قائمة المواضيع :
ثناء الإمام (عليه السلام) على الخلفاء
يقول الشيخ :
ورد في النهج انّ عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) لما استشار عليّاً عند انطلاقه لقتال فارس، وقد جمعوا للقتال، أجابه: «إنّ هذا الأمر لم يكن نصَره ولا خذلانه بكثرة ولا قلّة وهو دين الله تعالى الّذي أظهره... والعرب اليوم وإن كانوا قليلاً فهم كثيرون بالإسلام عزيزون بالاجتماع، فكن قطباً واستدر الرحى بالعرب» ( [1]) .
المناقشة:
إنّ الإمام (عليه السلام) قد كشف النقاب عن موقفه في التعامل مع الخلفاء كافة في كلامه الآتي، وذلك لأنّه شهد ـ بعد إقصائه عن الحكم واستتباب الأمر للخليفة الأوّل ـ استفحال المؤامرات الداخلية والخارجية ضد الإسلام وأهله، فأحسّ انّ وظيفته في هذا الموقف العصيب هي نصرة الإسلام والمسلمين، والتعاون مع الخلفاء بُغية تحقيق مصالح الإسلام العليا، والقضاء على المؤامرات الّتي استهدفته، فهذا هو الحافز الّذي دعا بالإمام إلى التعاون مع الخلفاء.
إنّ المسألة الّتي حازت على اهتمام الإمام علي (عليه السلام) في كلامه المتقدّم، هي مسألة الإسلام الكبرى، وما دام الخليفة الثاني أو أي شخص آخر يقود هذا الركب فالإمام(عليه السلام) يبذل له النصح والمشورة، وهذه الحقيقة جاءت في كتاب الإمام إلى أهل مصر مع مالك الأشتر لمّا ولاّه إمارتها، فقال: فو الله ما كان يُلقى في روعي ولا يخطر ببالي انّ العرب تُزعج هذا الأمر من بعده (صلى الله عليه وآله وسلم) عن أهل بيته ولا انّهم مُنحُّوه عنّي من بعده، فما راعني إلاّ انثيال الناس على فلان يبايعونه، فأمسكت يدي حتى رأيت راجعةَ الناس قد رجعت عن الإسلام يدعون إلى محق دين محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) فخشيتُ إن لم أنصر الإسلام وأهله أن أرى فيه ثلماً أو هدماً، تكون المصيبة به عليّ أعظم من فوت ولايتكم الّتي إنّما هي متاعُ أيام قلائل يزول منها ما كان كما يزول السراب أو كما يتقشع السحاب، فنهضتُ في تلك الأحداث حتّى زاح الباطل وزهق، واطمأنّ الدين وتنهنه ( [2]) .
وبالجملة فالظروف السائدة آنذاك فرضت على الإمام (عليه السلام) التعاون معهم والإشارة بالحق والصلاح عند الاستشارة، والإدلاء بالحق عند طلبه، وليس في هذا أي مدح لشخص الخليفة، ولو كان في كلامه تكريم فانّما هو لمقام الخلافة سواء أتقمّصها عمر بن الخطاب أم غيره .
ومنه يظهر وجه كلام الإمام لمّا استشاره عمر بن الخطاب في الخروج إلى غزوة الروم، فقال الإمام (عليه السلام) :
وقد تَوكّلَ اللهُ لأهل هذا الدين بإعزاز الحوزة، وستر العورة، والّذي نصرهم وهم قليل لا ينتصرون، ومنعهم وهم قليل لا يمتنعون، حيّ لا يموت... الخ ( [3]) .
لم يكن الإمام (عليه السلام) ـ نعوذ بالله ـ بالذي يُضمر حقداً أو ضغينة حتى يضنّ بنصيحة أو مشورة فيها عزٌّ للإسلام وحفظ لكيان المسلمين، فهو (عليه السلام) مثال الإنسان الكريم النفس، العالي الهمّة، الذي يقهر ذاته، ويذوب إخلاصاً لمبادئه، ويفيض حبّاً ورأفة وحناناً، فلا غرو إذن أن يسجّل مثل هذه المواقف الرائعة، وأن يشير بحكمته البالغة إلى ما فيه صلاح الإسلام والمسلمين.

[1] . تأمّلات في نهج البلاغة: 14. ولاحظ نهج البلاغة: الخطبة 142 وشرح نهج البلاغة: 9 / 95 .
[2] . نهج البلاغة: الخطبة 62، ط عبده .
[3] . نهج البلاغة: الخطبة 130، ط عبده .