قائمة المواضيع :
غزوة أُحد
يقول الشيخ:
أنزل اللّه سبحانه و تعالى على نبيّه ستين آية من سورة آل عمران في أحداث غزوة أُحد وماتضمّنته السورة مـن الثناء على الصحابة يستحق دراسـة واسعـة مفردة.
ومن أوّل آية تجد الترابط بين الرسول  ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ   وجنده والشهادة لهم من اللّه تعالى بالإيمان، قال اللّه تعالى: (وإذ غَدوتَ من أهلك تُبوئ المؤمنين مقاعد للقتال... ) ثمّ تمضي الآيات وفيها بيان لما حصل، وحتّى في آية العتاب التي فيها ذكر أسباب الهزيمة تجد قوله سبحانه (عفا عنكم ) العفو من اللّه لهم، وتأمّل في وصف حالهم بعد نهاية المعركة، بل النصر المبين الذي حصل لهم( [1])  وهروب قريش منهم، ورجع المؤمنون بفضل اللّه.
قال اللّه تعالى: (الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النّاسُ إِنَّ النّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيماناً وَقَالُوا حَسْبُنَا اللّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ *فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَة مِنَ اللّهِ وَفَضْل لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوانَ اللّهِ وَاللّهُ ذُو فَضْل عَظِيم ) ( [2]) شهادة المولى لهم بزيادة الإيمان، وانّهم اتبعوا رضوان اللّه، ولا يخفى عليك بأنّ جميع الذين شهدوا غزوة أحد ساروا مع الرسول ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ إلى حمراء الأسد هم الذين نزلت فيهم الآيات، وتأمّل فيما ذكره اللّه في ختام الآية ممّا يدل على سعة رحمة اللّه.( [3])
المناقشة
إنّ فضيلة الشيخ كعادته السابقة انتقى من ستين آية من سورة آل عمران التي تتحدث عن غزوة «أُحد» ما يدعم مدّعاه ويؤيّد ما يتبنّاه، ولكنّه أهمل دراسة الآيات الأُخرى التي إذا ضمّت إلى الآيات السابقة لحصلت نتيجة أُخرى، تختلف عمّا ذهب إليه، ونحن نذكر شيئاً  من تلك الآيات .
صفحات من ملف غزوة أُحد
(وَما مُحَمَّدٌ إِلاّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِل انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرّ اللّهَ شَيئاً وَسَيَجْزي اللّهُ الشّاكِرينَ * وَما كانَ لِنَفْس أَنْ تَمُوتَ إِلاّ بِإِذْنِ اللّهِ كِتاباً مُؤجّلاً وَمَنْ يَرِدْ ثَوابَ الدُّنيا نُؤْتِهِ مِنْها وَمَنْ يُرد ثَوابَ الآخرَةِ نُؤْتِهِ مِنْها وَسَنَجْزي الشّاكِرين *وَكَأَيّن مِنْ نَبيّ قاتَلَ مَعَهُ رِبّيّونَ كَثِيرٌ فَما وَهَنُوا لِما أَصابَهُمْ فِي سَبيلِ اللّهِ وَما ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكانُوا وَاللّهُ يُحبُّ الصابِرين * وَما كانَ قَوْلَهُمْ إِلاّ أَنْ قالُوا رَبّنا اغْفِر لَنا ذُنُوبَنا وَإِسْرافنا في أَمْرِنا وَثَبِّتْ أَقْدامَنا وَانْصُرْنا عَلى القَومِ الكافِرين * فَ آتاهُمُ اللّهُ ثَوابَ الدُّنيا وَحُسْنَ ثَوابِ الآخِرَةِ وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِين ) .( [4])
إنّ تفسير هذه الآيات على وجه التفصيل لا يناسب وضع الرسالة، فلنذكر خلاصة الآيات:
إنّ قوله سبحانه: (وما محمّد ) يشتمل على العتاب والتوبيخ لمن شهد غزوة أُحد، ويهدف إلى أنّ محمّداً ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ   ليس إلاّ رسولاً من اللّه مثل سائر الرسل، ليس شأنه إلاّ تبليع رسالة ربّه، لا يملك من الأمر شيئاً، وإنّما الأمر للّه، والدين دين اللّه  باق ببقائه; فما معنى اتّكاء إيمانكم على حياته حيث يظهر منكم أنّه لو مات أو قتل، تركتم القيام بالدين، ورجعتم القهقرى، واتّخذتم الغواية بعد الهداية؟!
وهذا  السياق أقوى شاهدعلى أنّهم عندما شاع خبر مقتله ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ يوم أُحد ، انسلّوا عند ذلك وتولّوا عن القتال، وسيوافيك بيانه عند عرض ما ورد في شأن الآيات، ومعنى ذلك أنّ إيمانهم كان قائماً بالنبي يبقى ببقائه ويزول بموته.
ثمّ إنّه سبحانه يستثني من هذا السياق الشاكرين الذين لم يظهر منهم هذا الانقلاب، أو لم يظهر منهم التولّي والانسلال حيث قال: (وسيجزى اللّه الشاكرين ) .
كما أنّه سبحانه يذكر بقوله: (وكأيّن من نبيّ قاتل معه ربيّون كثير... ) قصة من مضى من أصحاب الأنبياء، و في الآية وعظ مشوب بعتاب وتشويق للمؤمنين بأن يأتمّوا بهؤلاء الربيّين، فيعطيهم اللّه ثواب الدنيا وحسن ثواب الآخرة كما آتاهم.
قال ابن قيّم الجوزية: إنّ وقعة أُحد كانت مقدّمة وإرهاصاً ـ أي لوماً ـ بين يدي موت محمّد ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ   ونبّأهم ووبّخهم على انقلابهم على أعقابهم إن مات رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ   أو قُتل.( [5])
ونقل صاحبُ تفسير المنار عن أُستاذه الشيخ محمد عبده انّ كلمة (انقلبتم على أعقابكم ) من قبيل المثل تضرب لمن رجع عن الشيء بعد الإقبال عليه، والأحسن أن تكون عامّة تشمل الارتداد عن الدين الذي جاهر بالدعوة إليه بعض المنافقين، والارتداد عن العمل كالجهاد ومكافحة الأعداء وتأييد الحق، وهذا هو الصواب».( [6])
وعلى ضوء ما ذكره فالانقلاب المقصود بالآية لا ينحصر بترك كلمة التوحيد، بل يشمل ترك العمل بالحقّ الذي أوصى به النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ  ... ويعزز ذلك ما جاء في الجزء التاسع من صحيح البخاري، كتاب الفتن، انّ رسول اللّه  ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ يقول يوم القيامة: أي ربي أصحابي، فيقول له: لا تدري ما أحدثوا بعدك...وفي حديث ثان من أحاديث البخاري: إنّك لا تدري ما بدّلوا بعدك؟ فأقول: سحقاً سحقاً لمن بدّل بعدي...وليس في  شك انّ المراد بهذا التبديل الإعراض عن سنّته و وصيّته، ومخالفة أقواله وشريعته.( [7]) فخرجنا بهذه النتيجة:
1. أنّ القوم الذين شهدوا غزوة أُحد قد شارف بعضهم على التقهقر والانقلاب على الأعقاب، وكانوا لا يريدون إلاّ متاع الدنيا وثوابها دون ثواب الآخرة .
2. أنّ اللّه سبحانه أمر الصحابة بأن يأتموا بالربيّين الذين قاتلوا مع أنبيائهم فما وهنوا لما أصابهم في سبيل اللّه وما ضعفوا وما استكانوا ، بخلاف من حضر «أُحد» فقد وهنوا وضعفوا واستكانوا.
فتكون النتيجة: انّ الحاضرين في تلك الغزوة لم يكونوا على درجة واحدة في الإيمان والإخلاص والثبات ورباطة الجأش كما هو واضح.
صفحة ثانية من ملف «أُحد»
وهنا صفحة  من ملف «أُحد» أهمل الشيخ  دراستها ، لأنّها لا تدعم ما تبنّاه، بل تهدمه، وهي قوله سبحانه في شأن الرماة المستقرين فوق الجبل وكانوا يرشقون المشركين وبقية الأصحاب يضربونهم بالسيوف،  يقول سبحانه:
(وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللّهُ وَعْدَهُ إِذ تَحسُّونَهُم بإِذنهِ حتّى إِذا فَشِلْتُمْ وَتَنازَعْتُمْ فِي الأَمرِ وعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ما أَراكُمْ ما تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَن يُريدُ الدُّنيا وَمِنْكْمُ مَنْ يُريدُ الآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفا عَنْكُمْ وَاللّهُ ذُو فَضْل عَلى المُؤْمنين ) .( [8])
إنّ الآية تقسّم أصحاب النبي إلى قسمين:
1. منهم من يريد الدنيا وزخارفها و زبرجها.
2. منهم من يريد الآخرة ودرجاتها ورضوانه سبحانه.
فعندئذ كيف يصحّ لنا ان نزن الجميع بكيل واحد؟! فهل يساوى طالب الدنيا، بطالب الآخرة؟! (ما لكُم كَيْفَ تَحْكُمُون ) .
وأمّا تفسير الآية  فقد ذكرت كتب السير، والتفاسير، ما حدث في غزوة «أُحد» ونحن نأتي بملخّص ما قالوه: ذإنّ الرسول أقام الرماة عند الجبل صيانة لمؤخّر المسلمين، وأوصاهم أن لا يبرحوا مكانهم، حتّى ولو رأوا أنّ العدو تخطفه الطير، وكان الرماة خمسين رجلاً.
ولمّا ابتدأت المعركة قام كلٌّ من الطائفتين بما خُوِّل إليهم من الأعمال، فمن كان في مقدّم الصفوف يقاتل  المشركين بسيفه  و من كان على الجبل يرشق العدو بسهامه، حتّى انهزم العدو وتولّى وخرج عن ساحة الحرب وكانوا ثلاثة آلاف، وعند ذاك امتلأ الوادي بما خلّفوه من الغنائم، وحينما رآها الرماة ورأوا أنّ إخوانهم المسلمين يحوزونها دونهم، عصف بهم ريح الطمع واختلفوا فيما بينهم و قال بعضهم: ما بقاؤنا هنا، وتجاهلوا وصية الرسول وتشديده عليهم بالبقاء، فقال لهم أميرهم عبد اللّه بن جبير: امكُثوا ولا تُخالفوا أمر الرسول، ولكنّ أكثرهم غادروا مواقعهم لانتهاب الأسلاب والأموال، وتاركين أميرهم عبد اللّه في نفر دون العشرة.
واللّه سبحانه يشير إلى هذا التنازع والعصيان بقوله: (حتّى إِذا فَشِلْتُمْ وَتَنازَعْتُمْ فِي الأمر وَعَصَيْتُمْ ) .
كما أنّه سبحانه يشير إلى طمعهم في جمع الأموال والأسلاب، بقوله : (مِن بعدِ ما أراكُم ما تحبّون ) .
كما أنّه يشير إلى أنّ  الرماة المستقرين على الجبل كانوا على قسمين بقوله:
الف: (منهُم مَنْ يريد الدّنيا ) وهم الذين تركوا مقاعدهم طمعاً بالغنيمة.
ب: (منهم من يريد الآخرة ) وهم الذين  ثبتوا في مواقعهم مع أميرهم عبد اللّه بن جبير و استشهدوا ـ رضوان اللّه تعالى عليهم ـ  على يد خالد بن الوليد و من معه. وذلك لأنّ خالداً لمّا رأى  أنّ مؤخّرة المسلمين مكشوفة حيث أخلاها الرماة، اغتنم الفرصة، فهاجم مع جماعة من المشركين، البقية الباقيةَ من الرماة، وقاتل هؤلاء بشجاعة وحرارة حتّى  استشهدوا جميعاً، ولمّا  انكشف ظهر المسلمين ، رجع المشركون ـ المنهزمون ـ إلى الميدان من وراء المسلمين وأحاطوا بهم من الخلف والأمام وأكثروا فيهم القتل والجراح، ودارت الدائرة عليهم بعد أن كانت لهم.
وهذه هي النتيجة القطعية للتخاصم والتنازع أوّلاً، ومخالفة أمر الرسول ثانياً.
صفحة ثالثة من ملف أُحد
وهناك صفحة ثالثة  أهمل قراءتها الشيخ، كعادته فيما سبق وهو قاض بالمحكمة الكبرى بالقطيف، وكان  الأولى به أن لا يُصدر رأيه إلاّ بعد دراسة عامة  الصفحات التي يحتويها الملف، ولكنّه ـ يا للأسف ـ اقتفى  أثر «الانتقاء» ، وإليك تلك الصفحة الذي تصف هزيمة المسلمين بعد الانتصار ولجوءهم إلى الجبل، غير مكترثين بدعوة الرسول إلى  نصرته.
يقول سبحانه: ( إِذ تُصْعِدُونَ وَلاَ تَلْوُونَ عَلى أَحَد  وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْريكُمْ فَأَثابَكُمْ غَمّاً بِغَمّ لِكَيْلا تَحْزَنُوا عَلى ما فاتَكُمْ وَلاَ مَا أَصابَكُمْ وَاللّهُ خَبيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ) .( [9])
الخطاب للّذين انهزموا يوم أُحد وهو يصف خوفهم من المشركين وفرارهم يوم الزحف، غير ملتفتين إلى أحد، ولا مستجيبين إلى دعوة الرسول، حين كان يناديهم من ورائهم ويقول: هلم إليّ عباد اللّه أنا رسول اللّه...ومع ذلك لم  يُجبْهُ أحد من المولّين.
والآية تصف تفرّقهم وتولّيهم على طوائف أُولاهم مبتعدون عنه، وأُخراهم قريبون منه، والرسول يدعوهم ولا يجيبه أحد لا أوّلهم ولا آخرهم، فتركوا النبي بين جموع المشركين غير مكترثين بما يصيبه من القتل أو الأسر أو الجرح.
نعم كان هذا وصف طوائف منهم وكانت هناك طائفة أُخرى، التفُّوا حول النبي ودفعوا عنه شر الأعداء، وهم الذين أُشير إليهم بقوله سبحانه: (وسَيجزِي اللّهُ الشاكِرِين ) .( [10])
صفحة رابعة من ملف أُحد
ثمّ إنّه سبحانه يصف بعض من حضر الواقعة بأنّهم ـ عند الانهزام  والقنوط من انتصار المسلمين ـ ظنّوا باللّه ظنّ الجاهلية، يقول سبحانه:
(...وطائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجاهِليَّةِ يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الأَمْرِ مِنْ شَيء قُل إِنَّ الأَمْرَ كُلَّهُ للّهِ يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لا يُبْدُونَ لَكَ... ) .( [11])
الآية تخبر عن اقتراب بعض من حضر الواقعة من  الردة حيث ظنّوا  باللّه ظنّ الجاهلية، فقالوا: لو كان محمّد نبيّاً لما تسلّط عليه المشركون، جاهلين أو متجاهلين بأنّ  الحرب  سجال ، وانّ الأُمور بخواتيمها، ولكنّهم ظنّوا أنّ دين الحق لا يُغلب، لأنّ اللّه وعد أن ينصره من غير قيد وشرط.
ثمّ يشير بقوله سبحانه : (يخفون في أنفسهم ما لا يبدون لك ) ، إلى طروء الشك، بل الإنكار عليهم، ومن الخطأ تفسير الآية بالمنافقين وعلى رأسهم عبد اللّه بن أُبيّ، فإنّهم قد  رفضوا  المشاركة في القتال ورجعوا وهم في وسط الطريق، كما هو واضح لمن سبر كتب السير.
صفحة خامسة من ملف أُحد
وهذه  الصفحة  تخبر عن سيّء عملهم وهو تولّيهم يوم التقى الجمعان ويصفه بأنّ الشيطان استزلّهم، قال سبحانه:
(إِنّ الّذين تَوَلَّوْا مِنْكُمْ  يَوْمَ الْتَقَى الجَمْعانِ إِنَّما استَزَلَّهُمُ الشَّيْطانُ بِبَعضِ ما كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفا اللّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ ) .( [12])
والآية تشير إلى ما  اقترفوا من عمل سيِّئ و هو الفرار من الزحف، والآية تعمّ الرماة وغيرهم، ولا تشمل المنافقين لقوله تعالى: (ولقد عفا اللّه عنهم ) ، لأنّ اللّه لا يعفو عن المنافق المصرّ على النفاق الذي هو أعظم من الشرك الواضح. ونحن نقتصر بهذا المقدار من الآيات التي  تبيّن  لنا، مواقف عدّة من الصحابة  في غزوة أُحد، بحيث لا يترك لنا  شكّاً في أنّ صحابة الرسول على طوائف منهم بلغ قمة الإيمان، فلا يهمه سوى رضا اللّه سبحانه غير مكترث بحياته الدنيوية، ومنهم من استزله الشيطان ببعض ما اكتسب، فتولّى يوم التقى الجمعان، مضافاً إلى  بعض الأعمال السيّئة التي أدت إلى شهادة جم غفير من أصحاب الرسول.
أفيصح أن نكيل الجميع بكيل واحد ونتّخذهم قدوة وأُسوة، ونأخذ معالم ديننا من هؤلاءجميعاً؟ كلاّ و لا.
موجز ما ورد في الأحاديث والآثار
قد تعرّفت قضاء القرآن الكريم في مَن حضر غزوة أُحد، فهلمّ معي ندرس ما ورد في كتب الحديث والآثار حول من حضر فيها، وهو كثير لا يسعنا نقله، ولكن نشير إلى بعضه:
1. ذكر الحافظ السيوطي في تفسير قوله سبحانه: (وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّون الموتَ مِنْ قَبْلِ أَن تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُون ) .( [13])
قال: أخرج ابن أبي حاتم من طريق العوفي عن ابن عباس انّ رجالاً من أصحاب النبي كانوا يقولون ليتنا نُقْتَل كما قتل أصحاب بدر ونستشهد، فأشهدهم اللّه أُحداً، فلم يلبثوا إلاّ من شاء اللّه منهم، فقال اللّه : (وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمنَّون المَوت... ) .
2. نقل السيوطي في تفسير قوله سبحانه: (وَما مُحَمَّدٌ إِلاّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُم... ) .( [14])
3. نقل السيوطي وقال: أخرج أبو جرير وابن أبي حاتم عن الربيع في الآية قال: ذلك يوم أُحد حين أصابهم ما أصابهم من القتل والقرح، وتداعوا نبي اللّه...؟ قالوا: قد قُتِلَ. وقال أُناس منهم: لو كان نبياً ما قتل. وقال أُناس من علية أصحاب النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ  : قاتلوا على ما قتل عليه نبيكم حتّى يفتح اللّه عليكم أو تلحقوا به، وذكر لنا انّ رجلاً من المهاجرين مرّ على رجل من الأنصار وهو يتخبط في دمه، فقال: يا فلان أشعرت انّ محمّداً قد قتل؟ فقال الأنصاري: إن كان محمد قد قتل فقد بلغ، فقاتلوا عن دينكم، فأنزل اللّه : (وَما مُحَمّدٌ إِلاّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُل أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِل انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعقابِكُمْ ) يقول: ارتددتم كفاراً بعد إيمانكم.( [15])
ثمّ إنّ هذه الرواية لم تصرح بأسماء بعض من مرّ يوم الزحف ولكن ابن هشام أفصح عن اسمه حيث قال:
قال ابن إسحاق: وحدّثني القاسم بن عبد الرحمن بن رافع أخو بني عدي بن النجار، قال: انتهى أنس بن النضر، عمّ أنس بن مالك  إلى عمر بن الخطاب، وطلحة بن عبيد اللّه، في رجال من المهاجرين والأنصار، وقد ألقوا بأيديهم، فقال: ما يجلسكم؟ قالوا: قتل رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ  ، قال: فماذا تصنعون بالحياة بعده؟ قوموا فموتوا على ما مات عليه رسول اللّه  ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ  ، ثمّ استقبل القوم، فقاتل حتّى قتل، وبه سمّي أنس بن مالك.
قال ابن إسحاق: فحدّثني حميد الطويل، عن أنس بن مالك، قال: لقد وجدنا بأنس بن النضر يومئذ سبعين ضربة، فما عرفه إلاّ أُخته، عرفته ببنانه.( [16])
إنّ في أحداث معركة أُحد ووقائعها تجارب مُرّة وأُخرى حلوة، فهذه الحوادث والوقائع تثبت بجلاء صمود واستقامة جماعة، وضعف وهزيمة آخرين.
كما أنّه يستفاد من ملاحظة الحوادث التاريخية انّه لايمكن اعتبار جميع المسلمين الذين عاصروا رسول اللّه  ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ  أتقياء عدولاً بحجّة انّهم صحبوا النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ، لأنّ الذين أخلوا مراكزهم على الجبل، يوم أُحد وعصوا أمر النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ   في تلك اللحظات الخطيرة، وجرّوا على المسلمين تلك المحنة الكبرى، كانوا أيضاً ممّن صحبوا النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ  .
يقول المؤرخ الإسلامي الكبير الواقدي في هذا الصدد: بايع رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ يوم أُحد ثمانية على الموت ثلاثة من المهاجرين علي وطلحة والزبير وخمسة من الأنصار فثبتوا وهرب الآخرون.( [17])
وكتب  العلاّمة ابن أبي الحديد المعتزلي أيضاً: حضرت عند  محمد بن معد العلوي الموسوي الفقيه على رأي الشيعة الإمامية في داره بدرب الدواب ببغداد في سنة 608هـ، وقارئ يقرأ عنده مغازي الواقدي، فقرأ: حدّثنا الواقدي عن ابن أبي سبرة، عن خالد بن رياح، عن أبي سفيان مولى ابن أبي أحمد، عن محمد بن مسلمة، قال:سمعتْ أُذناي، وأبصرتْ عيناي رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ يقول يوم أُحد، وقد انكشف الناس إلى الجبل وهو يدعوهم وهم لا يلوون عليه، سمعته يقول: إليّ يا فلان، إليّ يا فلان أنا رسول اللّه.
فما عرّج عليه واحد منهما، ومضيا فأشار ابن معد إليّ أي اسمع.
فقلت: وما في هذا؟ قال: هذه كناية عنهما.
فقلت: ويجوز أن لا يكون عنهما لعلّه عن غيرهما.
قال: ليس في الصحابة من يُحتشم من ذكره بالفرار،وما شابهه من العيب، فيضطر القائل  إلى الكناية إلاّ هما.
قلت له:هذا ممنوع.
فقال: دعنا من جدلك ومنعك، ثمّ حلف انّه ما عنى الواقدي غيرهما وانّه لو كان غيرهما لذكر صريحاً.( [18])
[1] -نعم بعد ما بلغ السيل الزبى واستشهد سبعون صحابياً جليلاً لابتغاء البعض عرض الحياة الدنيا!!
[2] -آل عمران:173ـ 174
[3] -صحبة الرسول:25ـ 26.
[4] -آل عمران:144ـ 148.
[5] - زاد المعاد: 253.
[6] - تفسير المنار:4/ 161.
[7] -تفسير الكاشف:2/ 171.
[8] -آل عمران: 152.
[9] -آل عمران: 153.
[10] -آل عمران:144
[11] -آل عمران: 154.
[12] -آل عمران: 155.
[13] -آل عمران: 143.
[14] -آل عمران: 144.
[15] -الدر المنثور:2/ 335.
[16] -سيرة ابن هشام:2/ 83.
[17] -المغازي:2/ 240.
[18] -شرح نهج البلاغة:15/23ـ 24