصدر عمله، فإن كان على حجّة بيّنة يتبعه، وإن كان على خلافها يعذره في اجتهاده وجهاده العلمي والفكري.
نحن ندعو المسلمين للتأمّل في الدواعي التي دفعت بالشيعة إلى التقية، وأن يعملوا قدر الإمكان على فسح المجال لإخوانهم في الدين فإنّ لكل فقيه مسلم، رأيَه ونظرَه، وجهدَه وطاقتَه.
إنّ الشيعة يقتفون أثر أئمّة أهل البيت في العقيدة والشريعة، ويرون رأيهم، لأنّهم هم الذين أذهب اللّه عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً، وأحد الثقلين اللّذين أمر الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) بالتمسّك بهما في مجالي العقيدة والشريعة، وهذه عقائدهم لا تخفى على أحد، وهي حجّة على الجميع.
نسأل اللّه سبحانه، أن يصون دماء المسلمين وأعراضهم عن تعرض أي متعرض، ويوحّد صفوفهم، ويؤلّف بين قلوبهم، ويجمع شملهم، ويجعلهم صفّاً واحداً في وجه الأعداء، إنّه على ذلك قدير وبالإجابة جدير.
9
شبهات حول التقية
لقد تعرفت  على حقيقة التقية: لغة واصطلاحاً وتاريخاً، كما تعرفت على أدلّتها من الكتاب والسنّة وظهر انّ سيرة المسلمين جرت على ممارسة التقية عند الشدة، وبقيت ثَمّة شبهات تدور حول التقية، نطرحها على طاولة البحث.
الشبهة الأُولى: التقية من شعب النفاق
إذا كانت التقية إظهارَ  ما يُضمر القلبُ خلافَه أو ارتكاب عمل يخالف العقيدة، فهي إذن شعبة من شعب النفاق، لأجل انّ النفاق عبارة عن التظاهر بشيء على خلاف العقيدة.
والجواب عنها واضح: لأنّ مفهوم التقية في الكتاب والسنّة هو إظهار الكفر وإبطان الايمان، أو التظاهر بالباطل وإخفاء الحق، وإذا كان هذا مفهومها، فهي تقابل النفاق، تقابلَ الإيمان والكفر، فانّ النفاق ضدها وخلافها، فهو عبارة عن إظهار الإيمان و إبطان الكفر، والتظاهر بالحق وإخفاء الباطل، و مع وجود هذا التباين بينهما فلا يصحّ عدّها من فروع النفاق.
وبعبارة أُخرى: انّ النفاق في الدين ستر الكفر بالقلب، وإظهار الإيمان باللسان، وأين هذا من التقية التي هي على العكس تماماً ( إلاّ من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان ) فهي إظهار الكفر وإخفاء الإيمان و ستره بالقلب، وأمّا تقية الشيعة فهي تَكْمُنُ   في إخفاء الاعتقاد بالإمامة والولاية لأهل البيت(عليهم السلام) يعني ستر التشيع مع التظاهر بموافقة الآخرين في عقيدتهم تجاه الإمامة  وفي الوقت نفسه يشاركون  المسلمين في الشهادتين والإيمان بالقيامة، ويمارسون العبادات ويعملون بالفروع ويعتقدون ذلك بقلوبهم ويعيشون هذه العقيدة بوجدانهم وبأرواحهم . نعم من فسر النفاق بمطلق مخالفة الظاهر للباطن وبه صوّر التقية ـ الواردة في الكتاب والسنّة ـ من فروعه، فقد فسره بمفهوم أوسع ممّا هو عليه في القرآن، فانّه يعرف المنافقين بالمتظاهرين  بالإيمان و المبطنين للكفر بقوله تعالى: ( إِذا جَاءَكَ الْمُنافِقُونَ  قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ  لَرَسُولُ اللّهِ وَاللّهُ  يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ  واللّهُ  يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنافِقينَ لَكاذِبُون ) ( [76])   فإذا كان هذا حدّ المنافق فكيف يعمّ من يستعمل التقية تجاه الكفار والعصاة فيُخفي إيمانه أو عقيدته في ولاء أهل البيت و يظهر الموافقة لغاية صيانة النفس والنفيس والعرض والمال من التعرض؟!
ويظهر صدق ذلك إذا وقفنا على ورودها في التشريع الإسلامي، ولو كانت من قسم النفاق، لكان ذلك أمراً بالقبيح ويستحيل على الحكيم أن يأمر به ( قُلْ إِنّ اللّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُون ) . ( [77])

الشبهة الثانية: لماذا عُدَّت التقية من أُصول الدين؟
قد نقل عن أئمّة أهل البيت(عليهم السلام) انّهم قالوا: التقية ديني  و دين آبائي، ولا دين لمن لا تقية له.( [78])
وظاهر هذه الروايات انّ الاعتقاد بالتقية وتطبيق العمل على ضوئها من أُصول الدين فمن لم يتق فقد خرج عن الدين وليس له  من الإيمان نصيب.
يلاحظ عليه: بأنّ التقية من الموضوعات الفقهية،تخضع كسائر الموضوعات للأحكام الخمسة، فتارة تجب وأُخرى تحرم، وثالثة...، ومعه كيف يمكن أن تكون من أُصول الدين، وقد ذكرها فقهاء الشيعة في باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
وأمّا الروايات التي عدتها  من الدين فهي من باب الاستعارة وغايتها التأكيد على أهميتها وتطبيقها في الحياة لصيانة النفس والنفيس، وبما انّ بعض الشيعة كانوا يجاهرون بعقائدهم وشعائرهم، الأمر الذي  يؤدّي إلى إلقاء القبض عليهم وتعذيبهم وإراقة دمائهم، فالإمام وللحيلولة دون وقوع ذلك يقول  بأنّ (التقية  ديني ودين آبائي) لحثّهم على الاقتداء بهم،  وأمّا  ما ورد في الحديث «لا دين لمن لا تقيّة له» فالغاية التأكيد على الالتزام بالتقيّة، نظير قوله: لا صلاة لجار المسجد إلاّ في المسجد.
وبعبارة أُخرى: ليس المراد من الدين هو الأُصول العامة كالتوحيد والنبوة والمعاد التي بالاعتقاد بها يرد إلى  حظيرة الإسلام وبإنكارها أو إنكار واحد منها أو إنكار ما يلازم إنكار أحد الأُصول الثلاثة يخرج عنها، وإنّما المراد به هو الشأن  الذي يتعبد به الإمام ويعمل بدين اللّه، فقوله : «التقية ديني و دين آبائي» أي هو من شؤوننا أهل البيت(عليهم السلام) فاقتدوا بنا، وأمّا من يتصور انّ التقية تمس كرامته فهو إنسان جاهل خارج عن هذا الشأن الذي عليه تدين الأئمة به.
الشبهة الثالثة: التقية تؤدي إلى محق الدين
إذا مارست جماعةٌ التقية فترة طويلة في أُصول الدين وفروعه، ربما يتجلى للجيل المقبل بأنّ ما مارسه آباؤهم من صميم الدين وواقعه، فعند ذلك تنتهي التقية إلى محق الدين واندثاره.
يلاحظ عليه: أنّ الظروف مختلفة وليست على منوال واحد، فربما  يشتد الضغط فلا يجد المحقّ مجالاً للإعراب عن رأيه وعقيدته وشريعته ، وقد تتبدّل الظروف إلى ظروف مناسبة تسمح بممارسة الشعائر بكلّ حرية، وقد عاشت الشيعة  بين الحين والآخر في هذه الظروف المختلفة، وبذلك صانت  أُصولها وفروعها وثقافتها واللّه سبحانه هو المعين لحفظ الدين وشريعته.
وبعبارة أُخرى: انّ للتقية سيطرة على الظاهر دون الباطن، فالأقلّية التي  صودرت حرياتها يمارسونها في الظاهر، و أمّا في المجالس الخاصة فيقومون بواجبهم على ما هو عليه ويربّون أولادهم على وفق التعاليم التي ورثوها عن آبائهم عن أئمتهم.
ولو افترضنا انّ مراعاة التقية  فترة طويلة تنتهي إلى محق الدين فالتقية عندئذ تكون محرمة يجب الاجتناب عنها. وقد مرّ  انّ التقية لها أحكام خمسة، فالتقية المنتهية إلى محق الدين محظورة.
الشبهة الرابعة: التقية تؤدي إلى تعطيل الأمر بالمعروف
إنّ التقية فكرة تحوّل المسلم إلى إنسان يتعايش مع الأمر الواقع على ما فيه من ظلم وفساد وانحراف، فتعود إلى الرضا بكلّ ما يحيط بها من الظلم والفساد والانحراف.
يلاحظ عليه: أنّ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مشروط بالتمكن منه، فمرتبة منه وظيفة الفرد و هو الأمر بالمعروف بكراهية القلب و اللسان، ومرتبة منه وظيفة المجتمع وعلى رأسه الدولة صاحبة القدرة والمنعة، فالممارس للتقية يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر حسب مقدرته ولولا القدرة فلا حكم عليه، لأنّ اللّه سبحانه لا يكلف نفساً إلاّ وسعها.
ومع ذلك فالممارس للتقية يتحيّن الفرص للانقضاض على الواقع الفاسد وتغييره، فلو ساعدته الظروف على هذا التغيير فحينها  يتخـلّى عن التقيـة ويجاهر بالحقّ قـولاً وعملاً.
الشبهة الخامسة:  التقية من المسلم من البدع
ربما يتصور انّ التقية من اختلاقات الشيعة وانّها لا دليل عليها من الكتاب والسنّة، وذلك لأنّ الآيات الواردة في التقية ترجع إلى اتّقاء المسلم من الكافر، وأمّا اتّقاء المسلم من المسلم فهذا ما لا دليل  عليه  من الكتاب والسنة.
الجواب
إنّ مورد الآيات وإن كان هو اتّقاء المسلم من الكافر، ولكن المورد ليس بمخصّص لحكم الآية فقط، إذ ليس الغرض من تشريع التقية عند الابتلاء بالكفار إلاّ صيانة النفس والنفيس من الشر، فإذا ابتُلي المسلم بأخيه المسلم الذي يخالفه في بعض الفروع ولا يتردد الطرف القوي عن إيذاء الطرف الآخر، كأن ينكل به أو ينهب أمواله أو يقتله، ففي تلك الظروف الحرجة يحكم العقل السليم بصيانة النفس والنفيس عن طريق كتمان العقيدة واستعمال التقية، ولو كان هناك وزر فإنّما يحمله من يُتّقى منه لا المتّقي. ونحن نعتقد أنّه إذا سادت الحرية جميع الفرق الإسلامية، وتحمّلت كل فرقة آراء الفرقة الأُخرى لوقفت على أنّ الرأي الآخر هو نتيجة اجتهادها، وعندها لا يضطر أحد من المسلمين إلى استخدام التقية، ولساد الوئام مكان النزاع.
وقد فهم ذلك لفيف من العلماء وصرّحوا به، وإليك نصوص بعضهم:
1. قال الشافعي: تجوز التقية بين المسلمين كما تجوز بين الكافرين محاماة عن النفس.( [79])
2. يقول الإمام الرازي في تفسير قوله سبحانه: ( إلاّ أن تتّقوا منهم تقاة ) : ظاهر الآية يدل على أنّ التقية إنّما تحل مع الكفّار الغالبين، إلاّ أنّ مذهب الشافعي (رضي الله عنه) : أنّ الحالة بين المسلمين إذا شاكلت الحالة بين المسلمين والكافرين حلّت التقية محاماة عن النفس، وقال: التقية جائزة لصون النفس، وهل هي جائزة لصون المال؟ يحتمل أن يحكم فيها بالجواز لقوله (صلى الله عليه وآله وسلم) : «حرمة مال المسلم كحرمة دمه»، وقوله (صلى الله عليه وآله وسلم) : «من قتل دون ماله فهو شهيد» .( [80])
3. ينقل جمال الدين القاسمي عن الإمام مرتضى اليماني في كتابه «إيثار الحق على الخلق» ما  نصّـه: وزاد الحق غموضاً وخفاءً أمران: أحدهما: خوف العارفين ـ مع قلّتهم ـ من علماء السوء وسلاطين الجور وشياطين الخلق مع جواز التقية عند ذلك بنص القرآن، وإجماع أهل الإسلام، وما زال الخوف مانعاً من إظهار الحق، ولا برح المحق عدوّاً لأكثر الخلق، وقد صحّ عن أبي هريرة (رضي الله عنه) أنّه قال ـ في ذلك العصر الأوّل ـ: حفظت من رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) وعاءين، أمّا أحدهما فبثثته في الناس، وأمّا الآخر فلو بثثته لقطع هذا البلعوم.( [81]) 4.  وقال المراغي في تفسير قوله سبحانه: ( مَنْ كَفَرَ بِاللّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإيمَـان ) : ويدخل في التقية مداراة الكفرة والظلمة والفسقة، وإلانة الكلام لهم، والتبسّـم في وجوههم، وبذل المال لهم، لكف أذاهم وصيانة العرض منهم، ولا يعد هذا من الموالاة المنهي عنها، بل هو مشروع، فقد أخرج الطبراني قوله(صلى الله عليه وآله وسلم) : «ما وَقَى المؤمن به عرضَه فهو صدقة».( [82])
إنّ الشيعة تتقي الكفّار في ظروف خاصة لنفس الغاية التي لأجلها يتّقيهم السنّي، غير أنّ الشيعي ولأسباب لا تخفى، يلجأ إلى اتّقاء أخيه المسلم لا لتقصير في الشيعي، بل في أخيه الذي دفعه إلى ذلك، لأنّه يدرك أنّ الفتك والقتل مصيره إذا صرّح بمعتقده الذي هو عنده موافق لا ُصول الشرع الإسلامي وعقائده، نعم كان الشيعي وإلى وقت قريب يتحاشى أن يقول: إنّ اللّه ليس له جهة، أو أنّه تعالى لايُرى يوم القيامة، وإنّ المرجعية العلمية والسياسية لأهل البيت بعد رحلة النبي الأكرم، أو أنّ حكم المتعة غير منسوخ. إنّ الشيعي إذا صرّح بهذه الحقائق ـ التي استنبطت من الكتـاب والسنّةـ سوف يُعرّض نفسه ونفيسه للمهالك والمخاطر. وقد مرّ عليك كلام الرازي وجمال الدين القاسمي والمراغي الصريح في جواز هذا النوع من التقية، فتخصيص التقية بالتقية من الكافر فحسب، جمود على ظاهر الآية وسد لباب الفهم، ورفض للملاك الذي شُـرّعت لأجله التقية، وإعدام لحكم العقل القاضي بحفظ الأهم إذا عارض المهم.
وقد مرّ الكلام  عن لجوء جملة من كبار المحدّثين إلى التقية في ظروف عصيبة أوشكت أن تودي بحياتهم وبما يملكون، وخير مثال على ذلك ما أورده الطبري في تاريخه( [83])  عن محاولة المأمون دفع وجوه القضاة والمحدّثين في زمانه إلى الإقرار بخلق القرآن قسراً  وقد علموا انّ إنكاره يستعقب قتل الجميع دون رحمة، ولما أبصر أُولئك المحدّثون لَمَعان، حد السيف عمدوا إلى مصانعة المأمون في دعواه وأسرّوا معتقدهم في صدورهم، ولمّا عُوتبوا على ما ذهبوا إليه من موافقة المأمون برّروا عملهم بعمل عمّـار بن ياسر حين أُكره على الشرك وقلبه مطمئن بالإيمان، والقصّة شهيرة وصريحة في جواز اللجوء إلى التقية التي دأب البعض بالتشنيع فيها على الشيعة وكأنّهم هم الذين ابتدعوها من بنات أفكارهم دون أن تكون لها قواعد وأُصول إسلامية ثابتة ومعلومة.
10
الآثار البنّاءة  للتقية
إذا ساد الاستبداد  المجتمعَ الإنساني وصودرت فيه الحريات وهُضمت فيه الحقوق وأُخمدت فيه أصوات الأحرار، فحينئذ لا تجد الأقلية المهضومة، حيلة  سوى اللجوء إلى التقية والتعايش مع الأمر الواقع، وهذا الأمر وان يتلقّاه البعض أمراً مرغوباً عنه، ولكن الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) ـ كما سيوافيك كلامه  ـ يصفه بأنّه رخصة من اللّه تفضّل اللّه بها على المؤمنين. كيف و قد يترتّب على ممارسة التقية آثار بنّاءة تتلخّص في الأُمور التالية:
1. حفظ النفس والنفيس
إنّ ممارسة التقية والمداراة مع الظالم المستبد يصون الأقلية من البطش والكبت والقتل ومصادرة الأموال بخلاف عدم ممارستها فانّه يعرِّضها للقتل والفناء، ولذلك يعبر عنها بالترس والجُنّة ، قال الإمام الصادق(عليه السلام) : «إنّ التقية ترس المؤمن، ولا إيمان لمن لا تقية له».( [84])
وقال(عليه السلام) : «كان أبي يقول: وأي شيء أقرّ لعيني من التقية، انّ التقية جُنّة المؤمن».( [85])
روى شيخنا المفيد قال: كتب علي بن يقطين (الوزير الشيعي للرشيد) إلى الإمام الكاظم(عليه السلام)   يسأله عن الوضوء؟ فكتب إليه أبو الحسن (عليه السلام) :«فهمت ما ذكرت من الاختلاف في الوضوء، والذي آمرك  به في ذلك أن تمضمض ثلاثاً، و تستنشق ثلاثاً، وتغسل وجهك ثلاثاً، وتخلّل شعر لحيتك، وتغسل يديك من أصابعك إلى المرفقين ثلاثاً، وتمسح رأسك كلّه، وتمسح ظاهر أُذنيك وباطنهما،   وتغسل رجليك إلى الكعبين ثلاثاً، ولا تخالف ذلك إلى غيره.
فلمّا وصل الكتاب إلى علي بن يقطين تعجب مما رسم له أبو الحسن(عليه السلام) فيه ممّا أجمع العصابة على خلافه، ثمّ قال: مولاي أعلم بما قال: وأنا أمتثل أمره، فكان  يعمل في وضوئه على هذا الحد، ويخالف ما عليه جميع الشيعة امتثالاً لأمر أبي الحسن(عليه السلام) ، وسُعِيَ بعلي بن يقطين إلى الرشيد،  و قيل: إنّه رافضي، فامتحنه الرشيد من حيث لا يشعر، فلمّا نظر إلى وضوئه ناداه: كذب يا علي بن يقطين من زعم أنّك من الرافضة، وصلحت حاله عنده، وورد عليه كتاب أبي الحسن(عليه السلام) : «ابتدأ من الآن يا علي بن يقطين و توضّأ كما أمرك اللّه تعالى، اغسل وجهك مرة فريضة وأُخرى إسباغاً و اغسل يديك من المرفقين كذلك، وامسح بمقدم رأسك  وظاهر قدميك من فضل نداوة وضوئك، فقد زال ما كنّا نخاف منه عليك، والسلام».( [86])
ترى أنّ الإمام أنقذ علي بن يقطين من الموت من خلال أمره بالتقية  وكم له في التاريخ  من نظير، و كفى شاهداً قصة عمّار و أبيه وأُمّه المتقدّمة.

2. حفظ وحدة الأُمّة
لا شكّ انّ وحدة الكلمة هي مصدر قوة الأُمّة وازدهارها، وهي حبل اللّه الوثيق الذي لابدّ من الاعتصام به، حيث قال في محكم كتابه: ( وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُوا ) .( [87])
فقد عدّ سبحانه التفريق والتشرذم والتشتت عذاباً يستأصل الأُمّة ويستنفد قواها، قال سبحانه: ( قُلْ هُوَ الْقادِرُ عَلى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذاباً مِنْ فَوقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرجُلِكُمْ أَو يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً ويُذِيقَ بَعضَكُمْ بَأْسَ بَعْض ) . ( [88])
إلى غير ذلك من الآيات الحاثّة على الوحدة والمحذِّرة من التفرق والتبدد.
وتشريع التقية يعين على الوحدة ويمسك  الأُمة عن التبدد، فلذلك يصفها الإمام بأنّها «رخصة تفضّل بها اللّه على المؤمنين  رحمة لهم». وهذ لا يعني الإفراط في ممارسة التقية حتّى إذا توفرت الفرص المناسبة للتعبير عن رأيه ومنهجه، فعند ذلك تحرم التقية، لأنّه يترتب عليها طمس الدين وكتمان الحقيقة.
3. الحفاظ على القوى من الاستنزاف
إنّ الجماعة المهضومة، بممارسة التقية تحمي قواها وطاقاتها من الاستنزاف، وبالتالي تربّي جماعة  واعية لأهدافها، فإذا هبّ على مجتمعهانسيم الحرية فيتيسّر عندها  أن تُجاهر بأفكارها وآرائها دون أي خوف أو وجل و تطالب بحقوقها، وهذا من آثار التقية حيث صانت الجماعة الضعيفة من استنزاف قواها.
وبما انّ هذه الآثار البنّاءة تعبير واضح للرحمة، التي أشار إليها الإمام أمير المؤمنين، نأتي بنص كلمته:
روى الشريف المرتضى في رسالة «المحكم والمتشابه» نقلاً عن «تفسير النعماني» عن علي(عليه السلام) أنّه قال :«و انّ اللّه منّ على المؤمن بإطلاق الرخصة له عند التقية في الظاهر، أن يصوم بصيامه ويفطر بإفطاره ويصلّي بصلاته ويعمل بعمله ويظهر له استعمال ذلك، موسعاً عليه فيه، وعليه أن يدين اللّه تعالى في الباطن بخلاف ما يظهر لمن يخافه من المخالفين المستولين على الأُمّة،  فهذه رخصة تفضّل اللّه بها على المؤمنين رحمة لهم ليستعملوها عند التقية في الظاهر».( [89])
والحمد للّه الذي بنعمته تتم الصالحات

[1] -المائدة: 3 .
[2] -آل عمران: 103 .
[3] .  القصص:  20.
[4] .  النحل: 106.
[5] . النهاية: مادة وقي.
[6] . غافر: 45.
[7] . آل عمران: 28.
[8] . عن تعليق أحمد محمد شاكر على دائرة المعارف الإسلامية:5/ 423.
[9] . المبسوط للسرخسي: 25/ 45.
[10] . فتح الباري:12/314، ط المكتبة السلفية.
[11] . تفسير المنار:3/ 280.
[12] . محمد أبو زهرة: الإمام الصادق: 255.
[13] . شرح عقائد الصدوق:66، ط تبريز.
[14] . رسالة التقية للشيخ الأنصاري: 37.
[15] . غافر: 28.
[16] . غافر:45 .
[17] . القصص: 20.
[18] . القصص: 20.
[19] . تفسير الثعلبي:8/ 273.    
[20] . النحل: 106.
[21] . مجمع البيان:3/388
[22] . مسند ابن أبي شيبة:12/358، ط السلفية; التبيان:2/453، وقد علق الطوسي على الرواية وقال: وعلى هذا التقية رخصة، والافصاح بالحق فضيلة، وظاهر أخبارنا  يدلّ على انّها واجبة، وخلافها خطأ وسيوافيك أنّها على أقسام خمسة.
[23] . طبقات ابن سعد:7/167، ط بيروت.
[24] . لاحظ تاريخ الطبري:7/197، حوادث 218هـ.
[25] . شرح نهج البلاغة:11/44ـ 46.                                      
[26] . الإمامة والسياسة:2/47، ط مصر.
[27] . شرح ابن أبي الحديد:11/43ـ 44.
[28] . مقاتل الطالبيين:395ـ 396.
[29] . الشيعة والحاكمون:169ـ 170.
[30] . ابن خلكان: وفيات الأعيان:  3/ 33. الذهبي: سير أعلام النبلاء :   12/ 16.
[31] . ديوان ابن الرومي :   2/ 243.
[32] . الشعر لأبي عطاء السندي.
[33] . الطوسي: تلخيص الشافي:2/ 59.
[34] .  الأزهر في ألف عام:1/ 58.
[35] . راجع الفصول المهمة:206، الفصل التاسع; غنية النزوع:11، المقدمة.
[36] . غافر:28; النحل: 106.
[37] . مجلة المرشد: 3/252، 253ولاحظ تعاليق اوائل المقالات ص 96.
[38] . غافر :  الآية   28 و 45، والقصص: الآية 20، وستوافيك نصوص الآيات في ثنايا البحث.
[39] . النحل: 106.
[40] . مجمع البيان:  3/ 388.
[41] .  الكشاف عن حقائق التنزيل:  2/ 430.
[42] .  ابن ماجة: السنن:   1/53، شرح حديث رقم 150.
[43] .  الجامع لأحكام القرآن :   4/ 57.
[44] . تفسير الخازن: 1/ 277.
[45] . السراج المنير. في تفسير الآية.
[46] . تفسير روح البيان:   5/ 84.
[47] . آل عمران:  28.
[48] . جامع البيان :  3/ 153.
[49] .  الكشاف:  1/ 422.
[50] . مفاتيح الغيب:   8/ 13.
[51] . تفسير  النسفي بهامش تفسير الخازن:   1/ 277.
[52] . روح المعاني:  3/ 121.
[53] . محاسن التأويل:   4/ 82.
[54] . تفسير المراغي:  3/ 136.
[55] . غافر:  28.
[56] . غافر:   45.
[57] .  القصص: 20.
[58] . الخصال: 417.
[59] . لا حظ إرشاد العقول:1/347ـ 364.
[60] . الوسائل:11، الباب25 من أبواب الأمر والنهي، الحديث 1.
[61] . الوسائل:11، الباب25 من أبواب الأمر والنهي، الحديث 2.
[62] . الكافي:2/ 168.                                                                                        
[63] . الخصال: 607.
[64] . بحارالأنوار:75/ 412.                                                                              
[65] . البقرة: 173.
[66] . فتح الباري:12/ 279.
[67] . تفسير النيسابوري في هامش الطبري:3/ 178.
[68] .  التفسير الكبير:8/ 13.                                                                           
[69] . الأشباه والنظائر: 76.
[70] . الموافقات:4/ 180.
[71] . التبيان:2/ 435.  
[72] . الميزان:3/ 153.
[73] . الوسائل:10، الباب25 من أبواب الأمر والنهي، الحديث 8.
[74] . الوسائل:10، الباب56 من أبواب جهاد النفس، الحديث 1.
[75] .  رسالة في التقية مطبوعة ضمن الرسائل العشر:14، باب حول موارد استثنيت من الأدلّة.
[76] . المنافقون: 1.
[77] . الأعراف: 28.
[78] . الوسائل:10، الباب24 من أبواب الأمر بالمعروف، الحديث3، 22.
[79] . تفسير النيسابوري في هامش تفسير الطبري:3/ 178.
[80] .  مفاتيح الغيب:8/13 في تفسير الآية.
[81] .  محاسن التأويل:4/ 82.
[82] . تفسير المراغي:3/ 136.
[83] . تاريخ الطبري:7/195ـ 206.
[84] . الوسائل:11، الباب24 من أبواب الأمر بالمعروف، الحديث4و 6.
[85] . الوسائل:11، الباب24 من أبواب الأمر بالمعروف، الحديث4و 6.
[86] . الوسائل:1، الباب32 من أبواب الوضوء، الحديث 3.
[87] . آل عمران: 103.
[88] . الأنعام: 65.
[89] . الوسائل:1، الباب 25 من أبواب مقدمة العبادات، الحديث 1.