قائمة المواضيع :
كلام لابن تيمية
إنّ الشيخ ابن باز ومَن على منهجه ومسلكه حتّى مشايخه يستدلّون بكلام ابن تيمية وكأنّه وحي منزل أو أنّه نبيّ مرسل، ولذلك ملأ الشيخ رسالته بكلام ابن تيمية فنقل كلاماً مفصّلاً منه، ولم يقتصر على ذلك، بل نقل مثله أيضاً من كتابه الآخر.
وأنت بالإحاطة بما أوضحناه تستطيع التمييز بين الصحيح والزائف في كلامه. ولأجل ذلك نشير إلى أنموذجين من كلامه مع تحليلهما:
الأنموذج الأوّل: قال في (ص49ـ 50): ويقولون (المتوسّلون بالنبي) إذا طلبنا منه الاستغفار بعد موته كنّا بمنزلة الذين طلبوا الاستغفار من الصحابة. ويخالفون بذلك الإجماع من الصحابة والتابعين لهم بإحسان، وسائر المسلمين، فإنّ أحداً منهم لم يطلب من النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) بعد موته أن يشفع له، ولا سأله شيئاً، ولا ذكر ذلك أحدٌ من أئمّة المسلمين في كتبهم، وإنّما ذكر ذلك من ذكره من متأخّري الفقهاء.
يلاحظ عليه: أنّه كيف يدّعي أنّ أحداً من المسلمين لم يطلب من النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) بعد موته أن يشفع له ولا سأله شيئاً، مع أنّ من سبر التاريخ واستعرض كتب الحديث سيجد شواهد كثيرة، والمجموع يثبت أنّ السؤال والتوسّل بعد رحيله (صلى الله عليه وآله وسلم) كان أمراً مسلماً، وإليك نماذج من ذلك:
1. روى مفتي مكة المشرّفة زيني دحلان في سيرته أنّ أبا بكر دخل حجرة النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) ـ بعد ما توفّي ـ و قال: طبت حيّاً وميتاً، وانقطع بموتك ما لم ينقطع بموت أحد من الأنبياء قبلك، فعظمت عن الصفة وجللت عن البكاء، ولو أنّ موتك كان اختياراً لجُدنا لموتك بالنفوس، اذكرنا يا محمد عند ربك ولنكن على بالك.( [1])
2. قال أمير المؤمنين علي(عليه السلام) عندما ولي غسل رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) : «بأبي أنت وأُمّي يا رسول اللّه لقد انقطع بموتك ما لم ينقطع بموت غيرك من النبوة والأنباء وأخبار السماء ـ إلى أن قال : ـ بأبي أنت وأُمّي اذكرنا عند ربك واجعلنا من بالك».( [2])
3. روى الحافظ سليمان بن أحمد بن أيوب اللخمي الطبرانيّ (المتوفّى 360هـ) عن أبي أُمامة بن سهل بن حنيف، عن عمّه عثمان بن حنيف، أنّ رجلاً كان يختلف إلى عثمان بن عفان في حاجة له، فكان عثمان لا يلتفت إليه ولا ينظر في حاجته، فلقي ابن حنيف فشكا ذلك إليه فقال له عثمان بن حنيف: إئت الميضأة فتوضأ ثمّ ائت المسجد فصلّ فيه ركعتين، ثمّ قل: «اللّهمّ إنّي أسألك وأتوجّه إليك بنبيّنا محمّد نبيّ الرحمة، يا محمّد إنّي أتوجّه بك إلى ربّي فتقضي لي حاجتي» فتذكر حاجتك ورُحْ حتّى أروحَ معك.
فانطلق الرجل  فصنع ما قال له، ثمّ أتى باب عثمان بن عفان فجاء البوّاب حتّى أخذ بيده فأدخله على عثمان بن عفان فأجلسه معه على الطنفسة فقال: حاجتك؟ فذكر حاجته وقضاها له، ثمّ قال له: ما ذكرت حاجتك حتّى كانت هذه الساعة. وقال: ما كانت لك من حاجة فاذكرها.
ثمّ إنّ الرجل خرج من عنده فلقي عثمان بن حنيف فقال له: جزاك اللّه خيراً ما كان ينظر في حاجتي ولا يلتفت إليّ حتّى كلّمته فيّ، فقال عثمان بن حنيف: واللّه ما كلّمته، ولكنّي شهدتُ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) وأتاه ضريرٌ فشكا إليه ذهاب بصره فقال له النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) : فتصبر؟ فقال: يا رسول اللّه ليس لي قائدٌ فقد شقّ عليّ.
فقال النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) : أئت الميضأة فتوضأ ثمّ صلّ ركعتين ، ثمّ ادع بهذه الدعوات.
قال ابن حنيف: فواللّه ما تفرّقنا وطال بنا الحديث حتّى دخل علينا الرجل كأنّه لم يكن به ضرّ قط.( [3])
4. ما أخرجه الحاكم في مستدركه بسند صحيح على شرط الشيخين، وأقرّه الذهبي في «تلخيص المستدرك» عن داود بن أبي صالح قال: أقبل مروان يوماً فوجد رجلاً واضعاً وجهه على القبر فأخذ برقبته فقال: أتدري ما تصنع؟ قال: نعم، فأقبل عليه فإذا هو أبو أيوب الأنصاري، فقال: جئت رسول اللّه ولم آت الحجر.( [4])
وقد تقدّم نقله أيضاً في مسألة التبرّك.
5. ما رواه الحافظ ابن حجر في الفتح، قال: روى ابن أبي شيبة باسناد صحيح من رواية أبي صالح السمّان عن مالك الداري وكان خازن عمر قال: أصاب الناس قحط في زمن عمر فجاء رجل إلى قبر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال:يا رسول اللّه استسق لأُمتك فإنّهم قد هلكوا.( [5])
والسند كما وصفه ابن حجر صحيح: قال: حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن مالك الداري وفيه (مالك الدار) مكان (مالك الداري).
ثم قال ابن حجر: وقد روى سيف في الفتوح أنّ الرجل هو بلال بن الحارث المزني أحد الصحابة.( [6])
6. ذكر تقي الدين السبكي في «شفاء السقام» والسمهودي في «وفاء الوفا» قالا: روى سفيان بن عنبر عن العتبي ـ و كلاهما من مشايخ الشافعي وأساتذته ـ أنّه قال: كنتُ جالساً عند قبر رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) فجاء أعرابي فقال: السلام عليك يا رسول اللّه، سمعت اللّه يقول:( وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللّهَ تَوّاباً رَحِيماً ) ( [7]) وقد جئتك مستغفراً من ذنبي، مستشفعاً بك إلى ربي».
ثم بكى وأنشأ يقول:
يا خير من دُفنت في القاع أعظمُهُ *** فطاب من طيبهـن القـاع والأكُمُ
نفسـي الفـداء لقبـر أنت سـاكنُه *** فيه العفـافُ وفيـه الجـودُ والكَـرمُ
ثم استغفر وانصرف.( [8])
ويروي أبو سعيد السمعاني، عن الإمام علي بن أبي طالب(عليه السلام) أنّ أعرابياً جاء بعد ثلاثة أيام من دفن رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) فرمى بنفسه على القبر الشريف وحثا من ترابه على رأسه وقال: «يا رسول اللّه قلت فسمعنا قولك، ووعيتَ عن اللّه ما وعينا عنك، وكان فيما أنزله عليك: ( وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ... ) وقد ظلمت نفسي وجئتك تستغفر لي إلى ربي».( [9])
7. أنشدت صفية بنت عبد المطلب بعد وفاة النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) في رثائه وقالت:
ألا يا رسول اللّه أنـت رجـاؤنـا  *** وكنت بنا بـرّاً ولـم تـكُ جافيـا
وكنـت بنــا بَـرّاً رؤوفــاً نبيّنــا *** ليبك عليه اليوم من كان باكياً( [10])
سواء أكان الصحيح «أنت رجاؤنا» أو الصحيح«كنت رجاؤنا» فإنّ الجملتين تشتركان في دعاء الميت دعاء من يرجو أن يستمر رجاؤه أيضاً بعد وفاته، وهذا يكشف انّه لم يكن معروفاً بين الصحابة انّ مثل هذا النوع من الدعاء شرك، إذ لو كان دعاؤه شركاً لما أقدمت عليه عمّة رسول اللّه (رضي اللّه عنها).
8. سأل المنصور الدوانيقي العباسي، مالك بن أنس ـ إمام المالكية ـ و هما في مسجد رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال: يا أبا عبد اللّه أستقبل القبلة وأدعو أم أستقبل رسول اللّه؟ فقال مالك: لِمَ تصرف وجهك عنه، وهو وسيلتك ووسيلة أبيك آدم إلى اللّه يوم القيامة؟ بل استقبله واستشفع به فيشفعّك اللّه.( [11])
وفي الختام نقول:
لا يصحّ لباحث أن يرفض هذه الروايات بمجرّد أنّها لا توافق رأي ابن تيمية ومن نهج منهجه مع أنّ فيها الصحيح والمعتبر، ومضمونها متواتر إجمالاً يعبر عن تسالم الأُمّة على جواز التوسّل بالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بعد رحيله.
ولكنّنا نتنازل ونفترض أنّ هذه الروايات أحاديث مختلقة مكذوبة على أصحابها، ومع ذلك كلّه ففي هذه الروايات الّتي يصفها المخالف بالكذب شهادة واضحة على تسالم الأُمّة على صحّة التوسّل بالنبي(صلى الله عليه وآله وسلم) ، إذ لو كان هذا العمل شركاً وبدعة وخروجاً عن الدين لما وضعها الوضّاعون، ولا لهج بها لسان القصاصين، لأنّ الغاية من نشر هذه الروايات إمالة قلوب الناس إلى ما يروون ويحدّثون به، ومن المعلوم أنّ تلك الغاية لا تتحقّق فيما لو كذبوا أو اختلقوا أُمور لا يقبلها الناس حسب فطرتهم ومستوى فهمهم، فلو كان المضمون شركاً لردّه السامع عند الوهلة الأُولى لمواجهة الراوي بالتحديث والرواية.
ومن هذه النماذج  يُعلم عدم صحّة قول الشيخ:من أنّ أحداً من الصحابة لم يطلب من النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بعد موته أن يشفع له ولا سأله شيئاً، بل أنّ الصحابة والتابعين  طلبوا من النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) بعد موته الشفاعة وسألوه شيئاً كثيراً على خلاف مدّعى الشيخ.
وأنت إذا أحطت بما ذكرنا من الأحاديث والآثار تقدر على تقييم ما ذكره ابن تيمية حيث قال:
إنّ مبتدعة أهل الكتاب والمسلمين أحدثوا من الشرك والعبادات ما لم يأذن به اللّه تعالى، قال تعالى: ( أَمْ لَهُمْ شُرَكاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِه اللّهُ ) .( [12])
وقد عرفت أنّ التوسل بالنبي والأئمة من أهل بيته(عليهم السلام) ليس عبادة، لعدم توفر العنصر الثاني في صدق العبادة، فكيف يقول: «أحدثوا من الشرك والعبادات». ثمّ إنّ هذه الأعمال لو افترضنا أنّ المسلمين يقومون بها بعنوان أنّها جزء من الدين، فقد أذن اللّه بها على ضوء ما تلوناه عليك من الروايات والآثار.
الأُنموذج الثاني: ثمّ إنّ الشيخ ابن باز في (ص 51ـ 52) أورد كلاماً آخر لابن تيمية نقله عن رسالته إلى أتباع الشيخ علي بن مسافر(ص 32) وممّا جاء فيها قوله: والذين كانوا يدعون مع اللّه آلهة أُخرى مثل الشمس والقمر و... لم يكونوا يعتقدون أنّها تخلق الخلائق، أو أنّها تُنزل المطر، أو أنّها تنبت النبات، وإنّما كانوا يعبدون الأنبياء والملائكة أو يعبدون قبورهم ويقولون: إنّما نعبدهم ليقربونا إلى اللّه زلفى، ويقولون: هم شفعاؤنا عند اللّه، فأرسل اللّه رسله تنهى أن يدعى أحد من دونه لا دعاء عبادة ولا دعاء استغاثة. قال تعالى: ( قُـلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِـنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْـفَ الضُّـرِّ عَنْكُـمْ وَلا تَحْـويلاً* أُولئكَ الَّذينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخافُونَ عَذابَهُ إِنَّ عَذابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُوراً ) ( [13]) .
يلاحظ عليه: أنّ ما نقله  ابن باز عن ابن تيمية أمر مستدرك لا حاجة له، لأنّه ذكره في كلامه السابق والفرع مطابق للأصل تماماً، وقد عرفت سقوط الاستدلال وذلك:
أوّلاً: وجود الفرق بين المسلمين والمشركين، فالطائفة الأُولى يوحّدون اللّه تعالى ولا يرون له ندّاً ذاتاً وصفاتاً وأفعالاً، بخلاف المشركين فيجعلون له ( أَنْداداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللّهِ ) ويسوون بينهم وبين اللّه سبحانه كما مرّ، ولذلك كان دعاؤهم واستغاثتهم عبادة لآلهتهم المزعومة، بخلاف دعاء المسلمين وطلبهم الّذي هو توسّل بأفضل خليقته وطلب الدعاء منه، لأنّ له مقاماً عند اللّه لا يرد دعاؤه.
وثانياً: نسب إلى المشركين بأنّهم ما كانوا يعتقدون بأنّ آلهتهم «تخلق الخلائق، أو أنّها تنزل المطر، أو أنّها تنبت النبات».
يلاحظ عليه: بأنّ المشركين لم يكونوا على منهج واحد محدد لا ينقص ولا يزيد، بل كانوا مختلفين في درجات الشرك، فقد عرفت أنّهم كانوا يعتقدون أنّ العزة والنصر بيد آلهتهم ، كما كانوا يعتقدون بأنّ الشفاعة والمغفرة حق طبيعي لهم، وقد مرّ أنّ عمرو بن لحيّ هو الّذي أدخل الوثنية إلى مكة وجاءهم بـ«هبل» من بلاد الشام وأمر الناس بعبادته وتعظيمه، وما جاء به إلاّ بعد أن رأى أنّ أهل الشام يستمطرون به عند الجدب ويستنصرون به عند الشدّة، ومع ذلك كيف يصحّ لابن تيمية أن يجمع بين الموحّدين والمشركين؟!
ثالثاً: قد تقدّم أنّ المشركين  في عهد الرسالة وإن كانوا يقولون إنّما نعبدهم ليقربونا إلى اللّه زلفى، ولكنّهم كانوا كاذبين في هذا القول، وقد ذكره سبحانه في آخر الآية وقال: ( إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفّارٌ ) ، بل هم يعبدونها لا لمجرد التقرب إلى اللّه سبحانه، بل لاعتقادهم بالربوبية فيها، و إن كانت دائرة الربوبية تختلف حسب اختلاف دائرة الشرك.
رابعاً: أنّ الآية المباركة: ( قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلاَ يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلاَ تَحْويلاً ) ( [14]) لا تمسّ المقام أصلاً، إذ الآية صريحة بأنّهم كانوا يدعون آلهتهم لكشف الضر عنهم، واللّه سبحانه ردّهم بأنّ هؤلاء أعجز من أن ينجزوا لكم طلباتكم، وأمّا الموحّد فهو يعتقد أنّ كشف الضر بيد اللّه وأنّ قضاء الحوائج بيده لا بيد غيره، وإنّما يلتجئ إلى النبي طالباً منه الدعاء ليكشف اللّه سبحانه بدعائه الضر عنه، كما كان الصحابة يلتجئون إلى النبي في حال حياته لكي يكشف اللّه ضرهم بدعائه.
وقد امتلأت الصحاح والمسانيد بالروايات الّتي تشير إلى طلب الناس الاستسقاء من النبي والخليفة وغير ذلك.
وإن كنت في شك فيما ذكرنا حول الآية فانظر إلى ما ذكره ابن كثير حول تفسيرها، قال: يقول تعالى قل: يا محمد لهؤلاء المشركين الذين  عبدوا غير اللّه من الأصنام والأنداد فارغبوا إليهم فانّهم لا يملكون كشف الضر عنكم، أي بالكلية، ولا تحويلاً، أي بأن يحولوه إلى غيركم.والمعنى أنّ الّذي يقدر على ذلك هو اللّه وحده لا شريك له، له الخلق وله الأمر.( [15]) وبذلك يظهر ما تهدف إليه الآية الثانية الّتي استشهد بها ابن تيمية على حرمة مطلق الدعاء، قال سبحانه:( قُلِ ادْعُوا الَّذينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللّهِ لاَ يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّة فِي السَّماواتِ وَلاَ فِي الأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِما مِنْ شِرْك وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِير* وَلاَ تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلاّ لِمَنْ أَذِنَ لَهُ ) .( [16])
فالآية تندد بعمل المشركين الذين يعتقدون في أصنامهم قدرة غيبية يقضون بها حوائج عبّادهم دون أن يستمدوا من اللّه سبحانه بشيء، وبذلك رد عليهم بقوله: ( لاَ يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّة فِي السَّماواتِ وَلاَ فِي الأَرْضِ ) كما كانوا يعتقدون أنّهم يملكون مقام الشفاعة وأنّها فوضت إليهم فرد اللّه سبحانه عليهم بقوله:( وَلاَ تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلاَّ لِمَنْ أَذِنَ لَهُ ) ، وأين هذا من دعاء الموحّدين الذين يعتقدون بأنّ عباد اللّه لا يملكون شيئاً في قضاء حوائجهم وإنجاز طلباتهم، وأنّه سبحانه هو قاضي الحاجات ومنجز الدعوات لا غير.
قال ابن كثير: بيّن اللّه تبارك وتعالى أنّ الإله الواحد الأحد الفرد الصمد هو المستقل بالأمر وحده من غير مشارك ولا منازع ولا معارض، فقال: ( قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللّهِ ) ، أي من الآلهة الّتي عبدت من دونه ( لاَ يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّة فِي السَّماواتِ وَلاَ فِي الأَرْضِ ) ، كما قال تبارك وتعالى.( [17])
فما ذكره ابن كثير هو نفس ما يعتقده الموحّدون ويتلونه كلّ يوم ( قُلِ اللهُمَّ مَالِكَ المُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْء قَدِيرٌ ) .( [18])
إشارة ابن تيمية  إلى أُمور أربعة:
وفي(ص53ـ 54) نقل ابن باز عن ابن تيمية أُموراً أربعة، هي:
1. أنّ النبي يحقّق التوحيد ويسلمه أُمته حتّى أنّه لمّا قال له رجل: ما شاء اللّه وشئت قال: أجعلتني للّه ندّاً! قل: ما شاء اللّه وحده، وقال: لا تقولوا ما شاء اللّه وشاء محمد ولكن: ما شاء اللّه ثمّ ما شاء محمد.
2. نهى  عن الحلف بغير اللّه قال: من كان حالفاً فليحلف باللّه أو فليصمت، وقال: من حلف بغير اللّه فقد أشرك.
3. لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى بن مريم، إنّما أنا عبد اللّه وقولوا عبد اللّه ورسوله.
4. ونهى النبي عن اتخاذ القبور مساجد وقال في مرض موته: «لعن اللّه اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» ولهذا اتفق أئمة المسلمين على أنّه لا يشرع بناء المساجد على القبور ولا تشرع الصلاة عند القبور، بل كثير من العلماء يقول الصلاة عندها باطلة وذلك أنّ من أكبر أسباب عبادة الأوثان كانت تعظيم القبور بالعبادة ونحوها.
هذه أُمور أربعة ختم بها ابن تيمية كلامه، وفي كلامه ملاحظات ستمر عليك، فأقرأها بإمعان ثم اقض بوجدان الحرّ.
الأمر الأوّل: الفصل بين مشيئة اللّه ومشيئة الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) بـ«ثم»
إنّ مقتضى التوحيد في التدبير أو مقتضاه في الأفعال أنّ كلّ ما يحدث في الكون يكون مسبوقاً بمشيئة اللّه سبحانه وإرادته:«سبحان من لا يوجد في ملكه إلاّ ما شاءه وأراده»، قال سبحانه: ( وَمَا تَشاءُونَ إِلاّ أَنْ يَشاءَ اللّهُ ) ( [19]) .
فمشيئة الإنسان مسبوقة بمشيئة اللّه تعالى، فلذلك نهى الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) عن قول القائل: ما شاء اللّه وشاء محمد، وأمره بأن يقول: ما شاء اللّه ثمّ ما شاء محمد. وهذا صحيح بلا كلام. إلاّ أنّ الشيخ ومَن على منهجه اتّخذ ذلك النهي ضابطة كلية في عامّة الموارد الّتي يعطف فيها الرسول على اللّه سبحانه فيقولون بوجوب الفصل بينهما بـ«ثم» مع أنّه قياس مع الفارق أوّلاً، وعلى خلاف صريح الذكر الحكيم ثانياً.
قال سبحانه:( وَمَنْ يُطِعِ اللّهَ وَرَسُولَهُ ) .( [20])
وقال سبحانه: ( وَمَنْ يَعْصِ اللّهَ وَرَسُولَهُ ) .( [21])
وقال سبحانه:( وَمَا نَقَمُوا إِلاّ أَنْ أَغْناهُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ ) .( [22])
وقال سبحانه: ( وَقَالُوا حَسْبُنَا اللّهُ سَيُؤْتِينَا اللّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ ) .( [23])
إلى غير ذلك من الآيات الّتي عطف فيها الرسول على اللّه بلا فصل.
الأمر الثاني: الحلف بغير اللّه تعالى
إنّ اللّه سبحانه أقسم في القرآن الكريم بأشياء غير ذاته يربو عددها على الأربعين نذكر منها: التين، الزيتون، طور سينين، البلد الأمين، الليل، النهار، الفجر، الليالي العشر، الشفع، الوتر، الطور، الكتاب المسطور، البيت المعمور، السقف المرفوع ، البحر المسجور، وأخيراً فقد حلف سبحانه بعمر النبي حيث قال:( لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ ) ( [24]) . ثمّ إنّ الغاية من الحلف بهذه الموجودات أحد أمرين:
1.حثّ الإنسان وتحفيزه للاهتمام بتلك الموجودات والتفكير فيها ودراستها وما فيها من الأسرار والقوانين، ولذلك يقول سبحانه:( قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّماواتِ وَالأَرْضِ ) .( [25])
2. إظهار منزلة المقسم به الّتي يتمتع بها عند اللّه سبحانه كما هو الحال في حياة النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) وعمره.
ثمّ إنّ وجود هذا الكم الهائل من الأقسام في القرآن يدلّ على جواز الحلف بها، خصوصاً إذا كانت الغاية هي إبراز المنزلة والفضيلة للمقسم به، فلو كان الحلف أمراً قبيحاً ومستهجناً أو كان شركاً لما حلف سبحانه بها، وعلى أقلّ تقدير يذكر شيئاً في القرآن من أنّ الحلف بها من خصائصه سبحانه.
والعجب العجاب هو أنّ المخالف بعد أن واجه هذا المنطق القويم حاول الهروب من المأزق وقال: إنّ المقسم به في هذه الأقسام هو الرب فيعود معنى قوله سبحانه:( وَالشَّمْسِ وَضُحاها ) ( [26]) هو: رب الشمس، ورب ضحاها، كما يرجع معنى الحلف بحياة النبي إلى الحلف برب حياة النبي، فيكون معنى قوله: ( لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ ) أي «لرب عَمرك انّهم...»، وليس هذا إلاّ تأويلاً بلا دليل وتفسيراً بالرأي وإخراجاً للقرآن عن ذروة البلاغة.
الحلف بغير اللّه في الصحاح
لقد ورد الحلف بغير اللّه سبحانه في كلام النبي وغيره أكثر من مرة، ونحن نذكر هنا قليلاً من هذه الموارد، ونترك الباقي للآخرين:
روى مسلم في صحيحه: جاء رجل إلى النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) فقال: يا رسول اللّه، أيّ الصدقة أعظم أجراً؟
فقال: «أما وأبيك لتنبَّأنّه، أن تصدّق وأنت صحيح شحيح، تخشى الفقر وتأمل البقاء».( [27])
وهناك حديث آخر رواه مسلم أيضاً في باب ما هو الإسلام؟ وإليك نصّه:
«جاءَ رَجلٌ إلى رَسول اللّه  ـ مِن نَجد ـ يسألُ عن الإسلام، فقالَ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : خَمسُ صَلوات في اليَوم واللَّيل.
فقال: هَلْ عَلَيَّ غَيرَهُنَّ؟ قال: لا...إلاّ أن تطوّع، وصيامُ شهرِ رمضان.
فَقال: هَل عليَّ غَيرُه؟
قال:لا... إلاّ أن تطوّع، وذكر له رسول اللّه الزكاة.
فقال الرجلُ: هلْ عليَّ غيره؟
قال: لا... إلاّ أن تطوّع.
فأدبر الرَّجل وهو يقول: واللّه لا أزيدُ على هذا ولا أنقُصُ منه.
فقال رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) : أفلَحَ ـ وأبيه( [28]) ـ إن صدق. ( [29])
أو قال: دخل الجنة ـ و أبيه ـ إن صدق.( [30])
وروى أحمد هذا الحديث في مسنده، وفي آخره أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال لهذا الرجل: «فلعمري لئن تتكلّم بمعروف وتنهى عن منكر خير من أن تسكت».( [31])
أمّا فقهاء المذاهب الأربعة فلم يجمعوا على حرمة الحلف بغير اللّه، فقد قال فقهاء الحنفية والشافعية بأنّه مكروه، وأمّا المالكية فإنّ لهم فيه قولين: أحدهما الحرمة، والآخر الكراهة.( [32]) بقي الكلام فيما استدلّ به على الحرمة بحديثين:
1. قوله(صلى الله عليه وآله وسلم) :«من كان حالفاً فليحلف باللّه أو يسكت».
2. قوله(صلى الله عليه وآله وسلم) :«من حلف بغير اللّه فقد أشرك».
أمّا الحديث الأوّل: فقد حذف صدره، فقد روى أصحاب السنن أنّ رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) سمع عمر وهو يقول: «وأبي» فقال: «إنّ اللّه ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم، ومن كان حالفاً فليحلف باللّه أو يسكت».( [33])
والجواب: أنّ النهي عن الحلف بالآباء لأجل أنّهم كانوا في ذلك الزمان مشركين وعبدة للأوثان، فلم تكن لهم حرمة ولا كرامة حتّى يحلف أحدٌ بهم.
وقد جاء في الحديث عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قوله:«لا تحلفوا بآبائكم ولا بالطواغيت»( [34])، وجاء أيضاً قوله (صلى الله عليه وآله وسلم) :«لا تحلفوا بآبائكم ولا بأُمّهاتكم ولا بالأنداد».( [35])
فاقتران «الطواغيت» و«الأنداد» بالآباء لدليل واضح على أنّ الآباء كانوا يعبدونها.
ومع وجود هذه القرائن الواضحة، كيف يمكن أن يقال بأنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) نهى عن الحلف بالمقدّسات كالكعبة والقرآن وأولياء اللّه تعالى، مع العلم أنّ النهي خاصٌ بمورد معيّن، وأنّ النبيّ بنفسه كان يحلف بغير اللّه؟
وأمّا الحديث الثاني: أعني قوله (صلى الله عليه وآله وسلم) :«مَن حلف بغير اللّه فقد أشرك».
فيظهر المراد منه بنقل الرواية كاملة وهي: جاء ابنَ عُمر رجلٌ فقال:أحلف بالكعبة؟ قال له: لا، ولكن احلف بربّ الكعبة، فإنّ عمر كان يحلف بأبيه فقال له رسول اللّه: «لا تَحلِف بأبيك، فإنّ من حلف بغير اللّه فقد أشرك» .( [36])
والحديث ـ كما ترى ـ مؤلف من مقاطع، هي:
أ. جاء رجل ابن عمر، فسأله هل يحق له الحلف بالكعبة؟ فنهاه ابن عمر.
ب. انّ عمر كان يحلف بأبيه عند رسول اللّه فنهاه الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) عن ذلك.
ج. القاعدة الكلية الّتي ذكرها النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) وهي:«مَن حلف بغير اللّه فقد أشرك».( [37])
والقدر المتيقّن من كلام الرسول ما إذا كان  المحلوف به شيئاً غير مقدّس كالكافر والصنم، بشهادة انّ النبي ذكر ذلك عندما حلف عمر بأبيه الّذي كان كافراً، ولا يمكن انتزاع ضابطة كلية تعمّ الحلف بالكافر والمؤمن. ولكن ابن عمر اجتهد بأنّ قول النبيّ«مَن حلف بغير اللّه فقد أشرك» الّذي ورد في الحلف بالمشرك ـ وهو الخطّاب الذي هو والد عمر ـ اجتهد بأنّه يشمل الحلف بالمقدّسات أيضاً كالكعبة، مع العلم بأنّ كلام النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قد ورد في الحلف بالمشرك. واجتهاده حجة على نفسه لا على غيره مع العلم بخطئه في تطبيق الكبرى على غير موردها.
الأمر الثالث:  نهي النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) عن إطرائه النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) :«لا تُطروني كما أطرت النصارى عيسى ابن مريم إنّما أنا عبد اللّه، فقولوا عبد اللّه ورسوله».
ما نقله  الشيخ حق لا مرية فيه، ولكن  لا يوجد على أديم الأرض وتحت قبة السماء موحّد بعد ـ وصية النبي ـ يطري النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) كإطراء النصارى، والكلّ يشهدون له بالرسالة والعبودية ويقولون: «أشهد أنّ محمّداً عبده ورسوله» فما معنى إقحام ذلك الأمر في ثنايا كلامه، فهل يريد بذلك اتّهام الموحّدين المسلمين بالشرك وأنّهم يعتقدون بإلوهية النبي الأكرم أو ربوبيته؟!
الأمر الرابع: نهي النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) عن اتخاذ القبور مساجد
روى البخاري في كتاب الجنائز عن النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه قال:«لعن اللّه اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد».( [38])
في البدء لابد من دراسة الحديث من جانبين:
الأوّل: في صحّة مضمونه.
الثاني: ما هو المقصود من الحديث على فرض الصحّة؟
أمّا الأوّل: فالحديث وإن رواه البخاري، لكن  ليس كلّ ما في البخاري صحيحاً قطعياً لا يمكن تطرق الخطأ إليه مع أنّه ومن روى عنه فرد غير معصوم، ولذلك نحن نشك في صحّة الحديث من جانب التاريخ وبشهادة القرآن على سيرة اليهود، وذلك لأنّ سيرة اليهود كما هو معروف هي القسوة مع الأنبياء، وأنّهم كانوا يقتلون أنبياءهم واحداً بعد الآخر فكيف يحترمون أنبياءهم ويتخذون قبورهم مساجد؟ وهذا هو القرآن الكريم يصفهم بقوله:( لَقَدْ سَمِعَ اللّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِياءُ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمُ الأَنْبياءَ بِغَيْرِ حَقّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذابَ الْحَريقَ* ذَلِكَ بِما قَدَّمَتْ أَيدِيَكُمْ وَأَنَّ اللّهَ لَيْسَ بِظَلاّم لِلْعَبيدِ* الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللّهَ عَهِدَ إِلَيْنا أَلاَّ نُؤْمِنَ لِرَسُول حَتّى يَأْتِينَا بِقُرْبان تَأْكُلُهُ النَّارُ قُلْ قَدْ جاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلي بِالْبَيِّناتِ وَبِالّذي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقينَ ) .( [39]) كلّ ذلك يورث الشكّ في صحّة مضمونه.
وأمّا الجانب الثاني: فلو افترضنا صحة المضمون لكن التعرف على مغزى هذا الحديث يتوقّف على معرفة ما كان يقوم به اليهود والنصارى عند قبور أنبيائهم ، ذلك لأنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) إنّما نهى عن القيام بما كان يقوم به اليهود والنصارى، فإذا عرفنا عملهم، عرفنا بالتبع الحرامَ المنهيّ عنه.
إنّ في الحديث احتمالات ثلاثة يُحتمل أن تكون هي المراد لا مجرد الصلاة عند قبور الأنبياء للّه سبحانه:
1. اتّخاذ قبور الأنبياء قبلة لهم يصدّهم عن التوجّه إلى القبلة الواجبة.
2. يجعلون أنبياءهم شركاء مع اللّه سبحانه في العبادة.
3. يعبدون أنبياءهم بجوار قبورهم بدل أن يعبدوا اللّه الواحد القهّار.
ويدلّ على أنّ المراد هو أحد هذه الاحتمالات الثلاثة ما رواه مسلم عن زوجتي النبي : أُمّ حبيبة وأُم سلمة بأنّهما رأتا تصاوير في إحدى كنائس الحبشة قال النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) :«إنّ أُولئك إذا كان فيهم الرجل الصالح فمات، بنوا على قبره مسجداً وصوّروا فيه تلك التصاوير...».( [40])
فالهدف من وضع صور الصالحين بجوار قبورهم إنّما كان لأجل السجود عليها وعلى القبر، بحيث يكون القبر والصورة قبلة لهم، أو كانتا كالصنم المنصوب يُعبدان ويُسجد لهما.
إنّ هذا الاحتمال ـ اللائح من الحديث ـ ينطبق مع ما عليه المسيحيون من عبادة المسيح ووضع التماثيل  المجسّمة له وللسيدة مريم(عليهما السلام) .
ومع هذا المعنى فلا يمكن الاستدلال بهذه الأحاديث على حرمة بناء المسجد على قبور الصالحين أو بجوارها، وإقامة الصلاة فيها من دون أن يكون في ذلك أيّ شيء يوحي بالعبودية، كما عليه المسيحيون.
قال القسطلاني: إنّما صوّر أوائلهم الصُّور ليستأنسوا بها ويتذكّروا أفعالهم الصالحة، فيجتهدوا كاجتهادهم ويعبدوا اللّه عند قبورهم، ثمّ خلفهم قوم جهلوا مرادهم، ووسوس لهم الشيطان أنّ أسلافهم كانوا يعبدون هذه الصور ويعظّمونها، فحذّر النبي عن مثل ذلك.
إلى أن يقول: قال البيضاوي: لمّا كانت اليهود والنصارى يسجدون لقبور الأنبياء تعظيماً لشأنهم ويجعلونها قبلة يتوجّهون في الصلاة نحوها واتّخذوها أوثاناً، مُنع المسلمون عن مثل ذلك، فأمّا من اتّخذ مسجداً في جوار صالح وقصد التبرُّك بالقرب منه ـ لا للتعظيم ولا للتوجّه إليه ـ فلا يدخل في الوعيد المذكور.( [41])
وليس القسطلاني منفرداً في هذا الشرح، بل ذهب إلى ذلك السندي ـ شارح السُّنن للنسائي ـ حيث يقول:
«اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» أي: قبلة للصلاة يصلّون إليها، أو بنوا مساجد عليها يصلّون فيها. ولعلّ وجه الكراهة أنّه قد يُفضي إلى عبادة نفس القبر.( [42])
ويقول أيضاً:
يُحذّر (النبي) أُمّته أن يصنعوا بقبره ما صنع اليهود والنصارى بقبور أنبيائهم من اتّخاذهم تلك القبور مساجد، إمّا بالسجود إليها تعظيماً لها، أو بجعلها قبلة يتوجّهون في الصلاة إليها.( [43]) وأمّا إذا خلت الصلاة عند قبورهم عن هذه الصفة، تصبح الصلاة عند قبورهم بلا إشكال.
والمسلمون يصلّون في المسجد النبوي عبر قرون، وفيه قبر النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم) ، دون أن يتّخذه أحد منهم قبلة، أو يسجد له، أو يعبده، فما هذه الهمهمة والدمدمة حول مثوى خير البشر؟!!
فهل يريدون بذلك ـ لا سامح اللّه ـ إمحاء آثار النبوة وهدمها مع أنّ مثواه (صلى الله عليه وآله وسلم) هو بيته الّذي أمر اللّه برفعه وقال: ( فِي بُيُوت أَذِنَ اللّهُ أَنْ تُرْفَعَ ) .( [44])
[1] . سيرة زيني دحلان، بهامش السيرة الحلبية:3/391، طبع مصر.
[2] . نهج البلاغة: الخطبة 235; شرح ابن أبي الحديد المعتزلي:13/24(رواه عن محمد بن حبيب المتوفّى 245هـ); أمالي المفيد: 60.
[3] . المعجم الكبير:9/16ـ 17، باب ما أُسند إلى عثمان بن حنيف برقم 8310; المعجم الصغير :1/183ـ 184.
[4] . المستدرك:4/12، باب الفتن والملاحم.
[5] . فتح الباري:2/ 495. ولاحظ المصنف لابن أبي شيبة:7/ 482.
[6] . فتح الباري:2/ 495. أقول:ولمّا كان الحديث مرّاً على ذائقة المشرف على تحقيق« الفتح» وطبعه، علق عليه في الهامش قائلاً: بأنّ السائل مجهول وأنّ عمل الصحابة (رضي اللّه عنهم) على خلافه.
يلاحظ عليه: بأنّ محور الاستدلال ليس هو كون الرجل مجهولاً أو معلوماً أو كونه صحابياً أو تابعياً، وإنّما المحور هو سكوت الصحابة على عمله الّذي هو بمثابة إقرار ضمني على صحة عمله.
فما قاله من أنّ عمل الصحابة (رضي اللّه عنهم) على خلافه، ادّعاء بلا دليل، وما ذكرنا أو ما سنذكره أدلّ دليل على خلافه.
ثمّ إنّ المحقّق استدل على عدم جواز التوسل بالنبي بعد رحيله بأنّه لو كان جائزاً لما عدل عمر عنه ـ لمّا وقع الجدب ـ إلى الاستسقاء بالعباس، ولم ينكر ذلك عليه أحد من الصحابة فعلم انّ ذلك هو الحق.
يلاحظ عليه: أنّ وجه عدوله عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى عمّه ـ مضافاً إلى أنّ التوسل بالعباس كان نوعاً من التوسل بالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كما هو واضح ـ هو أنّ الهدف من إخراج عم النبي إلى المصلى وضمّه إلى الناس هو استنزال الرحمة. فكأنّ المصلين يقولون: ربّنا إذا لم نكن مستحقين لنزول الرحمة، فإنّ عم النبي مستحق لها، فأنزل رحمتك إليه لتريحه من أزمة القحط والغلاء وعندئذ تعمّ الرحمة غير العباس أيضاً. ومن المعلوم أنّ هذا لا يتحقق إلاّ بالتوسل بإنسان حيّ يكون شريكاً مع الجماعة في المصير وفي هناء العيش ورغده لا مثل النبي الراحل الخارج عن الدنيا والنازل في الآخرة، نعم يجوز التوسل بشخصه أيضاً ولكن لا بهذا الملاك، بل بملاك آخر لم يكن مطروحاً للخليفة في المقام.
[7] . النساء: 64.
[8] . وفاء الوفا:4/1361; الدرر السنية لأحمد زيني دحلان:21; شفاء السقام:62ـ 63.
[9] . وفاء الوفا:2/612; الدرر السنية: 21.
[10] . ذخائر العقبى لمحب الدين الطبري:252; مجمع الزوائد:9/ 36.
[11] . وفاء الوفا:4/ 1376.
[12] . الشورى: 21.
[13] . الإسراء:56ـ 57.
[14] . الإسراء: 56.
[15] . تفسير ابن كثير:3/ 46.
[16] . سبأ:22ـ 23.
[17] . تفسير ابن كثير:4/ 536.
[18] . آل عمران: 26.
[19] . الإنسان: 30.
[20] . النساء: 13.
[21] . النساء: 14.
[22] . التوبة: 74.
[23] . التوبة: 59.
[24] . الحجر: 72.
[25] . يونس: 101.
[26] . الشمس: 1.
[27] . صحيح مسلم:3/94، باب أفضل الصدقة من كتاب الزكاة.
[28] . أي: قَسَماً بأبيه: فالواو واو القَسم.
[29] . صحيح مسلم:1/32، باب ما هو الإسلام.
[30] . صحيح مسلم:1/32، باب ما هو الإسلام.
[31] . مسند أحمد:5/ 225.
[32] . للتفصيل راجع كتاب الفقه على المذاهب الأربعة:1/75، طبع مصر.
[33] . سنن ابن ماجة:1/ 277.
[34] . سنن النسائي:7/ 8.
[35] . مسند أحمد:2/ 34.
[36] . سنن النسائي:7/ 8.
[37] . السنن الكبرى:10/29; مسند أحمد:1/47، 2/34، 67، 78، 125.
[38] . صحيح البخاري:2/ 111.
[39] . آل عمران:181ـ 183.
[40] . صحيح مسلم:2/66، كتاب المساجد.
[41] . إرشاد الساري في شرح صحيح البخاري:1/ 430. وقد مال إلى هذا المعنى ابن حجر في فتح الباري:3/208 حيث قال: إنّ النهي إنّما هو عمّا يؤدّي بالقبر إلى ما عليه أهل الكتاب، أمّا غير ذلك فلا إشكال فيه.
[42] . السنن للنسائي:2/21، مطبعة الأزهر.
[43] . نفس المصدر السابق.
[44] . النور: 36.