قائمة المواضيع :
ليس لدفع الموت سبيل
يقول الشيخ :
جاء في نهج البلاغة عن عليّ أنّه قال: «أُوصيكم بتقوى الله الذي ألبسكم الرياش وأسبغ عليكم المعاش، ولو أن أحداً يجد إلى البقاء سُلّماً أو لدفع الموت سبيلاً لكان ذلك سليمان بن داود (عليه السلام) » ( [1]) .
ويضيف الشيخ بأنّ كلام الإمام ينقض ما نقله الكليني في «الكافي» بأنّ الأئمة يعلمون متى يموتون، وانّهم لا يموتون إلاّ باختيار منهم، كيف؟ وعليّ يقول: أو لدفع الموت سبيلاً .
المناقشة:
لا شك في أنّه لم يكتب لأحد البقاءُ إلاّ لِذات الله سبحانه ووجهه، قال تعالى ( كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَان * وَ يَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلاَلِ وَ الإِكْرَامِ ) ( [2]) . وهو من أوضح المعارف القرآنية .
والإمام في خطابه بصدد إيقاظ الغافل، غير المكترث بفرائض الله سبحانه وعزائمه، المعتمد على قوته ومنعته، غافلاً عن أنّ المنعة والقدرة غير مانعة عن قضاء الله سبحانه، ولو كانت مانعة لكان سليمان النبي أولى بذلك، حيث كانت الريح العاصفة تجري بأمره، والشياطين يعملون له و...( [3]) ومع ذلك ما أغنته عندما قُضي عليه الموت وأدركه الأجل ( [4]).
والآن نرجع إلى ما نقله عن «الكافي»، فقد نقل عنه أمرين :
1 - إنّ الأئمة يعلمون متى يموتون . 2 - إنّ الأئمة يموتون باختيارهم.
وزعم أنّ بين هذين الأمرين وما ذكره الإمام في خطبته تعارضاً .
أقول: أيّة معارضة، بين ما جاء في خطاب الإمام من فناء كل إنسان وبين ما روي أنّ فريقاً من الناس يعلمون متى يموتون، وهل علم الإنسان بوقت الموت عين بقائه في الدنيا ؟
وإن كنت في ريب فلاحظ القضيتين التاليتين :
1 - كل من عليها فان .
2 - بعض الناس يعلم متى يموت .
فهل ترى بين القضيتين تعارضاً مع أنّه يشترط في التناقض وحدة المحمول، فهل المحمول فيهما واحد؟
وأمّا الأمر التالي وهو أنّهم لا يموتون إلاّ باختيارهم فليس معناه أنّهم لو اختاروا البقاء في الدنيا، لما ماتوا، كيف وقد ورد الوحي في بيوتهم: ( كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَان ) ( [5]) و ( كُلُّ نَفْس ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ) ( [6]) بل معناه انّه سبحانه كتب لهم آجالاً مختلفة فخيّرهم بينها.
أضف إلى ذلك انّ كتاب «الكافي»، كتاب حديث خاضع للنقاش في السند والدلالة، وليس عندنا كتاب صحيح غير خاضع للمناقشة إلاّ كتاب الله سبحانه، حتّى ولو صحّ السند وتمت الدلالة فلا يكون أيضاً دليلاً على العقيدة، لأنّه لا يحتج بخبر الآحاد على المسائل الاعتقادية التي يكون المطلوب فيها الإذعان، إذ لا يحصل اليقين بالخبر الواحد. هذا وللبحث صلة لا يسعها المقام.

[1] . نهج البلاغة: الخطبة 177، شرح محمد عبده ; شرح ابن أبي الحديد: 10 / 92 .
[2] . الرحمن: 27 - 28 .
[3] . الأنبياء: 81 - 82 .
[4] . سبأ: 14 .
[5] . الرحمن: 26 .
[6] . آل عمران: 185 .