قائمة المواضيع :
حبّ الصحابة من مظاهر حبّ النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ وكرامة للمحبّ
الحب والبغض خُلّتان تتواردان على قلب الإنسان، تشتدّان وتضعفان، ولنشوئهما واشتدادهما أو انحلالهما وضعفهما عوامل وأسباب، ولا شكّ انّ حبّ الإنسان لذاته من أبرز مصاديق الحبّ، وهو أمر بديهي لا يحتاج إلى بيان، وجبليّ لا يخلو منه إنسان، ومن  هذا المنطلق حبُّ الإنسان لما يرتبط به أيضاً، فهو كما يحبّ نفسه يحبُّ كذلك كلّ ما يمتُّ إليه بصلة، سواء كان اتّصاله به جسمانياً كالأولاد والعشيرة، أو معنوياً كالعقائد والأفكار والآراء والنظريات التي يتبنّاها; وربّما يكون حبّه للعقيدة أشدّ من حبّه لأبيه وأُمّه، فيذبُّ عن حياض العقيدة بنفسه ونفيسه، وتكون العقيدة عنده أغلى  من كلّ شيء حتّى نفسه التي بين جنبيه.
فإذا كان للعقيدة هذه المنزلة العظيمة يكون لمؤسِّسها ومُغذّيها، والدعاة إليها منزلة لا تقلّ عنها، إذ لولاهم لما قام للعقيدة  عمود، ولا اخضرّ لها عود، ولأجل ذلك كان الأنبياء والأولياء، بل جميع الدعاة إلى الأُمور المعنوية والروحية، معزّزين لدى جميع الأجيال، من غير فرق بين نبيّ و آخر، ومصلح وآخر، فالإنسان يجد من صميم ذاته خضوعاً تجاههم، وإقبالاً عليهم.
ولهذا لم يكن عجيباً ان تحترم بل تعشق النفوس الطيبة طبقةَ الأنبياء والرسل منذ ان شرع اللّه الشرائع وبعث الرسل، فترى أصحابها يقدِّمونهم على أنفسهم بقدر ما أُوتوا من المعرفة والكمال.
ولوجود هذه الأرضية في النفس الإنسانية والفطرة البشرية، تضافرت الآيات والأحاديث على لزوم حب النبي وكلّ ما يرتبط به، وليست الآيات إلاّ إرشاداً إلى ما توحيه إليه فطرته، قال سبحانه: (قُلْ إِنْ كانَ آباؤُكُمْ وَأَبْناؤُكُمْ وَإِخْوانُكُمْ وَأَزْواجُكُمْ وَعَشيرَتُكُمْ وَأَموالٌ اقْتَرَفْتُمُوها وَتِجارَةٌ تَخْشَونَ كَسادَها وَمَساكِنَ تَرْضَوْنَها أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهاد في سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتّى يَأْتِي اللّهُ بِأَمْرِهِ وَاللّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقين ) .( [1])
وقال سبحانه: (وَمَنْ يَتَوَلَّ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللّهِ هُمُ الْغالِبُون ) .( [2])
وليست الآيات الحاثّة على حبّ الرسول الكريم ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ منحصرة في ذلك، وبما انّ حبّ النبيّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ   من الأُصول المسلّمة عند المسلمين اتّباعاً  للكتاب والسنّة نقتصر على هذا المقدار.
مظاهر حبّ النبيّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ  
إنّ لهذا الحب مظاهر ومجالي، إذ ليس الحب شيئاً يستقرّ في صقع النفس من دون أن يكون له انعكاس خارجي على أعمال الإنسان وتصرّفاته، بل من خصائص الحب ظهور أثره في نفس الإنسان وعلى قوله وفعله بصورة مشهودة ملموسة.
إنّ لحبّ النبي  ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ   مظاهر  كثيرة أهمّها اتّباع دينه والاستنان بسنّته والإتيان بأوامره والانتهاء عن نواهيه، وهذا شيء لم يختلف فيه اثنان.
ومن مظاهر حبُّ النبي حب ذوي القربى الذين جعل الوحيُ  الإلهي مودّتَهم شبه أجر الرسالة وقال: (قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاّ الْمَودّةَ فِي الْقُربى ) .( [3])
ومن تلك المظاهر حبّ أصحابه، ولا أظن انّ أحداً يؤمن باللّه ورسوله ويحبّ اللّه ورسوله وفي الوقت نفسه يبغض الصحابة ويسبّهم، (بما أنّهم صحابة نبيّه) لأنّ الإيمان بالرسول والحبّ له لا يجتمع مع بغض من أعانه وفدّاه بنفسه ونفيسه قبل الهجرة وبعدها، من غير فرق بين من آمن بمكة وعذّب وقُتل أو مات، و بين من هاجر إلى المدينة وشارك النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ في غزواته وشايعه في ساعة العسرة، كالبدريّين والأُحديّين وغيرهم من الصحابة الذين حفل القرآن الكريم والتاريخ بذكرهم وذكر تضحياتهم، وهذا شيء لا يختلف فيه اثنان من المسلمين.
هذا شيء تميل إليه النفس ويدعو إليه حبُّ النبي  ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ   وحبُّ دينه وحبُّ من عاضده، من غير فرق بين من استشهد في غزواته أو حضر فيها وقاتل لا سيما في بدر وأُحد، فإنّ للبدريّين والأُحديين مكانة خاصة في قلوب المسلمين وكثيراً ما يتمنّى المرء أن يحشر في عدادهم.
وهذا شيء اتّفق عليه المسلمون ولا يبغض الصحابيّ بما انّه صحب النبي وعاضده وعاونه ونشر الإسلام إلاّ  الجاهل غير العارف بالإسلام الخارج عن  عداد المسلمين.
فخرجنا بالنتيجة التالية، وهي: انّ حبّ النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ   لا ينفك عن حبّ أصحابه والمتعلّمين عنده وناشري دينه وحملة لوائه.

[1] -التوبة: 24.
[2] -المائدة: 56.
[3] -الشورى:23