قائمة المواضيع :
الخطوط العريضة التي سار على ضوئها الكاتب
لا يستغني أيُّ باحث عن اتخاذ أُصول موضوعية يبدي فكرته على ضوئها،  حتّى يكون لدراسته قيمة علمية.
وقد تصفّحنا تلك الرسالة الموجزة فوقفنا على الخطوط التي سار عليها المؤلف وهي تتلخّص في الأُمور التالية:
1. الأُسلوب الخطابي
اقتفى فضيلة الشيخ  في رسالته،  الأُسلوبَ الخطابي الذي كثيراً ما يُنتفع به في المسائل التربوية لا سيّما في تربية الجيل الجديد، وقد دعا إليه القرآن الكريم أيضاً بقوله تعالى: (ادعُ إِلى سَبيلِ رَبّك بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوعِظَةِ الحَسَنةِ وَجادِلْهُمْ بِالّتي هِي أَحسن ) ( [1]) ولعلّ الموعظة الحسنة هي الأسلوب الخطابي الذي ينفذ في قلوب الناشئين أكثر من غيره.
وكان على فضيلة الشيخ ـ خاصة في البحوث التاريخيةـ أن يستخدم الأُسلوب البرهاني بدل الأُسلوب الخطابي، إذ لكلّ  أُسلوب مجاله الخاص ولكنّه ـ  يا للأسف ـ استخدم إثارة العواطف والمشاعر  مكان الاستدلال بالوثائق  التاريخية.
ولإراءة  نموذج من أُسلوبه نأتي بكلامه  في تنزيه أصحاب النبي من أوّلهم إلى آخرهم وتعديلهم وتزكيتهم عامّة:
إنّ الذين يحبّون الرسول وبه يقتدون، يعتقدون بأنّ الرسول ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ أدّى الأمانة وبلّغ الرسالة وقام بما أمره اللّه به، ومن ذلك انّه بلغ أصحابه العلم وزكّاهم، وهم الذين أخذوا القرآن والسنّة من رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ مباشرة، وعنهم أخذ التابعون، والحكم  بعدالتهم من الدين، ومن الشهادة بأنّ الرسول  ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ قام بما أمره اللّه به.
والطعن فيهم يعني الطعن بإمامهم وقائدهم ومعلّمهم سيد المرسلين. ولا حول ولا قوة إلاّ باللّه.( [2])
ترى أنّه كيف يحاول اثارة مشاعر القارئ بشيء لا يتجاوز عن بيان أصل المدّعى، من دون إقرانه بدليل، إذ لا شكّ انّ الرسول  ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ   أدّى الأمانة وبلّغ الرسالة وقام بما أمر اللّه به، لكن أداء الأمانة والرسالة لا يلازم مثالية الصحابة ونزاهتهم من كلّ عيب وشين واتّصافهم بالعدالة والوثاقة من أوّلهم إلى آخرهم.
لاحظ قوله: «والطعن فيهم يعني الطعن بإمامهم وقائدهم».
أي تلازم بين الطعن في المدعو، والطعن في الداعي، فالقرآن يطعن في قوم نوح وعاد وثمود، فهل معنى هذا أنّه يطعن  في الدعاة (فما لكم  كيف تحكمون ) ؟!
هذا وقد استخدم المؤلف هذا الأُسلوب بكثرة اقتصرنا على هذا المورد تجنباً للاطناب.
2. انطباعات شخصية خاطئة
تجد انّ فضيلة الشيخ يستدلّ على تزكية عامّة الصحابة وتعلّمهم أحكام الشريعة بقوله سبحانه: (هُوَ الَّذِي بَعثَ في الأُمِّيّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ  يَتْلُوا عَلَيْهِمْ  آياتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي  ضَلال مُبِين ) .( [3])
فقال في تفسير الآية:
(ويزكّيهم ) وهم من خيرة الناس وقد قام الرسول ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ  بتربيتهم وتزكيتهم، فهل يعقل الطعن فيهم؟ وتأمّل في تقديم التزكيّة على التعليم! فهي لفتة لغوية لها دلالاتها.
وقال اللّه تعالى: (ويُعلّمُهُم الكتابَ والحِكْمَة ) وقد فعل الرسول  ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ   الواجب عليه، فهل يمكن لعاقل منصف يخاف اللّه أن يصف طلاّب الرسول ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ   بالجهل؟( [4])
أقول: إنّه سبحانه و تعالى إنّما يذكر شؤون النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ   بقوله: (ويزكّيهم ويعلّمهم الكتاب والحكمة ) وانّه  ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ   مأمور بكلتا المهمتين، وأمّا انّ الأُمّة التي عاشرت النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ   قد تزكّى جميع أفرادها وتَعلّموا بعد قيام النبي بالمهمتين فلا ملازمة بينهما، بشهادة انّ التزكية والتعليم من شؤون عامّة الأنبياء ولا تختصّان  بالنبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ  يقول سبحانه حاكياً عن لسان إبراهيم الخليل ( رَبَّنا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزيزُ الحَكِيمُ ) .( [5])
والآية كماهوالمتبادربصددبيانشؤونمطلقالرسول حتّى ولو قيل بأنّ المراد من قوله: «رسولاً» هو النبيّ الأكرم ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ  إذ ليس للأنبياء شأن في مجال التربية إلاّ التزكية والتعليم. ويدلّ على أنّ المهمّتين من خصائص الرسل قوله سبحانه:
(لَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلَنا بِالْبَيِّناتِ وَأَنْزَلْنا مَعَهُمُ الْكِتابَ وَالْمِيزانَ لِيَقُومَ النّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَديدَ فيهِ بَأْسٌ  شَدِيدٌ وَمَنافِعُ  لِلنّاسِ وَلِيعلَمَ اللّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالغَيْبِ إِنَّ اللّهَ قَوِيٌّ عَزِيز ) .( [6])
فالغاية من تأييد الرسل بالبيّنات وإنزال الكتب والميزان معهم هي إقامة القسط في المجتمع في عامّة مجالاته، وهذا هو نفس التزكية التي أُمر بها الرسول كما أمر بها عامّة الرسل.
وهذا النوع من التزكية لا يفارق التعليم يقول سبحانه: (جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ وَ بِالزُّبُرِ وَبِالكِتابِ الْمُنِير ) . ( [7])
ويقول سبحانه: (وَلَقَدْ أَخَذَ اللّهُ مِيثاقَ بَني إِسرائيلَ وَبَعَثْنا مِنْهُمُ اثْنَي عَشَرَ نَقِيباً وَقالَ اللّهُ إِنّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلاَةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكاةُ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللّهُ قَرْضاً حَسَناً لأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ... ) .( [8])
فإذا  كان التعليم والتزكية من شؤون الرسل، فهل يصحّ لفضيلة الشيخ أن يقول إنّ الأُمم السالفة الذين قام  رسلهم بتزكيتهم وتعليمهم صاروا كلّهم نموذجاً  للمثل العليا والفضائل الكبرى وصار الكل عدولاً ثقاةً من أوّلهم إلى آخرهم مع أنّ القرآن الكريم يحكي عن إبادة الأُمم السالفة لأجل الإعراض عن أنبيائهم؟!
فهذا  النوع من الانطباعات الشخصية عن آيات الذكر الحكيم يحكي عن اتّخاذ الشيخ لموقف مسبق، محاولاً إثباته بأيّة وسيلة وإن كانت فاقدة للدلالة.
3. قراءة صفحات  معدودة  من ملف الصحابة
إنّ فضيلة الشيخ حاول قراءة حياة الصحابة على ضوء الصفحات التي انتخبها  من ملف حياة  الصحابة واكتفى بما يرجع إليهم في غزوة «بدر» و« أُحد» وغيرهما بما يتم لصالح الصحابة، وغضّ النظر عمّا ورد في تلك الوقائع من ذمّ بعضهم والتنديد بالبعض الآخر مع الإشارة بطهارة قسم ثالث منهم.
وبتعبير آخر: نصادف عند  معالجة موضوع ما منهجين:
الأوّل: ينظر إليه من زاوية واحدة  يحشّد الباحث من خلاله، ما يدعم رؤيته ووجهة نظره، من دون أن يلتفت إلى زواياه وأبعاده الأُخرى.
وهذا المنهج الانتقائي، منهج خاطئ، لا يرتكز على أُسس علمية رصينة، والنتائج التي ينتهي إليها، تأتي ناقصة مشوّهة، لا تعبّر عن واقع، ولا تمثّل حقيقة.
والمنهج الثاني: ينظر إلى الموضوع من زوايا مختلفة، يقرأ الباحث من خلاله كلّ ما يرتبط به وما يمتّ إليه بصلة في محاولة منه للكشف عن صورته الحقيقية، وبالتالي خلق تصوّر واضح وصحيح عنه.
ولا ريب في أنّ ثمار هذا المنهج، ستكون ناضجة يانعة، يستسيغها طلاب الحقّ والحقيقة.
ولأجل بيان ما تقدّم، نتوجه للشيخ الدرويش ـ القاضي بالمحكمة الكبرى ـ بهذا الكلام:
إنّ القاضي العادل إذا ما رُفعت إليه قضية، فإنّه ينظر في ملفّ صاحبها بدقّة، ويقرأ ما ورد فيه على وجه التفصيل، ولا يغفل عن جانب من جوانبه، لكي تبدو له القضية بأجلى صورها، ويكون حكمه فيها قائماً على موازين القسط والعدل، بعيداً عن الحيف والظلم.
وليس من الإنصاف في شيء، أن يطالع بعض فصول الملفّ، ويغضّ الطرف عن سائر فصوله، بقصد إخفاء بعض الحقائق أو طمسها لدوافع معيّنة، أو بدون قصد.
وأنت  إذا ما طالعت  أثر الشيخ الدرويش، فإنّك  تجد أنّه اعتمد بشكل صارم  على المنهج الأوّل، وأقحم القارئ في درب ضيق ذي اتجاه واحد، وراح يسوقه فيه بدون هوادة، بما يختار من وسائل تنسجم ودوافعه المتمثّلة في إيصاله إلى الهدف المرسوم سلفاً، ثمّ يطلب منه ـ أي من القارئ ـ أن يتأمّل ويفكّر، وأن يسير ـ مع ذلك الضغط والإكراه ـ في الطريق التي يحبّ!!!
لقد عرض سماحة الشيخ سيرة الصحابة من خلال اعتماد هذا المنهج، وعلى قاعدة (وعين الرضا عن كلّ عيب كليلة)، وذلك بانتقاء النصوص التي تتفق وما يرمي إليه، وليس على أساس تقرير الحقائق، وإجلاء الواقع كما هو لا كما يتصوّره ويتمنّاه.
وليته وهو يورد النصوص القرآنية في حقّ الصحابة ـ كلّ الصحابة ـ أن يورد كلّ ما جاء عنهم في القرآن، ولكنّه أبى إلاّ أن يسير في منهجه حتّى النهاية، فيقتطع منها ما يخدم أغراضه المحددة. ثمّ إنّ دراسة حياة الصحابة لا تكتمل إلاّ من خلال مراجعة السنّة النبوية الشريفة والتاريخ الصحيح، وأمّا الاقتصار على بعض الآيات من الكتاب المجيد وإهمال ما سواه من المصادر، فهو أيضاً أمر مرفوض، ولا تقرّه طبيعة القضاء  الصحيح.

[1] -النحل: 125.
[2] -صحبة رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : 8.
[3] -الجمعة: 2.
[4] -صحبة رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : 7.
[5] -البقرة: 129.
[6] -الحديد: 25.
[7] -فاطر: 25.
[8] -المائدة: 12. فإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة رمز التعليم، وتكفير السّيئات رمز التزكية.