قائمة المواضيع :
المعتزلة
المعتزلة بين المدارس الكلامية المختلفة مدرسة فكرية عقلية أعطت للعقل القسط الأوفر، ومن المؤسف انّ هوى العصبية بل يد الخيانة لعبت بكثير من مخلّفاتهم الفكرية، فأطاحت به فأضاعتها بالخرق والتمزيق، فلم يبق فيما بأيدينا من آثارهم إلاّ الشيء القليل وأكثرها يرجع إلى كتب عبد الجبار المعتزلي (المتوفّى عام 415 هـ)، ولأجل ذلك فقد اعتمد في تحرير هذا المذهب غير واحد من الباحثين على كتب خصومهم كالأشاعرة، ومن المعلوم أنّ الاعتماد على كتاب الخصم لا يورث يقيناً.
وقد اهتمّ المستشرقون في العصور الأخيرة بدراسة مذهب الاعتزال، ولقد أُعجبوا بمنهج الاعتزال في حرية الإنسان وأفعاله، وصار ذلك سبباً لرجوع المعتزلة إلى الساحة من قبل المفكّرين الإسلاميّين، ولذلك نشرت في هذه الآونة الأخيرة كتباً حول المعتزلة.
ومؤسّس المذهب هو واصل بن عطاء تلميذ الحسن البصري، نقل الشهرستاني أنّه دخل شخص على الحسن البصري فقال: يا إمام الدين! لقد ظهرت في زماننا جماعة يكفّرون أصحاب الكبائر، والكبيرة عندهم يُخرج به عن الملّة، وهم وعيديّة الخوارج، وجماعة يُرجئون أصحاب الكبائر ويقولون لا تضر مع الإيمان معصية، كما لا تنفع مع الكفر طاعة، وهم مرجئة الأُمّة، فكيف تحكم لنا في ذلك اعتقاداً ؟
فتفكّر الحسن في ذلك وقبل أن يجيب، قال واصل بن عطاء: أنا لا أقول إنّ صاحب الكبيرة مؤمن مطلقاً ولا كافر مطلقاً، بل هو في منزلة بين المنزلتين، لا مؤمن ولا كافر، ثم قام واعتزل إلى اسطوانة المسجد يقرر ما أجاب به على جماعة من أصحاب الحسن، فقال الحسن: اعتزل عنّا واصل، فسمّي هو وأصحابه: معتزلة. ( [1])
سائر ألقاب المعتزلة:
إنّ للمعتزلة ألقاباً أُخر:
1-العدلية: لقولهم بعدل الله سبحانه وحكمته.
2-الموحّدة: لقولهم لا قديم مع الله وينفون قدم القرآن.
3-أهل الحق: لأنّهم يعتبرون أنفسهم أهل الحق .
4-القدرية: يعبر عن المعتزلة في الكتب الكلامية بالقدرية والمعتزلة يطلقونها على خصومهم، وذلك لما روي عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) : «أنّ القدرية مجوس هذه الأُمّة». فلو قلنا بأنّ القدرية منسوبة إلى القدر عدل القضاء، فتنطبق على خصماء المعتزلة القائلين بالقدر السالب للاختيار. ولو قلنا بأنّها منسوبة إلى القدرة، أي القائلين بتأثير قدرة الإنسان في فعله واختياره وتمكّنه في إيجاده، فتنطبق ـ على زعم الخصماء ـ على المعتزلة لقولهم بتأثير قدرة الإنسان في فعله. وقد طال الكلام بين المتكلّمين في تفسير الحديث وذكر كلّ طائفة وجهاً لانطباقه على خصمها. ( [2])
5-الثنوية: ولعلّ وجه ما يتراءى من بعضهم من نسبة الخير إلى الله والشر إلى العبد .
6-الوعيدية: لقولهم إنّ الله صادق في وعده كما هو صادق في وعيده، وانّه لا يغفر الذنوب إلاّ بعد التوبة، فلو مات بدونها يكون معذّباً قطعاً ويخلد في النار.
7-المعطّلة: لتعطيل ذاته سبحانه عن الصفات الذاتية، ولكن هذا اللقب أُلصق بالجهمية، وأمّا المعتزلة فلهم في الصفات مذهبان:
أ ـ القول بالنيابة، أي خلو الذات عن الصفات ولكن تنوب الذات مكان الصفات في الآثار المطلوبة منها، وقد اشتهر قولهم: «خذ الغايات واترك المبادئ» وهذا مخالف لكتاب الله والسنّة والعقل. فانّ النقل يدلّ بوضوح على اتّصافه سبحانه بالصفات الكمالية، وأمّا العقل، فحدث عنه ولا حرج، لأنّ الكمال يساوق الوجود، وكلّما كان الوجود أعلى وأشرف تكون الكمالات فيه آكد. ب ـ عينية الصفات مع الذات واشتمالها على حقائقها، من دون أن يكون ذات وصفة، بل الذات بلغت في الكمال إلى درجة صار نفس العلم قدرة .
8-الجهمية وهذا اللقب منحه أحمد بن حنبل لهم، فكل ما يقول: قالت الجهمية أو يصف القائل بأنّه جهميّ يريد به المعتزلة، لما وجد من موافقتهم الجهمية في بعض المسائل .
9-المفنية.
10-اللفظية .
وهذان اللقبان ذكرهما المقريزي وقال: إنّهم يوصفون بالمفنية، لما نسب إلى أبي الهذيل من فناء حركات أهل الجنة والنار; واللفظية لقولهم: ألفاظ القرآن مخلوقة. ( [3])
الأُصول الخمسة عند المعتزلة :
اشتهرت المعتزلة بأُصول خمسة، فمن دان بها فهو معتزلي، ومن نقص منها أو زاد عليها فليس منهم، وتلك الأُصول المرتبة حسب أهميتها عبارة عن: التوحيد، العدل، الوعد والوعيد، المنزلة بين المنزلتين، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
فمن دان بها ثم خالف بقية المعتزلة في تفاصيلها لم يخرج بذلك عنهم، وإليـك تفصيـل هذه الأُصول بنحو موجز:
إيعاز إلى الأُصول الخمسة
وقبل كلّ شيء نطرح هذه الأُصول على وجه الإجمال حتّى يعلم ماذا يريد منها المعتزلة، ثمّ نأخذ بشرحها واحداً بعد واحد فنقول:
1- التوحيد: ويراد منه العلم بأنّ الله واحد لا يشاركه غيره فيما يستحقُّ من الصفات نفياً و إثباتاً على الحدّ الّذي يستحقّه. والتوحيد عندهم رمز لتنزيهه سبحانه عن شوائب الإمكان ووهم المثليّة وغيرهما ممّا يجب تنزيه ساحته عنه كالتجسيم والتشبيه و إمكان الرؤية و طروء الحوادث عليه، غير أنّ المهمّ في هذا الأصل هو الوقوف على كيفيّة جريان صفاته عليه سبحانه ونفي الرؤية، وغيرهما يقع في الدّرجة الثانية من الأهمية في هذا الأصل، لأنّ كثيراً منها لم يختلف المسلمون فيه إلاّ القليل منهم.
2- العدل: إذا قيل إنّه تعالى عادل، فالمراد أنّ أفعاله كلّها حسنة، وأنّه لا يفعل القبيح، وأنّه لا يخلّ بما هو واجب عليه. وعلى ضوء هذا لا يكذب في خبره، ولا يجور في حكمه، ولا يعذِّب أطفال المشركين بذنوب آبائهم، ولا يُظهر المعجزة على أيدي الكذّابين، ولا يكلِّف العباد ما لا يطيقون، وما لا يعلمون، بل يقدرهم على ما كلّفهم، ويعلِّمهم صفة ما كلّفهم، ويدلّهم على ذلك ويبيّن لهم ( لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَة وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَة )   ( [4])، وأنّه إذا كلّف المكلّف وأتى بما كلّف على الوجه الّذي كلف فإنّه يثيبه لا محالة، وأنّه سبحانه إذا آلم و أسقم فإنّما فعله لصلاحه و منافعه و إلاّ كان مخلاًّ بواجب...
3- الوعد و الوعيد: والمراد منه أنّ الله وعد المطيعين بالثواب، وتوعّد العصاة بالعقاب، وأنّه يفعل ما وعد به وتوعّد عليه لا محالة. ولا يجوز الخلف لأنّه يستلزم الكذب. فإذا أخبر عن الفعل ثمّ تركه يكون كذباً، ولو أخبر عن العزم، فبما أنّه محال عليه كان معناه الإخبار عن نفس الفعل، فيكون الخلف كذباً، وعلى ضوء هذا الأصل حكموا بتخليد مرتكب الكبائر في النار إذا مات بلا توبة.
4- المنزلة بين المنزلتين: وتلقّب بمسألة الأسماء و الأحكام، وهي أنّ صاحب الكبيرة ليس بكافر كما عليه الخوارج، ولا منافق كما عليه الحسن البصري، ولا مؤمن كما عليه بعضهم، بل فاسق لا يحكم عليه بالكفر ولا بالإيمان.
5- الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر: والمعروف كلّ فعل عرف فاعله حسنه أو دلّ عليه، والمنكر كلّ فعل عرف فاعله قبحه أو دلّ عليه، ولا خلاف بين المسلمين في وجوبهما، إنّما الخلاف في أنّه هل يعلم عقلاً أو لا يعلم إلاّ سمعاً؟ ذهب أبو عليّ (المتوفّى 303 هـ) إلى أنّه يعلم عقلاً وسمعاً، وأبو هاشم (المتوفّى 321 هـ) إلى أنّه يعلم سمعاً، ولوجوبه شروط تذكر في محلّها، ومنها أن لا يؤدّي إلى مضرّة في ماله أو نفسه إلاّ أن يكون في تحمّله لتلك المذلّة إعزاز للدّين.
قال القاضي: وعلى هذا يحمل ما كان من الحسين بن عليّ (عليهما السلام) لما كان في صبره على ما صبر إعزاز لدين الله عزّوجلّ، ولهذا نباهي به سائر الأُمم فنقول: لم يبق من ولد الرّسول صلَّى الله عليه و آله و سلَّم إلاّ سبط واحد، فلم يترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حتّى قتل دون ذلك. ( [5])
سبب الاقتصار على هذه الأُصول الخمسة:
هناك سؤال يطرح نفسه وهو انّه لماذا اقتصروا على هذه الأُصول مع أنّ أمر النبوة والمعاد أولى بأن يعد من الأُصول؟ وقد ذكروا في وجه ذلك أُموراً لا يعتمد عليها، والحق أن يقال: انّ الأُصول الخمسة الّتي يتبنّاها المعتزلة مؤلّفة من أُمور تعدُّ من أُصول الدين كالتوحيد والعدل على وجه، ومن أُصول كلامية انتجوها من البحث والنقاش وأقحموها في الأُصول لغاية ردِّ الفرق المخالفة الّتي لا توافقهم في هذه المسائل الكلامية.
وعند ذلك يستنتج القارئ ان ما اتّخذته المعتزلة من الأُصول، وجعلته في صدر آرائها ليست إلاّ آراء كلامية لهذه الفرقة، تظاهروا بها للردّ على المجبّرة والمشبّهة والمرجئة والإمامية وغيرهم من الفرق على نحو لولا تلكم الفرق لما سمعت من هذه الأُصول ذكراً.
أئمة المعتزلة:
المراد بأئمتهم مشايخهم الكبار الذين نضج المذهب بأفكارهم وآرائهم ووصل إلى القمة في الكمال.
نعم في مقابل أئمة المذهب أعلامهم الذين كان لهم دور في تبيين هذا المنهج من دون أن يتركوا أثراً يستحق الذكر في الأُصول الخمسة، وها نحن نذكر من الطائفيتن نماذج :
1.واصل بن عطاء (80 ـ 131 هـ) :
أبو حذيفة واصل بن عطاء مؤسّس الاعتزال، المعروف بالغزّال، يقول ابن خلّكان: كان واصل أحد الأعاجيب، وذلك أنّه كان الثغ، قبيح اللثغة في الرّاء، فكان يخلّص كلامه من الرّاء ولا يُفطن لذلك، لاقتداره على الكلام وسهولة الفاظه، ففي ذلك يقول أبو الطروق يمدحه بإطالة الخطب واجتنابه الراء على كثرة تردّدها في الكلام حتّى كأنّها ليست فيه .
عليم بإبدال الحروف وقامع *** لكلّ خطيب يغلب الحقّ باطله
وقال الآخر:
ويجعل البرّ قمحاً في تصرّفه *** وخالف الرّاء حتّى احتال للشعر
ولم يطق مطراً والقول يعجله *** فعاذ بالغيث اشفاقاً من المطر
من آرائه ومصنّفاته:
إنّ واصل هو أوّل من أظهر المنزلة بين المنزلتين، لأنّ الناس كانوا في أسماء أهل الكبائر من أهل الصلاة على أقوال: كانت الخوارج تسمّيهم بالكفر والشرك، والمرجئة تسمّيهم بالإيمان، وكان الحسن وأصحابه يسمّونهم بالنفاق.
مؤلّفاته:
ذكر ابن النديم في «الفهرست» وتبعه ابن خلّكان أنّ لواصل التصانيف التالية: 1-كتاب أصناف المرجئة.
2-كتاب التوبة.
3-كتاب المنزلة بين المنزلتين.
4-كتاب خطبه الّتي أخرج منها الراء.
5-كتاب معاني القرآن.
6-كتاب الخطب في التوحيد والعدل .
ومن المحتمل انّه قام بجمع خطب الإمام علي (عليه السلام) في التوحيد والعدل فأفرده تأليفاً.
7-كتاب ما جرى بينه وبين عمرو بن عبيد .
8-كتاب السبيل إلى معرفة الحق .
9-كتاب في الدعوة.
10-كتاب طبقات أهل العلم والجهل. ( [6])
2.عمرو بن عبيد (80 ـ 143 هـ):
وهو الإمام الثاني للمعتزلة بعد واصل بن عطاء وكان من أعضاء حلقة الحسن البصري مثل واصل لكن التحق به بعد مناظرة جرت بينهما في مرتكب الكبيرة.
روى ابن المرتضى عن الجاحظ أنّه قال: صلى عمرو أربعين عاماً صلاة الفجر بوضوء المغرب. وحجّ أربعين حجة ماشياً، وبعيره موقوف على من أحصر، وكان يحيي الليل بركعة واحدة، ويرجّع آية واحدة .
وقد روى نظيره في حق الشيخ أبي الحسن الأشعري، وقد قلنا: إنّه من المغالاة في الفضائل، إذ قلّما يتّفق لإنسان ألاّ يكون مريضاً ولا مسافراً ولا معذوراً طيلة أربعين سنة، حتّى يصلّي فيها صلاة الصبح بوضوء العتمة.
مناظرة هشام مع عمرو بن عبيد :
روى السيد المرتضى في أماليه وقال: إنّ هشام بن الحكم قدم البصرة فأتى حلقة عمرو بن عبيد فجلس فيها وعمرو لا يعرفه، فقال لعمرو: أليس قد جعل الله لك عينين؟ قال: بلى، قال: ولِمَ؟ قال: لأنظر بهما في ملكوت السماوات والأرض فأعتبر، قال: وجعل لك فماً؟ قال: نعم، قال: ولِمَ؟ قال: لأذوق الطعوم وأُجيب الداعي، ثم عدّد عليه الحواس كلّها.
ثم قال: وجعل لك قلباً؟ قال: نعم، قال: ولِمَ؟
قال: لتؤدّي إليه الحواس ما أدركته فيميّز بينها.
قال: فأنت لم يرض لك ربك تعالى إذ خلق لك خمس حواس حتّى جعل لها إماماً ترجع إليه، أترضى لهذا الخلق الذين جشأ بهم العالم ألاّ يجعل لهم إماماً يرجعون إليه؟ فقال له عمرو: ارتفع حتّى ننظر في مسألتك وعرفه. ثم دار هشام في حلق البصرة فما أمسى حتّى اختلفوا. ( [7]) أقول: ما أجاب به عمرو بن عبيد هشام بن الحكم، يدلّ على دماثة في الخلق وسماحة في المناظرة مع أنّه طعن في السنّ، وهشام بن الحكم كان يعدّ في ذلك اليوم من الأحداث، وقد استمهل حتّى يتأمّل في مسألته ولم يرفع عليه صوته وعقيرته بالشتم والسب، كما هو عادة أكثر المتعصبين، ولم يرمه بالخروج عن المذهب.
وأخيراً روى السيد المرتضى أنّ أبا جعفر المنصور مر على قبر عمرو بن عبيد بمرّان ـ وهو موضع على ليال من مكة على طريق البصرة ـ فأنشأ يقول:
صلى الإله عليك من متوسّد *** قبراً مررت به على مرّان
قبراً تضمن مؤمناً متخشعاً *** عبد الإله ودان بالفرقان
وإذا الرجال تنازعوا في شبهة *** فصل الخطاب بحكمة وبيان
فلو انّ هذا الدهر ابقى صالحاً *** أبقى لنا عمراً أبا عثمان( [8])
وفود عمرو على الإمام الباقر (عليه السلام)
روي أنّ عمرو بن عبيد وفد على محمد بن علي الباقر (عليه السلام) لامتحانه بالسؤال عن بعض الآيات، فقال له: جعلت فداك ما معنى قوله تعالى ( أَوَ لَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَوَاتِ وَ الأَرْضَ كَانَتَا رَتْقاً فَفَتَقْنَاهُمَا ) ( [9]) ما هذا الرتق والفتق ؟
فقال أبو جعفر (عليه السلام) : «كانت السماء رتقاً لا ينزل القطر وكانت الأرض رتقاً لا تخرج النبات، ففتق الله السماء بالقطر، وفتق الأرض بالنبات».
فانطلق عمرو ولم يجد اعتراضاً ومضى .
3.أبو الهذيل العلاّف (135-235 هـ):
إنّ أبا الهذيل محمد بن الهذيل العبدي المنسوب إلى عبد القيس الملقب بالعلاّف لنزوله العلاّفين في البصرة، أحد أئمة المعتزلة، وقد وصفه ابن النديم وقال: كان شيخ البصريين في الاعتزال ومن أكبر علمائهم، وهو صاحب المقالات في مذهبهم، وصاحب مجالس ومناظرات.
نقل ابن المرتضى عن صاحب المصابيح أنّه كان نسيج وحده وعالم دهره ولم يتقدّمه أحد من الموافقين ولا من المخالفين. كان إبراهيم النظّام من أصحابه ثم انقطع عنه مدة ونظر في شيء من كتب الفلاسفة، فلمّا ورد البصرة كان يرى أنّه قد أورد من لطيف الكلام مالم يسبق إلى أبي الهذيل. قال إبراهيم: فناظرت أبا الهذيل في ذلك فخيّل إليَّ أنّه لم يكن متشاغلاً إلاّ به لتصرّفه فيه وحذقه في المناظرة فيه. ( [10])
قال القاضي: ومناظراته مع المجوس والثنوية وغيرهم طويلة ممدودة، وكان يقطع الخصم بأقلّ كلام، يقال أنّه أسلم على يده زيادة على 3000 رجل.
قال المبرّد: ما رأيت أفصح من أبي الهذيل والجاحظ، وكان أبو الهذيل أحسن مناظرة. شهدته في مجلس وقد استشهد في جملة كلامه بثلاثمائة بيت... وفي مجلس المأمون استشهد في عرض كلامه بسبعمائة بيت.( [11])
تآليفه:
حكى ابن المرتضى عن يحيى بن بشر أنّ لأبي الهذيل ستين كتاباً في الرد على المخالفين في دقيق الكلام. ( [12])
وذكر ابن النديم في باب الكتب المؤلّفة في متشابه القرآن أنّ لأبي الهذيل العلاّف كتاباً في ذلك الفن. ( [13])
وقال ابن خلّكان: ولأبي الهذيل كتاب يعرف بالميلاس، وكان ميلاس رجلاً مجوسياً وأسلم، وكان سبب إسلامه انّه جمع بين أبي الهذيل وبين جماعة من الثنوية، فقطعهم أبو الهذيل فأسلم ميلاس عند ذلك.( [14])
وذكر البغدادي كتابين لأبي الهذيل هما: «الحجج» و «القوالب» والثاني رد على الدهرية. ( [15])
4.النظّام (160-231 هـ):
إبراهيم بن سيّار بن هانئ النظّام، هو الشخصية الثالثة للمعتزلة ومن متخرجي مدرسة البصرة للاعتزال.
قال الشريف المرتضى: كان مقدّماً في علم الكلام، حسن الخاطر، شديد التدقيق والغوص على المعاني، وإنّما أدّاه إلى المذاهب الباطلة الّتي تفرد بها واستشنعت منه، تدقيقه وتغلغله، وقيل: إنّه مولى الزياديين من ولد العبيد، وانّ الرّق جرى على أحد آبائه. ( [16])
وذكره القاضي عبد الجبار في طبقات المعتزلة وقال: إنّه من أصحاب أبي الهذيل وخالفه في أشياء. ( [17])
روي أنّه كان لا يكتب ولا يقرأ، وقد حفظ القرآن والتوراة والإنجيل والزبور وتفسيرها مع كثرة حفظه الأشعار والأخبار واختلاف الناس في الفتيا.( [18])
وقال الجاحظ: الأوائل يقولون: في كل ألف سنة رجل لا نظير له، فإن كان ذلك صحيحاً فهو أبو إسحاق النظّام. ( [19])
وقد تعرض لهجوم الأشاعرة وردود بعض المعتزلة ممّا يعرب عن شذوذ في منهجه وانحراف في فكره.
النظّام ومذهب الصرفة في إعجاز القرآن:
من الآراء الباطلة الّتي نسبت إلى النظّام، هو حصر إعجاز القرآن في الإخبار عن المغيّبات، وأمّا التأليف والنظم فقد كان يجوّز أن يقدر عليه العباد لولا انّ الله منعهم بمنع. وقد نقل عنه البغدادي في «الفرق» بقوله: إنّه أنكر إعجاز القرآن في نظمه. ( [20]) وقال الشهرستاني: قوله في إعجاز القرآن إنّه من حيث الإخبار عن الأُمور الماضية والآتية ومن جهة صرف الدواعي عن المعارضة، ومنع العرب عن الاهتمام به جبراً وتعجيزاً، حتّى لو خلاّهم لكانوا قادرين على أن يأتوا بسورة من مثله بلاغة وفصاحة ونظماً. ( [21])
أقول: لا شك انّ مذهب الصرفة في إعجاز القرآن مذهب مردود بنص القرآن وإجماع الأُمّة، لأنّ مذهب الصرف يرجع إلى أنّ القرآن لم يبلغ في مجال الفصاحة والبلاغة حدّ الإعجاز، حتّى لا يتمكّن الإنسان العادي من مباراته ومقابلته، بل هو في هذه الجهة لا يختلف عن كلام الفصحاء والبلغاء، ولكنّه سبحانه يحول بينهم وبين الإتيان بمثله، إمّا بصرف دواعيهم عن المعارضة، أو بسلب قدرتهم عند المقابلة .
ومن المعلوم أنّ تفسير اعجاز القرآن بمثل هذا باطل للغاية، لأنّ القرآن عند المسلمين معجز لكونه خارقاً للعادة، لما فيه من ضروب الإعجاز في الجوانب الأربعة:
1-الفصاحة القصوى .
2-البلاغة العليا.
3-النظم المهذب .
4-الاسلوب البديع.
فقد تجاوز عن حدّ الكلام البشري ووصل إلى حدّ لا تكفي في الإتيان بمثله القدرة البشرية.
مؤلّفاته:
مع أنّه كثر اللغط حول آراء النظّام، إلاّ أنّ طبيعة الحال تقتضي انّ يكون له تصانيف عديدة، غير أنّه لم يصل من أسماء مؤلّفاته إلاّ نزراً يسيراً :
1-التوحيد .
2-العالم ( [22]).
3-الجزء ( [23]).
4-كتاب الرد على الثنوية.( [24])
5.أبو علي الجبائي (235-303 هـ):
إنّ أبا علي محمد بن عبد الوهاب الجبّائي أحد أئمة المعتزلة في عصره، وهو من بلدة جبّاء بلد أو كورة من خوزستان، يعرّفه ابن النديم في فهرسته يقول: وهو من معتزلة البصرة، ذلّل الكلام وسهّله ويسّر ما صعب منه، وإليه انتهت رئاسة البصريّين لا يدافع في ذلك، وأخذ عن أبي يعقوب الشّحّام، ورد البصرة وتكلم مع من بها من المتكلّمين، وصار إلى بغداد فحضر مجلس أبي... الضرير، وتكلم فتبين فضله وعلمه وعاد إلى العسكر .( [25])
وقال ابن خلّكان: إنّه أحد أئمة المعتزلة، كان إماماً في علم الكلام، وأخذ هذا العلم عن أبي يوسف يعقوب بن عبد الله الشحّام البصري رئيس المعتزلة بالبصرة في عصره. له في مذهب الاعتزال مقالات مشهورة، وعنه أخذ الشيخ أبو الحسن الأشعري علم الكلام وله معه مناظرة روتها العلماء.
تأليفاته:
يظهر ممّا نقله ابن المرتضى انّه غزير الإنتاج. قال: قال أبو الحسين: وكان أصحابنا يقولون: إنّهم حرروا ما أملاه أبو عليّ فوجدوه مائة ألف وخمسين ألف ورقة، قال: وما رأيته ينظر في كتاب إلاّ يوماً نظر في زيج الخوارزمي، ورأيته يوماً أخذ بيده جزءاً من الجامع الكبير لمحمد بن الحسن وكان يقول: إنّ الكلام أسهل شيئاً لأنّ العقل يدلّ عليه. ( [26])
لمحة من أحواله:
روى ابن المرتضى وقال: قال أبو الحسن: وكان من أحسن الناس وجهاً وتواضعاً ـ إلى أن قال  : ـ وكان إذا روى عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه قال لعلي والحسن والحسين وفاطمة: «أنا حرب لمن حاربكم وسلم لمن سالمكم» يقول: العجب من هؤلاء النوابت( [27])، يروون هذا الحديث ثم يقولون بمعاوية.( [28])
وروى عن علي (عليه السلام) أنّ رجلين أتياه فقالا: ائذن لنا أن نصير إلى معاوية فنستحلّه من دماء من قتلنا من أصحابه، فقال علي (عليه السلام) : «أما إنّ الله قد أحبط عملكما بندمكما على ما فعلتما».( [29])
قال أبو الحسن: والرافضة لجهلهم بأبي علي ومذهبه يرمونه بالنصب، وكيف وقد نقض كتاب عبّاد في تفضيل أبي بكر ولم ينقض كتاب الاسكافي المسمّى «المعيار والموازنة» في تفضيل علي على أبي بكر. ( [30])
6.أبو هاشم الجبّائي (277-321 هـ):
عبد السلام بن محمد بن عبد الوهاب بن أبي علي الجبّائي، قال الخطيب: شيخ المعتزلة ومصنّف الكتب على مذاهبهم. سكن بغداد إلى حين وفاته.( [31])
وقال ابن خلّكان: المتكلّم المشهور، العالم بن العالم، كان هو وأبوه من كبار المعتزلة ولهما مقالات على مذهب الاعتزال، وكتب الكلام مشحونة بمذاهبهما واعتقادهما، وكان له ولد يسمّى أبا عليّ وكان عاميّاً لا يعرف شيئاً. فدخل يوماً على الصاحب بن عبّاد فظنّه عالماً فأكرمه ورفع مرتبته. ثم سأله عن مسألة، فقال: لا أعرف نصف العلم، فقال له الصاحب: صدقت يا ولدي، إلاّ انّ آباك تقدّم بالنصف الآخر. ( [32])
وقال القاضي نقلاً عن أبي الحسن بن فرزويه أنه بلغ من العلم مالم يبلغه رؤساء علم الكلام. وذكر أنه كان من حرصه يسأله أبا عليّ (والده) حتّى يتأذى منه، فسمعت أبا عليّ في بعض الأوقات يسير معه لحاجة وهو يقول لا تؤذنا ويزيد فوق هذا الكلام. ( [33])
كان أبو هاشم أحسن الناس أخلاقاً وأطلقهم وجهاً، واستنكر بعض الناس خلافه مع أبيه في المسائل الكلامية، وليس خلاف التابع للمتبوع في دقيق الفروع بمستنكر، فقد خالف أصحاب أبي حنيفة إيّاه، وقال أبو الحسن بن فرزويه في ذلك شعراً، وهو قوله :
يقولون بين أبي هاشم *** وبين أبيه خلاف كبير
فقلت وهل ذاك من ضائر *** وهل كان ذلك مما يضير
فخلّوا عن الشيخ لا تعرضوا *** لبحر تضايق عنه البحور
فانّ أبا هاشم تلوه *** إلى حيث دار أبوه يدور
ولكن جرى في لطيف كلام *** كلام خفي وعلم غزير
فايّاك ايّاك من مظلم *** ولا تعد عن واضح مستنير( [34])
تأليفاته:
ذكر ابن النديم فهرس كتب أبي هاشم وقال: وله من الكتب :
1-الجامع الكبير 2-كتاب الأبواب الكبير 3 ـ كتاب الأبواب الصغير 4-الجامع الصغير 5-كتاب الإنسان 6-كتاب العوض 7-كتاب المسائل العسكريات 8 ـ النقض على ارسطو طاليس في الكون والفساد 9-كتاب الطبايع والنقض على القائلين بها 10-كتاب الاجتهاد. ( [35])
انتشار مذهبه:
يظهر من الخطيب البغدادي انّ مذهبه كان منتشراً في أوائل القرن الخامس في بغداد، وقد سمّى أتباعه بالبهشمية، وقال: هؤلاء أتباع أبي هاشم الجبائي، وأكثر معتزلة عصرنا على مذهبه لدعوة ابن عباد وزير آل بويه إليه. ( [36])
7.قاضي القضاة عبد الجبار (324-415 هـ) :
هو عبد الجبار بن أحمد بن عبد الجبار الهمداني الاسدآبادي، الملقّب بقاضي القضاة، ولا يطلق هذا اللقب على غيره .
قال الخطيب: كان ينتحل مذهب الشافعي في الفروع ومذاهب المعتزلة في الأُصول، وله في ذلك مصنّفات، وولي قضاء القضاة بالري، وورد بغداد حاجّاً وحدّث بها. ( [37])
مشايخه:
قرأ على أبي إسحاق ابن عياش أوّلاً ثم على الشيخ أبي عبد الله البصري وكلاهما من الطبقة العاشرة من طبقات المعتزلة، وقد أطراه كلّ من ترجم له . وفي مقدّمة كتاب «فضل الاعتزال وطبقات المعتزلة» ترجمة وافية له، ومن أشهر تآليفه كتاب «المغني» الّذي يقع في عشرين جزءاً ممّا أملاه على تلاميذه، ولمّا فرغ من كتاب «المغني» بعث به إلى الصاحب بن عباد، فقرره الصاحب بما هو مذكور في كتاب شرح العيون للحاكم الجشمي. ( [38])
قال الحاكم: إنّ له أربعمائة ألف ورقة ممّا صنّف في كلّ فن، وكان موفقاً في التصنيف والتدريس، وكتبه تتنوّع أنواعاً، فله كتب في الكلام لم يسبق إلى تصنيف مثلها في ذلك الباب، ثم سرد أسماء كتبه البالغة إلى 43 أشهرها «المغني» كما سبق و «الأُصول الخمسة»، والأخير أحسن ما أُلف في عقائد المعتزلة.
وأمّا المطبوع من كتبه وراء «المغني» ووراء «الأُصول الخمسة» كتابه «تنزيه القرآن عن المطاعن» فقد أجاب فيه عن كثير من الأسئلة الّتي تدور حول الآيات.
وكتابه الآخر «متشابه القرآن» وقد طبع في القاهرة في جزءين.
وكتاب «المحيط في التكليف» حقّقه السيد عزمي، وطبع بمصر.
إلى هنا تم ما نريد من ذكر أئمة المعتزلة، وهناك من يعدّ من أعلامهم، وهم شاركوا الأئمة في نضج المذهب ونشره ولكنّهم دونهم في العلم والمنزلة، منهم :
1-أبو سهل بشر بن المعتمر (المتوفّى عام 210 هـ) مؤسّس مدرسة اعتزال بغداد، وذكره الشريف المرتضى في أماليه. ( [39]) 2-معمّر بن عبّاد السلمي (المتوفّى عام 215 هـ) خرّيج مدرسة اعتزال البصرة.
3-شمامة بن الأشرس النميري (المتوفّى عام 213 هـ) خرّيج مدرسة اعتزال بغداد.
وصفه ابن النديم بقوله: نبيه، من جلّة المتكلّمين المعتزلة. ( [40])
4-أبو بكر بن عبد الرحمن بن كيسان الأصم (المتوفّى 225 هـ) خرّيج مدرسة اعتزال البصرة .
5-أبو موسى عيسى بن صبيح المزدار (المتوفّى 226 هـ).
6-أبو جعفر محمد بن عبد الله الاسكافي (المتوفّى 240 هـ) .
يعرفه الخطيب بقوله محمد بن عبد الله، أبو جعفر المعروف بالاسكافي، أحد المتكلّمين من معتزلة بغداد، له تصانيف معروفة. ( [41])
وقد أكثر ابن أبي الحديد النقل عنه في شرح النهج، قال: كان شيخنا أبو جعفر الاسكافي (رضي الله عنه) من المتحقّقين بموالاة علي (عليه السلام) والمبالغين في تفضيله وإن كان القول بالتفضيل عاماً شائعاً في البغداديّين من أصحابنا كافة، إلاّ أنّ أبا جعفر أشدّهم في ذلك قولاً، وأخلصهم فيه اعتقاداً. ( [42])
7-أحمد بن أبي دؤاد (المتوفّى عام 240 هـ) عرّفه ابن النديم بقوله: من أفاضل المعتزلة، وممّن جرّد في إظهار المذهب والذب عن أهله والعناية به.( [43]) ولكن الأشاعرة وأهل الحديث يبغضونه كثيراً، لأنّه هو الّذي حاكم الإمام أحمد في قوله بقدم القرآن أو كونه غير مخلوق، فأفحمه .
8-أبو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ (المتوفّى عام 255 هـ).
هو الّذي جمع إلى علم الكلام والفصاحة، العلم بالأخبار والأشعار والفقه، وله كتب أحسنها كتاب «الحيوان» في أربعة أجزاء، و «البيان والتبيين» في جزءين،  و «البخلاء»، و «مجموعة الرسائل»، وأردأ كتبه كتاب «العثمانية».
وقال المسعودي في «مروج الذهب» عند ذكر الدولة العباسية: وقد صنّف الجاحظ كتاباً استقصى فيه الحِجاج عند نفسه، وأيّده بالبراهين وعضَّده بالأدلّة فيما تصوّره من عقله وترجمه بكتاب «العثمانية» يُحلّ فيه عند نفسه فضائل علي (عليه السلام) ومناقبه، ويحتج فيه لغيره طلباً لإماتة الحق ومضادة لأهله، والله متم نوره ولو كره الكافرون.
ثم لم يرض بهذا الكتاب المترجم بكتاب «العثمانية» حتّى أعقبه بتصنيف كتاب آخر في إمامة المروانية وأقوال شيعتهم، ورأيته مترجماً بكتاب إمامة أمير المؤمنين معاوية في الانتصار له من علي بن أبي طالب (رضي الله عنه) وشيعته الرافضة، يذكر فيه رجال المروانية ويؤيد فيه إمامة بني أُميّة وغيرهم.
ثم صنّف كتاباً آخر ترجمه بكتاب «مسائل العثمانية» يذكر فيه ما فاته ذكرُه ونقضُه عند نفسه من فضائل أمير المؤمنين (عليه السلام) ومناقبه فيما ذكرنا. وقد نقَضْتُ عليه ما ذكرنا من كتبه لكتاب العثمانية وغيره. وقد نقضها جماعة من متكلّمي الشيعة، كأبي عيسى الورّاق والحسن بن موسى النخعي وغيرهما من الشيعة ممّن ذكر ذلك في كتبه في الإمامة مجتمعة ومتفرقة. ( [44])
9-أبو الحسين عبد الرحيم بن محمد المعروف بالخياط (المتوفّى 311 هـ) خرّيج مدرسة بغداد.
ترجمه القاضي في فضل الاعتزال وقال: كان عالماً فاضلاً من أصحاب جعفر وله كتب كثيرة في النقوض على ابن الراوندي وغيره، وهو أُستاذ أبي القاسم البلخي، ومن أشهر كتبه «الانتصار» فيه رد على كتاب «فضيحة المعتزلة» لابن الراوندي، وطبع بالقاهرة.
10-أبو القاسم البلخي الكعبي (المتوفّى 317 هـ) خرّيج مدرسة بغداد.
عبد الله بن أحمد بن محمود أبي القاسم البلخي، قال الخطيب: من متكلّمي المعتزلة البغداديين، صنّف في الكلام كتباً كثيرة، وأقام ببغداد مدة طويلة وانتشرت بها كتبه، ثم عاد إلى بلخ فأقام بها إلى حين وفاته.
مؤلّفاته:
قد استقصى فؤاد السيد في مقدّمته على كتاب «ذكر المعتزلة» لأبي القاسم البلخي أسماء كتبه وأنهاها إلى 46 كتاباً .
وقد نقل النجاشي في ترجمة محمد بن عبد الرحمن بن قبة مكاتبته مع البلخي، قال: نقل شيخنا أبو عبد الله المفيد، قال: سمعت أبا الحسين السوسنجردي وكان من عيون أصحابنا وصالحيهم المتكلّمين، وله كتاب في الإمامة معروف به، وكان قد حجّ على قدميه خمسين حجة، يقول: مضيت إلى أبي القاسم البلخي إلى بلخ بعد زيارتي الرضا (عليه السلام) بطوس فسلّمت عليه وكان عارفاً، ومعي كتاب أبي جعفر بن قبة في الإمامة المعروف بالإنصاف، فوقف عليه ونقضه بـ «المسترشد في الإمامة» فعدت إلى الري، فدفعت الكتاب إلى ابن قبة فنقضه بـ «المستثبت في الإمامة»، فحملته إلى أبي القاسم فنقضه بـ «نقض المستثبت»، فعدت إلى الري فوجدت أبا جعفر قد مات.( [45])
أُفول المعتزلة:
لقد ابتسم الدهر للمعتزلة في عصر أبي جعفر المنصور (136-158 هـ) وقد كان بينه وبين عمرو بن عبيد صلة وثيقة، ولمّا هلك المنصور لم ير للمعتزلة بعد زمانه نشاط يُذكر خصوصاً في أيّام المهدي الّذي كان عدوّ المعتزلة إلى أن أخذ المأمون زمام الحكم وكان محباً للعلم والتعقّل، فنرى في عصره رجالاً من المعتزلة يتّصلون ببلاطه، وكان لهم تأثير بالغ عليه، ولمّا استفحلت دعوة المحدّثين إلى قدم القرآن، كتب المأمون (عام 218 هـ) إلى إسحاق بن إبراهيم في امتحان القضاة والمحدّثين في خلق القرآن، فأحضر إسحاق بن إبراهيم المحدّثين فأقرّوا بحدوث القرآن فخلّى سبيلهم، ثم أحضرهم مرة أُخرى وبلغ عددهم إلى 26 فسأل عن عقيدتهم في خلق القرآن، فأقر أكثرهم ـ تقية ـ بحدوث القرآن إلاّ قليلاً منهم وعلى رأسهم أحمد بن حنبل . ثم دعا المنكرين مراراً وفي كل مرة يستجيب عدد آخر ويقرّ بحدوث القرآن حتّى لم يبق منهم إلاّ أربعة اشخاص، فدعاهم إسحاق بن إبراهيم مرّة أُخرى فأقرّ اثنان منهم بحدوث القرآن وبقى شخصان ـ أعني: أحمد بن حنبل، ومحمد بن نوح ـ على قولهما، فشدّا بالحديد وبعثا إلى طرسوس وكتب معهما كتاباً، فلمّا صار إلى الرقة بلغتهم وفاة المأمون، فأمر والي الرقة بإرجاعهم إلى إسحاق بن إبراهيم، فأمرهم إسحاق بلزوم منازلهم ثم أطلق سراحهم.( [46])
ولمّا تسلم المعتصم مقاليد الحكم ضرب أحمد بن حنبل 38 سوطاً ليقول بخلق القرآن، وكان ذلك عام 219 هـ .
وهذا هو المعروف بمحنة أحمد أو محنة خلق القرآن.
قضى المعتصم نحبه وخلفه ابنه الواثق (227-232 هـ) وكان للمعتزلة في عصره شوكة، ولمّا قضى الواثق نحبه قام مقامه المتوكل فأمر الناس بترك النظر والبحث وترك ما كانوا عليه في أيام الخلفاء الثلاثة، وأمر شيخ المحدثين بالتحديث وإظهار السنّة، ومن هنا أخذ نجم المعتزلة بالأُفول وإقصائهم عن الساحة الفكرية وفسح المجال للمحدّثين، وكانوا يجلسون في المساجد ويروون الأحاديث ضد الاعتزال ويكفّرون المعتزلة. سأل أحدهم أحمد عمّن يقول إنّ القرآن مخلوق، فقال: كافر، قال: فابن دؤاد؟ قال: كافر بالله العظيم. ( [47])
ثمّ إنّ ممّا أعان على انقراضهم هو تشتّت مذاهبهم و فرقهم، فإنّ القوم تفرّقوا إلى مدرستين: مدرسة معتزلة بغداد و مدرسة معتزلة البصرة، ولم تكن حتّى في نفس كلِّ واحدة منهما وحدة في التّفكير، فصاروا فرقاً تنوف على العشرين، و عند ذلك بلغوا الى درجة من الضّعف والانحلال، وإن كان ينجم بينهم رجال مفكّرون كأبي عليّ الجبّائي (المتوفّى 303 هـ) و ولده أبي هاشم (المتوفّى 321 هـ).
وجاءت الضّربة الأخيرة من جانب أبي الحسن الأشعريّ الّذي كان ربيب أبي عليّ الجبّائي و تلميذه، ورجوعه عن الاعتزال بالتحاقه بأهل الحديث، فقد رقى في البصرة يوم الجمعة كرسيّاً و نادى بأعلى صوته: «من عرفني فقد عرفني، ومن لم يعرفني فأنا أعرّفه بنفسي أنا فلان بن فلان، كنت أقول بخلق القرآن، وأنّ الله لا تراه الأبصار، وأنّ أفعال الشّرّ أنا أفعلها، و أنا تائب مقلع، معتقد للردّ على المعتزلة، مخرج لفضائحهم ومعايبهم»( [48]).
فقد كان لرجوع من كان من أكابر تلاميذ أبي عليّ الجبّائي أثر بارز في النّفوس، وبذلك أخذ الدهر يقلب عليهم ظهر المجنّ، تقلّب لجّة البحر بالسفن المشحونة والفلك المصنوعة، بين بالغ إلى ساحل النّجاة و هالك في أمواج الدّهر.
هذا هو القادر بالله أحد خلفاء العبّاسيين قام في سنة (408هـ) بنفس العمل الّذي قامت به المعتزلة في عصر المعتصم والواثق. يقول الحافظ ابن كثير: وفي سنة (408 هـ)، استتاب القادر بالله الخليفة فقهاء المعتزلة فأظهروا الرّجوع وتبرّأوا من الاعتزال و الرفض والمقالات المخالفة للإسلام، وأخذت خطوطهم بذلك و أنّهم متى خالفوا أحلّ فيهم من النّكال والعقوبة ما يتّعظ به أمثالهم، وامتثل محمود بن سبكتكين أمر أمير المؤمنين في ذلك واستنّ بسنّته في أعماله الّتي استخلفه عليها من بلاد خراسان و غيرها في قتل المعتزلة والرافضة والإسماعيليّة والقرامطة والجهميّة والمشبّهة و صلبهم و حبسهم و نفاهم وأمر بلعنهم على المنابر وأبعد جميع طوائف أهل البدع و نفاهم عن ديارهم وصار ذلك سنّة في الإسلام. ( [49])
قال الخطيب: «وصنّف القادر بالله كتاباً في الأُصول ذكر فيه فضائل الصحابة على ترتيب مذهب أصحاب الحديث، و أورد في كتابه فضائل عمر بن عبدالعزيز و إكفار المعتزلة و القائلين بخلق القرآن، وكان الكتاب يقرأ كلّ جمعة في حلقة أصحاب الحديث بجامع المهدي و يحضر النّاس سماعه».( [50])
[1] . الملل والنحل: 1 / 62 .
[2] . كشف المراد: 195 ; شرح المقاصد للتفتازاني: 2 / 143 .
[3] . الخطط المقريزية: 4 / 169 .
[4] . الأنفال: 42.
[5] . الأُصول الخمسة : 142، نقلاً عن بحوث في الملل والنحل: 3 / 254 ـ 255 .
[6] . فهرست ابن النديم: 203، الفن الأوّل من المقالة الخامسة .
[7] . أمالي المرتضى: 1 / 176- 177 .
[8] . أمالي المرتضى: 1 / 178; وفيات الأعيان: 2 / 462 .
[9] . الأنبياء: 30 .
[10] . فهرست ابن النديم: 225- 226 .
[11] . المنية والأمل: 26- 27 .
[12] . المنية والأمل: 25 .
[13] . الفهرست لابن النديم: 39، الفن الثالث من المقالة الأُولى .
[14] . وفيات الأعيان: 4 / 266 .
[15] . الفرق بين الفرق: 124 .
[16] . أمالي المرتضى: 1 / 187 .
[17] . فضل الاعتزال وطبقات المعتزلة: 264 .
[18] . المنية والأمل: 29 .
[19] . المنية والأمل: 29 .
[20] . الفرق بين الفرق: 132 .
[21] . الملل والنحل: 1 / 56- 57 .
[22] . ذكرهما أبو الحسين الخياط في الانتصار: 14 و 172 .
[23] . مقالات الإسلاميين: 2 / 316 .
[24] . الفرق بين الفرق: 134.
[25] . فهرست ابن النديم: 217- 218 .
[26] . المنية والأمل: 47 .
[27] . النوابت تطلق على الحشوية ومن لفّ لفّهم .
[28] . المنية والأمل: 47 .
[29] . المصدر السابق: 47 .
[30] . المصدر نفسه .
[31] . تاريخ بغداد: 11 / 55 .
[32] . وفيات الأعيان: 3 / 183 .
[33] . طبقات المعتزلة للقاضي: 304 .
[34] . طبقات المعتزلة للقاضي: 305 .
[5] . فهرست ابن النديم: 222، الفن الأوّل من المقالة الخامسة .
[36] . تاريخ بغداد: 11 / 113 .
[37] . تاريخ بغداد: 11 / 113 .
[38] . لاحظ شرح العيون: 369- 371 .
[39] . أمالي المرتضى: 186- 187 .
[40] . فهرست ابن النديم: 207، الفن الأوّل من المقالة الخامسة .
[41] . تاريخ بغداد: 5 / 416 .
[42] . شرح ابن أبي الحديد: 4 / 63 .
[43] . فهرست ابن النديم: 212 .
[44] . مروج الذهب: 3 / 237- 238 .
[45] . رجال النجاشي: برقم 1023 .
[46] . تاريخ الطبري: 7 / 195- 206 بتلخيص.
[47] . تاريخ بغداد: 3 / 285 .
[48] . فهرست ابن النديم: 231 ، الفن الثالث من المقالة الخامسة ; وفيات الأعيان: 3 / 275.
[49] . البداية والنهاية: 12 / 6.
[50] . تاريخ بغداد: 4 / 37 و 38.