قائمة المواضيع :
هل الأئمة يوحى إليهم أو أنهم محدَّثون
يقول الشيخ :
جاء في نهج البلاغة عن علي (رضي الله عنه) انّه قال في حق رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : «أرسله على حين فترة من الرسل... فقفّى به الرسلَ وختم به الوحي» .( [1])
فأين هذاالقول مما في الكافي( [2]) «في الفرق بين الرسول والنبي والإمام ان الرسول ينزل عليه جبرائيل فيراه ويسمع كلامه، والإمام هو الّذي يسمع الكلام ولا يرى الشخص» ( [3]).
المناقشة:
لا شك ان سيدنا محمداً (صلى الله عليه وآله وسلم) رسول الله وخاتم الرسل وبه خُتم الوحي والرسالة، ويعدّ ذلك من ضروريات الدين، فمن أنكر الخاتمية فقد أنكر أصلا ضروريّاً من أُصول الإسلام، وإنكاره يلازم إنكار رسالتة (صلى الله عليه وآله وسلم) وقد أشبعنا البحث في ذلك في كتابنا «الخاتمية في الكتاب والسنّة» وذكرنا الآيات الكريمة والروايات المتضافرة عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وأئمة أهل بيته(عليهم السلام) الدالة على الخاتمية.
وقد أشار الإمام علي (عليه السلام) إلى خاتمية الرسول في غير واحدة من خطبه ومنها في الخطبة الأُولى من قوله: «إلى أن بعث الله سبحانه محمداً رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) لإنجاز عِدَته وتمامِ نبوته، مأخوذاً على النبيّين ميثاقُه، مشهورة سماتُه» .
غير أن فضيلة الشيخ خلط بين النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) والمحدَّث وزعم أن كل من أُلهِم فهو نبيّ، وأنّ الوحي والإلهام أمر واحد. وهذا وهْم، كيف وقد أصفقت الأمّة الإسلامية على أن في الأُمّة لدة ما في الأمم السابقة أناس محدَّثون، وقد أقرّ بذلك النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم) كما ورد في الصحاح والمسانيد من طرق الفريقين العامّة والخاصّة ـ كما سيوافيك ـ .
والمحدَّث من تُكلِّمه الملائكة بلا نبوة ولا رؤية صورة، أو يُلهم ويُلقى في روعه شيء من العلم على وجه الإلهام والمكاشفة من المبدأ الأعلى، أو يُنكت له في قلبه من حقائق تخفى على غيره، أو غير ذلك من المعاني الّتي يمكن أن يراد منه، فوجود مَنْ هذا شأنه من رجالات هذه الأمّة مُتَّفَق عليه بين فرق الإسلام، بيد أن الخلاف في تشخيصه، فالشيعة ترى انّ عليّاً أمير المؤمنين وأولاده الأئمة(عليهم السلام) من المحدَّثين، وأهل السنّة يروْن أن منهم عمر بن الخطاب :
1 - أخرج البخاري في صحيحه في باب مناقب عمر بن الخطاب عن أبي هريرة، قال: قال النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) لقد كان فيمن كان قبلكم من بني إسرائيل رجال يُكلَّمون من غير أن يكونوا أنبياء، فإن يكن من أمتي منهم أحدٌ فعمر( [4]).
2 - أخرج البخاري في صحيحه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله انّه قد كان فيما مضى قبلكم من الأمم محدَّثون إنْ كان في أمتي هذه منهم فإنه عمر بن الخطاب.( [5])
3 - أخرج مسلم في صحيحه في باب فضائل عمر عن عائشة عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قد كان في الأمم قبلكم محدَّثون فان يكن في أمتي منهم أحد فان عمر بن الخطاب منهم( [6]).
وقد فسِّر المحدَّث بالملْهَم .
قال أبو جعفر الطحاوي: معنى قوله «محدَّثون» أي مُلْهمون، وكان عمر (رضي الله عنه) ينطق بما كان ينطق ملهماً ( [7]).
وقال النووي في شرح مسلم اختلف تفسير العلماء في المراد بمحدثون، فقال ابن وهب: «ملْهمون» وقيل «مصيبون إذا ظنوا» فكأنما حُدِّثُوا بشيء فظنوه، وقيل «تكلمهم الملائكة» وجاء في رواية «مكلّمون» وقال البخاري «يجري الصواب على ألسنتهم وفيه إثبات كرامات الأولياء»( [8]). قال ابن الأثير: انهم الملهمون والملهم هو الذي يُلقى في نفسه الشيء فيخبر به حدساً وفراسة. وهو نوع يختص به الله عزوجل من يشاء من عباده الذين اصطفى مثل عمر، كأنهم حُدِّثوا بشيء فقالوه( [9]).
وقال القرطبي: انهم تكلّموا بأمور عالية من أنباء الغيب، ونطقوا بالحكمة الباطنة فأصابوا فيما تكلّموا وعُصِموا فيما نطقوا ( [10]).
ولأعلام القوم حول المحدَّث والروايات الواردة في حقه كلمات وافية تعرب ـ بوضوح ـ عن وجود الفرق بين المحدَّث والنبي وانّه ليس كل من يُنَكت في أذنه أو يلقى في قلبه نبياً، واختلاف الشيعة مع السنّة إنّما هو في المصاديق فالشيعة ـ كما قلنا ـ يرون أن عليّاً أمير المؤمنين وأولاده الأئمة من المحدثين وأهل السنّة يرون أن منهم عمر بن الخطاب. فما هذه الهمهمة والدمدمة مع الاتفاق في الكبرى والاختلاف في الصغرى، وبذلك تستطيع على تفسير كل ما ورد حول علم الأئمة(عليهم السلام) ، مما أشار إليه فضيلة الشيخ، فخلط بين النبي والمحدَّث .
أن الله سبحانه ينسب إلى بعض عباده علما لدنّياً ويقول: ( فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَ عَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْماً ) ( [11]) .
وقد بلغ من العلم شأواً أنْ صار معلّماً لنبي زمانه ورسول عصره وقد جاءت قصته في سورة الكهف على نحو مفصَّل. إن صاحب موسى في السفينة وغيرها لم يكن نبيّاً، ولكنه أوتي من العلم مالم يؤت موسى الكليم، ولذلك قال له موسى: ( هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا ) ( [12]) .
وهذه القصة توقفنا على عدم الملازمة بين كون الإنسان محدَّثاً من جانب الغيب، ومعلماً من لدنه وكونه نبياً .
وكان المتوقع من الشيخ الفاضل أن يحيط علماً بما في الصحيحين وشروحهما ولا يتّهم كل من يقول بالإلهام والتحدث بالغيب بالقول بالنبوة. هذا ما كنا نتمناه ولكن (ما كلّ ما يتمنى المرء يدركه) ولو كان فضيلة الشيخ عارفاً بمنطق الشيعة وعقائدهم لعرف أن جميع ما في الكافي ممّا يتعلّق بهذا الموضوع يرجع إلى أنهم محدَّثون مُلهَمون من دون أن يكونوا أنبياء.
ولأجل إيقافه على جليّة الحال، نذكر حديثاً واحداً في المقام ليعلم ما هو المراد من تكلم الملائكة معهم .
أخرج الكليني عن حُمران بن أَعيَن قال: قال أبو جعفر (عليه السلام) : «إنّ عليّاً كان مُحدَّثاً» فخرجتُ إلى أصحابي فقلتُ: جئتكم بعجيبة. فقالوا: وما هي؟ فقلت: سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول: كان عليٌّ مُحدَّثاً، فقالوا: ما صنعت شيئاً ألا سألته من كان يحدِّثه؟ فرجعت إليه فقلت: إني حدّثت أصحابي بما حدّثتني فقالوا: ما صنعت شيئاً ألا سألته من كان يحدّثه؟ فقال لي: «يحدِّثه ملَك». قلت: تقول إنّه نبيٌّ؟ قال: فحرّك يده هكذا، «أو كصاحب سليمان( [13])، أو كصاحب موسى ( [14]) ، أو كذي القرنين ( [15]) ، أوَما بلغكم أنّه قال: وفيكم مثله». ( [16])
( إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ )( [17])
[1] . نهج البلاغة: الخطبة 133، شرح محمد عبده ; وشرح النهج .
[2] . الكافي: 1 / 176 .
[3] . تأمّلات في كتاب نهج البلاغة: 29 .
[4] . صحيح البخاري: ج 2 باب مناقب عمر بن الخطاب. والحديثان تحت رقم 3689 .
[5] . المصدر السابق .
[6] . صحيح مسلم بشرح النووي: 15 برقم الحديث 6154 .
[7] . مشكل الآثار: 2 / 178 رقم الحديث 1787 .
[8] . شرح صحيح مسلم للنووي: ذيل الحديث 6154 .
[9] . النهاية: مادة حدّث .
[10] . تفسير القرطبي: 12 / 79 .
[11] . الكهف: 65 .
[12] . الكهف: 66 .
[13] . يشير إلى قوله سبحانه: ( قَالَ الذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ ) . النمل: 40 .
[14] . يشير إلى قوله سبحانه: ( ... وَ عَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْماً ) الكهف: 65 .
[15] . يشير إلى قوله سبحانه: ( إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الأَرْضِ وَ آتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْء سَبَباً ) الكهف: 84 .
[16] . الكافي: 1 / 270 باب ان الأئمة محدَّثون .
[17] . ق: 37 .