قائمة المواضيع :
الإمساك عمّا شجر بين الصحابة من الخلاف
لقد شاع  على الألسن ما نسب إلى عمر بن عبد العزيز وأحياناً إلى الإمام  أحمد بن حنبل من لزوم الإمساك عمّا شجر بين الصحابة من الاختلاف، وكثيراً ما يقولون حول الدماء التي أُريقت بيد الصحابة ـ حيث قتل بعضهم بعضاً ـ تلك دماء طهّر اللّه منها أيدينا فلا نلوّث بها ألسنتنا.
غير أنّ هذه الكلمة من أيّ شخص صدرت تخالف القرآن الكريم والسنّة النبوية والعقل الصريح.
أمّا القرآن الكريم فقد وصف طوائف من الصحابة بالأوصاف التي  وقفت عليها عند تصنيف الصحابة وقال فيما قال: (يا أَيُّها الّذينَ آمَنوا إِنْ جاءكُمْ فاسِقٌ بِنَبأ فَتَبيّنوا أَن تصيبُوا قَوْماً بِجَهالة فَتُصْبِحُوا عَلى ما فَعَلْتُمْ نادِمين ) .( [1])
وأمّا  السنّة النبوية فهي تصف قتلة عمار بالفئة الباغية حيث قال ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ  : «تقتلك الفئة الباغية، تدعوهم إلى الجنّة ويدعونك إلى النار».( [2])
ويقول ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ  في حقّ الخوارج:« تمرق مارقة على حين فرقة من المسلمين تقتلهم أولى الطائفتين بالحق».( [3])
وهذه الأحاديث وأمثالها كثيرة مبثوثة في الصحاح والمسانيد، فإذا كان الإمساك أمراً واجباً والإطلاق أمراً محرماً، فلماذا أطلق الوحي الإلهي والنبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ لسانهما بوصف هؤلاء بالأوصاف الماضية؟!
وأمّا العقل فلا يجوّز لنا أن نلبس الحق بالباطل ونكتم الحقّ ونكيل للظالم والعادل بمكيال واحد، أمّا ما روي عن الإمام أحمد فلعلّه  يريد به الإمساك عن الكلام فيهم بالباطل والهوى، وأمّا الكلام فيهم بما اشتهر اشتهار الشمس في رائعة النهار ونقله المحدّثون والمؤرخون في كتبهم وأُشير إليه في الذكر الحكيم فلا معنى للزوم الإمساك عنه.
ثمّ إنّه يُستشفّ من هذا الكلام أنّ الدماء التي أُريقت في وقائع الجمل وصفين والنهروان، كانت قد سُفكت بغير حق، وهذا ـ  وأيم الحق ـ  عين النصب، وقضاء بالباطل، وإلاّ فأي ضمير حرّ يحكم بأنّ قتال الناكثين والقاسطين والمارقين، كان قتالاً بغير حقّ؟! وكلّنا يعلم أنّ أمير المؤمنين ـ عليه السَّلام ـ  كان على بيّنة من ربّه وبصيرة من دينه، يدور معه الحقّ حيثما دار، وهو الذي يقول: واللّه لو أُعطيبتُ الأقاليم السبعة بما تحت  أفلاكها على أن أعصيَ اللّهَ في نملة أسلبُها جِلْبَ شعيرة  ما فعلتُ.
يقول بعض المعاصرين:
نقول لأصحاب هذا القول: إنّ الشريعة التي نقلها هؤلاء الصحابة فيها كلّ ما نقول من تخطئة بعضهم، ففيها قصة ماعز الأسلمي والمخزومية وحاطب بن أبي بلتعة، وحديث عمّار، وفرار بعضهم يوم أُحد، وافتخارهم يوم حنين، وحديث الزبير والحوأب، وحديث قاتل عمّار في النار، وحديث الخلافة والملك، وغير ذلك من الأحاديث النبوية الصحيحة الكثيرة التي فيها تخطئة لأفراد أو جماعات منهم، فالشريعة التي نقلوها لم تأمرنا أن نجعلهم معصومين وإنّما أمرتنا بالأخذ بما أصابوا فيه أو أجمعوا عليه، أمّا ما اختلفوا فيه فينظر أقواها دليلاً.
ثمّ إنّ خطأ الأفراد لا يعني الجميع ولا يعني القدح في حملة الشريعة، بل انّ ردّ الأحاديث السابقة عن أخبار الصحابة فيها قدح غير مباشر في حملة الشريعة، وإلاّ فماذا يعني تضعيف الأحاديث الصحيحة أو صرفها عن معانيها الصحيحة؟!( [4])

[1] -الحجرات: 6.
[2] -الجمع بين الصحيحين:2/461، رقم 1794.
[3] -السنة لابن حنبل،رقم 41.
[4] -مع الشيخ عبد اللّه السعد في الصحبة والصحابة ،لحسن بن فرحان المالكي: 222.