قائمة المواضيع :
عبد اللّه بن عمر و تتبع آثار النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)
قال الشيخ في (ص 42ـ 43): وأمّا ما نقل عن ابن عمر من تتبع آثار النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) واستلامه المنبر فهذا اجتهاد منه لم يوافقه عليه أبوه ولا غيره من أصحاب النبي، وهم أعلم بهذا الأمر وعملهم موافق لما دلّت عليه الأحاديث الصحيحة، وقد قطع عمر الشجرة الّتي بويع تحتها النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) في الحديبية لما بلغه أنّ بعض الناس يذهبون إليها ويصلون عندها خوفاً من الفتنة بها وسداً للذريعة.
إنّ كلامه هذا يشتمل على أمرين:
1. إنّ عبد اللّه بن عمر هو الوحيد الذي تتبع آثار النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ، والمنبر الّذي جلس عليه، وأنّه لم يوافقه عليه أبوه ولا غيره من أصحاب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) .
2. إنّ عمر بن الخطاب لمّا بلغه أنّ بعض الناس يذهبون إلى الشجرة قطعها.
وإليك الكلام في الأمر الأوّل:
يلاحظ عليه أوّلاً: إذا كان التبرّك بما مسّ جسد النبي أمراً مشروعاً وجائزاً ودارجاً بين الصحابة لم يكن عمل ابن عمر خارجاً عن هذه القاعدة حيث كان يقتصّ آثار النبي ويتتبّع ما مسّ جسده الشريف، كالمساجد الّتي صلّى فيها والمنبر الذي جلس عليه وغير ذلك، فبذلك ظهر ما في قول الشيخ:«فهذا اجتهاد منه لم يوافقه عليه أبوه ولا غيره من أصحاب النبي، وهم أعلم بهذا الأمر»، فإنّ عمله كان على أساس رصين دارج بين الصحابة حيث كانوا يتبرّكون بما مسّ جسده الشريف، وكان عبد اللّه بن عمر في غنى عن موافقة أبيه ولا موافقة غيره إذا كانت سيرة جمهرة الصحابة مصدِّقة لعمله.
وثانياً: نفترض أنّ عمله  كان خارجاً عن تلك القاعدة، فما هو المبرّر في تقديم اجتهاد الوالد على الولد مع أنّهما مجتهدان، للمصيب أجران وللمخطئ أجر واحد.
وثالثاً: لو كان عمل  ابن عمر بدعة أو شركاً أو ذريعة للشرك كان على الصحابة أن يمنعوه وينصّوا على ذلك أو يبدوا مخالفتهم، ولم يرد في ذلك أي ردّ ولا نقد ولا منع، بل كان سكوتهم تقريراً لعمله. ومع ذلك كيف يقول الشيخ: لم يوافقه عليه أحد؟
هذا كلّه حول الأمر الأوّل، وإليك الكلام في الأمر الثاني.
قصة قطع الشجرة
أمّا ما ذكره من أنّ عمر بن الخطاب لمّا بلغه أنّ بعض الناس يذهبون إليها ويصلّون عندها قطعها خوفاً من الفتنة بها وسدّاً للذريعة ، ففيه مجال للبحث والنقاش.
أمّا أوّلاً: فقد نقل هذه القصة ابن سعد في طبقاته في أحداث غزوة الحديبية عن نافع قال: كان الناس يأتون الشجرة الّتي يقال لها شجرة الرضوان فيصلّون عندها، قال: فبلغ ذلك عمر بن الخطاب فأوعدهم فيها وأمر بها فقطعت.( [1])
يلاحظ عليه:
أوّلاً: أنّ السند منقطع، ولم يسنده نافع إلى شيخ من مشايخه فلا يحتج بالسند المقطوع.
وثانياً: أنّ هناك  دلائل واضحة على أنّ الشجرة صارت مجهولة لأصحاب الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) في العام التالي، فكيف يمكن أن تعرف في عهد عمر حتّى يأتي الناس إليها ويصلّون تحتها حتّى يأمر بقطعها؟! ويدل على ذلك أمران:
1. ما رواه البخاري قال: قال ابن عمر: رجعنا من العام المقبل فما اجتمع منّا اثنان على الشجرة الّتي بايعنا تحتها، كانت رحمة من اللّه، فسألت نافعاً على أي شيء بايعهم؟ على الموت؟ قال: لا، بايعهم على الصبر.( [2])
وقد علّل ابن حجر في «فتح الباري» خفاء الشجرة بقوله:إنّ الحكمة في ذلك وهو أن لا يحصل بها افتتان ثم قال: وإلى ذلك أشار ابن عمر بقوله: «كانت رحمة من اللّه».
ثم قال: ويحتمل أن يكون معنى قوله:«رحمة من اللّه» أي كانت  الشجرة موضع رحمة ومحل رضوانه لنزول الرضا على المؤمنين عندها.( [3])
أقول: إنّ التفسير الثاني هو الصحيح، وذلك لتأنيث الفعل فالضمير(ت) يرجع إلى الشجرة لا إلى الخفاء.
وعلى كلّ تقدير فالحديث يدلّ على خفاء الشجرة في العام التالي.
2. انّ ابن سعد ينقل أيضاً نفس هذا الموضوع ويذكر استنكار سعيد بن المسيّب قول من ادّعى بقاءها وتعرفه عليها. فروى عن طارق قال: انطلقت حاجّاً فمررت بقوم يصلّون فقلت: ما هذا المسجد؟ قالوا: هذه الشجرة حيث بايع النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ، بيعة الرضوان; فأتيت سعيد بن المسيّب فأخبرته، فقال: حدّثني أبي أنّه كان في من بايع رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) تحت الشجرة، فقال: فلمّا خرجنا من العام المقبل نسيناها فلم نقدر عليها. قال سعيد: إن كان أصحاب محمد لم يعلموها وعلمتموها أنتم فأنتم أعلم.( [4])
فقوله: «إن كان أصحاب محمد لم يعلموها...» استنكار لادّعائهم، فإذا كان أصحاب رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) غير عارفين بها، فالأولى أن يكون المتأخّرون غير عارفين بها!!

[1] . الطبقات الكبرى:2/100، طبع دار صادر.
[2] . صحيح البخاري: رقم الحديث 2958، طبع دار الفكر.
[3] . فتح الباري:6/89، طبع دار إحياء التراث.
[4] . الطبقات الكبرى:2/ 99.