قائمة المواضيع :
الإمام ينهى عن الجزع في المصيبة
يقول الشيخ:
1 - وفي نهج البلاغة: وقال علي (عليه السلام) بعد وفاة النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) مخاطباً إيّاه: لولا أنّك أمرت بالصبر ونهيت عن الجزع لأنفدنا عليك ماء الشؤون( [1]).
2 - وذكر في نهج البلاغة أيضاً انّ علياً (عليه السلام) قال: من ضرب يده على فخذه عند مصيبته حبط أجره ( [2]).
المناقشة:
إنّ فضيلة الشيخ ذكر هاتين الكلمتين تحت في عداد البحث عن الغلو مع أنّهما لا صلة لهما بالغلو وانّما هي مسألة أُخرى، وهي جواز البكاء على الميت وعقد المجالس لأجله، وهذه مسألة فقهية ثبت جوازها بقول الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) وفعله، وإليك التفصيل:
الحزن والتأثّر عند فقدان الأحبّة أمر جُبلت عليه الفطرة الإنسانية، فإذا ابتلي الإنسان بمصاب عزيز من أعزّائه أو فلذة من أفلاذ كبده وأرحامه، يحسُّ بحزن شديد، تُذرف على أثره الدموع ، دون أن يستطيع أن يتمالك حزنه أو بكاءه.
ولا أجد أحداً ينكر هذه الحقيقة إنكارَ جد وموضوعية، ومن الواضح بمكان انّ الإسلام دين الفطرة يجاريها ولا يخالفها.
قال سبحانه: ( فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللهِ التي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا ) ( [3]) . ولا يمكن لتشريع عالميٍّ أن يمنع الحزن والبكاء على فقد الأحبّة ويحرّم البكاء إذا لم يقترن بشيء يُغضبُ الربّ.
ومن حسن الحظ نرى أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) والصحابة الكرام والتابعين لهم بإحسان ساروا على وفق الفطرة.
فهذا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يبكي على ولده إبراهيم، ويقول: «العين تدمع، والقلب يحزن، ولانقول إلاّ ما يُرضي ربنا، وإنّا بك يا إبراهيم لمحزونون» ( [4]).
روى أصحاب السِّيَر والتاريخ، أنّه لمّا احتضر إبراهيم ابن النبي، جاء (صلى الله عليه وآله وسلم) فوجده في حجر أُمّه، فأخذه ووضعهُ في حجره، وقال: «يا إبراهيم إنّا لن نغني عنك من الله شيئاً ـ ثمّ ذَرفتْ عيناه وقال: ـ إنّا بك يا إبراهيم لمحزونون، تَبكي العينُ ويحزن القلبُ ولا نقول ما يسخط الربّ، ولولا أنّه أمرٌ حقٌّ ووعدٌ صدقٌ وأنّها سبيل مأتيّة، لحزَنّا عليك حزناً شديداً أشدّ من هذا».
ولمّا قال له عبد الرحمان بن عوف: «أو لم تكن نهيت عن البكاء»؟ أجاب بقوله: «لا، ولكن نَهيتُ عن صوتين أحمقين وآخرين، صوت عند مصيبة وخمش وجوه وشقّ جيوب ورنّة شيطان، وصوت عن نغمة لهو، وهذه رحمة، ومن لا يَرحم لا يُرحَم»( [5]).
وليس هذا أوّل وآخر بكاء منه (صلى الله عليه وآله وسلم) عند ابتلائه بمصاب أعزّائه، بل كان (صلى الله عليه وآله وسلم) بكى على ابنه «طاهر» ويقول: «إنّ العين تذرف وإنّ الدمع يغلب والقلب يحزن، ولا نعصي الله عزّ وجلّ»( [6]).
هذا ولو حاولنا أن نجمع الموارد التي بكى فيها النبي والصحابة والتابعون على أعزائهم عند افتقادهم، لخرجنا برسالة مفردة ولكننا نقتصر هنا على بعض الموارد:( [7]) 1 - لما أُصيب حمزة (رضي الله عنه) وجاءت صفية بنت عبد المطلب تطلبه فحال بينها وبينه الأنصار، فقال (صلى الله عليه وآله وسلم) دعوها، فجلست عنده فجعلت إذا بكت بكى رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) وإذا نشجت نَشَجَ، وكانت فاطمة (عليها السلام) تبكي، ورسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) كلّما بكت يبكي، وقال: لن أُصاب بمثلك أبداً( [8]).
2 - ولما رجع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) من أُحد بكت نساء الأنصار على شهدائهن، فبلغ ذلك النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) فقال: لكن حمزة لا بواكي له، فرجع الأنصار فقالوا لنسائهم لا تبكين أحداً حتى تبدأن بحمزة، قال: فذاك فيهم إلى اليوم لا يبكين ميّتاً إلاّ بدأن بحمزة( [9]).
3 - وهذا هو (صلى الله عليه وآله وسلم) ينعى جعفراً وزيد بن حارثة وعبد الله بن رواحة وعيناه تذرفان ( [10]) . 4 - وهذا هو (صلى الله عليه وآله وسلم) قد زار قبر أُمه وبكى عليها وأبكى من حوله( [11]).
5 - وهذا هو (صلى الله عليه وآله وسلم) يقبّل عثمان بن مظعون وهو ميت ودموعه تسيل على خده( [12]) .
6 - وهذا هو (صلى الله عليه وآله وسلم) يبكي على ابن لبعض بناته، فقال له عبادة بن الصامت: ما هذا يا رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) قال: الرحمة التي جعلها الله في بني آدم وإنّما يرحم الله من عباده الرحماء( [13]).
7 - وهذه الصدّيقة الطاهرة تبكي على رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) وتقول: يا أبتاه مِنْ ربه ما أدناه، يا أبتاه أجاب ربّاً دعاه، يا أبتاه إلى جبرئيل ننعاه، يا أبتاه جنّة الفردوس مأواه( [14]). إذا وقفت على ذلك لتبيّن ان البكاء على الميت والحزن على فقدان الأحبّة أمر جميل جرت عليه السيرة، نعم الجزع المُعرِب عن الاعتراض على قضاء الله أمر مذموم وهذا ما قصده الإمام من قوله: «ولو لا أنّك أمرت بالصبر ونهيت عن الجزع» .
إنّ ما أجاب به النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) على اعتراض عبد الرحمان بن عوف يوضح ما هوالمنهي عنه في المقام حيث قال (صلى الله عليه وآله وسلم) : «إنّما نهيت عن صوتين أحمقين، وآخرين: صوت عند مصيبة وخمش وجوه وشقّ جيوب ورنة شيطان» ومعنى ذلك هو انّ المنهي عنه هو الجزع الملازم لخمش الوجوه وشق الجيوب ورنة الشيطان، ومن المعلوم أنّ الجزع بهذا المعنى لا يفارق الاعتراض على قضاء الله وتقديره، وأين هو من البكاء على فقد الأحبّة، مسلّماً لقضاء الله وراضياً بتقديره، دون أن يتكلّم بشيء يغضب الربّ أو يعمل عملاً يسخطه. والّذي يدلّ على ذلك أنّ الإمام جعل ضرب اليد على الفخذ عند المصيبة سبباً لحبط أجره، لأنّ الضرب نظير خمش الوجوه وشقّ الجيوب.
والحاصل: انّ البكاء والندب على فقد الأحبة وتبادل التعازي، لا ينافي الصبر الّذي أمرنا الله به سبحانه وقال: ( وَ بَشِّرِ الصَّابِرِينَ* الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا للّهِ وَ إِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ ) ( [15]) .
وليس كبح النفس عن البكاء، وعدم تذريف الدموع آية الصبر، وخلافها آية الجزع بل يجمعهما الرضا بالقضاء والقدر سواء أبكي أم لا، ذرفت عينه الدموع أم لا.
نعم، بقي هنا كلام، وهو ان فضيلة الشيخ ندّد بمظاهر الحزن التي تُنشر في أيام عاشوراء وجعلها من أمارات الجزع.
ونُلفت نظر فضيلة الشيخ إلى النقاط التالية، وإنْ كان الموضوع يحتاج إلى بسط في الكلام :
الأُولى: إنّ اجتماع الشيعة في أيّام عاشوراء وإظهار الحزن على ما جرى على الحسين (عليه السلام) وأولاده وأصحابه في ذلك اليوم، يُعد من مظاهر الحب للرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) وآله، ومن الواضح أنّ حبَّ الرسول وأهل بيته من أُصول الإسلام، فقد تضافرت الأدلّة على ذلك ويكفيك ما يلي!
فقد أمر الكتاب والسنّة بحب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وودّه أوّلاً، وتكريمه وتوقيره ثانياً، وحثّ عليهما في الشريعة قال سبحانه: ( قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَ أَبْنَاؤُكُمْ وَ إِخْوَانُكُمْ وَ أَزْوَاجُكُمْ وَ عَشِيرَتُكُمْ وَ أَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَ تِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَ مَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللهِ وَ رَسُولِهِ وَ جِهَاد فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللّهُ بِأَمْرِهِ وَ اللهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ ) ( [16]) .
1 - وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : «لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحبّ إليه من والده وولده والناس أجمعين» ( [17]).
2 - وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : «والذي نفسي بيده لا يؤمن أحدُكم حتى أكون أحبّ الناس إليه من والده وولده»( [18]).
3 - وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : «ثلاث من كنَّ فيه وجَدَ حلاوة الإيمان وطعمه: أن يكون الله ورسوله أحبَّ إليه ممّا سواهما، وأن يُحبّ في الله ويُبغض في الله، وأن تُوقَد نار عظيمة، فيقع فيها أحبّ إليه من أن يشرك بالله شيئاً ( [19]).
وهل يشك أحد في أنّ إظهار الحزن والندب يوم عاشوراء بصور ومظاهر مختلفة آية حب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وأهل بيته(عليهم السلام) ، نعم كثيراً ما نسمع من خطباء الحرمين أنّ الحبّ هو الاتّباع، وهذا لا يخالف ما ذكرنا فإنّ للتعبير عن الحب مظاهر مختلفة، فالاتّباع من مظاهره، كما أنّ الفرح يوم فرحهم والحزن يوم حزنهم من مظاهره. الثانية: إنّ إقامة المآتم ليس أمراً بدْعيّاً، فقد قام بها النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) حال حياته وأهل بيته بعد رحيله (صلى الله عليه وآله وسلم) في مواقف مختلفة، نذكر منها موردين ليكون نموذجاً لما لم نذكر:
1 - أخرج إمام الحنابلة أحمد في المسند عن عبد الله بن نجيّ، عن أبيه: أنّه سار مع علي (رضي الله عنه) فلما جازوا نينوى وهو منطلق إلى صفين، فنادى علي: اصبر أبا عبد الله! اصبر أبا عبد الله بشطّ الفرات! قلت: وماذا؟ قال: دخلت على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ذات يوم وعيناه تفيضان. قلت: يا نبي الله: أغضبك أحد؟ ما شأن عينيك تفيضان؟ قال: بل قام من عندي جبريل قبل فحدّثني: أنّ الحسين يُقتل بشطِّ الفرات، قال: فقال: هلَ لك إلى أن اشهدك من تربته؟ قال: قلت: نعم، فمدَّ يده فقبض قبضة من تراب فأعطانيها فلم أملك عيني أن فاضتا( [20]). 2 - أخرج الحافظ الترمذي عن رزين قال: حدثتني سلمى، قالت: دخلت على أُم سلمة وهي تبكي فقلت: ما يبكيك؟ قالت رأيت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ـ تعني في المنام ـ وعلى رأسه ولحيته التراب، فقلت: مالك يا رسول الله؟ قال شهدتُ قتل الحسين آنفاً ( [21]).
اقتصرنا على ذكر هذين الموردين، ومن أراد الوقوف على عدد المآتم التي أُقيمت في عصر الرسول وبعد رحيله بين أهل بيته فعليه الرجوع إلى كتاب « سيرتنا وسنتنا سيرة نبيّنا وسنته» للعلاّمة الأميني.
الثالثة: إن الغاية من عقد المجالس وتشكيل الأندية ليس هو إظهار الحزن والندب على شهيد الطف فحسب، بل ثمة غاية أُخرى وهي تخليد الثورة الحسينية في نفوس الأُمّة حتى يتّخذها الأحرار نبراساً مضيئاً ينير درب الجهاد والتضحية، فإن الحسين (عليه السلام) كما يعرّفه ابن أبي الحديد هو: سيد أهل الإباء الذي علّم الناس الحميّة والموت تحت ظلال السيوف، اختياراً له على الدنيّة، أبو عبد الله الحسين بن علي بن أبي طالب (عليه السلام) عُرض عليه الأمان، فأنف من الذل، وخاف من ابن زياد ان يناله بنوع من الهوان إن لم يقتله، فاختار الموت على ذلك. ( [22])
نعم، إنّ الذين يسودهم الجبن ويروْن الخروج على الإمام الظالم حراماً لا تروقهم تلك المظاهر الحزينة ويكنّون للأحرار وسيّدهم حقداً دفيناً، يقول الشيخ عمر النسفي في كتابه العقائد النسفية:
ولا ينعزل الإمام بالفسق ـ أي الخروج على طاعة الله تعالى وظلم عباده ـ لأنّ الفاسق من أهل الولاية ، وربّما يعلّل ذلك بأنّه قد ظهر الفسق واشتهر الجور من الأئمة والأمراء بعد الخلفاء الراشدين، والسلف كانوا ينقادون لهم، ولا يروْن الخروج عليهم. ( [23])
[1] . نهج البلاغة: الخطبة 230، شرح محمد عبده; شرح نهج البلاغة: 13 / 24 .
[2] . نهج البلاغة: قصار الحكم، 144 ; شرح نهج البلاغة: 18 / 342 .
[3] . الروم: 30 .
[4] . سنن أبي داود: 1 / 58 ; سنن ابن ماجة: 1 / 482 .
[5] . السيرة الحلبية: 3 / 348 .
[6] . مجمع الزوائد للهيثمي: 3 / 8 .
[7] . لاحظ كتابنا « بحوث قرآنية في التوحيد والشرك » : 141 - 149 .
[8] . امتاع المقريزي: 154 .
[9] . مجمع الزوائد: 6 / 120 .
[10] . سنن البيهقي: 4 / 70 .
[11] . سنن البيهقي: 4 / 70 .
[12] . سنن أبي داود: 2 / 63 .
[13] . سنن أبي داود: 2 / 58، سنن ابن ماجة: 1 / 481 .
[14] . مستدرك الحاكم: 3 / 163 .
[15] . البقرة: 155 - 156 .
[16] . التوبة: 24 .
[17] . جامع الأُصول: 1 / 237 - 238 برقم 20 و 21 و 22. وهنا روايات، تعطف حبّ العترة على حب الرسول فلاحظ .
[18] . المصدر السابق .
[19] . المصدر السابق .
[20] . مسند أحمد: 2 / 60 - 61 .
[21] . سنن الترمذي: 13 / 193 .
[22] . شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 3 / 249 .
[23] . شرح العقائد النسفية ممزوجاً مع المتن : 185 - 186 .