قائمة المواضيع :
احتجاج الإمام بمبايعة الناس لأبي بكر وعمر
يقول الشيخ :
وأورد المرتضى في النهج عن علي (عليه السلام) في كتابه الذي كتبه إلى معاوية:
«إنّه بايعني القوم الذين بايعوا أبا بكر وعمر وعثمان على ما بايعوهم عليه، فلم يكن للشاهد أن يختار ولا للغائب أن يرد، وإنّما الشورى للمهاجرين والأنصار، فإن اجتمعوا على رجل وسمّوه إماماً كان ذلك لله رضىً فإن خرج عن أمرهم خارج بطعن أو بدعة ردّوه إلى ما خرج منه، فإن أبى قاتلوه على اتّباعه غير سبيل المؤمنين وولاّه الله ما تولّى» ( [1]) . وهنا يستدل الإمام على صحة خلافته وانعقاد بيعته بصحة بيعة من سبقه، وهذا يعني بوضوح أنّ علياً كان يعتقد بشرعية خلافة أبي بكر وعمر وعثمان ( [2]) .
المناقشة:
لقد سها قلم الشيخ وقال: قال المرتضى مكان أن يقول قال الرضي، كما أنّه حذف من آخر الخطبة ما يبيّن مقصود الإمام الذي لا صلة له بما يرتئيه المستدلّ. وهو قوله:
ولعمري ـ يا معاوية ـ لئن نظرت بعقلك دون هواك لتجدني أبرأ الناس من دم عثمان، ولتعلمنّ أنّي كنت في عزلة عنه، إلاّ أن تتجنّى فَتَجَنَّ مابدا لك ّ والسلام ( [3]).
وليس فضيلة الشيخ أوّل من استدلّ بهذا الكلام على أنّ بيعة المهاجرين والأنصار طريق إلى الإمامة والخلافة، بل استدلّ شيوخ المعتزلة به على مقاصدهم، ولكنّهم ـ سامحهم الله ـ غفلوا عن الظروف الّتي أدلى بها الإمام (عليه السلام) كلامه هذا .
كما غفلوا عن مخاطَبه، وتصوّروا أنّ الإمام يُدلي بقاعدة كلامية عامّة حول الإمامة، مفادها انّ الشورى حق للمهاجرين والأنصار، فإذا اجتمعوا على رجل وسمّوه إماماً كان ذلك إماماً ولله فيه رضا.
وهذا التفسير لكلام الإمام (عليه السلام) مرفوض جدأً، إذ ليس الإمام بصدد تبيين قاعدة كلامية، بل هو بصدد الاحتجاج على خصم عنود لدود بايع الخلفاء السابقين الذين استمدوا شرعية خلافتهم من بيعة المهاجرين والأنصار ولكنّه لم يبايع عليّاً وخالفه ونازعه.
فالإمام يحتجّ على هذا الشخص «بأنّ بيعتي بالمدينة لزمتك وأنت بالشام، لأنّه بايعني القوم الذين بايعوا أبا بكر وعمر وعثمان على ما بايعوهم عليه، فلم يكن للشاهد أن يختار ولا للغائب أن يرد». فهذا النوع من الاحتجاج هو الجدل الذي دعانا إليه الذكر الحكيم وقال:
( ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَ الْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَ جَادِلْهُمْ بِالتي هِيَ أَحْسَنُ ) ( [4]) .
فالاستدلال بالبرهان هوالدعوة بالحكمة، كما أنّ الدعوة بالنصائح هي الدعوة بالموعظة الحسنة، والاستدلال على الخصم بعقائده وأفكاره وأعماله هو الجدال بالتي هي أحسن .
فالإمام ورد من الطريق الثالث فاحتج على الخصم بما هو موضع قبوله، فلذلك بدأ رسائله بقوله:
«فإنّ بيعتي بالمدينة لزمتك وأنت بالشام لأنّه بايعني القوم» ( [5]) . وختمها بقوله: «ولعمري يا معاوية لئن نظرت بعقلك دون هواك لتجدنّي أبرأ الناس من دم عثمان، ولتعلمنَّ أنّي كنت في عزلة عنه، إلاّ أن تتجنّى فتجنَّ ما بدا لك والسلام».( [6])
والرسالة طويلة لخّصها الرضي، لأنّه يقتصر على الموضع البليغ من كلامه ومن قرأ كتاب الإمام إلى خصمه بتمامه لوقف على أنّ الإمام اتّخذ موقف المجادل الذي يحتجّ على خصمه بمقبولاته وأفكاره ، ولا يعدّ مثل ذلك دليلاً على أنّه من مسلّماته ومقبولاته .
وها نحن نذكر ما تركه الرضي من الرسالة ليكون دليلاً على صدق ما بيّناه قال الإمام في ذيل كلامه السابق:
«وإنَّ طلحة والزبير بايعاني ثم نقضا بيعتي، وكان نقضهما كردِّهما، فجاهدتهما على ذلك حتّى نجا الحق وظهر أمر الله وهم كارهون. فادخُلْ فيما دخل فيه المسلمون ; فإنَّ أحبَّ الأُمور إليَّ فيك العافية، إلا أن تتعرض للبلاء. فإن تعرضت له قاتلتك واستعنت اللهَ عليك. وقد أكثرتَ في قتلة عثمان فادخلْ فيما دخل فيه المسلمون، ثم حاكم القوم إليّ أحملك وإيّاهم على كتاب الله. فأمّا تلك التي تريدها فخُدعة الصبيِّ عن اللبن. ولعمري لئن نظرتَ بعقلكَ دون هَواك لتجدنِّي أبرأَ قريش من دم عثمان. واعلم أنّك من الطلقاء ( [7]) الذين لا تحلُّ لهم الخلافة، ولا تعرض فيهم الشُّورى. وقد أرسلتُ إليك وإلى من قِبلك جرير بن عبد الله، وهو من أهل الإيمان والهجرة. فبايعْ ولا قوة إلاّ بالله» .

[1] . نهج البلاغة: 446، قسم الرسائل: 6، ط محمد عبده .
[2] . تأمّلات في نهج البلاغة: 16 .
[3] . نهج البلاغة: قسم الرسائل: 6 .
[4] . النحل: 125 .
[5] . إنّ قوله: « فانّ بيعتي بالمدينة » وان لم يكن موجوداً في نسخة « نهج البلاغة » لكنه جاء فى سائر المصادر. لاحظ كتاب صفين: 29 لنصر بن مزاحم .
[6] . نهج البلاغة: قسم الرسائل: 6 .
[7] . الطلقاء: جمع طليق، وهو الأسير الذي أطلق عنه إساره وخلّى سبيله. ويراد بهم: الذين خلّى عنهم رسول الله يوم فتح مكة وأطلقهم ولم يسترقهم .