قائمة المواضيع :
هل الدعاء والعبادة مترادفان؟
لم نزل نسمع من الشيخ ابن باز وأساتذته ومبتكري منهجه أنّهم يستدلّون بالآيات الّتي نزلت في حق المشركين على أعمال المسلمين مع البون الشاسع بين عقيدتي الطائفتين وعملهما، ومن هذا القبيل أنّهم يستدلون بالآيات الّتي ورد فيها النهي عن دعاء غير اللّه على شرك من دعا رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) وقال:«يا رسول اللّه اشفع لي عند اللّه»، بتصور أنّ خطابه هذا يكون دعاءً لغير اللّه، ولأجل قلع هذه الشبهة وتفنيدها نذكر كلام الشيخ أوّلاً، ثم نذكر موقف الكتاب والسنّة في هذا الموضوع.
يقول الشيخ في (ص 44): فالواجب على مثلكم تدبّر هذا المقام وإعطاؤه ما يستحق من العناية. ويدلّ على كفرهم أيضاً بهذا الاعتقاد، قوله سبحانه:( وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللّهِ إِلَهاً آخَرَ لاَ بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ ) ( [1]) ، فسمّاهم في هذه الآية كفّاراً وحكم عليهم بذلك لمجرد الدعاء لغير اللّه من الأنبياء والملائكة والجن وغيرهم.
ويدلّ على ذلك أيضاً قوله سبحانه في سورة فاطر: ( ذَلِكُمُ اللّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمير* إِنْ تَدْعُوهُمْ لاَ يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَااسْتَجابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلاَ يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِير ) .( [2])
فحكم سبحانه بهذه الآية على أنّ دعاء المشركين لغير اللّه، من الأنبياء والأولياء، أو الملائكة أو الجن، أو الأصنام أو غير ذلك بأنّه شرك، والآيات في هذا المعنى لمن تدبر كتاب اللّه كثيرة.
يلاحظ عليه بالنقض أوّلاً: بأنّه لو كان مطلق الدعاء، سواء أكان المدعوّ حيّاً أم ميتاً شركاً وعبادة له، لزم أن لا يوجد على وجه البسيطة أي موحّد يعبد اللّه وحده، فإنّ الناس جميعاً يتعاونون ويدعو بعضهم بعضاً، حتّى أنّه سبحانه لم يحرم دعاء الرسول في حال حياته، وإنّما حرّم أن يكون دعاؤه مع دعاء الغير على صعيد واحد حيث كانوا يقومون وراء الحجرات ويقولون: يا محمد أخرج، فوافاهم النهي وقال: ( لاَ تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً ) .( [3])
يقول ابن كثير في تفسير الآية: كانوا يقولون يا محمد يا أبا القاسم، فنهاهم اللّه عزّ وجلّ عن ذلك إعظاماً لنبيه(صلى الله عليه وآله وسلم) قال: فقولوا يا نبي اللّه يا رسول اللّه. وهكذا قال مجاهد و سعيد بن جبير. وقال قتادة: أمر اللّه أن يهاب نبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) وأن يبجّل وأن يعظّم وأن يسود.
وقال مقاتل في قوله: ( لاَ تَجْعَلُوا دُعَاء الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً ) يقول: لا تسموه إذا دعوتموه: يا محمد، ولا تقولوا: يا ابن عبد اللّه ولكن شرّفوه يا نبي اللّه يا رسول اللّه.
وقال مالك عن زيد بن أسلم في قوله:( لاَ تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً ) قال: أمرهم اللّه أن يشرّفوه، هذا قول وهو الظاهر من السياق.( [4])
ويقول سبحانه:( إِنَّ الّذينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَراءِ الْحُجُراتِ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ ) .( [5])
ولو قال القائل: إنّ دعاء الحي في انجاز الأُمور الدنيوية والأُخروية ليس بشرك، وإنّما الشرك هو دعاء الميت لأمر من الأُمور.
يلاحظ عليه: بأنّ لازم ذلك أن يكون عامة المسلمين مشركين حيث يسلّمون عليه في صلواتهم ويدعونه، وأي دعاء أوضح من قولهم: السلام عليك (أيّها النبي).
كلّ ذلك يبعثنا إلى دراسة معنى الدعاء في الآيات الّتي يستدل بها على أنّ دعاء غيره سبحانه شرك، فنقول: إنّ المراد من الدعاء فيها ليس مطلق الدعوة وإنّما المراد منه العبادة، ويشهد على ذلك أنّ المراد من الدعوة فيها هو العبادة هو قوله تعالى: ( ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرينَ ) ( [6]) ، فالمراد من الدعوة في صدر الآية هي العبادة ولذلك ختمت الآية بلفظ العبادة.
وعلى ضوء ذلك فمعنى قوله سبحانه: ( فَلاَ تَدْعُوا مَعَ اللّهِ أَحَداً ) ( [7]) ، أي لا تعبدوا مع اللّه أحداً، وليس للنهي عن المعيّة سبب سوى كون دعاء الغير في الآية عبادة. وبذلك تعرف مفاد سائر الآيات، فإنّ نهي المشركين عن دعوة غير اللّه سبحانه إنّما هي لأجل أنّ دعوتهم كانت عبادة للأصنام حيث كانوا يعتبرون الأصنام آلهة تملك مصير العباد كلاً أو جزءاً عاجلاً أو آجلاً، ولذلك يندد القرآن بدعائهم لأجل أنّهم عاجزون عن قضاء حوائجهم، ويقول:( وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لاَ يَسْتَطيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلاَ أَنْفُسَهُمْ ) ( [8]) ، ويقول أيضاً:( إِنَّ الّذينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللّهِ عِبادٌ أَمْثالُكُمْ ) . ( [9])
فخلاصة القول: إنّ المشركين كانوا يعتبرون أصنامهم آلهة صغاراً، وأنّ أفعال اللّه تعالى مفوضّة إليها بشكل مطلق أو بشكل جزئي، لكن طلب الشفاعة والدعاء من إنسان منحه اللّه الكرامة والمنزلة فاقد لهذه الخصائص والشروط. فأين اعتقاد المشركين في حقّ أصنامهم من اعتقاد المسلمين في حقّ أوليائهم.
وعلى ضوء ذلك فلو أردنا أن نحدد مفهوم العبادة والدعاء تحديداً منطقياً فيجب أن نقول: يوجد بين المفهومين عموم وخصوص من وجه:
1. إذا كان دعاء الغير مقروناً بالاعتقاد بأنّ له قدرة غيبية يستطيع بها قضاء حاجته فهو دعاء وفي الوقت نفسه عبادة، ففي هذا المقام يجتمعان.
وأمّا موضع الافتراق: فلو دعا صالحاً وطلب منه الدعاء، سواء أكان حياً أم ميتاً دون أن يعتقد فيه القدرة الغيبية، أو كونه لمصيره وإنجاز عمله فهو دعاء وليس بعبادة.
2. إذا كان معتقداً بأنّ المخضوع له رب ومالك يملك قضاء حاجته فخضع له بالجوارح فهو عبادة وليس دعاء.
ثمّ إنّ الشيخ بعد ذلك يستدلّ بآيتين كريمتين على أنّ دعاء غير اللّه شرك وكفر، وإليك الآيتين:
الآية الأُولى:
( وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللّهِ إِلَهاً آخَرَ لاَ بُرْهانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّما حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ ) .( [10])
وقال في كيفية الاستدلال بهذه الآية على أنّ عمل المسلمين شرك: «فسمّاهم في هذه الآية كفّاراً وحكم عليهم بذلك لمجرد الدعاء لغير اللّه في الأنبياء والملائكة والجن وغيرهم».
يلاحظ عليه: بوجود الفرق بين المدعوّين فإنّ المدعوّ في الآية هو الإله الّذي له ـ في عقيدة الداعي ـ قدرة التصرف في الكون أو في مصير الداعي كلاً أو جزءاً، والمدعو عند الطائفة الثانية هو العبد الصالح الّذي يستجاب دعاؤه بإذن اللّه سبحانه، فعطفُ الطائفة الثانية على الأُولى من قبيل عطف المباين على المباين وبالتالي جعل المشرك والمسلم في صف واحد!! والشاهد على ذلك أنّه يصف مدعوّ المشركين بقوله:( إلهاً آخر لا برهان له ) وهذا التعريف لا ينطبق إلاّ على مدعوّ المشركين، ولا صلة له بمدعوّ الموحدّين ويشهد على ذلك قوله سبحانه في آية أُخرى: ( أَإِلَهٌ مَعَ اللّهِ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقينَ ) .( [11])
وعلى ضوء ما ذكرنا فوصفهم بالكفر وعدّهم كفاراً ليس «لمجرد دعاء الغير» كما هو صريح عبارة الشيخ، بل لأجل أنّ دعاءهم نابع عن الاعتقاد بأنّ المدعوّ إله وانّ له قدرة غيبية يتصرف في الكون وبيده مصير الداعي كلاً أو جزءاً ولو في مجالي الشفاعة وغفران الذنوب، فكيف يستدل بآية لا مساس لها بعمل جمهرة المسلمين؟!
يقول ابن كثير: في تفسير هذه الآية : يقول تعالى متوعداً من أشرك به غيره وعبد معه سواء، ومخبراً أنّ من أشرك باللّه لا برهان له أي لا دليل له.( [12])
الآية الثانية:
( ذَلِكُمُ اللّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمير* إِنْ تَدْعُوهُمْ لاَ يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلاَ يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِير ) .( [13])
قال الشيخ في كيفية الاستدلال: «حكم سبحانه في هذين الآيتين على أنّ دعاء المشركين لغير اللّه من الأنبياء والأولياء أو الملائكة أو الجن أو الأصنام أو غير ذلك بأنّه شرك».
يلاحظ عليه: بأنّ وزان هذه الآية  وزان الآية السابقة وكلتاهما تصبّان في مورد واحد وليس الموضوع «دعاء المشركين لغير اللّه» كما زعمه الشيخ وإنّما الموضوع دعاء المشركين أربابهم وآلهتهم الذين يعتقدون فيهم قدرة التأثير ويملكون شيئاً من مصير العابد، وليس الموضوع مطلق دعوة الغير حتّى فيما إذا كان العابد معتقداً بأنّ المدعو عبد صالح لا يملك شيئاً غير أنّ له مقاماً عند اللّه يستجاب ـ لأجله ـ دعاؤه بإذن اللّه تعالى.
ولذلك تركّز الآية على عجز آلهتهم وتندد باعتقادهم بأنّ هذه الآلهة والأرباب ـ على خلاف ما يزعمون ـ لا يملكون من قطمير، والقطمير عبارة عن الفوفة(أي القشرة) الّتي تكون على نواة التمر.( [14]) فكيف يستطيعون إنجاز دعوتكم وقضاء حاجتكم؟ فأين دعوة المسلمين المتوغّلين في التوحيد واستغاثتهم بالنبي في حياته ومماته، من عمل المشركين المتوغّلين في عبادة آلهتهم:( وَإِذَا ذُكِرَ اللّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ ) .( [15])
وإن  كان الشيخ ومن على منهجه في شك ممّا أقول فليتدبّروا في كلام ابن كثير ذلك التفسير الّذي يُعد مرجعاً لأبناء جلدته، يقول: ( والذين تدعون من دونه ) أي من الأصنام والأنداد الّتي هي على صورة من تزعمون من الملائكة المقرّبين ( ما يملكون من قطمير ) أي لا يملكون من السماوات والأرض شيئاً ( إن تدعوهم لا يسمعوا دعاءكم ) يعني الآلهة الّتي تدعونها من دون اللّه لا تسمع دعاءكم لأنّها جماد لا أرواح فيها... إلى آخر ما ذكره.( [16])
وقد ذكرنا أنّ لصدق العبادة مقوّمين: أحدهما يرجع إلى الاعتقاد القلبي، والآخر إلى إبراز تلك العقيدة بقول أو فعل. والمسلم والمشرك وإن كانا يشتركان في المقوم الثاني، حتّى أنّ أعمال الحجّ من الطواف والسعي والرمي والذبح كلّها أعمال تعرب عن خضوع الحاج، ولكن يفترقان في العنصر الأوّل، وقد أوضحنا ذلك فيما سبق.

[1] . المؤمنون: 117.
[2] . فاطر:13ـ 14.
[3] . النور: 63.
[4] . تفسير ابن كثير:3/ 306.
[5] . الحجرات: 4.
[6] . غافر: 60.
[7] . الجن: 18.
[8] . الأعراف: 197.
[9] . الأعراف: 194.
[10] . المؤمنون: 117.
[11] . النمل: 64.
[12] . تفسير ابن كثير:3/ 259.
[13] . فاطر:13ـ 14.
[14] . القطمير: هي القشرة الرقيقة بين النواة والتمرة، أو النكتة البيضاء في ظهرها، أو شق النواة. تاج العروس:7/407، مادة «قطمر».
[15] . الزمر: 45.
[16] . تفسير ابن كثير:3/ 551.