قائمة المواضيع :
دعاء الأنبياء والأولياء
قال الشيخ في (ص 43ـ 44): وأمّا دعاء الأنبياء والأولياء والاستغاثة بهم والنذر لهم ونحو ذلك فهو الشرك الأكبر، وهو الّذي كان يفعله كفار قريش مع أصنامهم وأوثانهم، وهكذا بقية المشركين يقصدون بذلك أنّها تشفع لهم عند اللّه، وتقربهم إليه زلفى، ولم يعتقدوا أنّها هي الّتي تقضي حاجاتهم وتشفي مرضاهم وتنصرهم على عدوهم كما بيّن اللّه سبحانه ذلك عنهم في قوله سبحانه:( وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللّهِ مَا لاَ يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هؤُلاءِ شُفَعاؤنَا عَنْدَ اللّهِ ) ( [1]) فردّ عليهم سبحانه بقوله:( قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللّهَ بِمَا لا يَعْلَمُ فِي السَّماواتِ وَلاَ فِي الأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ ) .( [2]) وقال عزّ وجلّ في سورة الزمر:( فَاْعْبُدِ اللّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ * أَلاَ للّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلياءَ مَا نَعْبُدُهمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللّهِ زُلْفَى إِنَّ اللّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي مَنْ هُوَ كاذِبٌ كَفَّارٌ ) ( [3]) فأبان سبحانه في هذه الآية الكريمة: أنّ الكفّار لم يقصدوا من آلهتهم أنّهم يشفون مرضاهم، أو يقضون حوائجهم وإنّما أرادوا منهم أنّهم يقربونهم إلى اللّه زلفى، فأكذبهم سبحانه وردّ عليهم قولهم بقوله سبحانه:( إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ ) فسماهم كذبة وكفاراً بهذا الأمر.
أقول: ما ذكره الشيخ في المقام قد سمعنا مثله من كافة من سلك مسلك ابن تيمية ويعتقد منهج تلميذه ابن عبد الوهاب. فهم جميعاً يستدلّون بهذه الآيات على أنّ دعاء الأنبياء والأولياء عبادة لهم نظير دعاء المشركين إلهتهم المزعومة حيث كان دعاؤهم لها عبادة لها.
وهذا هو بيت القصيد ومفترق الطرق بين منهج أحمد بن تيمية ومنهج الآخرين. ولو بُذلت الجهود في تنقيح الأُمور التالية لقصرت الفاصلة بين المنهجين، ولكن مع الأسف انّ الشيء الّذي لم يركّزوا عليه منذ أن ظهر هذا المنهج في القرن الثامن إلى يومنا هذا، هو ما سنذكره في الأُمور التالية:
1. تعريف العبادة وتحديد معناها.
2. عرض التمسّح والتوسّل على الضابطة.
3. تحليل الآيات الّتي وقعت ذريعة لرمي التوسّل بالشرك.
ولو أُقيم مؤتمر  أو أُعدّت حول هذه الأُمور على نحو يميّز الإنسان بين العبادة والتكريم ويتبيّن مبادئ الدعاء بين الفريقين لسقط عامة ما يستدلون به من الآيات على أنّ دعاء الأنبياء والأولياء والتوسل بهم شرك وبدعة، وعلى ضوء ذلك فسنركز جهدنا في شرح هذه الأُمور، مبتدئين بالأمر الأوّل:
1. تعريف العبادة وتحديد معناها
إنّ أصحاب المعاجم وإن فسروا العبادة بالخضوع والتذلّل أو الطاعة( [4]). لكن تفسيرها بها تفسير بالأعم وليس تعريفاً دقيقاً جامعاً مانعاً، بشهادة أنّ القرآن الكريم يحثّ بصراحة على الخضوع للوالدين أوّلاً، ويقول سبحانه:( وَاخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ مِنَ الرِّحْمَةِ ) ( [5]) ، ويأمر الملائكة بالسجود لآدم ثانياً، ويقول: ( وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا ) ( [6]) ، ويحكي عن أنّ نبي اللّه يعقوب وزوجته وأولادهما سجدوا ليوسف ثالثاً، ويقول سبحانه: ( وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّداً ) ( [7]) ، فالسجود من أعلى مظاهر الخضوع ومنتهاه مع أنّه لم يكن عبادة لآدم ولا ليوسف(عليهما السلام) .
ومن المعلوم أنّ السجود لو كان عبادة للمسجود له فلا يخرج عن كونه عبادة بأمره سبحانه، فالعبادة عبادة سواء أمر بها أو لم يؤمر.
كلّ ذلك يدفعنا إلى تعريف العبادة تعريفاً دقيقاً حتّى تخرج هذه الموارد من تحتها.
فنقول: إنّ العبادة تتقوم بعنصرين ولا يغني أحدهما عن الآخر:
الأوّل: الاعتقاد الخاص في حق المعبود، أعني: الاعتقاد بأنّه رب أو بيده مصير العابد عاجلاً وآجلاً في تمام شؤون الحياة أو بعضها، فلو كان الخضوع والتذلّل مجرّداً عن هذا الاعتقاد لا يُعدّ العمل عبادة.
نعم يمكن أن يكون حراماً موجباً للعقاب لا لأنّه عبادة، بل لكونه عملاً محرّماً كسائر المحرمات، كما هو الحال في السجود في الشريعة الإسلامية لغير اللّه، إذ أنّه يحرم حتّى وإن كان عارياً عن ذلك الاعتقاد، للنهي عنه لغيره سبحانه.
الثاني: العمل الحاكي عن الخضوع، ويكفي في ذلك أبسط الخضوع إلى أعلاه، سواء أكان باللفظ و البيان أم بسائر الجوارح.
فإذا كان الخضوع نابعاً عن الاعتقاد الخاص في حق المخضوع له يوصف العمل بالعبادة.
أمّا العنصر الثاني فلم يختلف في وجوده اثنان، إنّما الكلام في مدخلية العنصر الأوّل في صدق العبادة ودخوله في واقعها، وهذا يُعلم من دراسة عبادة الموحدين والمشركين.
لم يكن الموحِّد والمشرك منفكَّيْن ـ في عبادتهما ـ عن اعتقاد خاص لمعبودهم، وهو الّذي كان يدفعهم إلى الخضوع والتذلّل، ولولاه لما سجدوا وما خضعوا وما تذلّلوا.
كان المشركون يرون أنّ العزة والذلّة والنصرة والهزيمةوما يفيد وما يضر الإنسان في حياته بيد معبوداتهم.
غير أنّ الموحّد كان يؤمن بأنّ هذه الأُمور بيد اللّه تعالى الّذي أعطى كلّ شيء خلقه ثم هدى، ولكن المشرك يعتقد بأنّ هذه الأُمور فوِّضت إلى آلهتهم المزعومة. وهذا ما تشرحه لنا الآيات التالية:
1. الموحد يعبد اللّه، لأنّ العزة والذلة بيده سبحانه، قال تعالى: ( فَللهِ العِزَّةُ جَميعاً ) .( [8])
ويقول:( وَتُعِزُّ مَنْ تَشاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشاءُ ) .( [9])
وأمّا المشرك فهو يعبد الآلهة المزعومة باعتقاد أنّ العزة بيدها، كما يحكي عنهم سبحانه ويقول:( وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزّاً ) ( [10]) .
2. أنّ الموحّد يعبد اللّه سبحانه، لأنّ النصر بيد اللّه سبحانه كما يقول تعالى: ( وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِنْدِ اللّهِ الْعَزِيزِ الْحَكيمِ ) .( [11])
وأمّا المشرك فهو يعبد الأصنام منطلقاً من أنّ النصر بيدهم كما يحكيه سبحانه ويقول:( وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللّهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ ) .( [12])
3. أنّ الموحّد يعبد اللّه سبحانه منطلقاً من أنّ الشفاعة بيد اللّه سبحانه وأنّه لا يشفع أحد إلاّ بإذنه.
قال سبحانه:( قُلْ للّهِ الشَّفاعَةُ جَميعاً لَهُ مُلْكُ السَّمَاواتِ وَالأَرْضِ ) .( [13]) ولكن المشرك يعتقد بأنّ الآلهة المزعومة تملك الشفاعة وأنّهم يشفعون لعبدتهم، ولذلك يرد سبحانه على عقيدتهم بأنّه: ( مَا مِنْ شَفِيع إِلاّ مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ ) .( [14])
4. أنّ الموحّد  يعبد اللّه سبحانه بحجّة أنّ مصدر النعم والنقم هو اللّه سبحانه، وهذا هو منطق الموحّد الّذي يحكيه سبحانه عن النبي إبراهيم الخليل(عليه السلام) :( الّذي خَلَقَني فَهُوَ يَهْدِينِ * وَالّذي هُوَ يُطْعِمُني وَيَسْقِينِ * وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ* وَالَّذِي يُميتُني ثُمَّ يُحْيِينِ* وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتي يَوْمَ الدِّينِ ) .( [15])
إنّ إبراهيم(عليه السلام) ـ بطل التوحيد ـ ينسب إلى اللّه الواحد الأحد الأفعال التالية: الهداية، الإطعام والسقي، الشفاء من المرض، الموت والحياة، وغفران الذنوب. وبما أنّه (عليه السلام) في مقام الرد على مشركي عصره في مدينة (بابل) يظهر لنا وبجلاء ـ من خلال عنصر المقابلة ـ أنّهم كانوا يعتقدون أنّ تلك الأفعال والنعم بيد آلهتهم الباطلة، إذ بإمكانها أن تهديهم وتطعمهم وتسقيهم وتشفيهم من الأمراض وتميتهم وتحييهم و... ومن هنا خضعوا لها وعبدوها.
5. أنّ الموحّد يعتقد بأنّه ليس للّه سبحانه ند ولا مثل، لا في الذات ولا في الصفات ولا في الأفعال، وأنّ الأنبياء والأولياء عباد للّه لا يملكون لأنفسهم ضراً ولا نفعاً ولا حياة ولا موتاً، غير أنّه سبحانه أكرمهم وأعزّهم، وجعل لكلّ منهم مقاماً يستجاب دعاؤهم، وتنزل الرحمة بطلبهم.
وأمّا المشرك فهو يعتقد بأنّ الأصنام والأوثان أنداد للّه سبحانه، قال تعالى:( وَمِنَ النّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللّهِ أَنْداداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللّهِ ) ( [16]) . والأنداد لغة جمع «ند» بمعنى المثل والنظير، بمعنى أنّهم يعتقدون أنّ آلهتهم تناظر اللّه وتشابهه في القدرة على القيام بالأفعال الّتي يقوم بها سبحانه من الإحياء والإماتة والرزق والشفاء والهداية وغفران الذنوب وحطّ الخطايا.
6. أنّ الموحّد يعتقد بأنّ اللّه سبحانه لا يماثله ولا يساويه ولا يدانيه شيء من المخلوقات، أخذاً بقوله: ( لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيءٌ وَهُوَ السَّميعُ الْبَصيرُ ) ، وقوله تعالى( [17]): ( لَهُ مَقالِيدُ السَّماواتِ وَالأَرْضِ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْء عَلِيمٌ ) .( [18])
أمّا المشرك فهو يعبد الأصنام وينطلق من عقيدة خاصة فيها، وهي التسوية بينه سبحانه وبين الآلهة، ولمّا يتبيّن له جهله وبطلان عقيدته فسوف يظهر الندامة ويندد بآلهته ويخاطبهم يوم القيامة بقوله:( قَالُوا وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ* تَاللّهِ إِنْ كُنّا لَفِي ضَلال مُبين* إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمينَ ) ( [19]) .
فالمراد من التسوية هي التسوية في الربوبية وتدبير العالم والشفاعة وغيرها، وحتّى ولو فُسّرت بالمساواة في العبادة فهو يلازم عقيدة خاصة في حق الأصنام وهي صفات الإلوهية، إذ لا يعبد إنسان شيئاً إلاّ ويعتقد استحقاقه لها بشيء من الأُمور الغيبية.
فالآية تنادي: أنّهم كانوا يعتقدون فيها ضرباً من المساواة للحق تعالى، تعالى اللّه عمّا يقولون.
فالموحّد والمشرك  وإن كانا يصدران عن مبدأين مختلفين، ولكن الجميع يشهد بأنّ العبادة لا تنفك إلاّ عن عقيدة خاصة بالنسبة إلى المعبود، غير أنّ تلك الخصيصة عند الموحّد للّه سبحانه، ولكنّها لدى المشركين في آلهتهم وأصنامهم وأوثانهم.
وعند ذلك نخرج بالنتيجة التالية: أنّ مقوم العبادة أمران، وأنّ لها عنصرين: أحدهما يتقوّم بأعمال العابد وفعله ، والثاني يرتبط باعتقاده ومنطلقه.
وعلى ضوء ذلك فلو أردنا أن نعرّف العبادة تعريفاً جامعاً فلنا أن نقول: العبادة هي الخضوع بين يدي من يعتبره رباً. أي مالكاً لمصير العابد في الدنيا والآخرة. فإذا اعتقد إنسان بربوبية المخضوع له فما يصدر عنه من الخضوع لفظاً وعملاً فهو عبادة، ولذلك نرى أنّ المسيح(عليه السلام) عندما يأمر بعبادة اللّه سبحانه يعلقها بعنوان الربوبية، كما حكاه عنه:( وَقَالَ الْمَسيحُ يَا بَني إِسْرائيلَ اعْبُدُوا اللّهَ رَبِّي ورَبَّكُمْ ) .( [20])
وقال سبحانه: ( إِنَّ اللّهَ رَبِّي وَربُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذا صِراطٌ مُسْتَقيمٌ ) .( [21])
وربّما يعتبر القرآن العبادة من شؤون الخالقية، قال سبحانه:( ذَلِكُمُ اللّهُ رَبُّكُمْ لاَ إِلهَ إِلاّ هُوَ خالِقُ كُلِّ شَيْء فَاعْبُدُوهُ ) .( [22])
فلو كان الخضوع نابعاً عن تلك العقيدة فهو عبادة للمخضوع له وإن لم يبلغ غايته. وأمّا إذا كان نابعاً عن غير تلك العقيدة مثلاً بما انّه عالم خادم للأُمّة فلا يعد عبادة وإن لم يبلغ غايته، ولنفسر ذلك بالمثال التالي:
انظر إلى نفسك فإنّه قد يقضي عليك أدبك مع أبيك واحترامك له أن لا تسمح لنفسك بالجلوس أو الاضطجاع بين يديه، فتقف أو تقعد ساعة أو فوقها، ولا يكون ذلك منك عبادة له، لماذا؟ لأنّه لم يقارن هذا الفعل منك اعتقاد شيء من خصائص الربوبية فيه. وتقف في الصلاة قدر الفاتحة وتجلس فيها قدر التشهد وهو قدر دقيقة أو دقيقتين فيكون ذلك منك عبادة لمن صلّيتَ له، وسرّ ذلك هو أنّ هذا الخضوع المتمثل في قيامك وقعودك يقارنه اعتقادك الربوبية لمن خضعتَ له عزّ وجلّ.
وتدعو رئيسك في عمل من الأعمال أو أميرك أن ينصرك على باغ عليك، أو يغنيك من أزمة نزلت بك وأنت معتقد فيه انّه لا يستقل بجلب نفع أو دفع ضرّ، ولكنّ اللّه جعله سبباً في مجرى العادة يقضي على يديه من ذلك ما يشاء تفضّلاً منه سبحانه، فلا يكون ذلك منك عبادة لهذا المدعوّ، وأنت على ما وصفنا، فإن دعوتَه وأنت تعتقد فيه أنّه مستقل بالنفع، أو الضرّ، أو نافذ المشيئة مع اللّه لا محالة، كنت له بذلك الدعاء عابداً، وبهذه العبادة أشركته مع اللّه عزّ وجلّ، لأنّك قد اعتقدت فيه خصيصة من خصائص الربوبية، فإنّ الاستقلال بالجلب أو الدفع ونفوذ المشيئة لا محالة هو من خصائص الربوبية، والمشركون إنّما كفروا بسجودهم لأصنامهم ونحوه لاعتقادهم فيها الاستقلال بالنفع، أو الضرّ ونفوذ مشيئتهم لا محالة مع اللّه تعالى، ولو على سبيل الشفاعة عنده، فانّهم يعتبرونه الربّ الأكبر ولمعبوداتهم ربوبية دون ربوبيته، وبمقتضى ما لهم من الربوبية وجب لهم نفوذ المشيئة معه لا محالة.
وبالإمعان فيما ذكرنا يتبيّن لك صدق أمرين:
الأوّل: أنّ العنصر في صدق العبادة هو الاعتقاد بأنّ المخضوع له يتمتع بقدرة غيبية وراء القدرة العادية الموجودة في عامة الناس والّتي يقوم بها بقضاء حاجة من يعبده. وقد عرفت أنّ الفريقين الموحّدين والمشركين كانا متّفقين على ذلك، وإن كانا مختلفين في مَن يتمتّع بهذه القدرة.
الثاني: أنّ  الاعتقاد بالقدرة الغيبية في المعبود هو عبارة أُخرى عن الاعتقاد بكونه ربّاً بيده مصير العابد إمّا في كلّ الأُمور كما هو الحال في عقيدة المؤمن باللّه سبحانه، أو في بعض الأُمور، كالإعزاز والإذلال والنصر والخذلان والشفاعة ومغفرة الذنوب، وغير ذلك من الأُمور، كما هو الحال في عقيدة المشرك، فكأنّ العابد على الإطلاق ينطلق من الاعتقاد بربوبية المعبود.
ويؤيد ذلك أنّ سيدنا المسيح(عليه السلام) يدعو بني إسرائيل إلى عبادة اللّه سبحانه ويقول:( يَا بَنِي إِسْرائِيلَ اعْبُدُوا اللّهَ رَبِّي ورَبَّكُمْ ) ( [23]) ، وفي آية أُخرى: ( إِنَّ اللّهَ رَبِّي وَربُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِراطٌ مُسْتَقيمٌ ) ( [24]) نرى أنّه ـ صلوات اللّه عليه ـ يعلّق الحكم على عنوان  الرب في كلتا الآيتين، وهو يدلّ على أنّ الموحّدين والمشركين متّفقون في هذا الأصل وهو أنّ العبادة من شؤون الربوبية، فمن كان رباً فهو مستحق للعبادة دون غيره، لكن المشرك خاطئ في الصغرى أي في الاعتقاد بربوبية معبوداته، ولذلك نرى يوسف يتكلم بلسان القوم ويصف آلهتهم بالربوبية ويقول:( أَأَرْبابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللّهُ الْواحِدُ الْقَهّارُ ) .( [25])
إلى هنا تمّ تحديد العبادة تحديداً منطقياً معتمداً على الكتاب وما درج عليه العُبّاد في عباداتهم، سواء أكان المعبود مستحقّاً للعبادة أم غير مستحق. فهلمّ معي، نعرض ما يقوم به المسلمون في الحرمين الشريفين على الضابطة.
2. عرض التمسّح والتوسّل على الضابطة
وعلى ضوء ذلك نعرض على هذه القاعدة الأعمال الّتي يقوم بها عشاق الحرم النبوي أو الحرم المكي من التمسّح بالجدران وتقبيل الشبابيك وغير ذلك، فقد وصفها الشيخ بكونها شركاً وعبادة لغير اللّه، كما عدّ طلب الحاجات منهم ودعاءَهم كذلك.
كان على الشيخ أن يُفرّق بين أمرين ـ فهو قد رمى الجميع بسهم واحد ـ وهو هل المتبرّك والمتمسح والداعي يعتقد في الأبواب والجدران والشبابيك وأركان الكعبة والنبي والأولياء قدرة غيبية خارقة للعادة يقدر بها المعبود على إنجاز حاجته، أو أنّه يتمسّح ويقبّل ويتبرّك حباً بالنبي وآثاره من دون أن يعتقد أي تأثير غيبي له فيها؟
لا أظن أنّ الشيخ يجد على أديم الأرض في الحرمين الشريفين من يقوم بهذه الأعمال، فعامة المسلمين من كلّ الطوائف لا ينطلقون إلاّ من مبدأ الحب والتكريم لا غير.
كما أنّ دعاءهم والاستغاثة بهم ليس إلاّ لأجل طلب الدعاء منهم، فهم ينطلقون بعد رحلة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عمّا كانوا ينطلقون في حياته، فقد أمر اللّه سبحانه المؤمنين بالتوسّل بدعاء النبي فقال: ( وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللّهَ تَوّاباً رَحِيماً ) .( [26])
فلو كان  طلب الدعاء من النبي بعد رحيله شركاً وعبادة له يكون الطلب منه في حال حياته شركاً وعبادة له أيضاً، إذ الحياة والموت ليسا ملاكين للتوحيد والشرك، بل أقصى ما يمكن أن يقول القائل بأنّهما ملاكان للجدوى وعدمها.
وكلامنا في المقام في كون الدعوة شركاً وعدمه، وأمّا كونها مفيدة أو لا، فهو أمر ثان يطلب لنفسه مجالاً آخر.
3. تحليل الآيات الّتي وقعت ذريعة لرمي التوسل بالشرك
لم يزل أساتذة الشيخ من أوّلهم إلى آخرهم يستدلّون على أنّ التوسّل بالأنبياء والأولياء وعلى رأسهم النبي الأعظم(صلى الله عليه وآله وسلم) ، شرك بالآيتين التاليتين:
الأُولى: قال تعالى:( وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللّهِ مَا لاَ يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللّهَ بِمَا لاَ يَعْلَمُ فِي السَّماواتِ وَلاَ فِي الأَرْضِ سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ ) .( [27])
الثانية: قال تعالى: ( أَلاَ للّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللّهِ زُلْفَى إِنَّ اللّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ ) .( [28])
أمّا الآية الأُولى فقد ذكر الشيخ في كيفية الاستدلال بها أنّ عمل المسلمين كعمل بقية المشركين، فقال: إنّ المشركين يقصدون بذلك أنّها تشفع لهم عند اللّه وتقربهم إليه زُلفى، ولم يعتقدوا أنّها هي الّتي تقضي حاجاتهم وتشفي مرضاهم وتنصرهم على عدوهم، كما بيّن اللّه سبحانه ذلك عنهم في قوله: ( وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعاؤُنَا عِنْدَ اللّهِ ) .( [29])
يلاحظ عليه :
أوّلاً: هناك فرق بين عمل المشركين والموحّدين ، فإنّ المشركين يقومون بعملين مختلفين:
1. يعبدون أصنامهم وآلهتهم المزعومة كما  قال سبحانه:( وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللّهِ مَا لاَ يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنْفَعُهُمْ ) .
2. يعتقدون بأنّ آلهتهم شفعاؤهم كما يقول: ( وَيَقُولُونَ هَؤلاءِ شُفَعاؤُنَا عِنْدَ اللّهِ ) .
وهذا يدلّ على أنّ ملاك شركهم هو عبادة غير اللّه سبحانه، لا قولهم بأنّ الآلهة شفعاؤهم عند اللّه.
وعند ذلك فكيف يصحّ حمل عمل الموحّدين على المشركين؟ أفيصح أن يعطف من يعبد اللّه سبحانه على مَنْ يعبد الأصنام والأوثان بمجرد اشتراكهما في الاعتقاد بالشفعاء؟
ثانياً: أنّ المشركين كانوا يعتقدون بقدرة غيبية في أصنامهم وأوثانهم، وأنّ آلهتهم يقومون بقضاء حاجاتهم مستقلين عن اللّه سبحانه، وقد مرّت الآيات الّتي تؤكّد أنّهم كانوا يعتقدون أنّ العزة والذلة والنصر والخذلان بأيديهم، كما كانوا يعتقدون أنّهم يملكون مقام الشفاعة ويشفعون لعبادهم، وأين هذا من عمل الموحّد الّذي يعتقد بأنّ العزة والذلة والنصر والخذلان والشفاعة وغيرها بيد اللّه سبحانه؟!
فمجرد اشتراكهم بالاعتقاد بالشفاعة لا يجمعهم تحت خيمة واحدة مع أنّ شفعاءهم شفعاء غير واقعيين بخلاف شفعاء الموحّدين، كالنبي ومَن نصّ الكتاب والسنّة على قبول شفاعتهم.
ومع هذين الأمرين كيف يقول الشيخ:«لم يعتقدوا أنّها هي الّتي تقضي حاجاتهم، وتشفي مرضاهم، وتنصرهم على عدوهم؟!».
أفيصح أن نجعل في صف واحد مَنْ يسوي بين الأصنام ورب العالمين ويصورها نداً للّه سبحانه، ومَن يعبد اللّه سبحانه ولا يرى له نداً ولا مثلاً، ويتلو كلّ يوم وليلة قوله سبحانه:( قُلِ اللّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْء قَدِيرٌ ) .( [30])
وقد روى ابن هشام في سيرته أنّ عمرو بن لُحيّ كان أوّل من أدخل الوثنية إلى مكة ونواحيها ، فقد رأى في سفره إلى البلقاء من أراضي الشام أُناساً يعبدون الأوثان وعندما سألهم عمّا يفعلون بقوله: ما هذه الأصنام الّتي أراكم تعبدون؟ قالوا له: هذه أصنام نعبدها، فنستمطرها فتمطرنا، ونستنصرها فتنصرنا. فقال لهم: أفلا تعطوني منها صنماً، فأسير به إلى أرض العرب فيعبدوه؟ فأعطوه صنماً يقال له هُبَل، فقدم به مكّة، فنصبه وأمرَ الناس بعبادته وتعظيمه.( [31])
فمع هذه القصة والآيات الّتي تلوناها عليك كيف يقول الشيخ: بأنّهم لم يعتقدوا بأنّ آلهتهم هي الّتي تقضي حاجاتهم وتشفي مرضاهم وتنصرهم على عدوهم؟!
وأمّا الاستدلال بقوله سبحانه:( مَا لاَ يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنْفَعُهُمْ ) ، فهو تنديد من اللّه سبحانه بهم، ونقد لعقائدهم حيث كانوا يعتقدون بأنّ أصنامهم تضرهم وتنفعهم، لا أنّه من كلامهم ولا يعبر عن عقائدهم.
إلى هنا تم الكلام حول الآية الأُولى الّتي أوردها الشيخ وأنّها لا تصلح لإثبات مدّعاه، لو لم تكن دليلاً على خلافه.
وإليك الكلام في الآية الثانية:
يقول الشيخ في (ص43) في ذيل هذه الآية: إنّ الكفّار لم يقصدوا من آلهتهم أنّهم يشفون مرضاهم أو يقضون حوائجهم، وإنّما أرادوا منهم أنّهم يقربونهم إلى اللّه زلفى.
يلاحظ عليه: أوّلاً: أنّ قوله سبحانه: ( إِنَّ اللّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ) دليل على أنّ قولهم:( مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلى اللّهِ زُلْفَى ) لم يكن أمراً متّفقاً عليه وإنّما هو كلام بعضهم لا كلّهم.
فكيف يمكن أن يكون ذلك منطق عامة الوثنيين، مع أنّ قسماً كبيراً منهم إذا دُعُوا إلى عبادة اللّه أخذهم الكبر، كما يقول سبحانه:( إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ إِلهَ إِلاّ اللّهُ يَسْتَكْبِرُونَ ) ( [32]) ، فلو كان الداعي إلى عبادة الآلهة المزعومة، مجرد أنّهم يقربونهم إلى اللّه زلفى وكان التقرب إليه سبحانه هو الغاية القصوى، لما وجدوا في أنفسهم حرجاً وتكبّراً إذا دعوا إلى عبادته.
كلّ ذلك يدلّ على أنّ المشركين لم يكونوا متّفقين على أنّ عبادتهم للأصنام لأجل تحصيل التقرب إلى اللّه تعالى.
ثانياً: أنّ ذيل الآية، وهو قوله تعالى: ( إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ ) يشهد بأنّ ما لهجوا به كان غطاءً لعقيدتهم الحقيقية، وانّهم كانوا يكذبون في قولهم:( مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقرِّبُونَا إِلَى اللّهِ زُلْفَى ) ، بل كانوا يعتقدون بأنّ لآلهتهم قدرة غيبية على قضاء حوائجهم، وأنّهم أرباب بيدهم مصيرهم وفلاحهم في الدنيا والآخرة. وبعبارة أُخرى: لمّا واجه المشركون إحتجاج الموحّدين على سفاهة عقولهم وأحلامهم في الاعتقاد بأنّ آلهتهم تضر وتنفع، حاولوا تصحيح عملهم بأنّهم لا يعبدونها عن اعتقاد بأنّ بيدها الخير والشر، وإنّما يعبدونها لأجل أمر واحد، وهو أنّ عبادة الآلهة تقرّبهم إلى اللّه زلفى فقط، وعندئذ فضحهم سبحانه وكذبهم فقال:( إِنَّ اللّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ ) .

[1] . يونس: 18.
[2] . يونس: 18.
[3] . الزمر:2ـ 3.
[4] . لاحظ: لسان العرب; مفردات الراغب; القاموس المحيط; مقاييس اللغة: مادة«عبد».
[5] . الإسراء: 24.
[6] . البقرة: 34.
[7] . يوسف: 100.
[8] . فاطر: 10.
[9] . آل عمران: 26.
[10] . مريم: 81.
[11] . آل عمران: 126.
[12] . يس: 74.
[13] . الزمر: 44.
[14] . يونس: 3.
[15] . الشعراء:78ـ 82.
[16] . البقرة: 165.
[17] . الشورى: 11.
[18] . الشورى: 12.
[19] . الشعراء:96ـ 98.
[20] . المائدة: 72.
[21] . آل عمران: 51.
[22] . الأنعام: 102.
[23] . المائدة: 72.
[24] . آل عمران: 51.
[25] . يوسف: 39.
[26] . النساء: 64.
[27] . يونس: 18.
[28] . الزمر: 3.
[29] . يونس: 18.
[30] . آل عمران: 26.
[31] . السيرة النبوية:1/76ـ 77.
[32] . الصافات: 35.