قائمة المواضيع :
كلام الشيخ في استلام الحجر الأسود
قال الشيخ في (ص41ـ 42): والأحاديث في ذلك كثيرة، فالواجب على المسلمين التقيد في ذلك بما شرعه اللّه كاستلام الحجر الأسود وتقبيله، واستلام الركن اليماني، فلهذا صحّ عن عمر بن الخطاب أنّه قال لمّا قبل الحجر الأسود: إنّـي اعلم أنّك حجر لا تضرّ ولا تنفع ولولا أنّـي رأيت النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يقبلّك ما قبلتك.( [1])
وبذلك يعلم أنّ استلام بقية أركان الكعبة، وبقية الجدران والأعمدة غير مشروع، لأنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لم يفعله ولم يرشد إليه، ولأنّ ذلك من وسائل التبرك، وهكذا الجدران والأعمدة والشبابيك وجدران الحجرة النبوية من باب أولى، لأنّ النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) لم يشرع ذلك ولم يرشد إليه ولم يفعله أصحابه.
يلاحظ عليه: أنّ ما نقل عن عمر بن الخطاب، وإن كان مشهوراً لكن المظنون أنّه نقل مبتوراً، وقد روي عن أئمّة أهل البيت(عليهم السلام) أنّه بعد ما قال عمر بن الخطاب ما قال، قال أمير المؤمنين علي (عليه السلام) : كيف يابن الخطاب، فواللّه ليبعثنّه يوم القيامة وله لسان وشفتان فيشهد لمن وافاه، وهو عين اللّه عزّوجلّ في أرضه يُبايع بها خلقُه، فقال عمر: لا أبقانا اللّه في بلد لا يكون فيه علي بن أبي طالب.( [2])
وجاء في (عمدة القاري) بعد كلام عمر: قال عليٌّ: إنّه يضرّ وينفع... إلى أن قال: وإنّي أشهد لسمعت رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) يقول: يؤتى يوم القيامة بالحجر الأسود وله لسان ذلق، يشهد لمن استلمه بالتوحيد، فهو يا أمير المؤمنين يضر وينفع، فقال عمر: أعوذ باللّه من قوم ليس فيهم أبو الحسن.
ونقل عن ابن عباس انّ هذا الركن الأسود هو يمين اللّه في الأرض يصافح به عباده مصافحة الرجل أخاه.( [3])
ولا بأس فيما روي، لأنّه سبحانه يُنطقه كما أنّه يُنطق كل الأشياء ويُنطق جوارحنا بأعمالنا. قال سبحانه:( وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنا قَالُوا أَنْطَقَنا اللّهُ الّذي أَنْطَقَ كُلَّ شَيء ) .( [4]) وقد روى معاوية بن عمّار عن الإمام الصادق(عليه السلام) :«إذا دنوتَ من الحجر الأسود، فارفع يديك وأحمد اللّه وأثن عليه وصلّ على النبي واسأل اللّه أن يتقبل منك، ثم استلم الحجر وقبّله فإن لم تستطع أن تقبله فاستلمه بيدك، فإن لم تستطع أن تستلمه بيدك فأشر إليه، وقل:«اللهم أمانتي أدّيتها وميثاقي تعاهدتهُ، لتشهد لي بالموافاة، اللهم تصديقاً بكتابك وعلى سنة نبيك، أشهد أن لا إله إلاّ اللّه وحده لا شريك له، وأنّ محمداً عبده ورسوله آمنت باللّه، وكفرت بالجبت والطاغوت وباللات والعزّى وعبادة الشيطان وعبادة كلّ ندّ يُدعى من دون اللّه».( [5])
ثمّ إنّ في كلام عمر بن الخطاب دليلاً واضحاً على أنّ من مسح وتبرك بشيء من دون أن يعتقد تأثير الممسوح والمستلم فيه أمر جائز، وأنّ من فعل ذلك لا يرمى بالشرك ولا بالبدعة إذا لم ينسبه إلى الدين، ولذلك فإنّ عمر بن الخطاب قبّل الحجر الأسود معتقداً بأنّه لا ينفع ولا يضرّ.
وأمّا تبرير عمله بفعل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لأجل أنّه استلم الحجر بما أنّه أحد آداب الزيارة، فلم يجد بداً من أن يذكر دليلاً لما أتى به بتلك الخصوصيّة فقال: لولا أنّي رأيت أنّ رسول اللّه قبّلك ما قبّلتك. فعلى ضوء هذا فليس لأحد أن يمنع أحداً من تقبيل الجدران والشبابيك والأبواب للحجرة النبوية، إذا لم يعتقد فيما يقبله أي نفع ولا ضرر، ولم يجعل عمله جزءاً من الدين ولم ينسبه إلى النبي، وإنّما دفعه إلى ذلك حبه وشوقه لصاحب هذا المقام، أو أن يُمنع من استلام بقية أركان الكعبة إذا لم يكن استلامه لها بدافع أنّها تضر وتنفع ولا أنّ ذلك جزء من الدين والشريعة، بل كان الدافع حبه لهذه المواقع والمشاهد المباركة بما أنّها مطاف الملائكة ومحلّ نزول الرحمة.

[1] . صحيح مسلم:4/66، باب استحباب تقبيل الحجر الأسود في الطواف.
[2] . علل الشرائع للصدوق: 426.
[3] . عمدة القاري:9/ 240.
[4] . فصلت: 21.
[5] . التهذيب للطوسي:5/101، برقم 329.