قائمة المواضيع :
قد عرفنا كيفية خلق آدم(عليه السلام) والمراحل التي مرّت بها عملية الخلق، والآن نطرح السؤال نفسه حول زوجته حوّاء وكيفية خلقها؟
الجواب: انّ القرآن الكريم تحدّث عن خلق زوجة آدم في آية واحدة فقط حيث قال سبحانه:
( ياأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْس وَاحِدَة وَ خَلَقَ مِنْهَا زَوجَهَا وَ بَثَّ مِنْهُمَا رِجالاً كَثِيراً و نِساءً... ) .( [1])
ونحن إذا  أمعنا النظر في الآية المباركة نجد أنّه قد استعمل الحرف «من» في قوله: ( خَلقَ منها ) ، وهذا يعني  انّ حوّاء من نفس الجنس الذي خلق منه آدم(عليه السلام) ، لأنّ «من» هنا لبيان الجنس بمعنى أنّ البشرية ترجع إلى أب واحد وأُم واحدة وإلى زوجين متماثلين في الخلق، وانّهما جميعاً قد خلقا من التراب.
ثمّ إذا أمعنا النظر أيضاً في عملية عطف خلق حواء على آدم يتّضح لنا انّ المراحل التي طوتها عملية خلق آدم هي بعينها قد مرّت فيها  عملية خلق حواء أيضاً، وانّ الآية تهدف إلى تحقيق مفهوم أخلاقي سام طالما انتظرته البشرية طويلاً، وهو إلغاء حالة التمييز العنصري الذي ابتليت به، ذلك التمييز الكاذب الذي يبتني على مجموعة من الأمجاد الواهية كاللغة أو اللون أو الوطن أو الزمان و...، فإذن الآية تؤكد أنّ جميع البشر يرجعون إلى أصل واحد فلا مبرر لهذا التمييز المبني على العنصر أو اللغة أو الوطن، ولا فضل ولا امتياز لأحدهما على الآخر إلاّ بالتقوى.
وقد فسّر البعض حرف الجرّ في الآية «من» قائلاً: إنّه يفيد «التبعيض» والجزئية، أي انّ حواء خلقت من جسم آدم(عليه السلام) ، واعتمدوا في هذا المجال على مجموعة من الروايات الضعيفة التي لا اعتبار لها في التراث الشيعي تشير إلى أنّ حواء خلقت من الضلع الأيسر لآدم. إلاّ أنّ هذا التفسير غير صحيح لوجهين:
1. إنّ الآيات التي تحدّثت عن خلق مطلق الزوجات، قد ورد فيها نفس التعبير الذي جاء بخصوص حوّاء(عليها السلام) حيث قال سبحانه:
( وَ مِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا ) .( [2])
وهل يوجد عاقل يدّعي أنّ كلّ رجل قد خلقت منه زوجته اعتماداً على هذا التفسير؟!
فمن الواضح أنّ مراد الآية هو انّ اللّه خلقهنّ من جنسكم أيُّها الرجال، لا أنّه خلقهنّ من أعضاء جسمكم.
2. انّ فكرة خلق حواء من ضلع آدم من الأفكار التي وردت في التوراة ( [3])، وهذا يدلّ وبوضوح على انّ تلك الروايات هي من الموضوعات و الإسرائيليات التي دسّت في التراث الإسلامي، هذا من جهة; ومن جهة ثانية انّ هناك العديد من الروايات والأحاديث الإسلامية التي تعارض تلك الروايات و تفنّد وتكذّب فكرة الخلق تلك المزعومة( [4]).( [5])

[1] . النساء: 1.
[2] . الروم: 2. وانظر النحل:72، الشورى:11، الذاريات: 49.
[3] . التوراة، سفر التكوين، الفصل الثاني، الجملة21، طبع لندن، عام 1856م.
[4] . تفسير العياشي:1/216، الحديث 7.
[5] . منشور جاويد:11/109ـ 110.