قائمة المواضيع :
تعزيز السنّة لما أخبر عنه الوحي
انّ الذكر الحكيم قد تنبّأ بارتداد لفيف من المحدقين بالنبي في غزوة «أُحد» ، التي وقعت في السنة الثالثة من هجرة النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ  ، قال سبحانه: ( وَمَا مُحمَّدٌ إِلاّ رَسُولٌ قَدْخَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضرَّ اللّهَ شَيئاً وَسَيَجْزِي اللّهُ الشّاكِرين ) ( [1]) . والتنبّؤ وإن كان بصورة القضية الشرطية ولكنّه كان إنذاراً لهم وإخباراً عن وجود أرضية لهذه الطارئة. وقد أخبر النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ   في حديثه بصورة الجزم عن ارتداد قسم كثير من أصحابه على نحو يعمّ كافّة الطوائف من الصحابة ولا يختصّ بالطلقاء والوافدين في العام التاسع، وهذا ممّا لا يشكّ فيه أحد إذا تدبّر في الأحاديث التالية، ونحن نذكر ما جمعه  الجزري في «جامع الأُصول» والمتأمّل في هذه الروايات يقف على أنّ مسألة عدالة الصحابة والدعوة إلى الاقتداء بهم وحجّية قولهم بلا تحقيق في أحوالهم، فكرة طارئة على المجتمع الإسلامي روّجتها السلطة الأموية وبعدها العباسية للحدّ من الرجوع إلى أئمّة أهل البيت ـ عليهم السَّلام ـ  ، فانّ الناس  كانوا  بعد رحيل الرسول بين أمرين، إمّا الرجوع إلى أئمّة أهل البيت ـ عليهم السَّلام ـ  أحد الثقلين في حديث الرسول، أو الرجوع إلى الصحابة، فلم يكن بد للسلطة إلاّ إرجاع الناس إلى الصحابة وترفيع مكانتهم والثناء عليهم وتقديسهم على نحو يتجلّى للناس انّهم معصومون من العصيان والخطأ، بل لهم حقّ التشريع والتقنين، فأقوالهم وآثارهم وآراؤهم حجّة للأُمّة بلا كلام، وإليك ما نقله ابن الأثير في جامعه: 1. روى عبد اللّه بن مسعود، قال: قال رسول اللّه  ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : «أنا فرطكم على الحوض، وليُرفعنَّ إليَّ رجال منكم، حتى إذا أهويت إليهم لأناولهم اختلجوا دوني، فأقول: أي ربّ، أصحابي، فيقال: إنّك لا تدري ما أحدثوا بعدك». أخرجه البخاري ومسلم.
2.  روى أنس بن مالك أنّ رسول اللّه  ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ  قال: «ليردنَّ عليَّ الحوض رجال ممّن صاحبني، حتى إذا رأيتهم، ورفعوا إليَّ اختلجوا دوني، فلأقولنَّ: أي ربّ، أصحابي أصحابي، فليُقالنّ لي: إنّك لا تدري ما أحدثوا بعدك».
وفي رواية: ليردنّ عليّ أُناس من أُمتي ـ الحديث ـ و في آخره، فأقول: «سحقاً لمن بدّل بعدي». أخرجه البخاري ومسلم.
3. روى أبو حازم، عن سهل بن سعد، قال: سمعت النبي  ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ يقول: «أنا فرطكم على الحوض من ورد شرب، ومن شرب لم يظمأ أبداً، وليردنّ عليَّ أقوام أعرفهم ويعرفونني، ثمّ يُحال بيني وبينهم»، قال أبو حازم: فسمع النعمان بن أبي عياش، وأنا أُحدِّثهم هذا الحديث، فقال: هكذا سمعتَ سهلاً يقول؟ فقلت: نعم، قال: وأنا أشهد على أبي سعيد الخدري: لسمعته يزيد، فيقول: «إنّهم منّي، فيقال: إنّك لا تدري ما أحدثوا بعدك، فأقول: سحقاً سحقاً لمن بدّل بعدي». أخرجه البخاري و مسلم.
4. وللبخاري: أنّ رسول اللّه  ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ  ، قال: «بينا أنا قائم على الحوض إذا زمرة، حتى إذا عرفتهم خرج رجل من بيني وبينهم، فقال: هلمّ. فقلت: أين؟ فقال: إلى النار و اللّه.
فقلت: ما شأنهم؟ قال: إنّهم قد ارتدوا على أدبارهم القهقرى. ثمّ إذا زمرة أُخرى، حتى إذا عرفتهم خرج رجل من بيني و بينهم، فقال لهم: هلمّ ، قلت: إلى أين؟ قال: إلى النار واللّه، قلت: ما شأنهم؟ قال: إنّهم قد ارتدوا على أدبارهم. فلا أراه يخلص منهم إلاّ مثل هَمَل النعم».
5. ولمسلم : انّ رسول اللّه  ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ  قال: «ترد عليّ أُمّتي الحَوض و أنا أذود الناس عنه، كما يذود الرجل إبل الرجل عن إبله. قالوا: يا نبيّ اللّه تعرفنا؟ قال: نعم. لكم سيما ليست لأحد غيركم. تردون عليَّ غرّاً محجّلين من آثار الوضوء، وليصدَّن عنّي طائفة منكم فلا يصلون.
فأقول: يا رب، هؤلاء من أصحابي، فيجيبني ملك، فيقول: وهل تدري ما أحدثوا بعدك؟!».
6. روت عائشة، قالت: سمعت رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ  ، يقول ـ و هو بين ظهراني أصحابه ـ : «إنّي على الحوض أنتظر من يرد عليَّ  منكم. فواللّه ليُقطعنّ دوني رجال، فلأقولنَّ: أي ربِّ، منّي ومن أُمّتي! فيقول: إنّك لا تدري ماعملوا بعدك. مازالوا يرجعون على أعقابهم» . أخرجه مسلم.
7. روت أسماء بنت أبي بكر، قالت: قال رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : «إنّي على الحوض، أنظر من يرد عليَّ و سيُؤخذ ناس دوني، فأقول: يا رب، مني ومن أُمّتي ـ و في رواية، فأقول: أصحابي ـ فيقال: هل شعرت ما عملوا بعدك؟ واللّه ما برحوا يرجعون على أعقابهم». أخرجه البخاري و مسلم. 8. روت أُمّ سلمة، قالت: كنت أسمع الناس يذكرون الحوض. ولم أسمع ذلك من رسول اللّه  ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ  فلمّا كان يوماً من ذلك والجارية تمشطني، سمعت رسول اللّه  ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ يقول: «أيّها الناس»، فقلت للجارية، استأخري عنّي. قالت: إنّما دعا الرجال ولم يدع النساء فقلت:إنّي من الناس. فقال رسول اللّه  ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : «إنّي لكم فرط على الحوض، فإيّاي لا يأتينّ أحدكم، فيُذبُّ عني كما يذب البعير الضال، فأقول: فيم هذا؟ فيقال: إنّك لا تدري ما أحدثوا بعدك، فأقول: سحقاً». أخرجه مسلم.
9. روى سعيد بن المسيب انّه كان يحدّث عن أصحاب النبي  ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ قال:« يرد عليّ الحوض رجال من أصحابي، فيحُلؤون عنه. فأقول: يا رب، أصحابي، فيقول: إنّك لاعلم لك بماأحدثوا بعدك. انّهم ارتدوا على أدبارهم القهقرى» . أخرجه البخاري.
10. روى أبو هريرة، قال: قال رسول اللّه  ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : «والذي نفسي بيده، لأذودنّ رجالاً عن حوضي. كما تذاد الغريبة من الإبل عن الحوض. أخرجه البخاري ومسلم.
11. روى حذيفة بن اليمان: انّ رسول اللّه  ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ  قال: «إنّ حوضي لأبعد من أيلة إلى عدن. والذي نفسي بيده: لأذودنّ عنه الرجال، كما يذود الرجل الإبل الغريبة عن حوضه. قالوا: يا رسول اللّه، وتعرفنا؟ قال: نعم. تردون عليَّ غرّاً محجّلين من آثار الوضوء ليست لأحد غيركم. أخرجه مسلم.( [2])
وهذه الأحاديث  تعرب عن موقف محدِّثي أهل السنّة بالنسبة إلى الصحابة، مع أنّ بعضهم يتجاهلون هذه الروايات، وربّما ينسبون مفادها إلى الشيعة، فأيّهما أحقّ بهذه النسبة، أهؤلاء الذين رووا تلك الروايات ودوّنوها في صحاحهم وأسموها بأصحّ الكتب بعد كتاب اللّه؟ أم الشيعة؟

[1] -آل عمران:144
[2] - جامع الأُصول:11/119ـ 123 برقم 7969 ـ 7979 ، كتاب القيامة، الفرع الأوّل في الحوض.