قائمة المواضيع :
غزوة بدر منازعة البدريين في الغنائم والأسرى
يقول الشيخ:
أنزل اللّه عزّ وجلّ في أحداث غزوة بدر سورة الأنفال، وقد تضمنت لطائف ودلالات على ما ذكرناه وهي كثيرة نقف مع ثلاث آيات منها:
قال اللّه تعالى : (إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَينزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّماءِ ماءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطانِ وَليربِطَ عَلى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الأَقْدام ) .( [1])
تأمّل  في الآية وتدبّر معانيها، فكّر في معنى التطهير وإذهاب رجس الشيطان، والآية التي بعدها شهد اللّه لهم بالإيمان (فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا ) لذا قال الرسول ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ  : «ولعلّ اللّه اطّلع على أهل بدر، فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم».( [2])
فاللّه سبحانه حكم بأنّ المهاجرين والأنصار بعضهم أولياء بعض، وقال أيضاً: (والّذينَ آمَنُوا وَهاجَرُوا وجاهَدُوا فِي سَبيلِ اللّهِ وَالَّذِينَ آوَوا وََنَصَرُوا أُولئك هُمُ المُؤْمنُون حَقّاً لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَريم * وَالّذينَ آمنوا مِنْ بعد وهاجَرُوا وجاهَدُوا مَعَكُمْ فأُولئكَ مِنْكُم وَأُولُوا الأَرْحامِ بَعْضُهُم أَوْلى بِبَعْض في كِتابِ اللّهِ إِنَّ اللّهَ بِكُلِّ شَيء عَلِيم ) .( [3])
اللّه أكبر،  هنيئاً لهم، أي وربّي انّها واللّه  الشهادة عن المولى سبحانه للسابقين الأوّلين من المهاجرين والأنصار بالإيمان لهم مغفرة ورزق كريم، فهل لمؤمن أن يطعن بهم مع هذه الشهادات والتأكيدات؟( [4])
المناقشة
إنّ ما استعرضه الشيخ من الآيات لا يثبت مدّعاه من تزكية كلّ من حضر في غزوة بدر من أوّلهم إلى آخرهم، وذلك لأنّ  القضاء الحاسم في الموضوع رهن استعراض جميع الآيات النازلة في تلك الغزوة، وعند ذلك يخرج الباحث بنتيجة قطعية، فنقول:
إنّ الحاضرين في غزوة بدر، تنازعوا وتشاجروا في أمرين، ونزل الوحي في ذمّهم وقدحهم، وإليك الأمرين:
1. تنازعهم في الغنائم الحربية
إنّ صحابة النبي  ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ   بعد انتصارهم على المشركين في غزوة بدر استولوا على أموال المشركين وتنازعوا  في  أمر الغنائم إلى حد التخاصم، كما يحكيه سبحانه و يقول: (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَنْفالِ قُلِ الأَنْفالُ للّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللّهَ وَأَصْلِحُوا ذاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنين ) .( [5])
إنّ ظاهر الآية بسياقها يدلّ على أنّه كان بين هؤلاء المشار إليهم بقوله: (يسألونك ) تخاصم، حيث خاصم بعضهم بعضاً فأخذ كلّ جانباً من القول ،لا يرضى به خصمه.
والتفريع الذي في قوله: (فاتَّقُوا اللّه وأَصلحوا ذات بَيْنكم ) يدلّ على أنّ الخصومة كانت في أمر الأنفال، ولازم ذلك أن يكون السؤال الواقع منهم إنّما وقع لقطع الخصومة كأنّهم تخاصموا في أمر الأنفال ثمّ راجعوا رسول اللّه يسألونه عن حكمها لرفع الخصومة.
والمراد من الأنفال في هذه الآية هي غنائم غزوة بدر، أو مطلق الغنائم ـ لأنّ المورد لا يخصص ـ فعند ذلك نزل قوله سبحانه: (قُل الأَنفال للّه و الرَّسُول فاتَّقُوا اللّه وأَصلحوا ذات بَيْنكم ) فالآية تخطّئهم فيما زعموا أنّهم يملكون الأنفال.
ويؤيد ذلك الروايات الصحيحة التي رواها أصحاب الصحاح والسنن في كتبهم.
أخرج أحمد و عبد بن حميد و  ابن جرير و أبو الشيخ و ابن مردويه والحاكم والبيهقي في سننه عن أبي أمامة، قال: سألت عبادة بن الصامت عن الأنفال؟ فقال: فينا أصحاب بدر نزلت حين اختلفنا  في النفل فساءت فيه أخلاقُنا، فانتزعه اللّه من أيدينا وجعله إلى رسول اللّه، فقسّمه رسول اللّه بين المسلمين.
وأخرج سعيد بن منصور وأحمد وابن المنذر و ابن أبي حاتم وابن حبان و أبو الشيخ والحاكم وصححه والبيهقي وابن مردويه عن عبادة بن الصامت، قال: خرجنا مع رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ   فشهدتُ معه بدراً، فالتقى الناس فهزم اللّه العدو، فانطلقت طائفة في آثارهم منهزمون يقتلون، واكبّت طائفة على العسكر يحوزونه ويجمعونه، وأحدقت طائفة برسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ   لا يصيب العدو منه غرة، حتّى إذا كان الليل، وفاء الناس بعضهم إلى بعض.
قال الذين جمعوا الغنائم: نحن حويناها وجمعناها فليس لأحد فيها نصيب.
وقال الذين خرجوا في طلب العدو: لستم أحقّ بها منّا، نحن نفينا عنها العدو و هزمناهم.
وقال الذين أحدقوا برسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ  : لستم بأحق بها منّا نحن أحدقنا برسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ   وخفنا أن يصيب العدو منه غرة واشتغلنا به، فنزل (يسألونك عن الأَنفال قُل الأَنفال للّه والرسول فاتَّقُوا اللّه وأَصلحوا  ذات بينكم ) .( [6]) وأبطل منطق المتنازعين وجعل  الأنفال للّه وللرسول، لا للغزاة، والرسول يضعها حيث يشاء وفق المصالح العامة الإسلامية.
وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف والترمذي وصححه والنسائي وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ ومردويه والبيهقي في سننه من طريق أبي صالح عن أبي هريرة قال: لمّا كان يوم بدر تعجل الناس إلى الغنائم  فأصابوها قبل أن تحلّ لهم، فقال رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ   إنّ الغنيمة لا تحل لأحد سود الرؤوس قبلكم.( [7]) ثمّ إنّه سبحانه يعظ هؤلاء السائلين ويأمرهم بأُمور  ثلاثة بقوله:
1. (فاتّقوا اللّه )
2. (وأصلحوا ذات  بينكم )
3. (وأطيعوا اللّه ورسوله ) .
ثمّ يذكر سبحانه ما يتميز به المؤمن عن غيره ويقول: (إِنّما المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ  زادَتْهُمْ إِيماناً وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُون... ) .( [8]) مشيراً إلى أنّ بعض هؤلاء غير موصوفين بهذه السمات.
فالإمعان في الآيات النازلة حول هؤلاء المتنازعين والروايات الواردة في تفسير الآية، لا تدع مجالاً للشكّ  في أنّ لفيفاً من الحاضرين في غزوة بدر لم يبلغوا في التقوى مرتبة عالية تميزهم عن غيرهم، بل كانوا كسائر الناس الذين يتنازعون على حطام الدنيا وزبرجها دون أن يستشيروا النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ   في أمرها، ويسألونه عن حكمها، أفهؤلاء الذين كانوا يتنازعون على حطام الدنيا، يصبحون مُثلاً للفضيلة وكرامة النفس والطهارة ؟!!
الثاني: تنازعهم في الأسرى
يقول  سبحانه: (ما كانَ لِنَبِىّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى حَتّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيا وَاللّهُ يُرِيدُ الآخِرَةَ وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكِيم * لَوْلا كِتابٌ مِنَ اللّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيماأَخَذْتُمْ عَذابٌ  عَظِيم *فَكُلُوا مِمّا غَنِمْتُمْ  حَلالاً طَيِّباً وَاتَّقُوا اللّهَ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَحِيم ) .( [9])
الآيات  عتاب من اللّه سبحانه لأهل بدر حين أخذوا الأسرى من المشركين قبل الإثخان في الأرض، ثمّ اقترحوا على رسول اللّه أن لا يقتلهم ويأخذ منهم الفداء ليصلح به حالهم ويتقوّوا بذلك على أعداء الدين، وقد شدّد سبحانه  في العتاب . وظاهر قوله سبحانه: (ما كانَ لنبي أن يكون له أسرى حتّى يُثخن في الأرض ) هو انّ السنّة الجارية في الأنبياء الماضين انّهم كانوا إذا حاربوا أعداءهم وظفروا بهم، ينكلونهم بالقتل ليعتبر به مَنْ وراءهم حتّى يكفّوا عن عدائهم للّه ورسوله، وكانوا لا يأخذون أسرى حتى يُثخنوا في الأرض ويستقر دينهم بين الناس، فعند ذلك لم يكن مانع من الأسر، ثمّ يعقبه المنّ أو الفداء.
يقول سبحانه في آية أُخرى: (فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقابِ حَتّى إِذا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الوَثَاقَ فَإِمّا مَنّاً بَعْد وَإِمّا فِداءً ) ( [10]) . فأجاز أخذ الأسر، لكن بعد الإثخان في الأرض واستتباب الأمر.
ثمّ إنّه يستفاد من الآيات الماضية أمران:
الأوّل: انّ الحافز لأكثرهم أو لفئة منهم هو الاستيلاء على عرض الدنيا دون الآخرة كما   يشير إليه سبحانه بقوله: (تريدون عرض الدنيا واللّه يريد الآخرة ) .( [11])
الثاني: لقد بلغ عملهم  من الشناعة درجةً، بحيث استحقّوا مسَّ  عذاب عظيم، غير أنّه سبحانه دفع عنهم العذاب لما سبق منه في الكتاب، قال سبحانه: (لولا كتاب مِنَ اللّه سَبَق لمسّكم فيما أخذتم ) ـ أخذ الأسرى ـ (عذاب عظيم ) .
فقوله : (عذاب عظيم ) يعرب عن عِظَم المعصية حتّى استحقُوا العذاب العظيم.
فإذا ضمّت الآياتُ بعضُها إلى بعض،  نخرج بالنتيجة التالية:
1.  انّ  أكثر  المسلمين  في غزوة بدر تخاصموا في أمر الغنائم واستولوا عليها بلا استشارة من النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ،  وهذا يحكي عن رغبتهم في الدنيا على نحو يجعلهم من المتوسطين في الإيمان. 2.  تنازعوا  في الأسرى على نحو استحقوا مسّ عذاب عظيم لعظم المعصية.
ولا يمكن لباحث أن يصف قاطبةَ البدريين بهذين الوصفين بل يرجعان إلى فئات منهم.
ومن هنا يعلم مدى صحة ما ورد في الصحيحين من أنّ عمر استأذن النبي  ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ بقتل حاطب بن أبي بلتعة فقال له النبي  ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ  : أليس من أهل بدر؟ لعل اللّه اطّلع على أهل بدر، فقال: اعملوا ما شئتم فقد وجبت لكم الجنة، أو فقد غفرت لكم.
وفي رواية: وما يدريك؟ لعلّ اللّه اطّلع على أهل بدر.( [12])
فهل يصحّ للنبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ   أن يعطي الضوء الأخضر لطائفة  أرادوا عرض الدنيا بدل الآخرة واستحقّوا مسّ عذاب عظيم، ويقول: اعملوا ما شئتم؟! وما ذلك إلاّ  لأنّكم شاركتم في غزوة من الغزوات إبّان ضعف الإسلام وإن تنازعتم إلى حد صرتم مستحقين لنزول العذاب، ومع ذلك لا عتب عليكم، فاقترفوا المعاصي؟!!
وهل يصحّ هذا التكريم والتقدير لكلّ من حضر غزوة بدر وفيهم من عرفت؟ولا منتدح من أن يقال: أنّ شأن البدريّين كشأن غيرهم من البشر، فيهم الصالح والطالح، وطالب الدنيا ومبتغي الآخرة من دون أن تكون لهم ميزة  في الطبيعة والخلقة، ولا يختلفون عن غيرهم في الإيمان والإخلاص.

[1] -الأنفال: 11.
[2] -صحيح البخاري:7/140، كتاب المغازي، باب فتح مكة; صحيح مسلم :7/168، باب فضائل أهل بدر..
[3] -الأنفال:74ـ 75.
[4] -صحبة الرسول:24ـ 25.
[5] -الأنفال: 1.
[6] -الدر المنثور:4/ 5.
[7] -الدر المنثور:4/ 108.
[8] -الأنفال: 2.
[9] -الأنفال:67ـ 69.
[10] -محمد: 4.
[11] -الأنفال: 67.
[12] -صحيح البخاري:7/40، المغازي، باب فتح مكة; صحيح مسلم: 7/168، باب فضائل أهل بدر.