قائمة المواضيع :
ورد في القرآن الكريم وبالتحديد في سورة الإسراء الآية 85 قوله تعالى: ( وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبّي... ) . ما المراد من الروح هنا؟
الجواب: انّ الأحاديث والروايات الإسلامية الواردة في تفسير الآية تشير إلى أنّ المراد من الروح في الآية هو مَلَك كبير، ومن بين مجموع الروايات الاثنتي عشرة التي ذكرها صاحب تفسير «البرهان»( [1]) والروايات السبع التي رواها صاحب «نور الثقلين»( [2]) توجد رواية واحدة تفسّر الروح، بروح الإنسان.
كما أورد السيوطي في  تفسير «الدرّ المنثور» روايات كثيرة لتفسير الآية من المحتمل أنّه لا توجد فيها أكثر من رواية واحدة تفسّر الروح بالروح الإنسانية والحيوانية.
عقيدة اليهود حول جبرئيل
إنّ آيات الذكر الحكيم والروايات الصادرة لبيان سبب نزول تلك الآيات تحكي لنا أنّ المجتمع اليهودي، أو على أقلّ تقدير، انّ اليهود  المعاصرين للنبي الأكرم كانوا ينظرون إلى جبرئيل(عليه السلام) نظرة عداء ويعتبرونه خصماً وعدواً لدوراً  لهم ويطلقون عليه صفة ملك العذاب، كما أنّهم يعتقدون أنّ اللّه تعالى أمره بوضع النبوة في سلالة بني إسرائيل، ولكنّه وضعها في أبناء إسماعيل، ولذلك فإنّ عبارة «خان الأمين» التي ينسبها الجهلة من الكتّاب المتعصّبين إلى الشيعة ظلماً إنّما هي في الواقع عبارة هؤلاء اليهود.
وقد أشار الطبرسي إلى عداوة اليهود لجبرئيل: قال صوريا ـ أحد أحبار اليهود ـ للنبي: أي ملك يأتيك بما ينزل اللّه عليك؟ فقال (صلى الله عليه وآله وسلم) : جبريل. قال صوريا: ذاك عدونا ينزل بالقتال والشدة والحرب، وميكائيل ينزل باليسر والرخاء، فلو كان ميكائيل هو الذي يأتيك لآمنّا بك.( [3])
فأنزل اللّه سبحانه وتعالى هذه الآية في ردّ معتقدهم فقال سبحانه:
( قُلْ مَنْ كانَ عَدُوّاً لِجبريلَ فإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللّه مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدىً وَبُشرى لِلْمُؤْمِنينَ ) .( [4])
وقال سبحانه أيضاً:
( مَنْ كانَ عَدُوّاً لِلّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكالَ فإِنَّ اللّهَ عَدُوٌّ لِلْكافِريَن ) .( [5]) اتّضح جلياً من هذه الآيات أنّهم كانوا ولأسباب معينة يعتبرون «الروح الأمين»عدوّاً لهم، إلاّ أنّ القرآن الكريم يعتبره معصوماً من الزلل والخطأ ويصفه بأنّه رسول اللّه، كما أنّ القرآن يردُّ على اتّهام اليهود لجبرئيل(عليه السلام) بالخيانة بوصفه(عليه السلام) بالأمين، فيقول سبحانه:
( نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأمينُ * عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ ) .( [6])
وبالالتفات إلى هذه المقدّمات وخاصة إذا أخذنا بنظر الاعتبار انّ اليهود الذين أثاروا التساؤل، وانّ عقيدتهم بجبرئيل كانت عقيدة خاصة، وانّ موقفهم منه سلبي، وانّه عندهم ملك العذاب الذي أخبر عن زوال مملكة بني إسرائيل على يد نبوخذنصر، وهو الذي خان في مسألة النبوة حيث نقلها  من نسل بني إسرائيل إلى نسل آخر. نعم بالالتفات إلى كلّ هذه القرائن والمطالب يمكن القول انّ مرادهم من السؤال هو «الروح الأمين» حيث كانوا يسعون إلى معرفة رأي النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) فيه لعله يكون موافقاً لرأيهم فيتّخذون ذلك وسيلة للاستفادة منه. وأمّا إذا كان رأي الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) مخالفاً لرأيهم فانّهم في هذه الصورة يخالفونه،ولذلك نجدهم يطلبون من قريش أن يوجّهوا نفس التساؤل إلى الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) عن «الروح».
وعلى هذا الأساس من المستبعد أن يكون المراد من الروح هي «الروح» التي هي بداية الحياة، إضافة إلى أنّ هذا التفسير لم يرو إلاّ في رواية واحدة، وأبعد من ذلك أن يقال: انّ المقصود من السؤال هو معرفة قدم أو حدوث الروح، أي هل الروح قديمة أو حادثة؟ وذلك لأنّ هذا المفهوم من المفاهيم التي كانت بعيدة عن الذهن العربي أو اليهودي في ذلك ولم يكن ذلك هو مرادهم قطعاً.
إلى هنا اتّضح جلياً انّ المراد من «الروح» في متن السؤال هو «الروح الأمين جبرئيل»، وهنا لابدّ من العودة إلى القرآن الكريم واستنطاقه لمعرفة الجواب القرآني عن هذا التساؤل ما هو؟
وبعبارة أُخرى: لقد ثبت أنّ المراد من الروح في قوله تعالى: ( وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ ) هو «الروح الأمين»، ولكن لابدّ من معرفة المراد من الجواب القرآني ( قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي ) ما هو؟
يقول ابن عباس: إنّ النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) قال لجبرائيل:«ما منعك أن تزورنا أكثر ممّا تزورنا؟» فنزل:
( وَما نَتَنزَّلُ إِلاّ بِأَمْرِ رَبِّك )( [7]) .( [8])
وهكذا يتّضح أنّ قوله تعالى: ( قُلِالرُُّّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبّي ) هي جواب عن تساؤلات أحبار اليهود ورهبانهم الذين حاولوا الحصول على ما يسند معتقدهم وموقفهم ضد جبرئيل(عليه السلام) ، إلاّ أنّ الجواب كان رادعاً ودامغاً لهم حيث أثبت أنّ جبرئيل(عليه السلام) هو أحد رسل اللّه سبحانه الذين لا يعصونه أبداً ( وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُون ) ، وأنّه  قد سخّر كلّ وجوده لإطاعة أمره سبحانه وتنفيذ ما يوكل إليه من المهام بكلّ دقة وأمانة، وقد وصل إلى درجة من الالتزام حتى تجسّدت فيه تلك الصفات وترسّخت، كالإنسان الذي يصل من جهة العدالة والنزاهة والطهارة إلى درجة يصبح كأنّه العدل والعدالة نفسهما.( [9])

[1] . تفسير البرهان:2/444ـ 445.
[2] . نور الثقلين:3/215ـ 219.
[3] . تفسير الفخر الرازي:1/437، ط مصر1308; مجمع البيان:1/325 ، دار المعرفة.
[4] . البقرة: 97.
[5] . البقرة: 98.
[6] . الشعراء:193ـ 194.
[7] . مريم: 64.
[8] . مجمع البيان:3/ 521.
[9] . منشور جاويد:3/204ـ 211 و 215و 216.