قائمة المواضيع :
كلام الشيخ في التبرّك بالآثار
فرّق الشيخ المفتي في رسالته بين التبرّك بما مسّ جسده (صلى الله عليه وآله وسلم) فأفتى بجوازه، وما لم يمس جسده فأفتى بأنّه بدعة لا أصل لها، فقال في (ص 40 ـ 41):
فأمّا التبرك بما مسّ جسده ـ عليه الصلاة والسلام ـ من ماء وضوء أو عرق أو شعر ونحو ذلك، فهذا أمر معروف وجائز عند الصحابة ـ رضي اللّه عنهم ـ  وأتباعهم بإحسان، لما في ذلك من الخير والبركة. وعلى هذا أقرهم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) .
فأمّا التمسّح بالأبواب والجدران والشبابيك ونحوها في المسجد الحرام أو المسجد النبوي فبدعة لا أصل لها والواجب تركها، لأنّ العبادات توقيفية لا يجوز منها إلاّ ما أقرّه الشرع لقول النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) :«من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو ردّ».( [1])
يلاحظ عليه: أوّلاً: أنّه جمع في كلامه بين أمرين، فتارة وصف التبرّك بما لم يمس بدنه(صلى الله عليه وآله وسلم) بكونه بدعة لا أصل لها، وأُخرى بكونه عبادة غير واردة في الشرع، وأنّ العبادات توقيفية، مع أنّ الجمع بينهما في هذا الموضع أمر غير صحيح، لأنّ التبرك بما مس جسده الشريف، إذا لم يكن عبادة للنبي، لا يكون التبرك بما لم يمس جسده الشريف عبادة له أيضاً، بل أقصى ما يمكن أن يقال ـ  حسب زعمه ـ أنّه بدعة.
وإذا كان التبرك بالآثار في حدّ ذاته شركاً وعبادة لصاحب الأثر فلا يخرج عن كونه شركاً وعبادة، سواء مسّ جسد النبي أو لم يمسّه، وذلك لأنّ الشرك شرك لا يتبدّل ولا يتغير عن واقعه بمجرد مسّ جسد المعصوم.
وثانياً: أنّ ظاهر كلامه: إنّ لجسده(صلى الله عليه وآله وسلم) تأثيراً في ذلك الشيء الّذي يتبرك به، مع أنّ هذا مخالف لأُصول أهل السنّة الذين يعتقدون بأنّه لا مؤثر في الكون إلاّ اللّه سبحانه، وأنّه ليس لشيء من الأشياء أيّ تأثير في شيء، ومنطقهم هو البيت التالي:
ومن يقل بالطبع أو بالعلّة  *** فذاك كفـر عنـد أهل الملّة
يقول الزبيدي:كلّ من أثبت مؤثراً غير اللّه من علّة أو طبع أو ملك أو أنس أو جنّ فقد قال بمقولة المجوس.( [2]) وثالثاً: أنّ البدعة تتقوّم بالقيود الآتية:
1. إدخال شيء في الدين عقيدة أو حكماً أو عملاً بزيادة أو نقيصة.
2. أن تكون هناك إشاعة ودعوة.
3. أن لا يكون هناك دليل في الشرع يدعم جوازها لا بالخصوص ولا بالعموم.
أمّا القيدان الأوّلان، فلا حاجة إلى البحث فيهما، إنّما الكلام في القيد الثالث، وهو أنّ مقوّم البدعة عدم وجود أصل لها في الدين، لا خصوصاً ولا عموماً.
وهذا ممّا أطبق عليه كبار أهل السنّة، قال ابن رجب: المراد بالبدعة ما أحدث ممّا لا أصل له في الشريعة يدلّ عليه، أمّا ما كان له أصل من الشرع يدلّ عليه فليس ببدعة شرعاً وإن كان  بدعة لغة.( [3])
وقال ابن حجر العسقلاني: ما أحدث وليس له أصل في الشرع يسمّى في عرف الشرع بدعة، وما كان له أصل يدلّ عليه الشرع فليس ببدعة.( [4]) وعلى ضوء ذلك إنّ التمسّح بما لم يمسّ جسده(صلى الله عليه وآله وسلم) له أصل في الدين، وأنّ المسلمين ينطلقون في جواز ذلك من مبدأين:
المبدأ الأوّل: مبدأ الحب والودّ والتعزير والتكريم، إذ لا شكّ أنّ الشرع دعا إلى حب النبي وودّه وتكريمه وتعزيره.
قال سبحانه:( قُلْ إِنْ كانَ آبَاؤكُمْ وَأَبْناؤُكُمْ وَإِخْوانُكُمْ وَأَزواجُكُمْ وعَشيرَتُكُمْ وَأَمْوالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَها وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَها أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهاد في سَبيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتّى يَأْتِيَ اللّهُ بِأَمْرِهِ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقينَ ) .( [5])
ويقول أيضاً في مدح الذين يوقّرون النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) ويحترمونه:
( فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ  وَاتَّبَعُوا النُّورَ الّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ) .( [6])
روى البخاري عن أبي هريرة، أنّ رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) قال:«فوالّذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتّى أكون أحبّ إليه من والده وولده».
وروى عن أنس قال: قال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) : «لا يؤمن أحدكم حتّى أكون أحبّ إليه من والده وولده والناس أجمعين».( [7])
وقد عقد مسلم باباً باسم: «باب وجوب محبة رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) » ونقل في ذلك أحاديث عديدة.( [8])
والروايات الحاثّة على حب النبي كثيرة، ومن أراد التفصيل فليرجع إلى جامع الأُصول.( [9])
مظاهر الحب في الحياة
إنّ للحب مظاهر متعددة في الحياة، إذ ليس الحبّ شيئاً يستقر في داخل النفس من دون أن يكون له انعكاس خارجي على أعمال الإنسان وتصرفاته، بل إنّ من خصائص الحبّ أن يظهر أثره على جسم الإنسان وملامح وجهه، وعلى قوله وفعله بصورة مشهودة وملموسة، ومن مظاهره:
1. الاتّباع
إنّ حبّ الرسول الكريم لا ينفك عن اتّباع دينه والاستنان بسنّته والإتيان بأوامره والانتهاء عن نواهيه، ولا يعقل أبداً أن يكون المرء محبّاً للرسول أشدّ الحب، ومع ذلك فهو يخالفه ويرتكب ما يبغضه ولا يرضيه.
يقول سبحانه:( وَمَنْ يَتَوَلَّ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللّهِ هُمُ الْغالِبُونَ ) .( [10])
2. حبّ ما يمتّ إليه بصلة
إنّ للحبّ مظاهر أُخرى غير الاتّباع ، في حياة المحبوب وبعد مماته، أمّا في حياته فالمحبّ يزور محبوبه ويكرمه ويعظمه ويقضي حاجته ويدفع عنه كلّ مكروه، ويهيّئ له ما يريحه.
فإذا توفّي المحبوب، حزن عليه أشدّ الحزن، وحفظ آثاره، كما أنّه يحترم أبناءه وأقرباءه ودياره ومثواه وكلّ ما يمتّ إليه بصلة.
وعلى ضوء ذلك فمن يتمسّح بالأبواب والجدران والشبابيك في حرم رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) يُعد عمله هذا من مظاهر حبه لرسول اللّه، فلمّا لم يتمكّن من أن يقبّل الرسول ويتمسّح به مباشرة اتّجه ليقبّل ويتمسّح بما يمتّ إليه بصلة، وهذا أمر رائج بين العقلاء وداخل في حبّ النبي وتكريمه.
ولذلك نرى أنّه سبحانه يأمرنا بتعظيم بيوت الأنبياء والأولياء ويقول:( فِي بُيُوت أَذِنَ اللّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصالِ ) ( [11]) .
وحينما نزلت هذه الآية على قلب سيّد المرسلين وهو(صلى الله عليه وآله وسلم) في المسجد الشريف، قام إليه رجل فقال: أيّ بيوت هذه يا رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) ؟ قال:«بيوت الأنبياء»، فقام إليه أبو بكر فقال: يا رسول اللّه: أهذا البيت منها؟ مشيراً إلى بيت علي وفاطمة(عليهما السلام) ، قال:«نعم ومن أفاضلها».( [12])
ومن الواضح أنّ تكريم هذه البيوت لا لأجل أنّ جسد النبي أو الولي مسّ جميع أجزائها من الجدران والأبواب والشبابيك وإنّما لأجل انتمائها إلى رجال جاء ذكرهم في الآية التالية بقوله تعالى:( ...يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ* رِجَالٌ لاَ تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلاَ بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتاءِ الزَّكاةِ يَخَافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالأَبْصارُ ) .( [13])
فكلّ ما يمتُّ إلى أولياء اللّه بصلة يكون دافع المسلم إلى لمسه وتقبيله هو حبّه لصاحبه ليس إلاّ، فإظهار هذا الحب المكنون في القلب ليس بدعة، لأنّ له أصلاً في القرآن.
المبدأ الثاني: انّ الصحابة كانوا يتبركون بكلّ ما يمتُّ إلى النبي بصلة وإن لم يمس جسده، ونذكر في ذلك قليلاً من كثير حتّى يعلم أنّ تفريق الشيخ بين ما مسّ جسده وما لم يمسّه ليس له أصل شرعي، بل هو اجتهاد خاطئ.
1. التبرك بقبر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عند الجدب
إليك بعض ما نقل:
1. عن أوس بن عبد اللّه قال: قحط أهل المدينة قحطاً شديداً فشكوا إلى عائشة فقالت: انظروا قبر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فاجعلوا منه كوّة إلى السماء حتّى لا يكون بينه وبين السماء سقف. قال: ففعلوا فمطرنا مطراً حتّى نبت العشب وسمنت الإبل.( [14])
وروى ابن تيمية: أنّ عائشة كشفت عن قبر النبي لينزل المطر، فإنّه رحمة تنزل على قبره.( [15])
ومن المعلوم أنّ التراب الّذي وارى قبره الشريف لم يمسّ جسد النبي الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) ولم يظهر سوى ظاهر قبره للسماء، فالتفصيل بين ما مس جسده، وما لم يمسه يضادّ هذا الأثر الذي روي بإسناد صحيح.
2. التبرك بالمواضع الّتي صلّى فيها النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)
عقد البخاري باباً باسم «باب المساجد الّتي على طرق المدينة والمواضع الّتي صلى فيها النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) » ونقل فيه عن موسى بن عقبة، قال: رأيت سالم بن عبداللّه ـ ابن عمر ـ يتحرى أماكن من الطريق فيصلّي فيها، ويحدّث أنّ أباه كان يصلّي فيها، وأنّه رأى النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) يصلّي  في تلك الأمكنة. ثم ذكر أسماء المساجد الّتي كان يصلّي فيها ابن عمر، ثم ابنه سالم.( [16])
وعندئذ نسأل الشيخ: فما هو الوجه في المواظبة على الصلاة في مساجد صلّى فيها النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ؟ولماذا كان ابن عمر يداوم على الصلاة فيها؟ فهل كان جسد النبي مسّ عامّة أجزاء تلك المساجد؟! وهل بقي الرمل والتراب على حاله بعد مضي سنين طويلة من رحيله(صلى الله عليه وآله وسلم) ؟!
كلّ ذلك يدلّ على أنّ التبرك بآثار الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) ، سواء مسّت جسده أو لا، أمر مشروع بين الصحابة والتابعين.
3. تبرك الصحابي بقبر الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) عند الزيارة
أخرج الحاكم عن داود بن أبي صالح قال: أقبل مروان يوماً فوجد رجلاً واضعاً وجهه على القبر، فأخذ برقبته فقال: أتدري ما تصنع؟ قال: نعم.
فأقبل عليه فإذا هو أبو أيوب الأنصاري فقال: جئت رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) ولم آت الحجر، سمعت رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) يقول:«لا تبكوا على الدين إذا وليه أهله، ولكن أبكوا عليه إذا وليه غير أهله».( [17])
قال الحاكم: هذا حديث صحيح الاسناد ولم يخرّجاه.
وقد أقرّه الذهبي في تلخيص المستدرك(المطبوع مع المستدرك)، فقال: صحيح.
هذا عمل الصحابي العظيم أبي أيوب الأنصاري، فقد تبرّك بوضع وجهه على القبر اتّباعاً لسنّة الرسول الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) وصحبه في التبرّك كما تقدّم.
وهذه فتوى الأموي طريد رسول اللّه، وابن طريده المشهور ببغض البيت الهاشمي الرفيع، والحاقد المنافق المتهاون بشأن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يعترض على أبي أيوب على عمله المشروع وهو يجابهه بقوله: نعم جئت رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) الحيّ المرزوق عند ربّه بصريح القرآن، ثم يعقبه بما يسؤوه من قوله: سمعت رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) ... ،تعريضاً بما فيه من عدم الأهلية والصلاحية.
4. التبرّك بمنبر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)
التبرّّك بمنبر النبي كان أمراً رائجاً بين أصحاب النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) ، وقد أقرّه أحمد بن حنبل، ففي كتاب «العلل»: سأل عبد اللّه أباه (أحمد بن حنبل) قال: سألته عن الرجل يمسّ منبر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ويتبرّك بمسه ويقبّله، ويفعل بالقبر مثل ذلك أو نحو هذا يريد بذلك التقرّب إلى اللّه جلّ وعز؟ فقال: لا بأس بذلك.( [18])
وجاء في عمدة القاري: قال شيخنا زين الدين: أخبرني الحافظ أبـو سعيـد بـن العلائي قـال: رأيـت في كلام أحمد بن حنبل في جزء قديم عليه خطّ ابن ناصر وغيره من الحفاظ: إنّ الإمام أحمد سُئل عن تقبيل قبر النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) وتقبيل منبره فقال: لا بأس بذلك.( [19])
قال: فأريناه للشيخ تقي الدين ابن تيمية فصار يتعجّب من ذلك ويقول: عجبت، أحمد عندي جليل يقوله ] كذا [ هذا كلامه أو معنى كلامه، وقال: وأي عجب في ذلك وقد روينا عن الإمام أحمد أنّه غسل قميصاً للشافعي وشرب الماء الذي غسله به، وإذا كان هذا تعظيمه لأهل العلم فكيف بمقادير الصحابة وكيف بآثار الأنبياء عليهم الصلاة والسلام.( [20])
والعجب أنّ ابن تيمية أثبت ذلك في «الجواب الباهر».( [21])
ومن المعلوم أنّ فتوى الإمام أحمد بجواز التبرّك بمنبر النبي بالمس لم تكن إلاّ على السيرة السائدة بين المسلمين حيث كانوا يتبركون بمنبر الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) . ويدلّ على ذلك ما رواه أبو بكر بن أبي شيبة عن زيد بن الحباب، قال: حدّثني أبو مودود، قال: حدّثني يزيد بن عبد الملك بن قسيط، قال: رأيت نفراً من أصحاب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إذا خلا لهم المسجد قاموا إلى رمّانة المنبر القرعاء فمسحوها ودعوا، قال: ورأيت يزيد يفعل ذلك.( [22])
وهذا العمل كان سائداً عندما كان منبره الّذي لامس جسمه الشريف موجوداً. فهل كان المنبر الّذي أفتى الإمام أحمد بمسّه والتبرك به هو نفس المنبر الموجود في عصر الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) ؟! أو أنّ حوادث الدهر بدّلته وجاءت بغيره؟!
والعجب أنّ محقّق كتاب «العلل ومعرفة الرجال» لمّا وقف على النص الأوّل من إمامه أحمد ورأى أنّ ذلك لا يوافق رأيه أخذ بتأويله وقال: وهذا كان لمّا كان منبره الّذي لامس جسمه الشريف، وأمّا الآن بعدما تغيّر، لا يقال بمشروعية مسّه تبركاً به.( [23])
وكأنّ القوم لمّا فوجئوا بهذا الكم الهائل من الأحاديث الدالّة على التبرك بآثار النبي من غير فرق بين مسّ جسده الشريف وغيره، أخذوا بالتأويل والتفصيل بين ما مسّ جسده وغيره، غافلين أنّهم فرّوا بذلك من المطر إلى الميزاب، فهدموا ما بنوه في مجال التوحيد حيث قالوا بأنّ مقتضى توحيد الربوبية خلع الأشياء  عن التأثير، ذاتياً وتبعيّاً.
5. تبرّك ريحانة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) بقبر أبيها
ذكر جمع من المؤرّخين أنّ فاطمة الزهراء سيدة نساء العالمين(عليها السلام) حضرت عند قبر أبيها، وأخذت قبضة من تراب القبر تشمّه وتبكي قائلة:
ماذا على من شم تـربـة أحمـد *** ألاّ يشمّ مدى الزمان غـواليا؟
صبـّت عليّ مصـائب لـو أنّها *** صبّت على الأيام صرن لياليا( [24])
إنّ عمل السيدة الزهراء المعصومة(عليها السلام)   هذا لا يدلّ إلاّ على جواز التبرّك بقبر رسول اللّه وتربته الطاهرة.
6. تبرّك الشيخين بتربة قبره
لقد أوصى الشيخان بالدفن في حجرة النبي الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) ليصبحا ضجيعيه في قبره الشريف، فهل النقطة الّتي دفن فيها كلّ من الشيخين مست جسد النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) ، أو أنّ الشيخين اكتفيا بالانتماء بالقرب من النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) ؟
وهذا أمر معروف في التاريخ ومشهود لكلّ عارف لا يحتاج إلى ذكر مصدر.( [25])
إلى هنا تبيّن أنّه لا فرق في التبرك بآثار النبي في كلّ ما ينتمي إليه ويمّت إليه بصلة، من غير فرق بين ما مسّ جسده الشريف وبين غيره. وهلم معي إلى دراسة بقية كلام المفتي.

[1] . صحيح مسلم:5/132، باب نقض الأحكام الباطلة ورد محدثات الأُمور.
[2] . إتحاف السادة:2/ 135.
[3] . جامع العلوم والحكم: 160.
[4] . فتح الباري:5/ 158.
[5] . التوبة: 24.
[6] . الأعراف: 157.
[7] . صحيح البخاري:1/9، كتاب الإيمان، برقم 14 و 15.
[8] . صحيح مسلم:1/49، باب وجوب محبة رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) .
[9] . جامع الأُصول:1/ 239.
[10] . المائدة: 56.
[11] . النور: 36.
[12] . الدر المنثور:6/303; روح المعاني:18/ 174.
[13] . النور:36ـ 37.
[14] . السنن للدارمي:1/43ـ 44، وقال: اسناده صحيح; اقتضاء الصراط المستقيم: 338.
[15] . اقتضاء الصراط المستقيم: 338.
[16] . صحيح البخاري:1/492، الحديث 483، باب المساجد الّتي على طرق المدينة.
[17] . المستدرك على الصحيحين:4/515; مسند أحمد:5/ 422. والسند في المسند صحيح، رواه عن أبي عامر عبد الملك بن عمر العقدي عن كثير بن زيد عن داود بن أبي صالح.
[18] . كتاب العلل ومعرفة الرجال:2/492، الرقم 3243.
[19] . عمدة القاري:9/241، كتاب الحج، باب ما ذكر في الحجر الأسود.
[20] . عمدة القاري:9/241; مناقب أحمد لابن الجوزي:455; تاريخ ابن كثير:10/ 331.
[21] . الجواب الباهر لزوّار المقابر: 31.
[22] . المصنف:4/ 121.
[23] . العلل ومعرفة الرجال:2/492، التعليقة.
[24] . رواه غير واحد من المؤرخين والمؤلّفين، منهم: القسطلاني في إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري:2/390; والسمهودي في وفاء الوفا:2/444، ونقله أيضاً في ج4/1405عن تحفة ابن عساكر.
[25] . نكتفي بالقليل عن الكثير ومنه، صحيح البخاري، ج8، كتاب الاعتصام بالكتاب والسنّة، برقم 7328.