قائمة المواضيع :
التوسّل بعمّ النبي
قال الشيخ في(ص58ـ 59): وأمّا توسل عمر والصحابة بدعاء العباس في الاستسقاء وهكذا توسل معاوية في الاستسقاء بدعاء يزيد بن الأسود فذلك لا بأس به لأنّه توسل بدعائهما وشفاعتهما ولا حرج في ذلك. ولهذا يجوز للمسلم أن يقول لأخيه: أدع اللّه لي، وذلك دليل من عمل عمر والصحابة ومعاوية على أنّه لا يتوسل بالنبي(صلى الله عليه وآله وسلم) في الاستسقاء ولا غيره بعد وفاته (صلى الله عليه وآله وسلم) ،ولو كان  ذلك جائزاً لما عدل عمر الفاروق والصحابة عن التوسل به (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى التوسل بدعاء العباس ولما عدل معاوية التوسل به (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى التوسل بيزيد بن الأسود، وهذا شيء واضح بحمد اللّه.
روى البخاري قال: كان عمر بن الخطاب إذا قُحطوا استسقى بالعباس بن عبد المطلب فقال: اللّهمّ إنّا كنّا نتوسّل إليك بنبينا فتسقينا وإنّا نتوسّل إليك بعم نبينا فاسقنا، قال: فيسقون.( [1])
والحديث صريح في أنّ عمر توسّل بذات العباس ومكانته وجعله الوسيلة بينه وبين اللّه، ولمّا  كان ظاهر الحديث مخالفاً لما عليه الشيخ من تحريم التوسل بذات الشخص حاول أن يؤوّل الحديث في كلامه، وقال: بأنّ الخليفة توسّل بدعاء العباس لا بشخصه ومنزلته.
لا أظن أنّ أحداً يحمل شيئاً من الإنصاف يسوّغ لنفسه أن يفسّر الحديث بما ذكره، لأنّه خلاف ما فهمه الآخرون من الحديث وخلاف القرائن الموجودة فيه.
أمّا الأمر الأوّل: فهذا هو الرجالي الكبير ابن الأثير يقول: واستسقى عمر بن الخطاب بالعباس، في عام الرّمادة لمّا اشتد القحط، فسقاهم اللّه تعالى به وأخصب الأرض، فقال عمر: هذا ـ واللّه ـ الوسيلة إلى اللّه والمكان منه.( [2])
وقال حسّان الشاعر:
سأل الإمامُ وقد تتابع جـد بنا *** فسقى الغمـام بغُـرّة العبـاس
عمِّ النبي وصنو والـده الـذي *** وَرث النبي بذاك دون النـاسِ
أحبى الإلهُ به البلادَ فأصبحت *** مُخضرَّة الأجنـاب بعـد اليـاس
ولمّا سُقي الناس طفقوا يتمسّحون بالعباس ويقولون: هنيئاً لك ساقي الحرمين.
إنّ التأمّل في هذه القضية التاريخية والّتي ذكر بعضاً منها البخاري في صحيحه، يؤكد على أنّ من مصاديق «الوسيلة» هو التوسّل بأصحاب الجاه والمنزلة عند اللّه، حيث ينتج منه التقرّب إلى اللّه وتكريم الداعي والمتوسّل.
وأي تعبير أوضح من قوله:«هذا ـ واللّه ـ الوسيلة إلى اللّه والمكان منه».
يقول القسطلاني(المتوفّى 923هـ):
«إنّ عمر ـ لما استسقى بالعباس ـ قال: «أيّها الناس إنّ رسول اللّه كان يرى للعباس ما يرى الوَلَدُ للوالد، فاقتدوا به في عمّه واتّخذوه وسيلة إلى اللّه تعالى».
وفي ذلك يقول العباس بن عتبة بن أبي لهب:
بعمي سقى اللّه الحجاز وأهله *** عشـية يستسقي بشيبتـه عمر
توجه بالعباس في الجدب راغباً  *** إليه فمـا إن رام حتّـى أتى المطـر
ومنـّـا رســول اللّه فينــا تـراثـــه *** فهل فوق هـذه للمفاخر مفتخر( [3])
إنّ الاحتجاج بترك الصحابة عملاً من الأعمال وأنّهم مثلاً:(لم يتوسّلوا بالنبي بعد رحيله وإنّما توسّلوا بعم النبي العباس) من غرائب الكلام، إذ لم يقل أحد بأنّ ترك الصحابة فعلاً من الأفعال، دليل على حرمته، وإنّما يحتج بفعلهم على جوازه، لا بتركهم.
فإذاً فما معنى قول الشيخ بأنّ الصحابة لم يتوسّلوا بالنبي بعد رحيله، مضافاً إلى أنّهم توسّلوا به بعد رحيله كما تقدّم ذكره.
الأمر الثاني: أعني: لو كان التوسّل بالنبي ـ بعد رحيله ـ جائزاً لما عُدِل إلى التوسّل بالعباس، فقد خفي على القائل وجه المعدول وليس هو إلاّ أنّ الخليفة حاول أن يوسط بين المستسقين وربّهم إنساناً مقرباً يكون شريكهم في الحياة ومثيلهم في المصير، وأمّا النبي الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) فهو وإن كان ذا مكانة عالية، لكنّه لأجل رحيله لم يكن (في زمان الاستسقاء) شريكهم، وكأنّ المتوسلين بالعباس يقولون بلسان الحال: ربنا وسيدنا إن لم نكن أهلاً للرحمة فعم النبي أهلاً لها، فأنزل رحمتك الواسعة لأجله، ومن المعلوم أنّ الرحمة إذا نزلت فهي ستشمل العام والخاص، ومن سأل ومن لم يسأل.
تعليم النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) التوسّل بشخصه
إنّ النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) هو الّذي علّم التوسّل بمكانه وشخصه، وذلك في الدعاء الّذي علمه للضرير، وإليك نص الحديث فليتأمل القارئ فيه، فهل أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كان قد أمر الضرير أن يتوسّل بدعاء النبي، أم أنّه قد أمره بالتوسل بشخص النبي ومقامه وشخصيته؟ ومن المعلوم أنّ شخصه ومكانته عند اللّه، محفوظة حيّاً وميتاً. وإليك الحديث:
روى أكثر من واحد من المحدثين( [4]) كالنسائي والبيهقي والطبراني والترمذي والحاكم ـ وقد اتّفقوا على صحة الحديث ـ : أنّ رجلاً ضريراً أتى إلى النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) فقال: ادع اللّه أن يعافيني.
فقال(صلى الله عليه وآله وسلم) : إن شئت دعوتُ، وإن شئت صبرت وهو خير؟
قال: فادعُهُ، فأمره أن يتوضّأ فيُحسن وضوءهُ ويصلي ركعتين ويدعو بهذا الدعاء:«اللّهم إنّي أسألك وأتوجّه إليك بنبيك نبي الرحمة، يا محمد انّي أتوجّه بك إلى ربّي في حاجتي لتقضى، اللّهم شفّعه فيّ».
إنّ الدعاء الّذي علّمه النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) تضمّن التوسّل بذات النبي بصراحة تامة.
فيكون ذلك دليلاً على جواز التوسّل بالذات، وقداسته محفوظة وهو حيّ عند اللّه كحياة الشهداء.
وإليك الجمل والعبارات الصريحة في المقصود:
1. اللّهم إنّي أسألك وأتوجّه إليك بنبيّك
إنّ كلمة«نبيّك» متعلّقة بفعلين، هما: «أسألك» و «أتوجّه إليك»، والمراد من النبي نفسه القدسية وشخصيته الكريمة لا دعاؤه.
وتقدير كلمة «دعاء» قبل لفظ «بنبيك» حتّى يكون المراد هو «أسألك بدعاء نبيّك، أو أتوجّه إليك بدعاء نبيّك» تحكّم وتقدير بلا دليل، وتأويل بدون مبرّر، ولو أنّ محدثاً ارتكب مثله في غير هذا الحديث لرموه بالجهمية والقدريّة.
2. محمد نبي الرحمة
لكي يتّضح أنّ المقصود هو السؤال من اللّه بواسطة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وشخصيته فقد جاءت بعد كلمة «نبيك» جملة «محمد نبي الرحمة» لكي يتّضح نوع التوسّل والمتوسّل به بأوضح ما يمكن.
3. يا محمد إنّي أتوجّه بك  إلى ربّي
إنّ  جملة «يا محمد إنّي أتوجّه بك إلى ربّي» تدلّ على أنّ الرجل الضرير ـ حسب تعليم الرسول ـ اتّخذ النبي نفسه، وسيلة في دعائه، أي أنّه توسّل بذات النبي لا بدعائه(صلى الله عليه وآله وسلم) .
4. شفّعه فيّ
إنّ قوله:«شفّعه فيّ» معناه يا رب اجعل النبي شفيعي، وتقبّل شفاعته في حقّي، وليس معناه تقبل دعاءه في حقّي، فإنّه لم يرد في الحديث أنّ النّبي دعا بنفسه حتّى يكون معنى هذه الجملة: استجب دعاؤه في حقّي، ولو كان هناك دعاء من النبي لذكره الراوي; إذ ليس دعاؤه(صلى الله عليه وآله وسلم) من الأُمور غير المهمة حتّى يتسامح الراوي في حقّه. وحتّى لو فرضنا أنّ معناه«تقبّل دعاءه في حقّي» فلا يضر ذلك بالمقصود أيضاً، إذ يكون على هذا الفرض هناك دعاءان: دعاء الرسول ولم يُنقل لفظه، والدعاء الذي علّمه الرسول للضرير، وقد جاء فيه التصريح بالتوسّل بذات النبي وشخصه وصفاته، وليس لنا التصرّف في الدعاء الذي علّمه الرسول للضرير، بحجّة أنّه كان هناك للرسول دعاء.
***
أسأل اللّه سبحانه أن ينوّر قلوبنا بنور الإيمان  ويجعلنا إخواناً يسدّد بعضنا البعض الآخر، ويرزقنا فهم الدين وإخلاص العمل، والتحرّز عن الخوض في دماء المسلمين برمي البعض بالشرك تارة وبالبدعة أُخرى، وأن يكون المعيار في الدخول إلى حظيرة الإسلام والخروج عنها قول نبيّنا (صلى الله عليه وآله وسلم) :«من شهد أن لا إله إلاّ اللّه واستقبل قبلتنا، وصلى صلاتنا، وأكل ذبيحتنا، فذلك المسلم، له ما للمسلم وعليه ما على المسلم».( [5])
وأن نجعل  نصب أعيننا قول نبيّنا(صلى الله عليه وآله وسلم) ـ كما أخرج مسلم عن نافع عن ابن عمر ـ انّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: «إذا كفّر الرجل أخاه، فقد باء بها أحدُهما».( [6]) وأخيراً أقول : إنّه ليس ممّا يرتضيه اللّه ورسوله أن يُرمى المسلمون الأخيار، الطافحة قلوبهم بأنوار التوحيد، والمفعمة أفئدتهم  بحبّ اللّه ومودة رسوله، بالشرك والكفر، لا لشيء إلاّ لشبهة أو شبهات حصلت للرامين، من دون أن يحقّقوا في الأمر، أو يستمعوا إلى أدلّة الطرف الآخر، أو يعيروا الكتاب والسنّة وسيرة السلف والخلف من الصحابة والتابعين والعلماء والمجاهدين الاهتمام الكافي والعناية المناسبة اللازمة.

[1] . صحيح البخاري:2/32، باب صلاة الاستسقاء.
[2] . أُسد الغابة:3/ 111.
[3] . المواهب اللدنيّة:4/277، تحقيق صالح أحمد التاجي.
[4] . انظر في مصادره:
1. سنن ابن ماجة:1/441، رقم الحديث 1385.
2. مسند أحمد:4/ 138.
3. مستدرك الصحيحين للحاكم:1/313، طبع الهند.
4. الجامع الصغير للسيوطي: 59.
5. تلخيص المستدرك للذهبي المطبوع بهامش المستدرك.
6. التاج الجامع:1/ 286.
[5] . جامع الأُصول لابن الأثير:1/ 158.
[6] . صحيـح مسلـم :1/56، بـاب مـن قـال لأخيه المسلم يـا كافر، من كتاب الإيمان.