قائمة المواضيع :
حسن العاقبة هو معيار القضاء الحاسم
اتّفق المسلمون على أنّ من آمن بعد الكفر والمعاصي، فهو من أهل الجنّة بمنزلة من لا معصية له; ومن كفر بعد الإيمان والعمل الصالح، فهو من أهل النار بمنزلة من لا حسنة له، إنّما الكلام في من آمن وعمل عملاً صالحاً وآخر سيّئاً واستمر على الطاعات والكبائر كما يشاهَد من الناس فم آله إلى الجنة ولو بعد النار، واستحقاقه للثواب والعقاب بمقتضى الوعد والوعيد من غير حبوط.( [1]) إنّ القضاء الحاسم في عدالة الشخص هو دراسة عامّة صفحات تاريخ حياته، وإلاّ فلو  حسنت حياته في فترة من فترات  عمره  ثمّ تبدّلت حاله وجنح إلى الفسق والفجور، فلا يستدلّ بحسن حاله في أوائل عمره على كونه من أهل السعادة، بل المعيار هو دراسة أُخريات عمره.
إنّ مسألة الإحباط والتكفير من المسائل العقائدية التي دام فيها التشاجر بين الأشاعرة والمعتزلة، ونحن لا نحوم حولها، وقد بسطنا الكلام فيها في محاضراتنا العقائدية.( [2])
ولكن الآيات القرآنية تشهد على أنّ بعض الأعمال السيّئة ربّما تُبطل ما حصّله الإنسان عبر حياته، يقول سبحانه: (يا أَيُّها الّذينَ آمَنُوا لا تَرفَعُوا أَصواتَكُمْ فَوقَ صَوْتِ النَّبيّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَولِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْض أَنْ تحْبِط أَعمالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُون ) ( [3]) وقد ذكر المفسرون في أسباب نزول الآية انّ بعض الصحابة كانوا يرفعون أصواتهم فوق صوت النبي، وكانوا يقفون وراء بيته ويقولون: أُخرج  يا محمّد!! فنزلت الآية وحذّرتهم من ذلك الأُسلوب المشين.
كلّ ذلك يدلّ على أنّ القضاء البات في حقّ الشخص هو دراسة سيرته طيلة حياته، ولذلك نرى أنّ أُناساً كانوا من الصالحين ولكن اقترفوا في أُخريات حياتهم أعمالاً قبيحة، فهبطوا عمّا كانوا عليه من المنزلة والمكانة.
والقرآن الكريم يحدِّثنا عن نماذج نذكر منهم:
1. من وصفه  بقوله: «الذي آتيناه آياتنا»  حيث يقول سبحانه: (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبأ الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا فَانْسَلَخَ مِنْها فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطانُ فَكانَ مِنَ الْغَاوِين ) .( [4])
روى السيوطي في «الدر المنثور» عن عبد اللّه بن عباس أنّه كان ممّن تعلّم اسم اللّه الأكبر.
وعنه أيضاً: أنّه كان رجلاً أُعطي له ثلاث دعوات يُستجاب له فيهن.
وعن كعب أنّه كان يعلم اسم اللّه الأعظم الذي إذا دعي به أجاب، ومع هذه المكانة انسلخ من هذه الآيات فاتبعه الشيطان فكان من الغاوين.( [5])
قال ابن كثير في تفسير قوله: (فأتبعه الشيطان ) أي استحوذ عليه وعلى أمره فمهما أمره امتثل وأطاع، ولهذا قال: (فكان من الغاوين ) أي من الهالكين الحائرين البائرين.
ثمّ روى عن حذيفة بن اليمان أنّه قال: قال رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ  : إنّ ممّا أتخوف عليكم رجل قرأ القران  حتى إذا روئيت بهجته عليه  وكان رداؤه الإسلام، اعتراه إلى ما شاء اللّه انسلخ منه ونبذه وراء ظهره....( [6])
ولأجل أخذ العبرة من حياة هذا الرجل  يقول سبحانه في الآية التالية بعد إتمام القصّة: (فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُون ) .
2. مصير قارون فقد كان ـ حسب ما تنقله الآثار ـ  ابن عم موسى وكان يسمّى المنظر لحسن صوته بالتوراة، ولكنّه بغى على بني إسرائيل، يقول سبحانه: (إِنَّ قارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآتَيْناهُ مِنَ الْكُنُوزِ ما إِنَّ مَفاتِحَهُ لَتَنُوأ بِالْعُصْبَةِ أُولي الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لاَ تَفْرَحْ إِنَّ اللّهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِين ) ( [7]) فقد جزاه اللّه سبحانه بالخسف به وبداره حيث قال: (فَخَسَفْنا بِهِ وَبِدارِهِ الأَرْضَ فَما كانَ لَهُ مِنْ فِئة يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللّهِ وَما كانَ مِنَ الْمُنْتَصِرِين ) ( [8]) . ( [9])
ولأجل أن نعتبر بسيرة هؤلاء يقول سبحانه بعد  إتمام القصة: (تِلْكَ الدّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي الأَرْضِ وَلا فَسَاداً وَالعاقِبَةُ لِلْمُتَّقين ) .( [10]) يقول ابن كثير في تفسير الآية: يخبر تعالى انّ الدار الآخرة ونعيمها المقيم الذي لا يحول ولا يزول جعلها لعباده المؤمنين المتواضعين الذين لا يريدون علوّاً في الأرض، أي ترفّعاً على خلق اللّه، وتعاظماً عليهم، وتجبراً بهم، ولا فساداً عليهم.( [11])
ولعلّ ما أخرجه مسلم  في صحيحه يهدف إلى بيان حال هذه الطبقة حيث روى عن عبد اللّه بن مسعود أنّه  قال: حدّثنا رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ   وهو الصادق المصدوق: «انّ أحدكم يجمع خلقه في بطن أُمّه أربعين يوماً، ثمّ يكون في ذلك علقة مثل ذلك، ثمّ يكون  في ذلك مضغة مثل ذلك، ثمّ يرسل الملك فينفخ فيه الروح ويؤمر بأربع كلمات يكتب رزقه وأجله وعمله وشقي أو سعيد، فوالذي لا إله غيره انّ أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتّى ما يكون  بينه و بينها إلاّ ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها، وانّ أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتّى ما يكون بينه و بينها إلاّ ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنّة فيدخلها».( [12])
وقال الإمام النووي عند شرحه لهذا الحديث: ويدخل في هذا من انقلب إلى عمل النار بكفر أو معصية، لكن يختلفان في التخليد وعدمه، فالكافر يخلّد في النار والعامي الذي مات موحداً لا يخلّد فيها، وفي هذا الحديث تصريح بإثبات القدر و انّ التوبة تهدم الذنوب قبلها، وانّ من مات على شيء حكم له به من خير أو شر إلاّ أنّ أصحاب المعاصي غير الكفر في المشيئة.( [13])
وعلى ضوء ذلك فما دلّ من الآيات والروايات على أنّه سبحانه رضي عن طوائف من الصحابة في ساعات خاصّة وأزمنة مختلفة، فلا يمكن الاستدلال بها على كونهم موصوفين بالحسن والوجاهة عند اللّه إلاّ إذا داموا على الحالة السابقة، وأمّا إذا بطلت بالأدلّة القطعية على اقتراف بعضهم السيئات وانحرافهم عن الحقّ المهيع، فإنّما  يؤخذ بالدليل الأخير.
وممّا لا شكّ فيه وقوع التشاجر والقتال بين الصحابة بعد رحيل النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ حتّى خاضوا  معارك دامية، فقتل من البدريّين والأُحديّين بيد بعض الصحابة، فهل يمكن أن يكون القاتل والمقتول من الطبقة المثلى؟!
ثمّ إنّ بعض الذين وقفوا على الأدلّة القاطعة الدالّة على اقتراف المعاصي والكبائر من قِبَل لفيف من الصحابة، حاولوا أن يبرّروا أعمالهم من خلال التشبّث بالاجتهاد!! ولكن عزب عنهم أنّ الاجتهاد أمام النص والضرورة، اجتهاد باطل لا يحوم حوله أيُّ مسلم واع.

[1] -شرح المقاصد:2/ 232.
[2] -لاحظ الإلهيات:4/336ـ 377.
[3] -الحجرات:2
[4] -الأعراف: 175.
[5] -الدر المنثور:3/608ـ 611.
[6] -تفسير ابن كثير:3/ 252.
[7] -القصص: 76.
[8] -القصص: 81.
[9] -تفسير ابن كثير:5/298; والدر المنثور:6/ 437.
[10] -القصص: 83.
[11] -تفسير ابن كثير:5/ 303.
[12] -صحيح مسلم:8/44، باب كيفية خلق الآدمي في بطن أُمّه من كتاب القدر.
[13] -شرح صحيح مسلم للنووي:16/434 ـ 435.